القائمة الرئيسية

الصفحات

عند مفترق الطرق الحلقه السابعة عشر (نوفيلا)

  عند مفترق الطرق الحلقه السابعة عشر (نوفيلا)

صبرًا فتاتي ..

سيمحوا قلبي عن ملامحكِ كل الحزن وإن كنتُ ضلعًا فيه!


*********

عند مفترق الطرق الحلقه السابعة عشر (نوفيلا)


الحلقة السابعة عشر ..


مع اشتداد عتمة الدجى صاح تنبيه مطار القاهرة الدولي عن وصول أخر رحلات الخطوط الجوية الكويتية لهذا اليوم منذ دقائق لا تعد .. مُرحبًا بالوافدين ومتمنيًا لهم وقتٌ طيبٌ أمنًا على أرض البلاد ..


جملة تلقائية متبعة منذ الأزل تلقاها أحد الوافدين على متنها بسخريةٍ عن كون رحلته القصيرة داخل حدودها ستتسم بالراحة والأمان .. واصفٌ إياها بأنها ستكون أكثر حدّة ومجابهة لتصحيح المسار وتقديم الإعتذار لمسني العائلتين .. بعد أن تجاهل الكم الهائل من اتصالاتهم المتلاحقة حتى تكون المواجهة معهم بالصوت والصورة لتلقي ضرباتهم الهجومية واكفال حق الرد بما يطيب خاطرهم ..


ولكنَّ المعركة عند وصوله تبادرت ألسنتها في أرياف الشرقية قبل أوان توقعها .. حيث رصد والده يغدو ويروح بشراسة بين جنبات غرفة استقبال بيتهم الريفي من الصباح الباكر وهو يكاد لا يرفأ بسنواتِ عمرهِ .. متجهم الوجه الهم والحيرة يطوياه طيًا كأنه بات ليلته هكذا دون أن يغمض له جفن .. احتدم الندم بداخله على ما اقترفه من ذنب في حق الجميع .. مترددًا لبعض الثوانٍ في اتخاذ خطوة المواجهة معه .. ولكنه عزم أمره واقترب بالنهاية لتضميد الجروح كافة قبل استنزافها .. 


رصد بعينين الأشيب الدهشة من وجوده وبراعته لأخفائها واستبدلها بالغضب مجددًا .. فهمَّ يتغاضى عن حربهُ الملوحة بالهجوم والعتاب لطبع قبلته المبجلة فوق يده أولا كعادته .. ولكنه تفاجأ به يسحبها بعنف خلف ظهره وبصره يتوارى عن مرماه بسخط .. فوارى حزنه بعدما استفاض عليه المسن عقبها بخيبة أمل .. 

- من وأني صغير كنت دايما اسمع اللي قبل مني يقولوا أن شيب الشعر في راس الواحد مننا مش بيساهم فيه كبر العمر قد ما بيعجله التجارب المريرة اللي بتمر عليه .. وأنتا بعملتك دي مش بس شيبته بين يوم وليلة لا أنتا كمان كسرتني وخلتني محطش ثقتي في حد تاني بقية حياتي .. لأن خلاص بقى من السهل على اللي بقول عليه رافع راسي لفوق يخليها بلحظة في الطين .. 


بالرغم من تهيئ مالك لتلك المعركة النفسية مسبقًا إلا إنه كان من الصعب عليه سماع تلك الكلمات من أعز الأشخاص على قلبه .. لذا بادره مستنكرًا

- متقولش كدا يابا .. بعد الشر عليك 


رمقه المسن بنظرة جانبية متهكمة وهو يضغط على رأس عصاه مرددا ..

- الشر .. الشر ما هو خلاص هيطولني بفضلك يا حضرة الضكتور على أخر الزمن وهتكون سيرتي وسيرة أهل بيتي اللي صاينها طول عمري في بوق الناس زي اللبانة اللي ملهاش صاحب .. 

مرشقًا إياه بحدة نظرته وهو يستأنف ..

- ولا أوعى تكون مش فاكر بأن بعد يومين تلاتة الخبر مش هيشيع في بلدنا والعزب اللي حواليها بأن ابن حسنين أبو العزم مقربش من مرته حلاله وعازم يطلقها لأن لسه على أمله القديم أن يرضى عليه سيادة اللوا الكبير ويجوزه بنته ست الحسن والجمال ..


