القائمة الرئيسية

الصفحات

عند مفترق الطرق الحلقه الخامسة عشر (نوفيلا)

 عند مفترق الطرق الحلقه الخامسة عشر (نوفيلا)

كانت هنا قربي ..

انسج خيوط محاسنها ..

كأنها بدر الدجى في عُشرِ المغفرة .. 

تنير عصبتي .. ترد حيرتي .. تؤنس وحدتي ..

عند مفترق الطرق الحلقه الخامسة عشر (نوفيلا)


حتى تمادت غفلتي وضللتها !


ــــــــــــــــــــــــــ


( أنت أكيد مش في وعيك لو فكرت أن ممكن اتغاضى عن كل اللي قلته وعملته معايا ..)


( الجرح سهل أنه يحصل بس يوم ما يحتاج يتعافى هيكون بصعوبة ومجهود عمرك ما تتصورهم .. )


(أنا مكنتش محتاجه موافقتك قد ما بعرفك خطوتي الجاية مش أكتر ..)


جمل ظلت تطرق عقله وتؤنس انفراده بلا هوانة عقب حديثهما المشحون .. يكاد لا يصدق حاجز عدم الغفران المشيد بينهما من قِبلُها .. حاجز كيّل لروحهِ مزيد من الخيبات بعدما ظن أنه نال منها هدنة صلح..


ابتسم ساخرًا في خبيئته بعن أي هدنةٌ كان يطمع هو؟! .. وهي بين وهلة وضحاها اهدته حربٌ مستفزة باردة البقاء فيها للصابرين لا لرجل شرقيٍ مثله ..


ابصر بابها من إتكاءه على فخذيه بحدقتين جمر ووسوسةً زنانة تدفعه على تهشم ذاك الحاجز بينهما وإثبات احقيته بها بدمٍ بارد .. ليُلقن تلك المتيبسة درسًا قاسيًا بأنه من فصيلةٍ ذكورية مهيمنة .. مسيطرة .. لا تنتظر الغفران ولا تحتاج للرضى .. فصيلة في كل الأحوال والأزمان دائمًا وأبدًا الفائزة .. 


(أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) 


جهر بها على غفوة من خضم تفكيره الشيطاني بأنفاس صدر متهدجة .. يتبعها مستغفرًا من قرب ذاك التفكير اللعين به .. فلا دينه الحنيف يحسه على العنف تجاه امرأته .. ولا شخصه وكبرياءه يحثاه على نيل حقه الشرعي بالإكراه .. والأهم أن ما ولد بداخله تجاهها من حب هو شيء فريد مقدس يجب أن يُخلد لديها بذكرى متسامحة متراضية لا بقوة مريرة كتلك ..


بتنهيدة مطولة عبر بها عمّا يختلجه من حزن انتصب من جلسته وابتعد من البيت نهائيًا ذلك النهار .. احتضن ضلاله أول مسجد قابله وخلوة بعض الركعات .. ظل يهمس في سجداتهم بهمه وحيرته حتى فاضت عيناه .. في نهايتهم قد روضت حربه بحقيقة واحدة بأنه من أخطأ من البداية ويجب عليه التحلى بطول البال لتصحيح المسار نحو فؤادها .. مما اندفع عقبها بحالٍ مختلف يواصل ورديته في المساء كما العادة .. ليعود في اليوم التالي ويحصرها أثناء تنظيف المكان فانتهزها فرصة لاستكمال ما بينهما وهو يستوقفها بنداءه قبل تنفيذ هروبها المعتاد من أمامه: 

ـ بنان .. 


همسه نجح بالفعل في قطع مواصلتها، مسترسلا بترقب عقبها :

ـ محتاجين نكمل كلامنا ..


تنهدت بيأس ثم استدارت تواجهه والجمود حليف نبرتها ..

ـ لو بطريقة أمبارح التعسفية .. فأكيد مافيش عندي مجال اواصل المناهدة من تاني ..


