القائمة الرئيسية

الصفحات

خاتمة رواية حصنك الغائب " الجزء الأول"

خاتمة رواية حصنك الغائب 
       " الجزء الأول"

________


مرت أعوام ليست بالقليلة منذ توقفنا وتركنا أحبائنا.. 

 بين أيدينا انطوت صفحات وصفحات.. لكل صفحة كان عنوان تلاه سطور من الحكايا والدموع والعبر.. من بعضها تعلمنا ومن أخرى بكينا فرحًا وحزنًا وشكرًا وخوفًا..طرقت أبواب روحنا كل المشاعر بزهو ربيعها وذبول خريفها.. جميعها مضت..استقام بعدها عود الصغير فأصبح يافعًا قويًا..ونضج شبابها بنكهة منتصف العمر الجميل وخصلات بيضاء تتفتح برؤوسهم گ نجوم شهدت صولات وجولات الحياة معهم.. أما كبيرها ازداد في العمر بركة وحصيلة أعوامه مئات من الذكرايات حلوها ومرها..وها نحن نقف علي أعتاب أبوابهم نطرقها بشوق لنرى أين استقر بجميعهم المقام ثم نقول بعدها سلامًا.

خاتمة رواية حصنك الغائب  " الجزء الأول"


____________


صرخت بعد أن باغتها وهي غافلة بلكزة في خصرها فتبعثر خليط الكعك التي كانت تحضره فوق سطح الرخام حولها، تعفرت بعض الأشياء بطبقة دقيق، لتجز على أسنانها بحنق: عجبك الدقيق اللي بهدل الدنيا ده؟  أقسم بالله هتجيب أجلي في مرة يامحمود من عمايلك دي..ميت مرة اقولك ماتخضنيش وأنا في المطبخ. 

غمزها مشاكسا:  أمال أخضك في أوضة النوم بس؟

هزت رأسها بضجر:  مفيش فايدة فيك، أعقل يامحمود شوية احنا عندنا ولد وبنت مايصحش يشوفوا حركاتك وجنانك ده. 


شهقت وهي تصرخ ثانيا وطفلها ذو الأربع أعوام ونصف يلكز خصرها هو الأخر ليقهقه محمود وهو يحمله ويمطره بقبلاته بينما تصيح إيلاف بحدة:  كده يا " لؤي" تخض ماما انت كمان؟ طب انا مخصماك وهلاعب أختك "دينا" وبس. 

لاعب الصغير حاجبيه مقلدا حركة أبيه المشاغبة فكتم محمود ضحكته بأعجوبه كي لا يغضب إيلاف أكثر وطفله يهتف: بابا هيلاعبني أنا واختي دودو. 

نظرت له ببلاهة يبل أن تتوعده:  انت بتلعبلي حواجبك ياولد ومش هامك؟ خلاص خلي بابا ينفعك.. يلا اخرجوا برة انتو الاتنين وسيبوني محدش فيكم يكلمني، أنا ماليش ألا بنتي الأمورة اللي بتسمع كلامي. 


لؤي بسرعة بديهة وذكاء:  يا ماما دينا أختي لسه صغننة ومش بتعرف تتكلم عشان كده بتسمع كلامك..لكن أنا كبير وفاهم كل حاجة.. 


اتسعت عين إيلاف بدهشة مرددة خلفه: كبير؟ أربع سنين وبقيت كبير؟.. نظرت لمحمود فوجدته يجاهد بقوة كي لا ينفجر ضحكا، ثم صرف صغيره بعيدا لتستطرد هي بتهكم:  هو أنا ليه مستغربة؟  طبيعي ابنك يطلع كده بلسانين..ربنا يستر علي دينا لما تكبر هي كمان. 


قال ببراءة زائفة:  الله يسامحك يا إيلي، دايما ظالماني. 

_ أنا ظالماك؟ طب أنا هشهد عليك أختك زمزم وطنط عبير وعمو محمد لما يزورنا. 

_ لا دول رموا طوبتي خلاص ماتتعبيش قلبك ياروحي.. 

رمقته بنظرة غير راضية واصلت خفق خليط الكعك وسكب دقيق جديد وهي تهمهم بكلمات ساخطة. 


حدجها مليا بعين ثاقبة بعيدا عن روح المزاح، يراها تبالغ بغضبها اليوم، كأن هناك شيء تخفيه خلف حدتها، دنى منها معرقلا ماتفعل وهو يضع كفيها الملطخة بالخليط أسفل الصنبور وراح يجليه عنها برفق شديد جعل جسدها يقشعر من فرط رقته ثم جفف لها يدها وجذبها بهدوء لغرفة نومهما وهي تخطو خلفه مغيبة عكس حالتها الهائجة منذ قليل. 

________


_ مالك يا إيلاف؟ انتي عصبية زيادة على غير عادتك، مكنتيش بتضايقي كده من هزارنا أنا ولؤي. 

تكثف محجريها بدموع تكتلت گ الكلمات بحلقها ولم تجيب، ضمها لتستكين رأسها علي كتفه هامسا:  مالك ياحبيبتي زعلانة ليه فهميني؟

ظلت على حالتها الساكنة تسدل جفنيها مستسلمة لهدهدة ناعمة واحتوائه يخمد رماد ثورتها..مكث يربت بانتظام حاني على ظهرها حتى تسمر بغتة مع همسها الخافت: 


_أنا حامل.


ابعدها عنه لتتشابك أعينهما بذهول نضح منه وهو يتسائل بشك:  بتقولي ايه؟!

غمغمت بصوت ينذر بانهيار وشيك:  حامل. 

ثم ذرفت دموعها أخيرا فعانقها ثانيا، نعم يُعد حملها تلك المرة مبكرا وطفلتهما مازالت بضعة أشهر، لكن هل يستدعي هذا حزنها هكذا؟ لبث صامتا قليلا يستوعب و الفرحة بدأت تسيطر علي مشاعره بقوة، جميل أن يرزق بأطفاله مبكرا لينعم معهم أكثر..وليكتفوا بالثلاث صغار بعدها، سحبها لتجلس فوق فراشهما وقال بنبرة دافئة:  ده اللي مزعلك يا إيلاف؟ المفروض تفرحي لأنه رزق، خلينا نفرح بيهم حوالينا وعيلتنا تكبر وتحلى، أنا وانتي مش لينا اخوات كتير خلينا نعوض ده في ولادنا..أنا نفسي تجيبي على الأقل ولدين وبنتين عشان محدش يبقي وحيد، ولو أكتر معنديش مانع.   


هدرت بشكل أذهله بحق: يا سلام؟! حد قالك اني أرنبة مطلوب منها تخلف وبس عشان تعملك عيلة كبيرة؟ أنا خلاق تعبت وبقيت إاسة ان حياتي عبارة عن بامبرز ودوا كحة وكمادات وسهر ليل نهار عشان انيم دي والاعب ده.. امتي همارس الطب اللي بحبه واتعلمته سنين..مهنتي اللي قربت انساها بسبب الخلفة.. من أول يوم في جوازنا حملت في لؤي، بعدها قلت هشم نفسي شوية لقيتني حملت في دينا واديني اهو حامل في الشهر التالت

ثم انهارت تماما تشكوه مع قولها الثائر أكثر مما يجب: أنا بقيت مش حاسة بحياتي يامحمود هلاص تعبت تعبت.


تغاضى عن صدمته وضيقه مما قالت وسحبها علي صدره يحتوي ثورتها: اششش، اهدي يا إيلاف الزعل مش كويس عشان البيبي دلوقت. 


أشعل جذوة غضبها أكثر دون قصد منه ليجدها تبتعد عنه وتدفعه بحدة هادرة بغضب مبالغ به:  أنت بتغظني يامحمود؟ طبعا وانت فارق معاك ايه أصلا أنا اللي بتعب وبربي وبتطلع روحي مع ولادك وانت مع نفسك ولا داري بحاجة.. شغلك ماشي زي الفل وعايش حياتك بالطول والعرض خروجات وفسح وانا بقيت مجرد زوجة بتربي عيالك وخلاص وكأني ما اتعلمتش حاجة ولا ليا كيان من حقي ابنيه واكبره واحس بقيمتي زيك. 


بصقت كل ما لديها ولبثت تطالعه وهي تلهث من فرط انفعالها وعيناه ترميها بعتاب غاضب، وبصمت تام نهض تاركا لها الغرفة والبيت بأكمله. 


كأن نظرته العاتبة صفعتها ألف صفعة وهي تجده ينسحب من أمامها ناكسا مخذولا وحزين لما سمع من هراء.. هل تعاقبه على حملها؟ هل يعقل أن يُحاسب علي شيء قدري گ هذا؟ مسحت على وجهها مستعيذة من الشيطان وهي تغمغم دامعة: ايه اللي أنا هببته ده، سامحني يا محمود، هرموناتي الكئيبة طلعت عليك انت من غير ما احس. 

________


_ ماما انتي لسه زعلانة مني؟ خلاص مش هزعلك تاني. 

تأملته بحنان وقبلته مطمئنة:  لا يا حبيبي مش زعلانة منك..خد الطبق ده حطه علي السفرة ونادي بابا عشان نتغدا. 

……. 


لؤي وهو يبتلع ملعقة أرز:   

_ بابا بعد الغدا هتلعب معايا؟

محمود بعد أن تجرع بعض الماء:  معلش ياحبيبي عندي شغل مهم علي اللاب، خليها بعدين. 

الصغير بتذمر:  بقالك كام يوم مش بتلعب معايا، عشان خاطري نلعب شوية صغيرة بس. 

_ وبعدين معاك يا لؤي مش قلت عندي شغل. 