سماع مُر الحقيقة بمخالب نبرة والده التهكمية زعزع ثباته واضمر الكثير من الحزن بداخله ولكنّه سريعًا ما روضه باستنشاقٍ هادئ وخفوت نبرته ..

- أنا عارف أن مهما قلت مش هيشفعلي عذر قدامك .. لأن ابنك العاقل اللي طول عمره ما بيغلطش غلط غلطة أكبر من أن السنين والأعذار تغفرها عندك .. بس صدقني أنا


فأجفله انفاس والده الغاضبة تقاطع عليه بشدة ..

- أي عذر ده اللي هيشفعلك يا ضكتور أنك سلمت عقلك لوحده ست مش من توبنا تمسحه بأستيكة رغم اللي شفناه منها ومن ابوها على مدار السنين دي كلها .. مش مقدر في نفس الوَقِت بنت الأصول اللي عفت نفسها ليك وادتك قوتها أنها تتحمل دا كله معاك لوحدِها في غربة بلاد وابحار ..


فهمّ يصحح له بندم ..

- كنت يابا .. كنت صدقني 


فنهره بحده ..

- كنت بعد إيه! .. ولا هيفيد بأيه ندمك دلوقت .. ما خلاص سرك اتفضح وهيفضل نقطة سودا في تاريخك العمر كله 


ليعاجله مالك بإندهاش ..

- ليه يابا دا ربنا من فوقنا بيقبل التايب وبيطهره من ذنبه حتى لو بلغت معاصيه السموات .. وكنت طمعان فيكم بحكم خبرتكم وسنين عمركم متردونيش خايب الرجا وطهروني كمان ..


للمرة الأولى تخلى العجوز عن نبرته التهكمية وواجهه باستياءٍ مرير ..

- وأنا أهو بقولك بحكم نفس السنين اللي بتناشد بيها أن جرحك شديد قوي مش هيداوى في قلوبنا بالساهل .. 

ثم اتبعها يشاور على صدره بنوبة جنون مؤقتة كادت تفقده عقله ..

- دا أني بعد ما أبوها شيعلي وعرفت منه باللي حصل وتصميمه على تطليقها منك قبل ما أنت تعملها عشان يرد كرامتها .. مكنتش مستوعب بأنه بيحكي عليك أنت دونًا عن الخلق كلها .. ابني العاقل الراسي صاحب الحكمة والتقى غير اخواته كلهم في مشوار تربيته يعمل فيا كدا وفي بنت الناس .. لحظتها حسيت نفسي متعري قوي ولساني مربوط ومش عارف ارفع عيني فيه .. 


تعبير والدهُ القاسي جلد قلبهُ المحب له بالسواط لذا دنى وطال يده تلك المرة يطبع قبلته المعتذرة وهو يتمتم بألم ..

- لا عاش ولا كان يابا اللي يوصلك لكدا .. ومستهلش اسمك يتحط جمب اسمي لو مخلتش راسك تترفع من تاني ..


لازم كلماته انزلاق دمعة دافئة على يد المُشيب مما طالعه من عليائه متحيرًا .. ليستأنف عليه بعزم وهو يمحي أثر دمعته عند اعتداله ..

- أيوه يابا صدقني أنا مش جاي النهاردة وقاطع كل طريقي دا عشان بس اطلب السماح واعتذر .. أنما كمان عشان انضف كل شر وقعته في قلوبكم بسبب لحظة غباء مني واعرفكم أن عمري ما هسيب مراتي أبدًا !


صعقه قوة ما أدلى به لذا فزع مندهشًا يسأله ببريق عينيه المستجد ..

- أاااانت بتقول إيه ؟!


ليواصل مالك عليه بأكثر قوة ..

- اللي سمعته بالظبط يابا .. زي ما وصلكم خبر أن هطلقها أنا بنفسي قدامك بعترف بندمي عليه .. 

حدجه والده باندهاش ليستأنف بإصرار .. 

