القائمة الرئيسية

الصفحات

عند مفترق الطرق الحلقه السادسة عشر (نوفيلا)

  عند مفترق الطرق الحلقه السادسة عشر (نوفيلا)

من يريدها لا يأتي إليها إلا مقرًّ بذنبه، تائبًا، عاكفًا عن كافة قلوب النساء .. 


حيث لا وجود لعودة بعد التوبه


عند مفترق الطرق الحلقه السادسة عشر (نوفيلا)



الحلقة السادسة عشر ..


وانبلج فجرٌ جديد لا ينتمي إلى قرينه بالأمس القريب .. فجرٌ قد يكون أكثر حسمًا مما مضى لقلوب ارهقها العشق .. و معبأً بالقسوة على قلوب تمنت آلا تعشق .. تمادى نوره بأذرعته بالأجواء ينشط كل الخلائق إلا هما .. بعد أن جفا النوم عينيهما وإِلتاعت كل القلوب لمصابهما عقب مرور تلك الليلة العصيبة .. 


كلٌّ متفرق بعزلتهِ .. إحدهما منغمس بالوعيد بعدما صدق حدثها بكونهِ لا يراها إلا گ أنثى بين جدران بيته .. يرغب أن يتسلى بها في وجود محبوبته .. لهذا عقدت العزم وبيتت النية على مغادرة بيته دون رجعة مستكفيةٌ بما حدث لها إلى الآن على يديه .. تنتظر بفارغ الصبر ولوج الصباح للمغادرة بذات حقيبتها التى أتت بها إليه بعدما أعدتها برفقة الكثير من العبرات..


بينما الآخر بالخارج قد أفاقهُ الصفعة وأزالت كل أثر لغيبوبة غيرته .. حيث استنكر بربريته وحافهُ الندم على ما إقترفه من ذنبٍ مشين حتمًا سيزيد ما بينهما سوءًا ومسافة ! 

والكثير من التساؤلات ظلت طوال الليل تطرق عقله بلا رحمة ..


كيف هي وقلبها الآن .. تُرى قد خسرها تلك المرة للأبد؟!


لا .. 


صاح بها عقله بفزع يرفض انتظاره هنا مكتوف الأيدي يجني حصاد ما صنعته يداه .. مقررًا بأنه حان وقت تصحيح المسار لغرز كل شتلات مشاعره على خطوط أرض واقعهما المريرة حتى ينهيا حربهما للأبد ..


في خضم تحفزه بُغت بصوت الباب يفتح وهي من خلفه بحقيبة ترافقها .. حقيبة تذكرها جيدًا بصدمة وعينين شاخصتين .. كذب كل فرض طرحه عقله على أثارها .. وهو يعاجل تجاهها بريبة.. 

ـ إيه دا..؟!


تمادت بخطواتها تتخطاه صامتة، فستأنف يتبعها برجا ..

ـ بنان أرجوكي متخليش الأمور بنا توصل لكدا .. صدقيني دي كانت لحظة الشيطان وعدت .. أنتي لما تعرفي اللي دفعني لكدا أكيد هتعذريني .. ومع ذلك أوعدك أنها مش هتتقرر تاني لأن مهما كان السبب أكيد محبش احطك أو احط نفسي في الموقف دا تاني .. عشان كدا أنا ندمان بجد وكنت ناوي في اللحظة اللي فتحتي فيها الباب اخبط عليكي واعتذر ..


فتفاجأ بها تقطع خطاها وتواجهه بنظرة قاسية يلوح فيها من غمائم الحزن والوجع ما يفيض .. فدب الرعب بأوصالهِ عقب نبرتها الجريحة ..

ـ شكلك للأسف مش واخد بالك بأن مش كل وجع يطيبه كلمة إعتذار .. ولا كل جرح يصلحه الندم ..


جملة سقطت عليه گالصاعقة بترت كل اطراف الأمل لديه .. فهز رأسه رافضًا وهو يقبض على ذراعيها مرددًا ..