تركه تحت عيناها المستجدية نظرة رضا منه وهو يتجاهلها تماما من بعد انفجارها الأحمق واتهامها المبطن له..محمود ليس بالزوج الأناني معها فدائما ما يساعدها حتى قبل أن تطلب، ما ذنبه هو لتنفعل عليه؟ لا تعرف أي نوبة جنون أصابتها حينها، بدلا من أن تحتفل بحملها الجديد معه تُسمم بدنه بكلماه قاسية؟ تموت ضيقا من غبائها.. بيديها هي كممت ضحكته التي كانت تجلجل في البيت ونحتت العبوس على وجهه الحبيب وأفقدته مرحه، أصبح لا يمزح ولا حتى يلاعب الصغار كما كان يفعل، لا يحدثها إلا للضرورة أمام الصغير..هذا ما حصدته وتستحق ما هو كثر. 


هدأ البيت تماما ونام الصغار، هي فرصتها لتذهب حيث يمكث وتصالحه، ولجت إليه ثم اقتربت وعلى محياها الخجل:  أنا أسفة يا مودي. 

غمغم دون أن يرفع عينه عن شاشته: إيلاف أنا بشتغل في حاجة مهمة، لو سمحت سيبيني لوحدي وروحي نامي.


دارت حول مكتبه وأغلقت اللاب توب وأزاحته بعيدا ثم أعتلت قدميه گ الطفلة واحتضنت وجهه براحتيها هامسة: أنا أسفة..هرمونات حملي طلعت عليك يا مودي حقك عليا.. والله ما اعرف قلت التخريف ده ازاي وبجد مقصدتش حاجة من اللي قولتها ليك..سامحني عشان خاطري وماتزعلش مني. 


لم يرق لها ويتأثر وحزنه منها مازال راسخًا بقلبه ليهتف ببرود:  طيب ممكن تسيبيني؟ أنا مش حابب أكلمك دلوقت. 

حدجته بخيبة أمل:  للدرجة دي زعلان مني يامحمود؟ 

نهض وهو يزيحها برفق ملتقطا هاتفه وتوجه لغرفة لؤي..فعادت لغرفتها منكسة الرأس بخذلان جالسة تدس رأسها بين ذراعيها تبكي بحرقة..طال بكائها وبدأت عيناها تشع نار وحرقه ليغلبها النعاس دون أن تشعر. 


ينظر في هاتفه بشرود ووجها الشاحب فطر قلبه لكنه حقًا غاضب منها، نعتته بالأنانية وهو أبعد ما يكون عنها، لم يطلب منها يوما أن تترك عملها، يشاركها كل شيء حين يعود من عمله، يتنزه معهم كلما أتت الفرصة حتي لو جاء من عمله مرهقا، يكفيه ان عائلته سعيدة،  فيما قصر معها لتحقد عليه هكذا؟ أيعد تفرغه لعمله وتألقه أنانية يستحق عليها عقاب؟


_ بابا، عايز أشرب. 

ربت على صغيره بحنان وهو يتحدث من بين نومه و سكب له كوب ماء تجرعه ثم دثره جيدا بالغطاء، فتح الصغير عينه ثانيا وقال:  بابا، هي ماما هتجيب نونو جديد؟

حملق به مذهولا:  عرفت ازاي؟ هي قالتلك كده؟

_ لأ مش قالت، بس كل شوية تدخل الحمام واسمعها بتكح جامد وشوفتها بترجع الأكل من بقها.. 

ضيق محمود حدقتيه:  وده عرفك انها حامل؟

الصغير بثقة:  أيوة طبعا، لأن شفت عمتو زمزم وهي حامل في "سلمى" كانت بتعمل كده عندنا..وماما قالت من الحمل. 

محمود بدهشة. حقيقية: أنت عندك كام سنة يالا؟ 

أجابه الصغير بفصاحة مبكره ومضحكة: ازاي تبقى بابايا ومش عارف يعني؟ عندي أربع سنين وتلات شهور طبعا. 

قاوم محمود ضحكته وهو يجيبه بتهكم: معلش يا ابني اعذرني ابوك بينسى، نام بقا يا لؤي. 

_ لأ أنا فوقت خلاص، هات تليفونك العب به شوية. 

_ مفيش تليفون ونام عشان ما ازعلش منك. 

_ طب هات بوسة. 

_ هو انت عايز تاخد أي حاجة والسلام؟ 

الصغير وهو يلاعب حاجبيه:  أيوة. 

ضحك محمود تلك المرة وقبله بعاطفة أبوية، ليعود الصغير يتسائل: طب هي ماما هتجيب ليا أخ ولا أخت؟

_ معرفش ياحبيبي..وبطل أسئلة بقا ونام هتصحي اختك وبجد صدعتني.

ارتفع الصغير بجسده قليلا ولثم رأس أبيه قائلا:  سلامتك، كده هتخف بسرعة يا بابا..ماما بتعملي كده لما حاجة بتوجعني.  

ابتسم له وغمره بعناق حاني وقبل خده وأمره أن ينام، استكان الصغير بضع لحظات فقط لتنبثق رأسه ثانيا من أسفل غطاءه راميا فكرة ما برقت بعقله: 

بابا، ايه رأيك نفتح بطن ماما ونعرف هتجيب ايه ونرجع نقفلها تاني؟


اتسعت عين محمود بذهول من اقتراحه: 

تفتح بطن مين يالا؟ انت عايز تموتهالي.

ثم جز علي أسنانه:  لؤي نام احسن بدال ما ازعلك.. وادي الأوضة هسيبهالك خالص عشان تبطل رغي وتنام..ده مهند ابن اختي فضل خمس سنين مش عارف ينطق السين صح وانت راديو مش بتفصل.


وختم قوله بسخط وهو يغادر:

آل نفتح بطن ماما آل! 

___________


انفطر قلبه وهو يرصد دموعها الجافة جانب عيناها وهي نائمة، اقترب مضجعا جوارها ورفع رأسها بحذر فوق ذراعه، وبيده الأخري راح يمرر أنامله على وجنتها ويهذب شعرها المبعثر، يعترف بضعفه الشديد نحوها، لقد قاوم بصعوبة غمسها بصدره من قليل وهي تحاول إرضاءه، غاضب منها كثيرا ورغم هذا لا تهون عليه، تنهد ولثم جبهتها ثم حاول إيقاظها برفق :  إيلي، أصحي يا إيلي. 


تململت وبتلقائية اعتدلت نحوه محاوطة خصره بذراعيها، فعاد يربت على ظهرها بحنان:  لولو قومي بقا. 

بدأت تستعيد وعيها وصوته ينفذ لأذنيها وشرعت عيناها وبوعي كامل همست بفرحة:  محمود؟ 

لثمها شفتيها برقة وغمغم:  لأ خياله. 

أغرورقت عيناها وهي تهمس باعتذار: حقك عليا أنا


أسكتها بسبابته هامسا بتسامح من شيمه: خلاص انسي، مش زعلان منك. 

ضمها بحنان وهي تتشمم رائحته وتقول: شكل المرة دي مش هكره ريحتك يا مودي. 

مازحها:  الحمد لله ده معناه اني مش هنطرد من أوضة النوم طول الحمل. 

ثم أبعدها مستأنفا:  عرفتي أهلك بالحمل؟

_ لأ، قلت اما نتصالح عشان اكون فرحانة. 

_ بس في قرد صغير عرف لوحده. 

_ مين ده؟

تهكم مع قوله:  الكارثة المتحركة لؤي ابننا. 

وسرد عليها ما قاله طفلها بشأن فتح بطنها وتبين نوع الجنين لتنفجر ضاحكة:  عايز يفتح بطني المتوحش؟ 

_ انتي لو سمعتيه ازاي بيتكلم ببساطة تموتي من الضحك.. وكل شوية سؤال وري سؤال مش بيفصل، معرفش طالع لمين! 


رفعت حاجبيها تطالعه بتهكم فقهقه بقوة:  عديها يا لولو عديها..المهم بقى تعالي نتعشي سوا لأن بصراحة مش أكلت كويس وجعان اوي. 

صاحت بحنان:  من عيوني يا حوده هحضر حاجة خفيفة واكل معاك.. استناني دقايق..وقبلته سريعا قبل أن تتركه. 


تحممت وارتدت منامة رقيقة يفضلها محمود وأعدت له شطائر ثم جلست جواره ليضم كتفيها وهو يرمقها منامتها بخبث هامسا:  ما تيجي نأجل العشا دلوقت. 

تدللت عليه بنبرتها:  عين العقل ياحوده هو الأكل هيطير يا ابو لؤي..لمعت عينه بحب وهم بتقبيلها وهو يزيح برفق حمالة منامتها ليجفله صوت لؤي:  ماما.. أنا كمان جعان زي بابا. 


اعتدلت إيلاف سريعا بخجل تلملم حالها بينما جز محمود أسنانه بحنق هاتفا وهو يدعوه:  خد يالا تعالى هنا. 

اقترب الصغير ببساطة مستفزة لأبيه:  من أمتى بتدخل أوضتنا من غير ما تستأذن؟ وأصلا ايه مصحيك لحد دلوقت؟ ها؟ في طفل في سنك يفضل صاحي لحد الساعة اتنين بعد نص الليل. 


لؤي ببراءة:  طب ما حضرتك انت وماما مش بتستأذنوا أما بتدخلوا أوضتي.. وكمان أنا نمت بدري بس صحيت تاني عشان جعان. 

ثم قفز حاشرا جسده بينهما ملتهما إحدى الشطائر، لتضحك إيلاف وهي تعانقه:  روح ماما يا ناس، بالهنا والشفا يا نور عيني.. ثم نظرت لمحمود الذي يحترق غيظا وغمزته: معلش ياحوده هعمللك أكل تاني. 