- ومش هسكت إلا لما اصلحه ..ومتستغربش رد فعلي لأن فاكر كويس قوي أننا كبرنا على نصحيتك ليا أنا وأخواتي زمان "بأن مافيش حد على الدنيا دي مبيغلطش بس الراجل بجد هو اللي منين ما يعرف غلطه يعترف بيه ويصلحه مش يداري عليه" .. 


صمت العجوز وكاد يهتز من ثقل هيبة حديثه .. فولده أمامه قد كبر ليبلغه بأن جهد السنوات لم يمحى هباءً وها هو يتذكر أحدى مبادئه في الحياة بل ويذكره به في خضم هول المفاجأة .. 

فعاد من شروده على مواصلة ابنه المرتقبة ..

- مش دا برضه كان كلامك ليا دايما يا ابو جمال ولا أيام الغربة توهتني عن طبعك وتربيتك ..


ها ذا هو عقل ابنه الذي دائما يفخر به .. فقد نجح بحنكته مجددًا في أن يكسب المعركة الحاسمة لجانبه ويردع كل غضب داخله بجملة واحدة .. جملة صريحة داوت كل مُر مَرّ على ذرات دمه .. حينها ابتسمتا عينان المشيب رغما عنه لتمحي كل خزي امتلكها وتستبدله ببريق فخر، لذا هم يلتقفه راجفًا بين ذراعاه بشوق أربع سنوات، مرددًا ..

- لا يا ابني لله الحمد والشكر أنت زي ما ربيتك وغرست فيك .. بل بالعكس كبرت وبترجعلي ذاكرتي بأن من طبيعة البشر الخطأ لأننا مش معصومين إنما من طبعنا التوبة والعزم على تصحيح الغلط ..

مبتعدًا عنه قليلا للخلف يواصل بنظرته الثاقبة ..

- يلا مستني منك توريني وتوري الناس كلها ازاي خلفت راجل يعترف بذنبه ويصلح اخطائه ..

مسترسلا بنبرة غامضة ..

- واللي أكيد عشان دا يحصل مش هيكون بالساهل .. 


ليلقف إصراره ويجيبه بقين ..

- عارف يا حاج وعلى استعداد أني أتنازل طالما أنا اللي بدأت .. 

ثم همّا يرتمي بين ذراعيه مرة أخرى يستأنف بإشتياق ..

- ادعيلي .. وسامحني على قد شوقي ليك أنت والحاجة ..


مستفسرًا بحرارة عقب ابتعاده عنه ..

- الا هي فين من حق !


فبغت بنبرة والده المهمومة .. 

- من ساعة ما عرفت باللي حصل ودمعتها منشفتش على خدها وبقت ملازمة السرير ..

مربتا على كتفه وهو يواصل بتحفز ..

- ادخل يا بني .. ادخل طيب خاطرها وشبعها منك وعرفها انك هتصلح اللي حصل وهترجعلها بمراتك في يوم من الأيام وعمرك ما هتكسرنا أبدا أن شاء الله ..


-----------------------


(استنيني هنا الحكاية بنا لسه مخلصتش )


بالرغم من اتصالات الأبوين العاتبة على ما اخفته وضجيج رفيقات السكن بالخارج زوت عقلها المغيب بجملته .. تفتش مندهشة عن ماهية الحكاية التي لم تنتهي بعد وقد حُدّد لها يوم الغد .. طلاق قادم ينحر كل طرق التواصل ويلجم كافة القلوب من النداء .. ويحتم بيقينه بأن طريقهما على مفترق وداع ..


إذا لم يعد هناك بصيص ضوء فتُرَ ما دفعه لقول ما قاله ولفعل ما فعله ؟!


لُجم تفكيرها بمشهده الأخير للمرة التي لم تعلم بعددها .. تعيد همسه، ولمسه، ونبرته الدافئة حينها.. فكم لمسها صدقها، وشُبع جانب خفي داخلها بموجها .. مما جعلها تتذبذب بين الوهم واليقين بالحب .. 


الحب ؟!


للمرة الثانية وبالرغم مما لمسته اجفلت، استبعدت، قاومت، .. فهو ليس بالمحب مطلقا حتى وأن بزخ عليها بالمزيد ..

مزيد مشاعره .. مزيد بقاياه . 


(بنان .. مالك هنا في مصر .. )


خبرية لمحتها قادمة على شاشتها بنغمة هادئة من تطبيق الواتس آب نزعتها من صراع الآنا المرير ..