ـ لا يا بنان أوعي تقولي كدا .. أوعي تقولي أنك حكمتي عليا من مجرد موقف لعين معداش عليه كام ساعة .. وتجاهلتي كل أفعالي ومشاعري اللي ماليه عيوني قبلها ..


سخرت خبيئتها خفية على وقاحته باسم شيء لا حقيقة له غير كونها بديلةٌ وفقط .. فانتفضت عن سلطة يداه متقهقرةٌ بصياح :

ـ أنت بتضحك عليا ولا على على نفسك .. أوعي أنت تنسى حب عمرك ومراهقتك .. حب فضلت سنين مش قادر تقلعه من قلبك لدرجة أنك دمرت حياتك وحياة اللي حواليك عشان تحافظ عليه بالرغم من أنها بقت ملك لغيرك .. 

مواصلة تشير بسبابتها نحوه :

- أنت .. أنت بس اللي لازم تبطل أوهام وتفوق على الحقيقة دي لوحدك .. وتعترف أن أنا ليك مش أكتر من فريسة بينك وبينها ورقة بتعطيك كل الحق أنك تستفاد بيها رغم أنك قتلتها في وجودك وتحت حمايتك ألف مرة .. 


عند وصفها الأخير حبست دموعها بنفسًا عميق مستأنفة برجا ..

ـ مالك .. لو سمحت .. لو سمحت كفاية مهازل بينا لغاية هنا وخلينا ننفذ انفصالك بهدوء .. ومش هقول انفصالنا لأن أنت اللي وضعتلنا حدودنا من نفسك .. وأنت اللي لازم تتحملها للنهاية بل وتساعدني على تنفيذها بكل تفاهم .. عشان منشوهش أرواحنا أكتر من كدا ونقدر نحتفظ لبعض بصورة كويسة مع مرور الزمن..


مواصله عقب رمق حقيبتها سريعًا بتنهيدة ..

- أنا زي ما أنت شايف جهزت شنطتي وهنقل لسكن شغلي المتوفر للمغتربات .. ومنتظرة منك تبادلني التفاهم والتقدير في أخر لحظتنا سوا وتوافق على نقل إقامتي من عندك لشغلي عشان كل واحد يستقل ويشوف خط سير حياته .. وأنت بالذات تعوض اللي فقدته .. 


ثم عقب نظرات خاوية بعثتها إليه جذبت حقيبتها معها وهمت تتحرك من أمامه نحو الباب للخروج .. 


فجاءها من الخلف همسه ..


(حتى لو قلتلك أن سارة معدش لها وجود في حياتي .. وأنك أنتي اللي هفقدها .. أنتي اللي بسعى تكون معايا مش حد تاني .. واللي اكتشفت أخيرًا في عز حربي اللي فاتت مع نفسي بأن قلبي بينبض باسمك أنتي وبس مش بحب السنين زي ما بتقولي)


تصريحه المفاجيء سمر قدماها وحملق عيناها فاستدارت رغمًا عنها تلتمس تراجعه .. ليزيد عليها بإصرارٍ ويقين .. 

ـ دلوقت بس مستعد للرد على سؤالك اللي سألتهولي قبل كدا وأنا مردتش عليه "لما اقنعتك بالغرامة ولبسك للعباية"


مبتلع بعض خطوات واهنة بينهما وهو يدلي بدلوه بوميض دمع براق ..

ـ لأن غيرت !

أيوه والله غيرت عليكي من كل حاجة متتوقعهاش .. من الندل اللي لحقك في الهايبر ومليش حق أبرر تصرفي بضربهُ قدامك .. من الهوا اللي بيلمسك من شباك العربية وأنتي جمبي وعاجز أن المسك زيه .. من كل زميل ليك في الشغل بيشوفك في اليوم أكتر ما بشوفك أنا .. حتى أمبارح 

مسقطًا ذراعيه بجواره باستسلام وندم .. 

- حتى أمبارح ماكنش في تفسير يكفر عن ذنبي غير أن بغير عليكي مع كامل اعتذاري عن الطريقة ..