صاح بغضب طفولي جعلها تبتسم: مش عايز حاجة أنا هنام مع بنتي وخلي القرد ده معاكي.

_ هييييه هنام في حضن ماما لوحدي. 


أمسك محمود بتلابيبه مهددا: انت بتغظني؟ طب عارف يالا لو دخلت أوضتنا تاني بعد كده من غير استئذان هعمل فيك ايه؟ هحبسك في أوضة ضلمة مع العفاريت. 

_ عادي يابابا أنا مش بخاف..جدو محمد قالي مفيش عفاريت وان ماما وبابا بيضحكوا عليك..وانا بصدق أي حاجة جدو يقولها. 

ثم عاد يلوك شطيرته وإيلاف تنفجر ضحكًا، ليصيح محمود بذهول: أقسم بالله الواد ده مش طبيعي ومش اربع سنين بس.. وربنا أنا ما كنت كده وأنا صغير..

رمقته إيلاف بنظرة تكذبه فتأفف بضجر وهو ينهض: هروح انام جنب دينا بنتي.. واشبعي باللي عامل نفسه طفل صغير ده. 

قهقهت وهو يغادر حانقًا ثم حدثت الصغير:  عاجبك كده ضايقت بابا؟ وعلى فكرة انا زعلانة منك، كان لازم تستأذن قبل ما تدخل يا لؤي. 

_ خلاص مش هكررها تاني يا ماما..بس خليني أنام معاكي واحكيلي حدوتة حلوة زي بتاعة تيتة عبير.

_ ماشي، بس اعمل حاجة لبابا عشان كان جعان.


أومأ لها وهو منهمك بطعامه فقبلته وذهبت لتحضر شيئا وتسترضي طفلها الأكبر.

__________


في سيارة زوجها تجلس جواره متجهمة بعد ترك صغيرها "زين" بين رفاقه في أولى أيام عامه الدراسي، تشبث الصغير الباكي بها مازال يؤرقها، هل سيتآذي من رفاقه ويتعارك معهم ويتآذى؟ سيأكل شطائره؟ تخاف عليه وتحبه حد الهوس.


_ ممكن اعرف مضايقة ليه يا أمونة؟ 


رمقته بضيق:  أنت مش شوفت زين كان بيبكي ازاي واحنا ماشين وسايبينه؟ الولد كان خايف. 


أقر بنبرة بدت مستخفة: 

_ عادي يا أمونة زيه زي أي طفل. 

واستطرد بسخط: ولو زين عنده مشكلة دلوقت، ده سببه دلعك وخوفك الأوفر اللي خلاه متعلق بيكي زيادة ومش بيتحمل يفارقك. 

_ طب ما أي أم كده بتخاف على ابنها. 

_ لأ مش أي أم..انتي مفيش توازن في مشاعرك سواء حب أو خوف، بتهتمي بحاجة علي حساب التانية ( وبنظرة جانبية بدت لها غريبة قال) للأسف لو كل واحدة عملت زيك بيوت كتير هتتخرب.  


تلقت جملته الأخيرة گ صفعة لمست روحها وأشعلت ناقوس الخطر بشكل ما، ضيقت عيناها بريبه: تقصد ايه يا احمد؟


رمقها بغموض ثم قال وهو يستأنف قيادته بتركيز: 

ولا حاجة، هوصلك البيت قبل ما اروح الشركة، أكيد ريهام غلبت ماما..ساد بينهما الصمت رغم صخب دواخلهم بأفكار لا تبشر بخير. 

_________

"لو كل واحدة عملت زيك بيوت هتتخرب"


صدى كلماته يملأ أروقة عقلها ضخبًا، وتكاد تشم للكلمات رائحة كريهة كتلك " الحفاضة" التي نزعتها عن صغيرتها " ريهام" خاصتا مع نفوره الواضح وهو يتجنبها في غرفة اخري، تلك الغرفة التي لجأ مرغما إليها كي يشبع معها رغباته حين تشتعل بعيدا عن أعين الصغار..المعتاد انه لا يمكث بها وينام جوارها هنا لكنه لم يعد يأتي.. انشغالها بطفلتها ذات الأربعة أشهر جعلها لا تنتبه لانعزاله الصامت والخطير..لكن على من تكذب؟ على نفسها؟ هناك حاجز لا تراه عين شُيد بينهما، ليست الرضيعة وحدها ما تشغلها عنه، زين رغم بلوغه ست سنوات وأكثر يستحوذ عليها بشكل تعترف أنه مرضي، إلي الآن يتمسك بالنوم جوارها ولا تبذل جهدا لتُثنيه عن تلك العادة..


أجفلها طرقا علي باب غرفتها، فتبينت والدته قائلة بعد تحيتها: هاتي ريري يا أمونة لو خلاص أكلتيها. 


أومأت لها: حاضر يا طنط هحميها بسرعة واغيرلها واديها لحضرتك..انتظرت السيدة تتابعها بعين خبيرة رصدت تلك الغيمة من الحزن والشحوب بوجهها فقالت:  مالك يا أمونة في حاجة مضايقاكي؟ حتى أحمد كمان حاساه متغير.. في حاجة حصلت بينكم؟


حدجتها حائرة، تريد البوح لها بما داخلها وتخاف أن تنحاز له وتعنفها، فرغم مكوثهما معا في بيت واحد تلك السنوات مازال هناك عازل بينهما يمنعها من الاسترسال معها في أمور كثيرة.. نعم هي حماة طيبة وحنونة ولكن لم تصل علاقتهما لمرحلة تسمح بالبوح الا مشروط. 

_ مفيش ياطنط..ريهام نومها مش مظبوط وتقريبا مش بنام غير قليل.

هتفت بتفهم:  معلش أول ست شهور للأطفال بيبقي مفيش انتظام، بس بعدها ريري هتنام بالليل وتريحك. 


أومأت برأسها وقد انتهت من تجهيز الصغيرة وتركتها لتذهب بها للأسفل وظلت هي تتقاذفها الظنون والشرود يبتلعها بطياته فلم تشعر بولوجه إلا وهو يهتف بتحية باردة:  السلام عليكم. 


_ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، جيت بدري يعني يا أحمد مش معادك. 


ردها لم يعجبه وكأنها لم يروقها عودته، أو ربما غضبه المكبوت يضخم أفعالها ويأخذها بمحل خاطيء.. الحصيلة واحدة.. هو غاضب وغير راضي..وهي لا تدري. 

أخفى ضيقه بحرفيه مع قوله:  خارج تاني بس جيت أغير هدومي. 

_ ليه يا احمد رايح فين؟ 

_ واحد صاحبي عايزني في مشوار معاه وهنسهر سوا.. واكمل وهو يرمقها بنظرة بجمود:  لو اتأخرت ما تقلقيش..متهيئلي مش هتاخدي بالك من غيابي كده كده انتي اهم حاجة عندك زين وريهام يكونوا معاكي.

ختم قوله متوجهًا للمرحاض يستعد لمغادرته مرة أخرى بينما مكثت هي تنظر لأثره وشعور الريبة يتعاظم داخلها.. هناك شيء مبهم يلوح طيفه في مرآة روحها.. 

_______

قررت أن تتودد إليه وتعيده إليها مرة أخرى، لن تنتظر تصدع يصيب جدار حياتهما، مازالت مشاعرها كما هي نحوه، أحمد هو روحها وستعوضه إهمالها له، بتلك الروح وقفت تتفقد هيئتها الجذابة في المرآة بإعجاب لتنتهي بنثر قطرات من رذاذ عطرها الذي يفضله وهمت بالتوجه لغرفته ليفاجأها الصغير عابرا إليها باكي فبتلقائية هرولت إليه:  مالك يا حبيب ماما بتعيط ليه؟ غمغم وهو يندس بذراعيها:  شوفت حاجة وحشة وانا نايم.. أنا خايف يا ماما خديني في حضنك. 


ضمته بقوة وأخذته لفراشها وهي ترقيه بآيات قرآنية تطمئه حتى غفى، انسحبت من جواره بحذر وقبل أن تتحرك استيقظت صغيرتها ريهام تبكي هي الأخرى، حتما جائعة، ذهبت إليها وشرعت " تُرضعها" والإحباط يغزوها وهي تدرك قدوم أحمد بالغرفة المجاورة فصوت غلق الباب تناهي لسمعها، خططت أن تفاجئه وهو يراها حين عودته لتراضيه لكن لم تأخذ فرصتها كما أرادت.. لا بأس غفت الصغيرة فلتسكنها فراشها وتذهب علي الفور إليه. 


وجدته يتمدد بأرياحية فوق فراشه يعبث بهاتفه ووجه متجهم، لم يلتفت إليها أو يلحظ دخولها، والحقيقة التي لم تدركها أنه تعمد تجاهلها رغم أن عطرها المحبب أشعله بحق، دنت وتمددت جواره هامسة بدلال:  وحشتني يا ميدو. 

أجابها بعد أن مشط هيئتها المغرية دون استجابة: غريبة انك صاحية، قلت انك نايمة مع الولاد زي العادة. 


طريقته بدت لها فظة فتغبر وجهها بضيق وهي تتسائل بحده:  مالك يا احمد بتتعامل معايا كده ليه؟ بقالك فترة تلميحات غريبة مش فاهماها، ممكن تفهمني مالك؟

_ ماليش يا أمونة، معلش انا تعبان وعايز انام. 


دفعته بقوة وهي تشعر بالإهانة وهو يستلقي بالفعل متجاهلا دعوتها الصريحة إليه هادرة بقوة:  أحمد قوم اتعدل وكلمني. 

_ بعدين سيبني انام. 

_ مش هسيبك، لازم نتكلم دلوقت..