مما اضطُرب حواسها بين الواقع والتهيئ باستفسار منذهل .. مالك أين؟!


حدثتها خبيئتها على الفور بأنها خبرية كاذبة حتما من شقيقتها للتصالح بعدما احتدت عليها في مكالمتهما الأخيرة بسبب نشر سرها الخاص عند والديها ..

ولكنها اجفلت برسالتها التالية ..


( جه من دقايق وقاعد مع بابا وراشد دلوقت .. )


لم تشعر بتسارع أطرافها المرتجفة نحو فتح المحادثة وضغط ذر الاتصال محدثه إياها على عجل بجفاف حلقها ..

- أنتي بتقولي إيه .. ش..شكلك اتلخبطي ..


- متلخبطش ولا حاجة .. مالك هنا فعلا .. جه من شوية بابا فتحله بنفسه وخدو ودخلوا أودة الاستقبال وراشد لحقهم .. 


رطبت شفتيها من جفافهما وهي تغمغم .. 

- أمتى .. وأزاي .. دا كان لسه امبارح!


مع تسرب همسها على مسامع شقيقته هتفت متبرمة ..

- ما أنا بقول زيك أيه الزيارة اللي جت على غفلة دي ..


فتغاضت عن جملتها باستفسارها المرتبك ..

- ط..طب معرفتيش إيه سببها ؟!


- وهعرف منين .. ما أنا بقولك لسه واصل غير أن بابا جه نبه علينا أنا وماما منطلعش من أودتنا مهما حصل .. 


غاب وعي بنان على استفسارات ذاتها المواثبة والتي تسأل بفضول عن السبب الذي دفعه للسفر بتلك السرعة .. وإصراره على تلك المواجهة في ذلك الوقت تحديدًا وكافة القلوب مجروحة .. 


هل تُرى لأجل مهاترات محادثته الأخيرة أم ل..


فتفاجأت بمواصلة شقيقتها المتهكمة ..

- بس هيكون إيه غير أنه جاي يعطي ليهم عذر مقنع لطلاقه ليكي .. بجاحه بس بذوق يعني

مسترسلة بوعيد حانق .. اااااه لو بابا يسيبني والله كنت فتحت فيه ومحدش قدر يحميه مني ..


بينما بنان تغاضت عن وعيدها الأخير بما طرحته مسبقًا .. 

نعم .. لا أوهام ولا مهاترات فلا مبرر أخر لذهابه بتلك السرعة إليهم ألا لمرضاتهم وتطيب خاطرهم ليتم الانفصال دون خسائر معنوية بين العائلتين.. 

سخرت في نفسها بمشكورية سعيه النبيل في وقت الابتعاد .. هكذا اقتنعت بمرارة ورغمًا عنها اكتفت بغلق الهاتف بعدها دون حديثٍ أخر ..


-------------------------


سقطت يدها يائسة من كثرة الطرق فوق بابها وانعدام الإجابة .. فلأيام كثيرة لم تراها .. وقد أكلها التفكير والشك عقب ما اخبرها به زوجها من سفر مالك في زيارة عاجلة دونها ..


إذا فهي أين؟!


تدافع الندم بداخلها على سهوها في أخذ رقم هاتفها تحسبًا لحالة طارئة كتلك ..

مما أرغمت على اخراج هاتفها واستخدام سبيلها الوحيد لتقصي اخبارها بمراوغة .. آلا وهو الاتصال بابن الخالة !

في البداية وفي خضم استفسارها عن حاله وأحواله لاحظت تحفظه الشديد واقتضاب مشاعره كأنه حزينٌ لأمرٍ يتعمد إخفائه عليها .. بينها وبين نفسها لم تبالي فرضا منها بأنه لم يكن بشيءٍ شديد الأهمية واستمرت في هدفها حتى نالت معلومته العابرة عن لجوءها لمسكن العمل المُشيد للمغتربات!


خبرية زعزعتها وجعلتها تردد بإندهاش في نفسها "أين؟ ..لماذا؟.. وبيت زوجها!"


أكملت اتصالها بشرود بعدما صدق حدسها عن حتمية وجود شيء بينها وبين مالك هو ما دفعها لتبحث عن عمل وتسكن بملحقه ..