لم تشعر بتساقط عبراتها على مواصلة اعترافه ..

ـ أيوه يا بنان صدقيني .. والله العظيم بحبك أنتي .. وأنتي الوحيدة اللي بقيت بحلم ابني معها عمري اللي جاي مش حد تاني .. ومتقولييش أزاي وأمتى لأن عاجز فعلا عن الإجابة!

يمكن لما شفت فيكي صورة أمي بأصالة وطبية أي ست بيحلم بيها أي راجل .. أو لما لمست روحك القوية واعتزازك بنفسك .. أو يمكن لما أسرتني تعويذة ضحكتك.. أو قد يكون حاجة غير دول تايهة عني أو قد يكون كلهم مع بعض

ثم مط شفتيه بحيرة ..

- مش عارف والله .. مش عارف حاجة غير أن مستعد اسلم ليكي حياتي كلها وأنا مش ندمان لأن واثق أنك هتحافظي عليها وتمليها كلها سعادة واطمئنان ..


صدقًا ما هذا! .. فقد مسها الذهول حتى لا تكاد لا تصدق! .. بل إن اخبرها أحد أنها تحلم ستصدقه على الفور .. فاليأس قد صدأ اركان قلبها من تعدد سنوات الانتظار! .. ولكن لا صوت ولا أحد حولها يشي إليها بما يريحها غير وشوشة الواقع بأن لا يأس ورحمة الخالق تحيط الأنفاس .. فمالك هنا أمامها بعد سبع سنوات انتظرتهم بكامل الولع والاشتياق يقر بإعتراف كانت تظنه مستحيلاً .. 


ولكنه للأسف جاء كل هذا الجمال في الوقت الخطأ ليذبح واقعها بسكينٍ بارد .. جاء إليها بعد أمد عاجز أن يبر إرهاق قلبها في حبه .. فـبما سيفيد الإعتراف الآن وهي عند مفترق طرق عنهُ لمداواة كبريائها ..

الذي لن يرضى بالبقايا .. بقايا مشاعره .. بقايا رغبته .. بقايا قلبه الذي حتمًا لم يتطهر مطلقًا من ترسيبات سارة!


بل من يريدها لا يأتي إليها إلا مقرًّ بذنبه، تائبًا، عاكفًا عن كافة قلوب النساء .. 

حيث لا وجود لعودة بعد التوبة!


لهذا هزت رأسها برفض والدموع تتوالي بالسقوط تفصح عن غصتها المقتضبة ..

ـ مستنية نقل الإقامة .. وورقة طلاقنا! 


ثم ولته ظهرها وغادرت بفتور لا يجزي عظمة قوله ولا كم قوته للإدلاء به .. صدمة تلقاها فطرت فؤاده لشطرين إحداهما بالحب والأخر بالخذلان .. ميقنًا أن مغادرتها هكذا ما خلفت وراءها إلا رجلاً اشتد عود رجولته شموخًا وكرامة عقب استهانتها بما في قلبه بتلك الطريقة ..


ـــــــــــــــــــــــــــــ 


بين جدران غرفة يسكنها ثلاث فتيات غيرها انفردت بفراشها الخاص بمسكن المغتربات تنعي نفسها وسلسال الدراما الذي بات من حظها .. 


فالإعتراف الذي تمنت مخاضه لسنوات سمعته بقلب منفطر وروح ممزقة .. يهفو على سمائها في وقت ضياع .. لترفضه بإباءة وتتولى هاربة ..

انفرجت زاوية فمها رغم عنها وخبيئتها تمجد ذاتها بسخرية "يا لها من إمرأة محظوظة" !


ولكنها لم تستمر في نقم حظها كثيرًا حيث ما زالت لا تصدق حقيقة تصريحه إلى الآن رغم أنه مس جانب خفي بداخلها ..

فأين سارة من كل هذا؟! وما هو الذي حدث بينهما وأدى إلى فراقهما ؟!