اعتدل وهو يزفر بضجر:  نعم. 

_ مالك؟ ايه غيرك؟ 

نظر لها بجمود قبل أن يهتف:  زي ما انتي اتغيرتي يا أمونة..

_ أنا يا أحمد اتغيرت؟ اتغيرت في ايه فهمني.. في حاجة ناقصاك؟

_ انتي اللي ناقصاني.. مش موجودة..لغيتي كل حاجة ومابقتيش شايفة غير الولاد وبس. 

_ هما مش ولادك انت كمان؟ 

_ يعني عشان ولادي اتلغي انا من اهتماماتك؟

_ مين قال كده، أنت عارف اني بحبك. 

رمقها برهة قبل أن يهمس: حتى دي بقيت اشك فيها.  


وخز قلبها اتهامه فغمفمت بحزن لائم:  بتشك في حبي ليك يا أحمد؟ طب قولي قصرت في ايه؟


نكس رأسه لحظات قبل أن يرفع وجهه ويزرع نظرته القوية بعمق عيناها:  فاكرة لما سألتك مرة ليه سبتي خطيبك كان ردك ايه؟ قولتي انه كان مش بيعرف يهتم بتفاصيلك وبينسى تواريخ حياتك المهمة. 

بدت الصورة تتضح أمامها متوقعه باقي قوله ليستطرد:  أخر مرة فكرتي تحتفلي بعيد ميلادي أو وجوازنا كانت امتى؟ بقالك قد ايه مش جددتي في شكلك عشان تبسطيني؟ بقالك قد ايه روتينية لدرجة الملل مابتحاوليش تعملي أي تجديد؟ حتى شغلك وطموحك رمتيه ورى ضهرك بحجة زين  اللي متعلقة به لدرجة المرض، عودتيه ينام معانا في أوضتنا لحد ما بقى عنده اربع سنين فبقيت اضطر اخدك في أوضة تانية عشان اخد حقي، واديكي جبتي ريهام ولسه هنعيد من الأول كأنك اول واحدة يبقي عندها ولاد..

_ يا احمد دول لسه صغيرين وطبيعي اهتم بيهم وياخدوا كل وقتي. 

_ طب اهتمي بيه زيهم ولا خلاص أنا دوري انتهي بالنسبالك وبقيت حاجة علي الهامش؟ وبعدين ماما موجودة وتقدري تعتمدي عليها لو عايزة تنظمي حياتك وتعطيني مساحة تليق بيا گ زوج.. بس انتي اللي متعلقة بيهم زيادة عن اللزوم.. انتي محتاجة "تتفطمي" من ولادك يا أمونة.. وإلا ما تلوميش إلا نفسك بعد كده. 


ضيقت حدقتاه بريبة وقلبها يطرق جوانبها بشدة:  تقصد ايه؟ 

طالعها بقوة دفعت طنونها لشاطيا اليقين:  أقصد اللي فهمتيه بالظبط. 

ثم اعتدل ليرقد مع قوله الجامد: ولو سمحت سبيني أنام عشان هصحى بدري..ماتنسيش تطفي النور وانتي خارجة. 


يدرك بها مازالت جواره وصوت أنفاسها يصله بقوة، ويقسم أنه شعر بدموعها المنسابة، يعلم أنه زلزلها بما قال وسوط ظنونها لن يرحمها. وهذا ما يريده، أن تنشغل به ولا تأمنه..نعم لن يفعل ما أوهمها به فمازالت تمتلك قلبه، لكن إن ظلت غافلة عنه لن يضمن انزلاقه عن الطريق.. وحينها لا يلومه أحد. 

_______


_ ماتزعليش مني لو قولتلك إنك غلطانة يا أمونة.


لم تدافع عن ذاتها بعد أن فاضت عليها بما قاله أحمد و"أمنية" تعود لتسترسل:  أي راجل في الدنيا لو فقد الاهتمام من مراته بيتغير ويبعد مهما كان بيحبها، الراجل مهما كبر او كان له مناصب في جواه طفل بيحب يحس انه مدلل من مراته وانه الأهم حتى من ولاده، وانتي فعلا اهتمامك مبالغ فيه بزين بالذات، وأكيد ريهام هتكون كده..


هتفت وعيناها تغشاها العبرات:  غصب عني يا موني، أنا فعلا بعترف اني متعلقة بولادي زيادة بس أنا أم. 

_ ما كلنا أمهات.. والزوجة الشاطرة اللي تعرف توازن بين واجب أمومتها وبين انها زوجة لازم تملي عين جوزها، تشغله طول الوقت وتجدد حياته وتبعد عنه الملل..صدقيني عدو أي علاقة بين اتنين المل والإهمال وانتي للأسف وقعتي مع أحمد في الاتنين. 


بكت ناكسة الرأس فضمتها رفيقتها بحنان:  ياحبيبتي انا مش بصارحك عشان تبكي، بالعكس عايزاكي تفوقي واحمدي ربنا ان جوزك صريح ولمحلك وده معناه انه بيحبك فعلا، كان ممكن يبقي خبيث ويسيبك على عماكي لحد ما تتفاجئي بواحدة متعلقة في دراعه وبيقولك دورت على راحتي في حتة تانية. 


انتفضت بفزع والخاطر يغرز بقلبها ألف سكين لتهدر:  مستحيل أحمد يعمل كده لأنه بيحبني. 

_ حتي لو بيحبك هيدور على اللي ناقصه مع غيرك

_ ده أنا كنت اقتله. 

قالتها بشراسة لتقهقة الثانية: ياعبيطة في حل أسهل بكتير من كده. 

قالت باكية:  ايه هو يا موني نوريني..أنا حاولت أصالحه وهو صدني

_ اعملي اللي هقولك عليه وبإذن الله الشغف هيرجع لحياتكم تاني. 

_________


_ أنا خايف يا ماما وعايز أنام هنا.  

قالها زين وهو يفرك عينه بنعاس لتقول له بنبرة حانية:  حبيبي لازم تنام في أوضتك لأنك بقيت راجل كبير ومش هينفع تنام تاني في أوضة ماما وبابا. 

_ طب منا متعود علي كده. 

_ وده مش صح، عشان كده من هنا ورايح هتنام في أوضتك لوحدك زي أي ولد شاطر. 

_ بس أنا بخاف أنام لوحدي. 

_ متخافش القرآن أهو شغال جنبك، وهسيبلك نور خفيف..ولو سمعت كلامي هخلي بابا ياخدنا النادي أخر الأسبوع..وكمان هنزور طنط بلقيس عشان تلعب مع لارين.. ايه رأيك؟ 

حمسه وعدها فصاح: بجد ياماما. 

_ طبعا ياحبيبي المهم تسمع كلامي وتنام لوحدك وتخليني مبسوطة منك. 

_ حاضر ياماما بس ممكن تفضلي معايا لحد ما انام بس. 

لثمت جبينه: ماشي يا استاذ زين..وراحت تعبث بشعره وهي تتأمله بحنان طاغي، تدعوا الله أن يوفقها لتستعيد مكانتها عند زوجها وتعيد شغفه بها ويستجيب ويقدر محاولتها.

………… 


_ اتفضلي يا أمونة أنا صاحية. 


عبرت إليها وهي تحمل الصغيرة: معلش يا طنط لو أزعجتك. 

قالت وهي تنظر لحفيدتها بحب:  إزعاج ايه بس تعالي في أي وقت، ثم بسطت ذراعها لتأخذ الصغيرة مغمغمة:  حبيبة تيتة لسه مش نمتي ليه يا شقية. 


ابتسمت أمونة:  مش بتنام بالليل يا طنط بتفضل لبعد الفجر علي ما ترضي تنام وساعات للصبح والله. 

قالت وهي تداعبها:  معلش لما تتم ست شهور نومها هيتظبط.. 


ترددت برهة قبل أن تقول لها:  طنط، هو ممكن اطلب من حضرتك خدمة؟

_ طبعا اطلبي. 

_ ممكن حضرتك تاخدي مني ريهام كل ليلة عشان..


صمتت والأخيرة تهتف بتفهم:  فاهمة حبيبتي ومعنديش مشكلة، أنا اتمنى بس انتي اللي مش بترضي تسيبيها وبتصممي تفضل معاكي. 


اقتربت أمونة وقبلت رأسها وقالت:  أنا عارفة ان حضرتك زعلانة مني وفاكراني بمنع الولاد عنك بس والله ابدا.. كل الحكاية بخاف عليهم لو مش قصاد عيني ومش ببقي عايزة اتعبك..خصوصا سن ريهام ده مجهد جدا عليكي. 


تبدلت تعبيرات وجهها لشيء من الجدية قائلة:  أكدب عليكي لو قلت اني مش زعلانة لأني مش واخدة فرصة اهتم بالولاد ودايما واخداهم معاكي فوق، وانا سكت لأني مش عايزة اعمل مشاكل بينك انتي واحمد.


ترقرقت عين أمونة بالذنب:  حقك عليا ياطنط، يمكن فعلا من غير ما احس استحوذت عليهم وغلطت بدون قصد، عشان كده قررت اصلح كل ده وياريت تساعديني. 


_ مادام جيتي وطلبتي مساعدتي انا مش زعلانة، انتي برضو مرات ابني.


عانقتها أمونة:  شكرا لحضرتك، وكل اللي طالباه منك تخلي ريهام عندك كل ليلة عشان انا بصراحة كده حاسة اني مقصرة مع احمد وعايزة اعوضه. 

ربتت علي كتفها:  ومالو يا بنتي مش غلط الواحدة تهتم بجوزها وتتفرغله شوية..وماتحمليش هم ريري دي روح قلب تيتة.. 