سحب نفسًا عميقًا ثم زفره على مهل، متمتمًا ..

ـ لا هنتكلم بالعقل وبالهدوء ..


فاضطرت للاستسلام أمام وعده، مرددة ..

ـ تمام اتفضل ..


فوجدته يتخذ مجلسه قبل البدء ليحثها على إتخاذ مجلسها بالمثل، ملفتًا ..

ـ خلينا نقعد الأول .. 


فأتخذت مقعدها أمامه مجبرة وهي تستمع لاستئنافه بحشرجةٍ قصيرة ..

ـ أنا لما اعترضت امبارح اعترضت أنك مش استأذنتيني من البداية وفجأتيني بالأمر الواقع .. فمن الطبيعي لازم أثور ومجرى الحوار بينا ياخد الشكل اللي خده .. ومش هقولك أن ندمان وجاي أعتذر لأن مقتنع بأن ليا حقوق عليكي ومن واجبك تراعيها .. 


فكادت تقاطعه فعاجلها باستئنافه المضجر ..

ـ ومش محتاجك تعيدي ليا للمرة الألف طبيعة موقفنا كويس .. طبيعة جوازنا .. طبيعة علاقتنا .. 

مسترسلاً بتهكم حزين .. 

ـ أو بالمعنى الأصح طبيعة جريمتي اللي استوعبت متأخر أنك عمرك ما هتغفريها .. بس هرد عليكي وأقولك اقلها كنت تعرفيني من باب أنك مازلتي على اسمي والمسئول عن حمايتك هنا قدام أهلنا ..


مع نبرته المعاتبة انخفض بصرها باستحياء لبرهةٍ قصيرة .. لتلقي عليه عذرها ما أن استحست بغفوتها الغير مقصودة ..

ـ ممكن تقول مكنتش متأكده أن هعرف أوصل لأي باب شغل بالسرعة دي .. أو بالمعنى الأصح مجرد فكرة كنت حساها عمرها ما هتتحقق .. فـ ليه أعمل بلبلة ومشاكل على الفاضي ..


عقب سماع مبررها سارع فؤاده العاشق يحتضن محياها رغمًا عنه بحالمية .. ممتنًا لتلك المناقشة الحكيمة بينهما لتفسير جرأتها في هذا القرار والتي طيبت جرحه كرجل قليلاً .. فقال متنهدًا ..

ـ تمام يا بنان وأنا كمان هفترض حسن النية في تصرفك بناءً على وجهة نظرك واتغاضى عنها .. واللي بناءً عليها برضه هوجهلك سؤالي الوحيد .. 

مستأنفًا وهو يحدجها بقوة .. ليه؟! 


فطالعته بحدقتيها مستفسرة ليسترسل حديثه موضحًا بتأني شغوف ..

ـ ليه عاوزه تشتغلي؟! .. ليه جاتلك الفكرة من الأساس وكل حاجة موفرها قدامك الحمدلله .. غير أن بسيبلك فلوس بزيادة كل يوم قبل ما انزل عشان لو احتاجتي حاجة تشتريها من نفسك لو محرجة تقوليلي عليها وأنتي اللي مبتلمسهاش للأسف وبرجع ألاقيها زي ماهيه.. فيبقى ليه؟!


ـ لأن مش مـن حـ .. 


ألقت عليه جملتها تلك بنفاذ صبر إلا أنها اختنقت بها ولم تكملها لِمَ رأت في الصمت مهابة تحفظ الكرامة .. فكيف تخاطبه بأنه وأمواله ليسا من حقها وفقًا لانفصالهما الحتمي .. وأنه على وشك استخدامها گ بديل مؤقت عن حبيبته في أيام فارغة مملة .. والأهم طرحها خارج تلك الشقة بات على صفيحٍ ساخن ..

رغم أن من داخلها ودّدت لو صرخت في وجهه بكل ما يعتليها من ألم دفعة واحدة .. ولكن ما فائدة البوح وهو خاصة سبب آلامها .. لهذا استأنفت بنفسٍ عميق حجّر عبراتها من السقوط ..