فحتما افترقا لأمرٍ هين وسيعودان لسابق عهدهما القديم ما أن يغادرهما شيطان الفراق .. مرجحة إدلائه في هذا الوقت لغرض ما في نفسه .. غرض بعيد كل البعد عن مشاعر حقيقية ملموسة .. ربما إدعاء كاذب وتجربة عابرة يريد تذوقها .. وما أن يمل منها حتى يعود لحبه الأول .. 


لهذا قصدت أن لا تعطي لما قاله اهتمامها من الآن وصاعد خاصةً وهي على اعتاب الانفصال عنه لتستقل وتصبح إمرأة عاملة .. تسعى لسد دين والدها وتلبية كل متطلبات عائلتها لتديم عليهم السعادة التي فارقتها للأبد .. متيقنة بأنهم عاجلا أو آجلا سيقدرون خطوتها وسيعلمون بما حدث معها .. لتثبت لهم وللجميع أنها لا تحتاج لشفقاتهم وقادرة على جمع شتات نفسها .. بل وتضميد ما تبقى من جروح تجربة لن تصفها بالفاشلة .. بل هي تجربة جاءت لتقيس مدى قدرتها على تخطي الإبتلاءات ..


ــــــــــــــــــــ


في يومها التالي تصادفت مع مرؤسها قبل بدء العمل .. فألقت عليه التحية كما العادة ولحقت بمكان عملها .. ففطن من استمرار تحيتها عدم علمها بما صرح به لأخيها لهذا اتبعها بندائه ..

ـ آنسة بنان لو سمحتي ..


فتوقفت واستجابت متمتمة ..

ـ نعم أستاذ صلاح .. تأمرني بحاجة ..


فارتبك مرددًا ..

ـ هو أخو حضرتك ليه اتصرف معايا كدا .. 


فأجابته مستنكرة ..

ـ أخويا ! ..

ثم واصلت مستفسرة ..

ـ حضرتك تقصد مين .. أنا مش فاهمة حاجة؟!


فزاره الأمل بعدم رفضها لهذا راح يغمرها بكافة ماحدث بينهما وهو يختتم حديثه ..

ـ اتفاجأت بيه بيقفل الخط في وشي بدون أي كلمة أو حتى موعد .. هو أنا غلطت في حاجة أنا طالب سنة الله ورسوله ولو رافضني لشخصي كان في ممكن طرق أفضل من كدا بكتير يبلغني بيها .. بس ليه من البداية بدون ما يقدملي الفرصة نتقرب ويتعرف بيا .. شكله مستهتر باللي قلته والدليل أهو زي ما توقعت مبلغكيش حتى برغبتي واعتنى بيها .. 

يواصل مفترسا ملامحها بحيرة ..

- ولا عرفك؟.. وأنتي اللي رافضه!


تهدجت انفاسها واختل توازنها على أثر كلمات محددة تردد صداها حينها بقوة داخل أذنها ..

(أنا كنت صابر ومستني .. بس هو كلامه صعب .. صعب قوي قلبي يتحمله) 

( .. حتى أمبارح ماكنش في تفسير يكفر عن ذنبي غير أن بغير عليكي)


الآن وعت لمقصد غمغماته أخيرًا وباتت تلتمس له العذر .. فكيف لزوج أن يتلقى عرض زواج لزوجته ويظل به ذرة عقل !


ـ آنسة بنان .. روحتي فين ..

انتبهت من شرودها على همسه فرددت بتوتر ..

ـ أبدًا موجودة مع حضرتك ..


ـ أمال ماجوبتنيش ليه على سؤالي وعرفتيني رأيك .. هو أنا فيا عيب لسمح الله ..


فعاجلت بنفيها ..

ـ أبدا استاذ صلاح حضرتك ونعم الأخ اللي مخلفتهوش ولدتي .. بقدرلك حقيقي وقفتك جمبي ومساندتك ليا من لحظة وصولي هنا .. وبجد عمري ماهنساها بس .. بس ..