ثم بصرت الصغيرة التي غفت بصدرها، فصاحت بدهشة:  مش ممكن دي نامت!..أمال بتغلبني انا ليه علي ماتنام بنت اللذينا؟

قهقهت الحماة وقالت: حضن جدتها حاجة تانية يا منمن.. 

_ لا ده انا بعد كده هستغلك استغلال رهيب يا طنط. 

ضحكت ثانيا:  طب يلا روحي أوضتك جوزك قرب يوصل، ثم غمزتها:  ظبطي الواد. 

نهضت وهي تصيح: ده أنا هشهيصه علي الأخر..تصبحي علي خير ياطنط. 

________


أمسك مقبض الباب وهم بولوج غرفته ليباغت بكف زوجته يحتوى كفه وهي تجذبه خلفها لغرفة نومهما..صار خلفها وهيئتها تُسلب عقله لكنه أسدل علي وجهه قناع بارد سريعا ما تشقق وومضت عيناه بانبهار وهو يري حال غرفته..إضاءة خافتة.. موسيقى هادئة وعطر مربح للأعصاب.. زهور منثورة في سائر الأرجاء بشكل عشوائي رائع، أوقفته أمامها وراحت تحل رباط عنقه ببطء وحبل ونظراتهما موصل بشوق صريح ثم نزعت جاكيته وهو يرصدها بترقب، لمح بعيناها اعتذار وألق حب اعتقد انه غاب عنها، كما  قرأ وعود جلية في حدود مقلتيها المحكلة.. مد أنامله ومررها على وجهها ثم اقترب يتشمم عطرها بمتعة عن قرب هامسا:  وحشتيني.

فاضت عليه بمشاعر جارفة أطلقت لها العنان بين ذراعيه تاركة همسات قلوبهما تغزل الحروف، لتنتهي عاصفة تواصلهما وهو يضمها برفق هامسا:  هو زين مش هيرجع ينام هنا تاني؟ 

قبلت كفه الساكن فوق كتفيها:  لا ياحبيبي خلاص، من هنا ورايح مش هينام غير في أوضته، وريري كل ليلة هتنام مع طنط.. وانسى الأوضة التانية دي خالص، مش هتنام غير في حضني بعد كده يا ميدو. 

تنهد براحة وهو يزيد عناقها، أخيرا تداركت زوجته أخطائها وتعطيه المساحة التي تليق به ويحتاجها، وجدها تنهض بعيدا ليتسائل:  رايحة فين يا منمن؟

_ دقيقة وراجعة. 

غابت لتعود حاملة بيدها صندوق كبير أسرع يحمله عنها ويضعه أرضا:  فيه ايه الصندوق ده؟


ابتسمت بحب ناهلة من تفاصيله قبل أن تقول:  

دي هدايا ليك عشان اعوضك اهمالي مناسابتنا اللي فاتت.. يلا بقى افتح وشوف هتلاقي ايه. 


برقت عينه بحماس حقيقي وقد راقه فكرتها، شق شريط الصندوق اللاصق ودس يده ليلتقط أول شيء صائحا:  الله، البرفان بتاعي اللي بحبه.. ابتسمت وهي تشير بعيناها ليكمل استكشافه، غاصت يده في الصندوق ثانيا ليلتقط تلك المرة مغلف تبين أنه ساعة يد فاخرة بذوق أنيق نالت استحسانه وهو يقول:  الله شكلها تحفة وماركتي المفضلة. 


منحها قبلة شكر ثم استأنف البحث في الصندوق ليجد تلك المرة ميداليا فضية يتدلى منها حرفيهما بالانجليزية، فابتسم ونهض علي الفور وبدل ميداليته القديمة بها تحت انظارها الراضية عما فعل.. 

غمس كفه ثانيا فالتقط برواز صغير يحمل صورته هو و الصغار فلثم البرواز وهو يهمس:  زين وريري حبايب بابا..فقالت:  عشان تحطهم علي مكتبك في الشركة. 


عاد يبحث ثانيا ليجد حافظة نقود أنيقة ثم "مج" فخاري كبير مطبوع عليه صورته هو والصغار لتغمغم له:  عشان تشرب فيها النسكافيه بتاعك في الشغل. 


ضوى وجهه بسعادة حقيقية وعاد يستكشف ما يخبيء الصندوق وابتسمت وهي وتراقبه من جديد لتلمع عيناه وهو يقرأ كارت صغير مكتوب عليه " بحبك"..أقترب وأخذ شفتيها بقبلة مطولة وهو يهمس:  وانا بموت فيكي يا منمن..بجد أنا هطير من السعادة بعد المفاجأت الحلوة دي..عشان خاطري اوعي ترجعي تبعدي عني وتهمليني.. الإهمال والملل هما أعدئنا الحقيقيين. 


قبلت كفه قائلة: أوعدك اخد بالي وادي كل حاجة حقها، حتى شغلي هرجعه تاني.. اعتبر ان اللي حصل في حياتنا كان مجرد مطب وخلاص عديناه. 


عانقها بقوة ليقع بصره على برواز الصور هديتها فالتقطه وقال: في حاجة هنا ناقصة. 

نظرت للبرواز بقلق: ناقص ايه؟ منا حطيتك انت والولاد.  

لكز خدها برقة: انتي اللي ناقصة..اعملي صورة تانية وضيفي نفسك فيها عشان عيلتي تكمل.  

رفعت عيناها إليه: بجد عايز تشوفني طول الوقت؟

أرخى جبهته على جبينها وذراعه تتشابك حول خصرها هامسا:  مش هرد عليكي. 

_________


مالها الجبنة القريش ولا الزبادي البلدي؟

قصروا معاكم في ايه عايز افهم؟ 


عبارة حانقة أطلقها عابد وهو يتحول بإحدى المتاجر الغذائية ومعه صغيره "ديبان" يصر على شراء نوع معين من الجبن والزبادى (ماليش دعوة أنا عايز زبادي "… " يا بابا.. وهاتلي الجبنة اللي بحبها  مش بحب القريش دي. 


أخبره بتأفف:  ديبان تعالى نروح البيت وبعدين نبقي نشوف الموضوع ده. 


هرولت علي تؤامها: ديبو، بابا تعالوا شوف أنا رسمت ايه. 

_ روح يا حبيبي العب مع أختك روتي.

_ ماشي بس أنا زعلان منك يا بابا 

_ ليه بس منا جبتلك حاجات حلوة. 

صاح الصغير بعناد:  لا مش عايزها.. كنت عايز حاجات تانية. 

_  وبعدين بقى، أنا كده هزعل منك ومش هاخدك معايا المزرعة زي اختك. 


"ديبو زعلان ليه يا بابا؟"


التفت لمهند واستغاث به:  تعالى شوف اخوك، مش عايز يسمع كلامي ومزعلني. 

ربت على شعر شقيقه الغزير بحنان وقال: مزعل بابا حبيبك ليه يا ديبو؟

_ مش جابلي دانون وكيري يا هوندا. 

_ ماهو عشان دي منتجات فرنسية واحنا عاملين مقاطعة. 

الصغير باستفسار: يعني ايه مش فاهم؟ 


جثى علي ركبتيه وراح يبسط له الأمر بقوله: هفهمك يا ديبو..بس جاوبني الأول، لو حد قال على بابا عابد انه وحش، هتحبه؟

الصغير بحمية دون تفكير: لأ مش هحبه وهضربه. 


برقت عين عابد بحب جارف لدفاع صغيره عنه وراح باهتمام يتابع بفخر معالجة مهند للأمر: طب يا ديبو مش انت بتحب النبي محمد صل الله عليه وسلم؟

_أيوة بحبه أوي وبحب ربنا عشان هيدخلنا الجنة. 

_ طب لو حد قال كلام وحش علي النبي اللي احنا بنحبه هتعمل ايه؟ 

لمعت عين ديبان بشراسة وهو يكور قبضته الصغيرة في الهواء بدفاع طفولي صائحا:  هضربه جامد. 


تبادل مهند وعابد ابتسامة ليواصل الأول:  أهو عشان كده احنا عاملين مقاطعة عشان الرئيس الفرنسي قال كلام مش كويس علي رسولنا الكريم.. يبقي ازاي يا ديبو نشتري المنتجات بتاعتهم؟ عرفت ليه بابا مش جابلك اللي انت بتحبه وبدلها بحاجات تانية؟


نكس الصغير رأسه يحلل الموقف بعقله ثم أسرع يقفز متسلقا ذراع والده الذي تلقفه ورفعه سريعا وهو يخبره ببراءة:  خلاص يا بابا مش عايز دانون ولا كيري..

ثم عبس وجهه مع استطرداده: بس برضو مش هاكل جبنة قريش. 

______________


_شوفتي يازمزم مهند عالج الموقف ازاي واقنع أخوه؟

ضوت عيناها وهي تتابع صغارها من عليائها يلهون في الحديقة وهي تقف في شرفتها: تربيتك يا عابد..ده حصاد مجهودك مع ابني اللي تستحق عليه الشكر كل يوم. 

التفت لها بعتاب صامت فتداركت بقولها: مش قصدي والله..ثم جذبته للداخل وطوقته بذراعيها هامسة بحب: تعرف اني كل يوم بحبك أكتر؟ ومش عارفة لو انت مش في حياتي كنت هعيش ازاي ياعابد. 


طوق خصرها وبيده الحرة راح يهذب شعرها الثائر: كل الطرق كانت هتوصلنا لبعض في الأخر يا زوما..ثم لثمها برقة وكاد يواصل همسه لولا مقاطعه مواء الصغيرة له، ابتعد متهكما: اقطع دراعي ان ما كانت البت دي قاصدة تعكنن عليا كل مرة.  


قهقهت وهي تتوجه لرضيعتها:  والله ظالمها، ده معاد رضعتها وأكيد جاعت.. 