ـ أنا مش مجبرة اشرحلك اسبابي بالتفصيل .. كل اللي محتاجاه منك دلوقت تساندني في قراري زي ما دعمتك في قرارك عشان أقدر ابني نفسي وحياتي بعد الانفصال ..


الانفصال! 

مصطلحها الأخير كان شعلة لأن تقدح عيناه شزرًا ويرافقه الجنون .. فـعن أي انفصال ما زالت تزيد وتعيد تلك الحمقاء .. ألم تقرأ حدقتاه يومًا .. ألم تكلف نفسها بعض العناء وتسألها لِمَ هو بات قريبا منها بهذا الشكل .. لِمَ هو مهتم .. حاني .. متلهف .. أم .. أم أنها تعي لكل ذلك وتعذبه! 


هتف بفرضيته الأخيرة بإحباط لم تصيبه به إمرأة قبلها .. ربما لأنها ليست گأي إمرأة صادفها .. إمرأة إلى الآن مازالت صامدة تواجه خذلاتها المؤلمة بكل كبرياء .. ولا تمنح العفو إلا بشق الأنفس .. ولكنه يآمل أن يسلبها إياه عمّا قريب ليكون معجزته الخاصة معها !

لهذا سارع برسم ابتسامة هادئة على شفتيه، متمتمًا ..

ـ تمام يا بنان وأنا موافق ..

ثم واصل باصرار عينيه المستميت .. 

ـ بس تحت وصايتي وعيني ..


مع ترقبها المختلس لموافقته تحررت انفاسها بزفرة ارتياحٍ خافتة .. غير مبالية بشرطه الأخير كثيرًا لأن الطلاق قادم لا محال .. ولأن المهم لديها الآن هو تحررها من براثن قربه للوقوف على قدميها من جديد .. 


ــــــــــــــــــــــــــ


بالرغم من خطواته الملازمة لها في يومها الأول إلا أنه كان يخبئ بداخله الكثير من القلق والخوف عليها وهو يقوم بتوصيلها بسيارته لمكان عملها .. مشاعر سيطرت عليه وجاهد لإخفاءها رغم أن عينيه تفضحه على الملأ حتى كاد الجميع يفسرها إلا هي ..


هي الحائرة التائهة ما بين الصواب والخطأ .. ما بين دعمه وأبعاد خطوتها .. ما بين وطيد قربه ولهيب نفورها ..

ودعت شرودها على تنبيهه الوجوم عقب توقفه على أحد جوانب الطريق ..

ـ وصلنا ..


تطلعت حولها تنهش معالم المكان بحيرة حتى وجدت خبرية عريضة تأكد عنوان وجهتها، حسمت ترددها وقبضت على حقيبتها ثم اضطرت على المغادرة، فاستوقفها بجمود كلماته ويداه على المقود أمامه ..

ـ على خمسة بالظبط هتلاقيني موجود ..


فرصدت جانب محياه مندهشة ..

ـ ليه ..


اضطر على رمقها بعاجلة لمدراة ما بعينيه من ألم ..

ـ مش دا معاد خروجك برضه ..


هزت رأسها تلقائيًا، ثم والت باعتراضها ..

ـ أيوه .. بس دا كمان عز وقتك اللي محتاجه للنوم والراحة عشان تكون فايق لورديتك بليل ..


فرد عليها بحزم مقتضب وهو يطالع المشهد أمامه بأكثر قوة ..

ـ مالكيش دعوة بورديتي .. وزي ما قولتلك على خمسة هتلاقيني موجود ..


لتضطر على مغادرته باستسلام ليتمنى لو استزاد وفاض بحديث قلبه إليها (خلي بالك من نفسك) .. ولكنّا عباءة جموده قيدت المعشوق داخله وجعلته يبصر مغادرتها بصمت تام حتى اختفت من أمامه خلف بوابة المجمع الصناعي .. 