حق عِشرتهما معا وإن كانت قليلة جعلتها تحزن بشدة ويطوفها القلق عليها متسائلة عن الدافع المرير الذي دفعها لفعلها ذاك ..


بعد جلستها الشاردة والمهمومة للنصف ساعة تفاجأت برنين هاتفها حينها يترنم بمكالمة واردة .. ظهر صاحبها في أحد التطبيقات لكشف الهوية باسم (بنان ) ليضحى مناداة القلوب لبعضهما خفية دون صوت!

راحت تفتحه سريعا بإرتباك خشية فقده وهي تحمد الله على إيجاد خيط تواصل بينهما أخيرا، ولكنها لم تستطع ضبط قلقها في البداية حيث سبقها نبرة العتاب مرددة ..

- مش هقولك أكتر من أنك معاكي حق في أني عشمت نفسي في مكانة مستحقهاش .. هو أنا مين يعني عشان تفتحيلي قلبك وتقوليلي على احزانك غير أني واحدة غريبة جمعتك بيها غربة أيام ..


فطنت بنان معرفتها للحقيقة ولم تتفاجأ فاليوم أو غدا ستشعر بغيابها .. لذا سارعت تنفي بتنهيدة مريرة ..

- متقوليش كدا أنتي شرف ليا تكوني أختي وجارتي الجدعة اللي حفرت في قلبي حبها حتى لو معرفتي بيها كانت لأيام زي ما بتقولي ..


فتنهدت نورا باستياء :

- لو كدا فعلا كنتي لجأتيلي في محنتك مش تخبي عليا وتبعدي عشان تواجهي لواحدك ..


بالرغم من بريق عينين بنان خرجت نبرتها بثبات لإخفاء حزنها ..

- ما أنا لجأتلك فعلا ومش هقدر اوصفلك قد أيه ساعدتني .. بس غصب عني مقدرتش اوضحلك بالتفصيل عشان مزعلكيش واشيلك حزن أنتي مش قده .. 

مواصلة بابتسامة مشاكسة خلقتها من رحم الألم ..

مش بسبب تفكيرك السالبي اللي قولتيه من شوية يا ست نواره ..


مشاكسة مرحة لم تستطع أن تغتال قلق الرفيقة التي صاحت في ضيق ..

- بنان أنا بجد حزينة ايه يوصلكم للحالة دي وإنك تسيبي بيتك بالشكل دا ..


صمتت لوهلة حتى تنهدت بمرارة ..

- مافيش حاجة من غير سبب يا نورا وجع الدنيا بحر كبير لازم نشرب منه كلنا .. اوعي تقوليلي انها ماشية بالساهل على أي حد .. كل واحد مننا مبتلي في حاجة شكل عن التاني .. والقوي بإيمانه بس هو اللي هيعدي الامتحان بنجاح ويكون راضي بنصيبه فادعيلي أكون منهم 


وصفٌ دقيق في محله .. من منا ليس مبتلي ومن منا راضي ومن منا يكابر .. كلنا .. كلنا وإن فتحنا بابا للشكزى لن تنتهي .. ولن تحل كذلك .. بابا واحد هو لها حقا اللجوء لله ..دون إرادة أومأت مؤيدة وهي تهمس بقين ..

- عندك حق ربنا يصلح ليكي الحال والأحوال .. ويعوض صبرك عن كل اللي شفتيه بالخير والسعادة ..


فأردفت بارتياح ..

- لو تعرفي أد إيه محتاجه الدعاء ده ..


ابتسمت مطمئنة ..

- وعد مني هفتكرك بيه دايما .. في المقابل تفتكري أنتي كمان بأن ليكي أخت هنا يوم ما تحتاجيها هتلاقيها موجودة وتحت أمرك في أي وقت ..


أغمضت بنان عينيها على سيل عبرات تساقط منهما وهي تومئ متمتمة ..

- هفتكر صدقيني ..


-------------------------- 


بالرغم من وجوم ملامحه ونظراته الجافة كان ممتنًا له على فتح أبواب بيته أمامه بعد ما فعله .. وللحق ليست المرة الأولى التي يحوز على تقديره وامتنانه .. متذكرا أولى لقاءه به في خطبة راشد حيث كان ليّن القلب رحيمًا گ ولي عروس .. 