دني عابد وهو يداعبها: أنا ساكت بس لحد ما تكبري يا ست سلمي هانم، أخرك معايا ست شهور وتنامي لوحدك مع اخواتك عشان بابا ياخد راحته مع ماما. 


دللتها وهي تُرضعها: قولي لبابا أخر العنقود سكر معقود وتدلع براحتها، صح يا سوسو؟ 

لثم رأسها الرقيق بحرص:  طبعا دي روحي وعقلي تدلع براحتها خالص..حتي بابا وماما متعلقين بيها أوي أكتر ما كانو متعلقين باخواتها التؤام. 

_ هو الصغير كده يا بودي بيخطف الجو في الأخر. 


"أدخل"


هكذا دعي الطارق بالدخول ليدلف مهند ملتقطا شقيقته الصغيرة بلهفة: سوسو حبيبتي وحشتني يا قطة، هاخدها منكم الاعبها شوية قبل تيتة كريمة، أصلها بعتتني انزلها بدال ما تطلع هي.  


عابد:  ماشي ياهوندا بس خد بالك، أوعي ديبو وروتيلا يشيلوها وتقع منهم زي المرة اللي فاتت، دي لسه صغنونة. 

_ متخافش يا بابا..


تنفس الصعداء بعد مغادرة مهند ثم برقت عينه بمكر وهو يضم زوجته إليه ثانيا هامسا:  هو احنا كنا بنقول ايه يا زوما؟

ضحكت بدلال ليلتهم بعاطفته بقية ضحكاتها ويرتشف من سحرها قبسا لا يناله إلا نادرا منذ قدوم الصغيرة. 

___________ 


(أفتح الباب يا "طه" عشان ايدي مش فاضية) 

_ حاضر يا ماما. 


وقف الصغير يصيح عاليا:  مين بيخبط؟ 

أتي صوت الماكث بالخارج بمزاح:  أنا حرامي ياحبيبي افتح. 

_ طب أسمك ايه ياحرامي. 

شاغبه الطارق:  هيفرق معاك اسمي؟ افتح ياطه واخلص. 


عالج الصغير المزلاج وانفرج الباب ليظهر ياسين وهو يتهكم: في حد يفتح الباب لحرامي برضو يا طه. 

_ منا أصلا عرفتك يا خالو بس كنت بهزر معاك. 

_ أصلا؟؟ طب هات حضن يا لمض وحشتني. 


"تفتكر ابني طالع لمين يا سينو؟" 


ابتسم وشقيقته تقدم عليه:  بلاش فضايح يا أبلة حنين خليني بهيبتي قدام طه اللي كان مثبتني علي الباب من شوية. 


قهقتت وهي تأخذه بعناق دافيء قائلة: وحشتني يا قلب اختك، وانا اقول الشمس مالها حلوة ليه انهاردة اتاريك جاي تزورني ياغالي. 

_ والله وحشتيني اوي انتي وعمو عبده وطه وهمسه، قلت اعملك مفاجأة وازورك يوم الجمعة. 

_ وبسمة مجاتش معاك ليه، سابتك تيجي لوحدك؟

_ عشان هي وعمو ياسين ويحيى معزومين بره عند ناس معرفهمش،  فقلت اجي انا عندك اشوفك افضل. 

واستطرد بثقة:  وبعدين أنا مش صغير دلوقت واقدر اجي لوحدي.. أنا في تانية ثانوي يعني قربت ادخل الجامعة. 

عصفت عيناها بحنان وهي تربت علي خده وتتأمل شاربه الخفيف الذي بدأ ينبت علي استحياء حول شفتيه: كبرت يا سينو وبقيت شاب قمر تخطف العين.. ربنا يحميك ويخليك لينا. 


_ حماتك شكلها بتحبك يا ياسين، اختك هتفطرنا انهاردة صواني بيتزا بأيديها. 

_ مدام فيها بيتزا يبقي فعلا حماتي بتحبني ياعمو. 

_فرجتها على برامج سالي فؤاد جت بفايدة ياسينو. 


رمقته برفعة حاجب محذرة:  أوعي تكون بتتريق عليا ياعبده، استرني قدام اخويا. 

ضحك وهو يقترب منهما: وانا اقدر ياحنة، والله بجد أكلك بقي يجنن وأظن الكام كيلو اللي زدتهم شاهدين.

والتفت لشقيقها:  عامل يا حبيبي، أحلى حاجة عملتها انك جيت يوم اجازتي، واعمل حسابك هتبات معانا يومين الأجازة. 

طه متعلقا بكفه:  أيوة ياخالو عشان خاطري بات معايا انا واختي عشان نلعب سوا. 

_ حاضر ياحبيبي هبات معاكم. 

صاح الصغير وهو يقفز بحفاوة:  هييييييه..وهتنام في سريري كمان.  


" خالو ثينو"


_ أهلا أهلا بالكريم شانتيه بتاع البيت ده.. تعالي ياهمستي


هرولت الصغيرة ذات الثلاث أعوم تندس بين ذراعي خالها وهو يقبلها ويرفعها فوق كتفه ويدور بها لتصدح ضحكاتها عاليا وشعرها المنكوش يعطيها مظهر طفولي محبب جعلها شهية أكثر. 


حنين:  تعالي ياهمسة احميكي واسرحك الأول عشان خالو يشوفك أموره. 

_ لا يا أبلة انا عايزها كده بموت في شكلها وهي لسه صاحية وهصورها كمان. 

عبد الرحمن معترضا:  لا ياعم ماتصورش بنتي كده استني اما أمها تحميها وتلبسها بيجامة جديدة عشان تبقي بنت ناس. 

ياسين مداعبا خد الصغيرة:  والله ما عارفين قيمتك يا سوسو..ده انتي كده قمر. 

طه:  خالو صورني وانا شايل أختي. 

همسة:  لأ انت "مث" قوي زي بابا بودي. 

_ لا قوي واقدر اشيلك زي بابا. 


هرولت واختبئت خلف والدها تستغيث:  بودي. 

رفعها عبد الرحمن يلاطفها بينما أردف ياسين:  طب خليكي لوحدك اصورك الأول عشان احطك خلفية وبعدين نشوف موضوعك انتي وطه 


لكزته حنين:  إياك تحطها خلفية وهي عار كده.

_ لأ انا بحبها كده..وعلى فكرة يا أبلة أنا جوعت جدا وريحة البيتزا واصلة لحد هنا.. 

صرخت وهي تركض أمامهم تشيعها قهقهات الصغار:  يانهار ابيض نسيت البيتزا في الفرن. 

__________


_ سينو، مادام هتعدي على صاحبك، ابقي وصل الكشف ده لزمزم وقولها تسلمه لجوري، وطبعا ماتغبش عشان تسهر معانا. 

_ حاضر هسلمه لطنط ومش هغيب. 


عبد الرحمن:  كشف ايه ده؟ جامعية؟

_ لا يا عبده ده مهمة تطوعت بيها لمساعدة جوري، أنا بعمل حصر للشباب والبنات اللي بيكون ناقصهم حاجات بسيطة في جهازهم، وفي الأخر ظافر وعامر اللي بيتكفلوا بكل شيء حسب الأولوية كل شهر.

واستطردت برضا:  وانا مبسوطة اوي اني بشارك بحاجة بسيطة زي دي، ربنا يجعله في ميزان حسانات الكل. 


_ على كده بقى انا هينوبني من الثواب جانب يا أبلة، مش انا اللي هوصل الكشف لطنط؟ 

ضحكت لأخيها:  طبعا يا سينو.. عقبال ما تكبر ويبقي عندك مشروعك الخاص الناجح وتساعد الناس ياحبيبي. 

عبد الرحمن: انا واثق ان ياسين هيشرفنا..تفوقه في دراسته يبشر بالخير.

أشارت لنفسها بتفاخر: طالع "نبيه" لاخته. 

غازلها بعفوية:  طبعا ياعمري امال هيطلع لمين  

شعر بالحرج بينهما فنهض بوقار اكتسبه مبكرا: 

طب انا همشي دلوقت يا أبلة عشان اجي على باليل.. عايزين حاجة اجيبها وانا جاي؟ 

_ لا ياحبيبي سلامتك المهم مش تتأخر. 

________


ركض إليها حيث تجلس في الحديقة مهللا:  

_ماما ياسين صاحبي جاي في الطريق، ممكن حضرتك تعملي أكلة " الخبيزة" اللي بحبها انا وهو؟

ثم مال علي أذنيها بصوت خافت: بس اعمليها انتي، داد بتعملها وحش خالص. 

ابتسمت بحنان: من عيوني يا هوندا..هقوم اعملها بإيدي عشان خاطرك انت وسينو. 


_ شكرا يا ماما بس بلاش هوندا دي، أساسا أسمي مايع لوحده من غير دلع. 

قرصت خده ثم لثمته قائلة: 

مش عاجبك أسمك يا ولد.. ده بابا زياد اللي اختاوا. 


طغى على وجهه الحزن وغمغم بتأنيب: أنا أسف يا ماما مش قصدي اعترض علي ذوق بابا..بس في واحد زميلي في المدرسة ضايقني واتريق عليا وقالي أنه أسم الولاد الفافي. 

_ مين قالك كده؟ 


فاجأهم حضوره عابد المبكر مستطردا وهو يجلس بمقعد قُبالة زوجته: تعالي يا مهند افهمك حاجة مهمة.. 