عقب برهة ترقب تولى عجلة القيادة من جديد وغادر نحو منزله بزفرة ضيق .. فقطع خلوته رنين هاتفه الصاخب .. 

وجد صاحبته تلك التي باتت غريبة عن قلبه كل يوم عن ذي قبله ..

فهم عقب فتح الاتصال يرد على تحيتها الحارة " وحشتني " بنبرة فاترة ..

ـ أهلا يا سارة .. 


فعاجلته بعتابٍ لاذع ..

ـ يعني اسبوع بحالة بعيد عنك وفي الأخر أهلا يا سارة .. بدل ما كنت تقولي وأنتي كمان وحشتيني أو على الأقل تستعجل قبلها بالاتصال ..


على قارعة الطريق اتخذ حذره وتوقف جنبًا يستجلب الصبر بعد أن بات دلالها فاترًا على قلبه للمرة الأولى، مُجيبها على مضض ..

ـ واتصل ليه وأنتي عارفه أن الرد الحاسم على اللي جاي عندك أنتي مش عندي ..


فبلغهُ انفعالها ..

ـ يعني كل الوقت دا لسه برضه مصمم على رأيك وعاوز تخليني اواجهه لوحدي .. 

ثم عدلت من نبرتها متحايلة :

ـ مالك أنت مش مفروض بتحبني وبتسعى زيي أن نحقق حلم جميل يجمعنا .. يبقى مفروض عليك أنت كمان تركب الموجة معايا بحلوها وبشرها ومتتخلاش عني .. المنطق بيقـ


ـ ساااااااارة 

صاح بنداءه الجهوري على غفلة وهو يكاد يكظم غيظه داخله .. مما بترت حديثها بفزع على أثره واجبرت تنصت لاستفساره الملغم عقبها..

ـ سبب موافقتي عشان نرجع لبعض كان إيه ؟!


وكأنها فاقت من غيبوبتها على فحيحه ذاك وتذكرت .. فتلجلج لسانها تجيبه عقب وهلة تردد ..

ـ أن اضمن موافقة بابا وميحصلش اللي حصل بينكم زمان ..


فـ راح يواصل هو عنها بجمود .. وأن ما أخوضش معاه أي معركة تمس كرامتي من تاني .. والأهم أنك بقيتي كبيرة وقادرة تواجهيه باختيار شريك حياتك بعد اللي حصلك ومريتي بيه .. صح ولا زودت حرف ..


فأجابته مضطرة بنبرة خافتة ..

ـ صح ..


ـ يعني أنا موعدتكيش بحاجة وخدعتك في النهاية أو اتخليت عنك زي ما بتحاولي تقنعيني دلوقت ..


فأجابته بخزي ..

ـ لا .. 

ثم صاحت تستعطفه : بس بجد يا مالك أنت متعرفش بابا دا ممكـ..


فقطع مواصلتها بحزم يدل على نفاذ صبره ..

ـ ساااارة يا ريت ردك بس اللي اسمعه دلوقت لو سامحتي لأن معنديش لا وقت ولا طاقة اسمع مبررات ..


لم يكن أمام حصاره الجاف إلا أن تسجلب عطفه مجددًا بنبرة باكية ..

ـ للدرجة دي مش عاوز تسمعني .. هو إيه اللي حصلك .. أنت مكنتش كدا .. بجد حرام تبقى أنت وهو عليا .. 

فحفزها صمته على المواصلة بذات النبرة ..

ـ صدقني بابا صعب ومتسلط قوي أكتر بكتير من صورتك اللي كونتها عنه في الكام مرة اللي قبلته فيهم .. آه وعدتك بأن أخد موافقته بس مش هتكون بالسهولة اللي أنت تتوقعها .. ومع ذلك أنا كمان عند كلمتي بأن أقدر اواجهه ومش هستسلم ابدا .. بس أنا لسه في أيام العدة وخايفة أخده بالند دلوقت يعند هو كمان معايا .. فأنا بقول عشان خاطري تستحمل شوية بس لما الشهر الأخير من عدتتي يعدي وبعدها لو هسافرلك من وراه ونتجوز غصبًا عنه ..