لم تستطع أن تبلغه بالخطأ الذي وقع به وإنه من يحسبه أخيها هو بالأصل زوجها .. اشفقت عليه من كم الإحراج الذي سيلازم عمره كله ما أن تخبره .. لهذا رغمًا عنها صمتت عاجزة بوجه مرتبك مستاء، فرحمها من الواصل وردد بحزن بعد أن قرأ ملامحها ..

ـ أخ!! .. خلاص آنسة بنان أنا كدا فهمت ردك من غير ما تضطري تقوليه .. بقدملك كل اعتذاري واعتبري نفسك ماسمعتيش حاجة ..


ثم سحب نفسه من أمامها مغادرًا، ينوي ختام صفحتها في دفتره على تلك الواقعة .. ومن ثم البحث عن باب أخر غيرها يعزز عفته ويكمل نصف دينه ..


ـــــــــــــــــــــــــــــ 


"اعملي حسابك بكره هنفذ نقل الإقامة .. وبعد بكرة الطلاق "


استقامت من الفراش بإرهاق بعد يوم عمل شاق تنظر للرسالة الواردة على هاتفها بعينين مبهمتين .. وقلب ساخر حزين .. فهذا هو اصرار المحب وبوادر حبه الطاهرة كما أدعى .. رسالة واحدة مقتضبة تصل لها بعد عدة أيام فراق لتأكيد الانفصال .. إذا لم تظلمه وتظلم مشاعره الذي صرح بها حين وصفتها بالكاذبة وإنها لشهوة عابرة .. لتصبح على يقين تام بأن ما اختارته من درب الفراق هو الطريق الصحيح بينهما .. 


-----------------


في مساء يومهما التالي ..


هوى على مقعد بيتهِ منكسرًا .. حزينًا .. يعيد على خلوته ملامح لقاءهما اليوم كأي غريبين لبدء تنفيذ أولى مراحل الفراق .. 


مقابلة صامتة هادئة لا تخلو من نظراتهما المختلسة حتى تمت الإجراءات اللازمة وابتعد كلٌّ منهما بطريقه ..


متذكرًا بأنه هو من بدأ بتنفيذ الفراق أولا عند ارسال رسالته بكل جفاء وكبرياء .. فكيف ينسى لها صمتها على إدلائه الذي اقتلعه من جوف صدره .. لتقابله بفتور وتشق الخطى ذاهبه .. موحيه إليه بأنه واعترافه لا يعنيها في شيء ولا تقدرهما .. فلو كانت تحبه لقبلت به وبحبه على الفور .. ولكنها على ما يبدوا لا تريد قربه ولا مشاعره .. لهذا سيغلق على وجعه ويبتعد دون أن يفرض نفسه عليها ويتوسلها أن تبقى بجواره ..

وها هو نفذ أولى رغباتها اليوم دون ندم ..

و غدًا سينفذ لها رغبتها الثانية .. الرغبة الأكثر ثقلاً على قلبه ولكنه مجبر على تنفيذها بكل إباءة ..


ـــــــــــــــــــــــــــــ 


ـ إيه الفلوس دي يا بنان ..


جاءها استفسار شقيقتها عقب فتح المكالمة ففطنت مقصدها لهذا تمتمت ..

ـ هي وصلتك ..


- أها .. مقولتيش دول بتوع أيه ..


جلت حنجرتها ثم ردت بهدوء ..

- دي أديها لبابا يا ماهيتاب عشان أقساط الشهر دا .. وكل شهر بأذن الله ليه قدهم عشان مايشلش هم السداد ويفوق في أخر أيام عمره من جوا الجمعيات والدين ..


فأجابتها مبتهجة ..

ـ حبيبة قلبي أكيد هيفرح قوي ويدعيلك لما يعرف أنك حاسه بيه وعاوزه تساعديه ..

مواصلة بحيرة ..

- بس .. بس أنتي جبتيهم منين ..


مع عدم تلقي رد سارعت ماهيتاب بوجوم ..