الآن وبعد أن عبث المرض بملامحه جلس يشحذ العافية لينوب عن ابنته في واقعة مخزية كتلك .. ولكنه صامت تماما على عكس ما توقعه .. لهذا كان لأثر صمته عليه أشد قسوة من ألف كلمة .. من ألف تعدي .. من ألف انتقام !


متمنيًا أن يفعل به كل ذاك ولا أن يشعر بما يشعر به الآن من تأنيبًا للذات ..


كاد أمام هيبة صمته أن يبدأ بأولى تنازلاته ويَهِيم عند قدميه يطلب الغفران ولكنه بغت بسخرية راشد وعصبيته المحتدة في فتح الحديث ..

- أيه يا مالك جاي بنفسك تضغط على الجرح وتعرفنا بميعاد الطلاق .. 

ومواصلته عقبها وهو يكظم غيظه ..

- بس يكون في علمك أنا خلاص خدت أذن عمي وكلمت المحامي يتكفل أنه يعملها قبل ما أنت تعملها ..


شرد في نظرةٍ مطولة مبهمة موجهٌ إليه؛ يكاد لا يصدق بأن من يجابهه الآن هو راشد صديق صبابته وكأن ما كان بينهما صحبة قبل اليوم .. صحبه تلزم صاحبها أن يساند صاحبه في محنته لا أن يقاتله .. أو على الأقل يعطيه عذرًا من السبعون عذرًا كوصية نبيه (ص) .. 


ومع هذا لابد أن يعذره! .. فما فعله لبنان ينطق الحجر ويزول كل عهود الود والتقدير .. لذا قابله بتمتمة هادئة:

- ومين قالك أن هعملها أو هسيب حد يعملها من الأساس .. 


هدوئه المستفز ولغز كلماته أثارا حنق راشد فهاجمه بحدّته ..

- ليه هو أنت كمان ناوي تزود انتقامك وتسيبها زي بيت الوقف من غير طلاق .. دا أنا والله ما..

وكاد يستقيم من جلسته يلفظ غضبه عليه إلا أن العجوز ردعه بوهن نظرته ..

حتى ضحت وتيرة الحديث لا تروق مالك بتاتًا لإيصال ما بداخله .. لذا تجاهلها واستدار لوالدها يستكمل بذات هدوئه ..

- عمي أنا عاذر راشد لأنه أكيد اللي يبقى حماته وحماه كدا هيحس مع توالي الأيام وبدون ما يشعر أنه ابنهم بجد وفرضا عليه يخاف على عرضهم من غير ميأذنوله .. وصاحبي لو مفهوش الخير والأصل أكيد مش هيطمر فيه عشان كدا أنا مش جاي النهاردة اخسره ولا حتى اخسركم قبله ..


لوهلة تدارك نجاحه في وأد انفعال راشد بل وحاز على انتباه العجوز وتقديره لذا واصل وعيناه في عينيهما ..

- أنا عارف أنكم كارهني دلوقت وقد يكون نزلت من نظركم بس خليني اجبلكم الحكاية من البداية من وجهة نظرنا أحنا كرجالة وبعيد عن شخصياتنا الحقيقية عشان تحطوا نفسكم مكاني لعل وعسى ألاقي عين رحيمه تقدر الوضع اللي أنا نفسي كنت بتعذب فيه قبل بنتكم .. 

مستأنفًا بتنهيدةٍ مثقلة .. أنا راجل زي اى راجل اتعلق بوحده وحبها لعشر سنين لدرجة أنه مكنش شايف ست غيرها قدامه في الحياة كأنها اتخلقت في كون فاضي من اربع جدران .. عافر زي الأعمى أنها تكون من نصيبه ويطبق شعار الحب الأفلاطوني لا هي لا بلاش .. ولما جه اختباره الحقيقي مع والدها ورفضه لارتباطهم اسودت الدنيا في عينه وقرر يهاجر البلد كلها ولا أن يستحمل بعدها .. السنين عدت وعلى قد ما بقى شاهد على جوازها من غيره على قد ما كان لازم يقنع نفسه أنه نسيها و لازم يتجوز ويخلف عشان الدنيا مبتعرفش بالتضحيات أو بمعنى أصح ينفيذ ألحاح أمه وأبوه اللي كبروا ونفسهم يفرحوا بابنهم الأخير قبل ما الموت يفاجأهم .. 