مع تصوره على الطرف الآخر لذلك المسلسل الهذيل الذي تسرده كاد يضحك ببلاهة حتى تدمع عيناه .. نوبة غافلة اجتاحته ربما من قوة الصدمة .. فكيف خُدع بربة الصون والعفاف التي كان يطمع بنسبها وحسبها لتلك الدرجة .. ذات الطهر والبراءة كما صورها قلبه دائمًا .. 

قطب حاجبيه وخبيئته تتولى الرد .. بعن أي دنائة خبيثة يتحدث توّا ويلومها .. وهو لا يختلف عنها!! .. بعدما وقع في آثم وصالها وهي مازالت تحسب على زوجها في شهور عدتها .. يوددها بالحب والغرام .. يوعدها بقربهما الوشيك كأنها باتت حرةٌ طليقة ..


الآن فقط وعى لجرمه ولفحه الندم عن سلسال الخطايا الذي دنس به .. لهذا كان مشمئزًا ومستكفيًا يرد عليها من بين تشدد أنيابه ..

ـ مش أنا يا سارة للأسف .. مش أنا اللي يخطف واحدة من أهلها .. ولا اجبر أب أنه يمرمغ رأسه في الطين حتى وأن كان بعينة باباكي .. ولا رأس أهلي كمان بعد ما خرجوني بالصورة اللي وصلتلها .. ولا أن أجبر نفسي وأولادي نفضل هربانين منه العمر كله كأننا قطاع طرق وحراميين .. ولا أن اضطر اشاور لهم عليه في يوم لو صدف وشفناه بأنه عدونا احذروه بدل جدكم بروه وإلا كان من باب أولى اعملها معاكي من أربع سنين قبل ما يدخل عليكي راجل غيري ..


حينها استدعت البكاء واجابته يأسه ..

ـ طب قولي اعمل إيه وأنت قفلت كل الأبواب في وشنا كدا ..


صمت كثيرًا حتى تنهد بقرار قلبه ..

ـ ما فيش غير أن ننهي المهزلة اللي غلطت وخلتها تحصل من البداية بسبب أن سمعت كلامك وصدقته .. حل مش هيخليني اخسر أهلي أنا كمان بجانب اللي خسرتهم وكنت سبب في تعاستهم .. وللآسف لغاية اللحظة مش عارف اكفرلهم عن الجرح دا بأيه ..

مع مرور طيف بنان عند جملته الأخيرة واصل بصلابة ..

ـ ارجعي .. ارجعي شوفي رغبة باباكي ونفذيها .. هو أكيد شايف ليكي الاحسن اللي أنتي مش شيفاه .. لأن على الأقل وقتها مش هتكوني خسرتي إلا أنا مقابل كرامتك واستقرارك ووجودك أنتي وأولادك جمبه بعد عمرًا طويل ..


لتهمس عليه بذهول وكأنها تترجاه أن يكذب ما تفوه به ..

ـ مالك !!


ليتمم عليها بقينٍ تام ..

ـ اللي عندي قلته يا سارة 


ثم أغلق المكالمة .. ليودع معها شعور ثقيل كان مقيد لروحه في جُب موحش ومخيف لا يدرك النجاة منه .. ولكنه غادره الآن وهو يطوي صفحتها المهترئة خلف ظهره في طي النسيان .. صفحة كان من المفترض عدم فتحها منذ أن خرج من عند والدها المتعجرف مذلولا مكسور الخاطر .. ولكنه بالأخير من بني أبو البشر والخطأ والندم موروثان أجياله لتصويب حياتهم المنقلبة من جديد ..


ـــــــــــــــــــ 


ـ آنسة بنان 

مواصلا يحثها بضيق عينيه : مش كدا ..