ـ أوعي تقوليلي أنك جبتيهم من مالك .. كدا عيب كبير في حق بابا وحقنا يا بنان وأكيد هيرفض ياخدهم ومش هيوافق مهما عملتي ..


فعاجلت تنفي بقوة ..

ـ لا طبعا مالك ملوش دعوة بالفلوس دي خالص .. دي من فلوسي أنا وبعيده عن فلوسه كل البعد ..


فتحيرت شقيقتها ..

ـ مش فاهمة .. هو أنتي إيه وهو إيه .. مش انتي مراته وفلوسك فلوسه برضه


- لا..

ثم همست تصحح بارتباك ..

ـ أقصد أاانا .. اشتغلت


ـ اشتغلتي! .. غريبة! .. وهو وافق على كدا


فتجهمت بضيق ..

ـ هو إيه اللي وافق على كدا يا ماهيتاب .. ليه دايما بتحسسيني أني صغيرة ومش عارفه مصلحتي ..


تعجبت والحيرة تزداد بداخلها ..

ـ لا صغيرة ولا حاجة .. بس أنتي مراته والمفروض لازم موافقته !


عندها صمتت بنان كثيرًا ولم تجيبها فإيقنت بأن لشكوكها القديمة قاعدة راسخة لهذا تمتمت عليها بإرادة ..

ـ سمعاكي .. ومتحوليش تخبي عن حاجة لأن مش هصدقك ..


عند تنبيها الصارم ذاك تنهدت بنان باستسلام .. مقررة أخيرًا البوح فلا يوجد فائدة للتأجيل بعد أن تم اليوم نقل الإقامة وغدًا سيتم الطلاق لهذا قد حان أن يعلمون ..

وبالفعل سردت لشقيقتها ما لديها بصيغة مختصرة عنوانها عدم الراحة بينهما في إستمرار الزيجة .. ولكنها بالفعل لم تصدقها فكيف لبنان أن تستلم هكذا وحب عمرها بين يديها!.. لهذا ظلت تتعمق وتتعمق باستفساراتها حتى خضعت شقيقاتها وعلمت منها بالحقيقة كاملة .. لتعلو صرختها في نهاية الأمر مرددة ..

ـ أنتي بتقولي إيه .. أنتي أزاي تسكتي على كدا لغاية دلوقت .. 

مواصلة بوعيد: بس تعرفي الحساب مش معاكي .. الحساب هيكون معاه هو .. لأنه خان الأمانة ..


ليتوالى فزع بنان عليها ..

ـ ماهيتاب .. ماهيتاب أوعي تعملي حاجة .. خلاص الموضوع اتقفل .. وملوش فايدة منه العتاب دلوقت غير أن الأهل هيزعلوا من بعضهم وخلاص ثم لا أنا ولا أنتي هيرضينا كدا ..


إلا أنها مع مواصلاتها سمعت صوت غلق الاتصال فصرخت بندائها ..

ـ ماهيتاااااب !!!!


ـــــــــــــــــــــــــــــ 


دوى صوت هاتفه النقال بإلحاح فاضطر أن يجيبه من وسط دوامة عمله .. تفاجأ باسم "راشد" صاحبه يعتلي شاشته .. فشكر الصدفة التي دفعت به إليه ليتجرأ ويحكي له عن انفصالهما فالوقت قد حان لنشر الخبر .. لهذا اتخذ زاوية تحفظ خصوصيته وفتح الاتصال بالتحية .. ليقابله الأخر بالهجوم على الفور ..

- بقى أنا أمنك عليها واتوسطلك قدامهم وأنت تطلع ندل وجبان وتخني بالشكل دا .. أنا بجد ندمت على اليوم اللي عرفتك فيه وعلى صحبة وعشرة السنين .. لأن متذكر قوي أن قلتلك بلاش وأنت اللي اصريت وقولتلي أنت شايفني أيه قدامك .. هقولك أنا دلوقت شايفك إيه .. شايفك مش أكتر من عيل أتمنته على الغالي وهو مصنهوش ..