شاب زي دا هتتوقعوا منه ايه لما تجيله حبيبته في يوم وتعرفه أنها أطلقت وعاوزه ترجعله .. أكيد أي رد فعل طبيعي لحبيب زيه هيكون معمي وميحسش بأبعاد تصرفه .. لأن الأهم عنده أنه يحقق حلم عمره أنها تكون معاه ويعيشوا حياتهم اللي رسموها سوا بعد كل سنين الانتظار والفراق اللي مروا بيها .. مش مهم على حساب مين وليه .. ما هو مش ذنبه كمان يتحرم منها لتاني مرة بعد ما القدر هيئها ليه .. تفكير طايش أناني أنا بنفسي بعترف بخسيته .. بس أنا وأنتم مش ملايكة كلنا بنغلط وأنا غلطة عمري جت في أن أكون ضرير وقتها .. يعني نصيب وقدر مكتوب علينا نعاني فيه .. المفاجأة أن بعد دا كله ولما عاشرت بنتكم لقيت نفسي يوم ورا يوم متشتت .. تايه .. طول الوقت واقع بين مقارنات بدون أي مبرر بينهم .. لغاية لما لقيت الحبل بيقصر من جهتها ويطول لبنتكم ودا صدمني لما اكتشفت في الأخر أن حب العشرة ممكن يمحي أي أثر لحب سنين قبله!!


اتسعت عيناي الرجلين بإعترافه المفاجئ حتى بات الأمر برمته معكوسً بالتشتت لهما الآن .. فتلعثم راشد بذهول ما أن تخطى صدمته ..

- ب..بتحب مين .. هو أنت بتضحك علينا ولا على نفسك .. دا أنت مخفتش ربنا فيها من الأول جاي تعترف لينا بحبك ليها دلوقت ..


تلقى تهكمه المبطن بنفسٍ عميق؛ مجيب..

- لا راعيت يا راشد ويعلم الله وحده وفي عز محنتي معاها أنا كنت خايف عليها قد إيه .. والدليل أنها يوم ما جاتلي كزوجة مستغلتهاش وقربت منها .. وأظن دا كان من أبسط حقوقي وقتها حتى وأن كان في نيتي أطلقها بعدها .. وأنتم رجالة وعارفين يعني أيه ست تسكن معاك لشهرين ونص بينكم عقد وإشهار والأهم غريزة طبيعية ربنا خلقها فيك بدون إرادة وتفضل محافظ عليها .. مستوعبين كم المعاناة اللي كنت بعانيها والحرب اللي جوايا خاصة لما اكتشفت أن بحبها .. دا كله ليه في نظرك إلا لو كنت فعلا بقدرها وبخاف ربنا فيها ..


- مالك ..


نداء مهتز خرج بألم ممزوج بأنفاس العجوز مما بتر تواصل الصديقان ومطالعة مالك له حائرًا ..


- أنت جاي ليه دلوقت ؟!


استفسار صهر مالك لوهلة حتى صاح ملبيًا ..

- جاي اقولكم كلكم أن فعلا بحبها .. اه غِلِط ومش قدرتها وقتها .. اه اتفقت معها على الانفصال .. اه كنت معاها ندل في البداية .. بس دلوقت أنا بحبها وبقت الشيء الكبير في حياتي اللي مقدرش استغنى عنه حتى لو كلكم حاربتو وجودها معايا ..


- ويفيد بأيه الحب والأمان بينكم معدش موجود!


استفسار ملغم كاد يغتاله لولا إصرار الفوز بها هو من نجاه، مرددًا

- عارف أن عشان ارجع ثقتها وثقتكم ليا تاني محتاج صبر كبير قوي .. يمكن أكبر بكتير من أي وعد هنطقه بس بستسمحك متقفلش الباب كله في وشي وتخليه موارب بأني على الأقل مابعتش للنهاية .. بأني لما حبيت اعتذرت وجيت لكم هنا بين يوم وليلة سبت فيها كل اشغالي وحالي كتقدير واحترام مني عشان ابدي ندمي على اللي عملته .. واطلب مسامحتكم لوحدي من غير أبويا أو أي كبير أو وسيط ينوب عني .. راجل لراجل بيتفق معاك من جديد وبيطلبها منك بشخصه وهو بيجددلك العهد بميثاق اقوي بكتير من اللي قبله .. على أمل أنه ينول عفوك وفرصة تانية تليق بتضحياته ؟!