اقترب الصغير بعد أن استقبله بقبلة له گ العادة، والأخر يسترسل يوضح له: الإنسان نفسه ممكن يبقي "فافي" زي ما قال زميلك حتى لو اسمه "عبد الجبار"..الأسم عمره ما كان العنوان الوحيد لصاحبه..الشخصية والأفعال والثقافة والطموح هو اللي بيرسم شخصيتك وبيحدد قيمتك الحقيقية يامهند..مش أراء أصحابك فيك، عشان كده اوعي تتأثر برآي حد وتشوف نفسك بعيونه، فهمت؟


برقت عين الصغير بتقدير وفخر مقرًا:  فهمت يا بابا، عندك حق..مش هتأثر تاني بكلام حد..ثم تذكر مجيء صاحبه فأخبره بحماس:  ياسين جاي انهاردة عندنا. 


_ بجد؟ طب تحبوا أخدكم كلكم النادي لما يجي؟

_ مش عارف يا بابا، لما يجي اسأله. 

_ ماشي يابطل، روح شوف اخواتك فين مش شايفهم، علي ما اخد حمام وانزلكم. 


راقبت رحيل الصغير ثم استدارت تحدجه بنظرة تفيض عشقا.. فابتسم مقبل جبينها: عاملة ايه انهاردة؟ ضهرك لسه تاعبك؟ كنتي بتتألمي بالليل. 

_   الحمد لله أفضل، للأسف دي توابع حقنة الضهر اللي أخدتها في ولادة سلمى. 

_معلش يا زوما أكيد وضع مؤقت، هي فين المفعوصة دي اللي مش بتخليني أنام؟ وحشتني. 

_ مع طنط كريمة نامت معاها الصبح، شوية وهتلاقيها جاية بيها..أطلع خد حمامك وريح شوية وانا هحضر أكلة "الخبيزة" اللي طلبها مهند لصاحبه.

_ طب ماتخلي حد تاني يطبخها  هتعملها انتي ليه؟

_ لا هوندا عايزها من ايدي. 

غازلها بمشاكسة: واد بيفهم والله. 

قهقهت لإطراءه: تسلمولي كلكم يا بودي. 

_________


_ياسين جه. 


صاح بفرح وهو يراه والجا عبر بوابة الحديقة، اقترب لتستقبله كريمة الجالسة تلاطف حفيدتها مرحبة:  أهلا يا ياحبيبي ايه المفاجأة الحلوة دي. 

ابتسم لها بود:  أهلا بحضرتك يا تيتة..أنا جيت عند أختي حنين وقلت اعدي اشوفكم انهاردة..  

_ فيك الخير يا سينو، طب فين بسمة وعمك ياسين؟

_ أنا جيت لوحدي هما في القاهرة..ثم عاجلها بقوله:  أوعي ياتيتة تستغربي زيهم اني جيت لوخدي، أنا مش صغير. 


ضحكت له: مين قال كده؟ انت بقيت راجل يشرح القلب. 


"صديقي الصدوق"


استدار لمهند الذي عانقه بقوة: وحشتني جدا، عامل ايه

_ الحمد لله ياصاحبي..ثم قال بعفوية: هتبات معايا في أوضتي الليلة. 

_ لا طبعا مش هينفع يامهند، دي أبلة حنين مأكدة عليا مش اتأخر عشان اسهر معاهم، أنا جيت بس اشوفكم واسلم عليكم. 

كريمة: جيت نورت يا ياسين، بس بات مع مهند فعلا وامشي الصبح لاختك هيجري ايه؟ 

_ معلش يا تيتة مش هقدر.. انا هفضل معاكم شوية وارجع عشان طه وهمسه ولاد اختي هيزعلوا لو مش رجعت. 

_ خلاص ياحبيبي براحتك، بس على الأقل هتتغدا معانا ومافيش كلام تاني. 

ابتسم مجيبا بتهذيب:  حاضر ياتيتة

_ أنا قلت لماما تعملك الخبيزة اللي بتحبها. 

_ لا يامهند ماتتعبش طنط انا هاكل اللي موجود. 

ثم قبل سلمى وداعبها قبل أن يهجم عليه ديبان بحفاوة مهللا لوجوده..فتلقى عناقه بحب حقيقي معتبرا هذا الصغير بحق شقيقه الأصغر والأغلى..


نهضت كريمة للداخل ومعها الرضيعة وانشغل مهند بتدريب ديبان بعد إلحاح أن يدربه علي بعض مهارات كره القدم، مكث يراقبهم عازفا عن المشاركة وعيناه تبحث عن فراشته حتى وجدها تتهادي وهي تُقبل عليه برقة:  سينو وحشتني أوي أوي..وبتلقائية طوقت عنقه بذراعيها الصغيرة لتعبر عن فرحتها، فأبعدها برفق يعتريه بعض توتر غير مفهوم كلما عانقته روتيلا.. شيء ما داخله ينفر رغم تعلقه الأكبر بها.. فمجيئه إلي هنا ليس فقط ليري صاحبه، رغبته برؤيتها أحتلت المرتبة الأولي لديه.


_ أنا زعلان منك يا روتيلا. 

تجعد محياها بعبوس بريء:  ليه ياسينو انا عملت حاجة غلط؟ 

_ أيوة، قولتلك مش تحضنيني تاني. 

‏_ بس انت مش غريب..بحضنك زي بابا وأخواتي مهند وديبو. 

حدجها بنظرة لم ولن تفهمه:  لا يا روتيلا أنا غريب عشان كده بقول مش تحضنيني انا او اي حد غير اخواتك وبابا..

_طب ينفع ابوسك في خدك زي جدو ولا برضو حرام؟ 

_ حرام برضو..اتفقنا؟

هزت رأسها بطاعة ثم رمقته بعين متسعة وهي تتفحص وجهه عن قرب قائلا:  سينو، انت بقي عندك شنب صغنون..ثم انطلقت تضحك بشدة فلم يتمالك نفسه وشاركها ضحكة لا تغزوه بتلك العفوية إلا مع تلك الفراشة دون غيرها. 


هدأت ضحكتها ليأمرها قائلا: 

_غمضي عيونك يا روتي عشان عملت ليكي حاجة هتعجبك.. أغمضت عيناها بقوة فابتسم وهو يلتقط شيئا رقيقا من جيبه وقال:  افتحي عيونك. 


شهقت وهي تلتقط من يده طوق شعر من الورود البيضاء يتوسطها فراشة كبيرة ملونة، وضعته فوق رأسها بسعادة جمة وصاحت: الله، جميل أوي الطوق ده، شكله حلو عليا يا سينو؟ 


لوهلة شرد بمظهرها الملائكي وهي ترتديه وشعرها مسترسل بنعومة وغزارة يعانق دائرة وجهها الضاوي من جانبيه..مد كفه وأبعده عن عيناها وقال مأخوذا وهو يطبع صورتها بصفحة عقله: روعة يا روتي..

ثم أخرج هاتفه والتقط لها عدة صور وهي تستعرض أمامه وقفتها بدلال طفولي والابتسامة لا تفارق شفتيها.. 


_ الله.. ايه الطوق الحلو ده؟ 


قالها مهند ليواصل:  ايوة ياستي جالك هدية واحنا محدش عبرنا بكوره شراب.. 

ياسين: طب اعمل ايه وده اللي اتعلمته من عمو عامر والله..كان بيعمل زيه لبنته "جويرية" وانا شوفته وعملت واحد لروتيلا. 

_ طب وسلمى اختي فين الطوق بتاعها؟ 


التقط من جيب بنطاله شيئا وقدمه له:  سوسو صغيرة وبتشد أي حاجة من شعرها وترميها، عشان كده عملت ليها أسورة من الورد.. ايه رأيك؟ 

_ تجنن طبعا، تعالي نطلع عشان تسلم علي ماما وبابا وتلبس سوسو اسورتها.. بس المرة الجاية اتصرف واعمل حاجة تنفع لديبو احسن هيزعل منك ويغير. 


اجفلهما صراخ روتيلا الحانق بعد أن أختطف ديبان طوق الورد من فوق رأسها وركض لتطارده كي تستعيد طوقها.. قهقهة مهند:  مش قولتلك ديبو هيزعل ويغير..أهو كده الطوق اللي انت عملته راح يا صاحبي. 


_ مين قالك؟ 


واستطرد بعين غائمة تتابع مطاردة فراشته لتؤامها: 

روتيلا قوية وعنيدة، مش هتسمح لحد ياخد طوق الورد بتاعها وهتعرف ترجعه تاني.  


لم يكد ينهي جملته حتي استعادت فراشته طوق الورد خاصتها.. ليتنهد ياسين بتنهيدة خفية وعيناه تبرق أعجابا بتلك الصغيرة.


______________


_ ياسين وصل عندك ياحنين؟ 


جاء تساؤلها عبر الهاتف ملهوفًا فطمأنتها:  أيوة حبيبتي وصل متخافيش. 

تنفست الصعداء: الحمد لله، والله ما كنت موافقة يجي المنصورة لوحده بس هو صمم وجوزي قالي اسيبه براحته

_ سينو فعلا كبر يابسمة وسهل يجي هنا عادي.

واستأنفت بنبرة خاصة: تعرفي ياسمسم، لما شوفته داخل عليا أنا وولادي وجوزي حسيت بالعزوة، معرفش ليه شوفت فيه بابا اللي لو عايش كان هيدخل عليا كده. 

انتقل لبسمة نفس الشعور وهي تغمغم:  ما هو حبيب اخته بقي شبه بابا بالظبط ياحنة، كل اما يكبر بحسه بيقرب من ملامحه الغالية.

_ عارفة كان نفسي في ايه؟ 

_ ايه ياحبيبتي؟

_ كان نفسي يكون لينا اخوات صبيان كتير يجوا ويروحوا علينا ويكونوا سندنا وفخرنا قصاد أجوازنا..

_ كله نصيب وربنا يبارك لينا في ياسين ونشوفه احسن الناس كلها وعنده عيلة تعوضه هو كمان. 