لقبه هذا لن يفرق عن الحقيقة شيء!.. فهي بالأصل كذلك وبعد عدة أيام ستكتسب تلك الصفة من جديد ..لهذا لم تهتم بالتصحيح لذلك الثلاثني القادم نحوها بخطواتٍ متحفزة .. واجبرت أن تومئ بالإيجاب على استحياء فرد عليها قائلاً ما أن قرأ تشوش عقلها ..

ـ أنا صلاح المسري .. أبن خالة نورا .. اعذريني في الاستفسار بس هي موضحتليش الحالة الاجتماعية .. وسهوًا مني ماهتمتش اشوفها من صورة باسبورك مع باقي الأوراق وأنا بسلمهم لشئون العاملين ..


فأضطرت تخاطب تهذبه بلباقة متمتمة ..

ـ لا .. عادي ولا يهم حضرتك .. 


فرد عليها مبتسمًا ..

ـ أنا نزلت من طابق الإدارة استقبلك على نفس معادنا عشان اعرفك بطبيعة شغلك داخل طوابق المصنع تحت مع باقي زمايلك .. يا ترى مستعدة ..


فهمت تجيبه بشغف ..

ـ طبعا أكيد مستعدة .. ويا ريت لو استلم الشغل بعدها على طول ..


فاستلم قرارها بمزاح طفيف ..

ـ لا دا أنا امسك الخشب بقى .. ماشاء الله إيه الحماس دا كله من البداية ..


بابتسامة خجلة متحفظة سارعت تردد ..

ـ عقبال لما اثبت لكم بالفعل أكتر أن شاء الله


مع إشارته العابرة لتتقدمه هما يحفزها .. 

ـ تمام واحنا منتظرين .. يلا بينا 


ـــــــــــــــــــــــــــــ


مع حركة الليل الهادئة والنهار الصاخب مر شهر كامل على تلك الوتيرة وكل محاولات سارة للوصول إليه بعد تلك المكالمة باءت جميعها بالفشل حتى رافقها الجنون من فراقه وقسوته المستجدة .. وعقلها ينهش بحوافره عن ماهية السبب؟! .. وهي تكاد لا تستبعد تلك الحرباء التي سكنت بخيوطها عشه! 


ولكنها مازالت لم تتأكد بعد ؟! .. متوعدة بالكثير أن ثبت في حقها ذلك! 


أما عن مالك فعقب تلك المكالمة وقد تغير تماما .. كأن عنقه تحرر من جدائل الإعدام الخشنة وتوعد بحياة أخرى من توّها .. حيث سار ينظر للحياة وبنان بها فقط .. يتمنى رضاها ويحرص على متطالبتها رغم أنها مازالت تتحشاه وتصد محاولاته لأبعد حد .. ومع ذلك يظل صابرًا حتى يأتي يومًا وتعطيه صك الغفران المنتظر ..


في الصباح يوصلها وفي المساء ينتظرها رغم وردياته المخالفة ومجهوده البدني وراحته لتحقيق ذلك .. إلا أنه نظم الكون عليها وفقط .. يرغب بشدة في تغير حياته بالكامل وكل شيء في الشقة من أثاث لأجلها كي يبدأ معها من جديد .. ولكنه ينتظر حتى يصارحها بقنبلة مشاعره التي ما زالت صاحبة الشأن لا تعطيه الفرصة للبوح بها ..


ـــــــــــــــــــــــــــــ 


- " أستاذ مالك أبو العزم "


تلك الرسمية الشديدة لمجهول الرقم مع حشرجته الخجلة داعبت صدره بريبة وهو يجيب على مكالمته، ولكنه مجبر على تجاهلها والرد بترقب ..

ـ تمام معاك .. 


ـ أهلا وسهلا بحضرتك .. معاك صلاح المسري .. مدير قسم الإنتاج لأحد مصانع الملابس هنا .. بالأخص نفس المصنع اللي قريبتكم المصون بتشتغل فيه وبتحرص أنك كل يوم توصلها وتاخدها منه .. 