اطرق رأسه بحزن وخناجر صديقه تستبيح روحه بإريحية .. ليأتي على مسامعه انهيار ماهيتاب بجواره ..

- أنت قتلت أختي يا مالك ومتستهونش بالكلمة .. ومش مرة واحدة ولا مرتين .. أنت حقيقي مش هتلحق تعد لأنك مكنتش بالنسبالها مجرد شريك حياة وبس .. أنت كنت الراجل الوحيد اللي اتملك من قلبها .. 


رفع رأسه من إطراقه بحملقه عندما بغت بجملتها .. فعن امتلاك حصد هو! ..وعن أي قلب استولى! .. بل عن أي فتاة تقصد!


ولم تتأخر الإجابة حين أتاه استئنافها الباكي ..

- حرام عليك سبع سنين ضيعتهم هدر من حياتها في حبك .. سبع سنين كانت بتتألم وبتتعذب وترفض الكل على أمل تجتمع معاك في الحلال .. ولما تحصل المعجزة وحلمها يتحقق تيجي أنت تكسرها بالشكل دا .. 


حينها تراخى الهاتف عن أذنه لا يدرك مواصلتها ..

- كان ذنبها إيه حرام تعذبها معاك بالشكل وأزاي هتعيش بعذاب الضمير بعد اللي عملته .. أنا بجد مش مسمحاك ومش هسكت على المهزلة دي زيها ولازم أعرف أهلي ..


بعد هالة ذهوله الجائحة اهمل الهاتف وغاب عن الواقع تماما وسار يحدث نفسه بجنون ..

بنان كانت تحبه هو لسبع سنوات كاملة .. وهو لا يعلم !


تأوه بصوت مسموع وهو يكاد لا يستوعب كم الألم الحقيقي الذي تسبب لها به .. مسرعًا بخطواته نحوها يرجوا منها العفو وباقيا روح تمزقت على يديه ..


-------------


عند لمح طيف خروجها من بوابة المصنع خرج من سيارته تجاهها ولكنه بغت برنين هاتفه يقطع خطاه .. فوجد اسم والده هو صاحب المحاولة .. حينها أيقن أن الأمر بات على صفيحٍ ساخن في أرض المحروسة ولا وقت أمامه إلا قليلا .. فتجاهله مسرعًا نحوها يقطع طريقها بابتسامة عيناه المشاعة .. فتخطت دهشتها باستفسارها الصامت المندهش عن السبب بعدما عجزت عن ترجمة فحواها .. ولكنه لم يبالي بالإجابة .. وظل يستفيض ولم يكف حتى تخضّبت وجنتيها بالحمرة .. فجأها أخيرًا تمتمته بحشرجته الهادئة.. 

- أاانا أسف ..


تراجعت بعض الخطوات بعد أن أخذها دفء نبرته تلك المرة والندم الحقيقي الذي بات يحوفها .. فتفاجأت به يفيض عليها بحنانه وهو يحتضن محياها بين يديه بحالمية ..

- أنا عمري ما هستغنى عنك ..

فكادت تعترضه وتبتعد كما العادة ليقطعها بقوة وهو مستمر بفعله ..

- حتى لو اضطريت احاربك أنتي .. احارب حبيبتي !


عندها صمتت كثيرًا من ثقل الكلمة على حواسها .. عاجزه كليا عن مواجهة طوفان مشاعره الجائحة .. ليقطع حرم لحظتهما علو هاتفه بالضجيج ولكنه أهمله بابتسامة مواصلته ..

- استنيني هنا الحكاية بينا لسه مخلصتش .. 


ثم سحب يديه عنها وغادرها سريعا كما جاء وركب سيارته مبتعدًا .. وهي من خلفه تتفقد أثره والدهشة على ملامحها بجلل حتى باتت كالصنم الذي لا يشعر بواقعه ..

ولسان حالها يردد بذهول ..

من ذاك العاشق الذي كان أمامها ؟!!!!



--------------------------

أنت الان في اول موضوع
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

تعليق واحد
إرسال تعليق

إرسال تعليق