_ اللهم امين..ده هيبقي فرحتنا الكبيرة..المهم بقا هتيجي امتى؟ 

_ مش أنا اللي هاجي المرة دي، انتي وجوزك وعيالك هتيجوا، ولا مش عايزين تحضروا عيد ميلاد يحيى ابني؟ 

هتفت بحنان: روح خالتو ده انا اجي له على عنية. 

_ انتي أمه مش خالته بس ياحنة، خلاص رتبي نفسك الأسبوع الجاي تيجوا كلكم، وانا هخلي جوزي يتصل بجوزك يعزموا، ده يحيى مستنيكم من دلوقت. 

_ والله وحشني، عموما هنتقابل الأسبوع الجاي بأمر الله

وواصلت: صحيح، انتي مش ناوية تخاوي ابنك يابسمة؟ 


تنهدت مع قولها:  والله نفسي يا حنين اجيبله أخ ولا أخت، بس اعمل ايه الحمل مش بيحصل وبدون سبب واضح، ده كلام الدكاترة لينا. 

_ منا قلت الحل وانتي مش سامعة الكلام، أعملي حقن مجهري أو تلقيح. 

_ ياسين مش راضي، بيقول نستني يمكن يحصل طبيعي. 

_ أنا رأيي مفيش داعي تنتظروا..ابنك عنده خمس سنين يدوب تخاويه.. كلمي جوزك تاني وحاولي تقنعيه.. لعلمك لو عملتي حقن ممكن تجيبي تؤام كمان، وقتها مش هيفرق حملتي بعدها طبيعي أو لأ. 

_ ربنا يسهل ياحنة واحاول مع جوزي تاني، هاتي اخوكي اكلمه قبل ما اقفل.

_ ياسين راح لمهند صاحبه، ما انتي عارفة بيحبو ازاي، بس متخافيش أكدت عليه يجي بسرعة وانا بعمله حاجات حلوة هو والولاد. 

_ تسلم ايدك ياحنة، خلاص أنا هتصل به علي تليفونه..وهكلمكم تاني بالليل، سلام ياقلبي.  

__________


أمسك بكتفه قبل أن ينهض: مشوار ايه اللي عايز تروحه يا ياسين؟ كمل معايا اليوم مش قلت هتمشي بالليل؟

_ بصراحة في مكان عايز اروحه لوحدي ويدوب اخلصه وارجع لبيت حنين. 

نهض مهند معه مقرا: خلاص هاجي معاك يا صاحبي. 

_ مش هينفع تيجي.  

_ لأ هينفع..ويلا قبل ما روتيلا وديبان  ينتبهوا ويشبطوا فينا مادام مش حابب حد يعرف.. 

………… .


هدوء مختلط بهيبة مع مسحة خوف ظللت تلك البقعة التي يخافها الجميع، رغم أنها الحقيقة الدامغة التي ينكرها عقل "المقابر"ذاك المكان الذي يحمل ثراه رفات أحبائنا الغائبين..انقبض قلب مهند لوهلة وبتلقائية أمسك كتف صاحبه كأنه يؤازره قبل أن يتأنس به، فاستدار له ياسين وقال:  مهند..ممكن تسبني لوحدي شوية؟


أومأ له:  حاضر.. هستناك بعيد وهقرأ قرآن لحد ما تيجي. 

________

أرض طفولته مازالت تتقيأ حزنا

ثوب روحه ملطخ بسواد شوق لوالديه 

ذكرى فراقهما الجارح لا تندمل، كلما رآي رفاقه بصحبه آبائهم يشتاق عناق والده كثيرا..يهفو لرائحة طعام گ الذي كانت تصنعه والدته..ربما الآن تمتليء معدته بكل شيء وهو بكنف شقيقته الكبري، لكن من سيملأ فراغ محيطه من أنفاس "أمه" العطرة وهي تضع بفمه كسرةِ خبز طازجة وهي تتمنى له العافية!


جلس هزيلا منكسا أمام ضريحهما الطاهر وقطرات الدمع تنهمر على خديه وهو يتمتم بشفتيه المرتعشة الآيات القرآنية هديته لوالديه لعلها رحمة الله.


أَوَ لَمۡ يَرَ ٱلۡإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقۡنَٰهُ مِن نُّطۡفَةٖ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ ٧٧ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلٗا وَنَسِيَ خَلۡقَهُۥۖ قَالَ مَن يُحۡيِ ٱلۡعِظَٰمَ وَهِيَ رَمِيمٞ ٧٨ قُلۡ يُحۡيِيهَا ٱلَّذِيٓ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٖۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلۡقٍ عَلِيمٌ ٧٩ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلۡأَخۡضَرِ نَارٗا فَإِذَآ أَنتُم مِّنۡهُ تُوقِدُونَ ٨٠ أَوَ لَيۡسَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِقَٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يَخۡلُقَ مِثۡلَهُمۚ بَلَىٰ وَهُوَ ٱلۡخَلَّٰقُ ٱلۡعَلِيمُ ٨١ إِنَّمَآ أَمۡرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيۡ‍ًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٨٢ فَسُبۡحَٰنَ ٱلَّذِي بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيۡءٖ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٨٣

" صدق الله العظيم"


أنتهى ومن قراءة سورة " يس" على روحهما وصمت ينظر للقبر هامسا بخفوت:  وحشتوني اوي.. كل يوم بقرأ ليكم القراءن وبدعيلكم.. بيوصلكم هديتي؟ انتو فعلا حاسين بيا زي ما أخواتي بيقولوا؟ طب ليه مش بشوفكم في الحلم؟ زعلانين مني؟ طب أنا اهو جيت ازوركم ومش هقطع زيارتكم ابدا بس خلوني اشوفكم في أحلامي..نفسي تبوسيني يا ماما..ونفسي بابا يكون فخور بيا.. أنا كبرت وبقيت في تانية ثانوي.. كل سنة بنجح بتفوق، أوعدكم اجيب مجموع كبير يشرفكم زي اللي جبته في الإعدادية..أوعدك يا بابا اني هكون انسان ناجح عشان اخلد ذكراك بعملي..وانتي ياماما أوعدك اني اول لما اكبر. اتجوز هسمي بنتي على أسمك عشان أناديكي طول الوقت..أخواتي بسمة وحنين مش مقصرين معايا وبيحاول يعوضوني..بس في حاجة جوايا ناقصة محدش قادر يكملها..حاسس طول الوقت اني جعان لحنانكم اللي ماشبعتش منه..نفسي احس بالشبع بس مش عارف..وخايف افضل كده..ساعدوني وزورني كل يوم في حلمي.. كلموني..خديني في حضنك ياماما والعبي في شعري زي ما كنتي بتعملي..شيلني في سريري بعد ما انام زي ماكنت بتعمل يا بابا.. 

اعتصر الدمع بقوة بين مقلتيه ثم انتفض علي يد مهند تربت كتفه:  أنا أسف بس لقيتك اتأخرت فجيت اطمن عليك..انت كويس يا ياسين؟ 


جرف بكفيه وجهه من العبرات وهو يتماسك مع نهوضه:  أطمن أنا كويس..يلا نمشي. 


ابتعدوا عن محيط المقابر يسود بينهما الصمت قبل أن يبتره مهند: تعرف ان قبر بابا " زياد" في اسكندرية؟ ياريته كان قريب هنا كنت ازوره كل يوم. 


ربت ياسين على ظهره:  الله يرحمه، لو عايز تزوره ممكن أروح معاك وناخد معانا حاتم وإياد، ايه رأيك؟ 

_ ماما بتقلق عليا زيادة عن اللزوم مش هتسمح اروح هناك لوحدي، وفي نفس الوقت هي مش بقيت فاضية تروح كتير.. أنا مش فاكر غير مرات قليلة زورنا فيها قبر بابا. 

_ كلم عمو عابد وهو يقنعها..وانا ساعتها هاخد بالي منك انا وحاتم مش هتكون لوحدك يعني. 

_ هكلمه..بس عارف يا ياسين في حاجات مش فاهمها.. عمو ياسر وتيتة والدة بابا مش بيسألوا عني.. وبابا عابد أضايق لما مرة جبت سيرته مع ماما.. فسكت خالص بس كأن في حاجة حصلت بينهم. 

_ مش بعيد يامهند يكون في حاجات انت مش تعرفها..عموما بكره تكبر وتبقى مسؤول عن نفسك وتصرفاتك وتعمل اللي يعجبك. 

_ بس اهم حاجة اللي اعمله مايزعلش بابا عابد مني..ده أبويا اللي بحبوا واللي رباني يا ياسين، انا متأكد انه مش بيحب عمو ياسر ونفسي اعرف السبب. 


_ أيا كان السبب هتعرفه في وقته.. ودلوقت هوصلك البيت وبعدين ارجع لأختي. 

استنكر قوله بضيق ووقف يهتف:  يا سلام؟؟؟

اشمعني انت اللي توصلني؟ طفل قدامك انا؟

روح انت لطنط حنين وانا هرجع البيت لوحدي مش هتخطف ولا هتوه يعني. 


أشار له ياسين ليواصل سيره وهو يقول بحزم: 

بلاش عناد على الفاضي، زي ما أخدتك من البيت هرجعك تاني يامهند..يلا اتفضل قدامي.


زفر حانقا: على فكرة أنت كمان بتعاملني زيهم بالظبط.

أنا بجد زهقت من طريقتكم دي. 


أخفى ياسين ابتسامته وأسدل على محياه تعبير صارم رغم بقايا طفولة وجهه واتبع صاحبه الصغير بصمت تام. 

____________


انتظروني في الجزء الثاني من الخاتمة

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

Health and beauty category