عند ذكر اسمها سيطر عليه الخوف وصاح تلقائيًا بقلق ..

ـ هي حصلها حاجة ..


ـ اطمن يا فندم الحمدلله الآنسة بنان بخير ..


ففمغم باستنكار ..

ـ آنسه ..؟!


ليجيبه الغريب مرتبكًا ..

ـ عفوا .. هو أنا لبخت ولا حاجة بس دا اللي فهمته بشكل غير مباشر من مجرد حديث عابر مع أخت حضرتك لأنها ونعم الأخلاق والأدب .. ودا اللي شدني ليها وخلاني اقدرها واحترمها .. عشان كدا سعيت أن أوصل لرقمك من حسين صديقك وجوز بنت خالتي في نفس الوقت بعد ما تعرفت على ملامحك من عزومة واحدة جمعتني بيك عندهم وأبلغك طمعي في نسبكم المشرف ..


(أخته .. نسبكم المشرف) !!

كادت ضحكاته الساخرة تنفجر بغيظ ولا تفسير أخر أمامه غير أن نورا باتت تعلم بما بينهما لهذا هي من دبرت لها العمل .. وهي أيضًا من دفعت بقريبها ذاك لاستثارة غيرته بفعل غبي لا يفعله إلا الحمقى .. فلا يعقل بحكم قرابتهما الوطيدة أنها لم تخبره عن صفتها الحقيقية له حتى الآن ولو بمحض الصدفة .. إذا هي خديعة ورغم علمه وقع في شركها بنيران صدره المتأججة .. لهذا صاح من بين تشدد أسنانه .. 

ـ دا أنتو طابخينها سوا وبتتريقوا عليا ..


اندهش الرجل وراح يجيبه بتلجلج وريبة ..

ـ طـ .. طابخين إيه يا فندم لسمح الله .. أنا غرضي شريف وطالب سنة الله ورسوله .. وأوكدلك كمان أن مفيش ولا واحد عارف باللي قلته لحضرتك دلوقت حتى صاحبة الشأن نفسه لأن فضلت أدخل البيوت من أبوابها ولو بلغني القبول لحظته وبدون تردد هعلن للكل .. 

مواصلا بحيرة وتشتت .. بس ..بس لو قصدك أن كده لسمح الله قللت من قدر حضرتك والآنسة بنان وأن الكلام دا لازم يتفتح الأول بزيارة عائلية ورسمية فـ عادي مافيش مشكلة حددلي الميعاد وأنا تحت أمرك ..


ـــــــــــــــــ


رغم ما بنته بينهما من سدود إلا أن في طريق العودة رصدته بوجهه مكفهر شيطانه السفلي يتطاير حوله .. يقبض على عجلة القيادة بقوة حتى أبيضت أنامله .. ويلهف المسافة بسرعة فائقة والصمت المخيف حليفه على غير العادة ..


ودّدت لو ساق لسانها عن السبب ولكنها فضلت الصمت حفاظا على ما بينهما من جفاف .. والأكثر خوفًا أن يتناثر رذاذ غضبه عليها دون وجه حق .. لهذا كان التجنب هو وسيلتها الوحيدة حتى ولجا للشقتهما وكل شيءً بعدها اصبح كابوسيًا وهي تراه ينقلب للأسوأ ويصفع الباب عليهما بكامل قوته مغمغمًا ..

ـ خلينا نرحب الأول بالآنسة !


مواصلا بسخرية يملأها الغيظ ..

ـ ولا نغير اللقب لأنه مش مودرن ونقول احسن واشيك مزمزيل بنان .. 

ثم وضع أصبعه على فمه يستدعي التفكير مغمغمًا بصوت مسموع وهو يفترسها ..

ـ بس لا للآسف .. أحنا مضطرين نمشيها الآنسة عشان الباشا ننوس عين أمه عاوز كدا وأنا بصفتي ولي أمرك لازم اشوف راحته فين وانفذها .. امااااال مش ابن… هيكون خطيب مراتي المستقبلي .. 