لم يعي العجوز بأنه رجع بعد حديثه ذاك لثمانية أشهر ماضية حين جاء إليه والده يطلب قرب الأبناء على شرع الله وسنة نبيه .. تذكر وقتها بأنه لم يدرك ولده كفاية من خلال مرتين اتصال ووافق عليه لمجرد طيب أصل الرجل وسمعته السباقة .. مثله وقتها كمثل أي أب يريد أن يفوز بأخر فرصة جيدة لابنته التي لحقت بعامها السادس والعشرون دون زواج .. والأهم كانت بدايات توغل المرض في جسده ورغبته للاطمئنان عليها قبل أن يفجعه الموت ..

ليعود لحاضره وعلى ذات المقعد يرصد ولده أمامه يعيد الكرّه ولكنه الآن متحملاً كافة المسئولية بنفسه .. بل ويحارب للنصر بها من سلطة أبيها رغم أن زمام الأمر كله مازال بيده وهي على ذمته ..  

في نفسه كان فخورًا بذلك بل وأصبح مطمئنًا على ابنته من أي وقت مضى خاصة ونبرة الهيام بين خيوط صوته تشبعت حد الشجأ .. هو رجلا ويعي مشاعر حب بني جنسه من الرجال كيف تكون حين يحبون .. 

تراهم يرغبون بقوة رغم حفاظهم على هدوء نبرتهم .. يحاربون في الخفاء .. يصرون على الفوز برآية وقحة رغم أنها لا تتخطى حدود الأدب .. مزيج جنوني لا يصيب إلا فئة العشاق .. والذي أمامه الآن عاشق لا محال .. نعم أخطأ ولكن من منّا لا يخطىء .. كل الرجال تخطئ بحق زوجاتهم .. هو نفسه كثير ما يفعلها مع زوجته ويطلب الغفران عقبها .. الأهم أن الغلط لا يتعدى الأهانة .. العنف .. الخيانة.. 


مثلث مخيف لإي امرأة من واجب الأبوة التنقيب والتروي لحمايتها من أضراره .. وللحق مالك ليس بضرر من أضلعه .. فمن يعترف بذنبه ويسعى جاهدا أن يصححه يجوز له فرصة ثانية .. وثالثة .. فكم رجلا في وقتنا هذا يفعل ما يفعله .. والأهم أن مبدأ طلاق الفتاة في مجتمع شرقي ريفي كمجتمعهم أمر مرفوضًا تماما .. حيث تكون المطلقات في محيطهم آلة لغزل ألسنة العموم ونهش انياب الذئاب .. 

على ذلك الهاجس فاق مرتجفًا وهو لا يدرك بأن الإيماءة المباركة له كانت حاضره ..


لينتصب على أثارها مالك راضيا بما حققه وهو يحتضن إياه ..مستعدًا عقبها للمغادرة لأجل حربه التالية مع تلك الفتاة هناك .. ولكنه رصد على باب أحد الغرف عند خروجه وجود والدتها بأعين دامعة ومن خلفها ملامح شقيقتها المتجهمة .. 

تجمدت قدماه وانفطر قلبه حزنًا على رسالتها الصامتة ووجع الأمومة المقطر منها .. ليهم تجاهها بعفوية ويقبل رأسها بجلل مرددا ..

- سامحيني مكنتش واعي أن كنت بعذب قلوبكم كمان معايا .. بس أوعدك أن هعمل المستحيل وهعوضها عن كل الألم دا صدقيني ..


وعد حر شريف قطعه على روحه رغم علمه بتلك المتيبسة هناك وحربها المشيدة .. ولكنه فوض أمانيه كلها للّه .. 

للّه وفقط وهو خير قادر على تحقيقها ..


أنت الان في اول موضوع
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

Health and beauty category