مستأنفًا مع تقدمه الملغم تجاهها بحال هجومي مختلف لحالته السابقة ..

ـ يا ترى اشتركتي معاهم ولا هي عملت كدا من نفسها عشان ترد ليكي جزء من افضالك على سي مارو ابنها ..


بنظرات زعر وعت بأنه لم يكن مالك بتاتًا من أمامها .. هو هيكل آخر مشابه له بحالة جنونية مستفحشة وكلماتٌ غامضة خطيرة زرعت الرعب في أوصالها وأرعدت فرائصها .. فازدردت ريقها عائدةً للخلف بنفس خطواته نحوها ملعثمة ..

ـ اهدي بس وقولي هو في إيه بجد .. مين هما .. وخطيب إيه؟!


بضيق عينيه جز على أنيابه يجيبها ..

ـ شكلك مش معاهم .. بس هو أنا لسه هستني واحكيلك لما نتفاجأ باللي اسم الله على اسمه النبي حارسه وصاينه جايلي على الباب بكرفتته ووروده وشكولاته يطلبك رسمي .. 

ثم انقلب حالته مرة أخرى وراح يحاصرها بقوة ذراعيه المغيبة وفحيح كلماته .. 

ـ أنا بقول نتمم جوازنا بالركن اللي ناقص الأول وبعد كدا احكيلك بالتفصيل يا آنسة .. أقصد يامدام وقتها ..


خفق قلبها بفزع حتى كاد يخرج من بين ضلوعها ما أن شهدته يهيم باحتضانها بغمغمة صدره الغامضة عند أذنها ..

ـ أنا مش مسامحك .. أنتي السبب .. انتي اللي ساعدتيهم يقتلوني بالبطيء .. أنا مكنتش عاوز كدا وكنت صابر ومستني .. بس هو كلامه صعب .. صعب قوي قلبي يتحمله ..


فباعدت في محاولات متفرقة بينها وبينه بقوة ساعديها المستطاعة .. مذعورة .. مشتتة .. لا تعي سبب غفوته تلك وهي تصيح صارخة ...

ـ ابعد عني أنت أكيد مش في وعيك .. هم مين دول اللي بتقول عليهم من الصبح وأي ركن بتهجم عليا وعاوز تتحققه وأحنا نوينا الانفصال ..


لم ينصت لكلماتها مع محاولاته المغيبة .. بل ظل يهيم عليها مرة تلو مرة وهو يهمس بجنون شيطان رجيم تلبسه كليًا كالمخدر ..

ـ انتي بتحلمي انفصال إيه وأنتي أصلا مراتي ومفيش قوة في الأرض تجبرني أن اتخلى عنك .. ولازم عقلك العنيد دا يقتنع بكدا .. ولا أقولك .. وليه اتعب نفسي بالكلام وأنا هقنعه دلوقت بالأثبات .. 


صفعتها الحادة على خده كان سلاحها الوحيد القادر على وقف تلك المهزلة ومن ثم هستريته .. ليفيق على تحذيرها المميت من بين تشدد أنيابها ..

ـ أنا مش لعبة بيريموت بين إيديك .. وقت ما عاوز تبيع بتبيع وقت ما بتنوي تقرب بتقرب .. لازم توعى للنقطة دي أنا مش اسيرتك وأنت مش سجاني ولو كان بينا عقد مزعوم من السهولة أن يتلغي بين يوم وليلة حتى لو أنت مش مقتنع بكدا ..


ثم دفعت جسده من أمامها بنفور وفرت هاربة نحو غرفتها تغلق بابها بصفعة مدوية .. وصوت غلق المفتاح يرتفع بينهما كوقاية مؤقتة حتى الصباح ..


الصباح الذي سيأتي بقرراتٍ أكثر حزم وقوة، حيث بات لا صمت ولا خنوع بعد اليوم !


ـــــــــــــــــــــــــــــ

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات