القائمة الرئيسية

الصفحات

الفصل الثامن عشر رواية سنمار :منال الشباسي

الفصل الثامن عشر رواية سنمار :منال الشباسي

  ركضت ألهث خلف حلمُ زائف..

   اخطط بخبثي وأحيكُ المكائد..

   مر العمر وأدركت كم كنت واهم..

   وأيقنت أن جواد طمعي صار رهان خاسر 

                       

الفصل الثامن عشر رواية سنمار :منال الشباسي


..أطلقها .. هل ما سمعه صحيح ؟!


..اندهش لما يسمعه فبعد مرور عام على خطته وزواجه لم يتطرق لهذا الموضوع ..خيل له انه صرف نظر عنه لشعوره بسعادته معها.. فتنهد قائلا..


: أولا الخطة اتنفذت من زمان ومن قبل جوازنا اصلا .. وكل واحد خد حقه بما يرضى الله :


.. صعق عبدون مما سمع :من قبل جوازك ؟! طب ليه تممت الجواز ودبست نفسك فى واحدة أرملة وكمان معاها بنت عايزة تربية ومصاريف ؟ و ايه حكاية كل واحد خد حقه دى؟


: اولا تممت الجواز لأنى بحبها ومن قبل ما أعرف إنها مرات شاهر..ومش ناوى أطلقها أبدا ولا اتخلى عنها ولا حتى أتجوز عليه:

..وأكمل : ثانيا بخصوص الحق..فأنا عطيت لها ورثها هى وبنتها كامل من حق عمتى اللى سابته لشاهر زمان..لا واللى متعرفوش وغفلت عنه ان جنينة الموالح كانت بإسم عمتى بيع وشرا..وأنا رجعت حقهم بما يرضى الله بس متخافش حقك انت كمان حافظت عليه:


..ثار عبدون : ايه اللى بتقوله دا؟ ازاى تعمل كدا؟

دا جزاتى علشان أمنتك وعملت لك توكيل بكل حاجة تخونى وتبعينى لوحدة ضحكت عليك بضحكة مايعة:


أجابه : بالعكس أنا مخنتش أمانتك..أنا عصمتك من ذنب إنك تستولى على ورث أرملة ومال يتيمة:


قال تعالى **إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا **


وفى نفس الوقت حافظت على نصيبك اللى أمرلك به الشرع؛ يبقى فين الخيانة ؟


عبدون ومازال ثائرا : وأنا يعنى بعمل كدا ليه مش عشانك؟مش كله ليك ولعيالك من بعدك؟


سنمار بإنكسار :عيالى !! لا اطمن من الناحية دى متشلش هم..وعايز اقولك ان هى اللى ادبست فيا.. وكمان عطتنى أغلى هدية.. مش هعرف أخدها من حد تانى :


تكلم باستهزاء :هدية!!.. هدية ايه إن شاء الله كتبتلك الشركة مثلا :


.. مسح على وجه مستغفرا..

:استغفر الله العظيم..كل تفكيرك فى الفلوس وبس؛ لا أدتنى بنت أول ما نطقت كلمة بابا كانت ليا؛ عشت وبعيش معاها أحلى مشاعر الأبوة اللى عمرى ما هعرفها مع حد تانى لأنى ببساطة مبخلفش أو بمعنى أوضح محتاج علاج طويل يمكن ينفع ويمكن لا.. والكلام دا من تلات سنين :


.. نزل الكلام على رأس عبدون كالصاعقة التى زلزلته؛ لم يصدق ما يسمعه ..هل كتب عليه وعلى ابنه الحرمان من إمتداد النسل..لقد عاش يعمل ويجمع الأموال والثروة من أجل أحفاده..ولكنهم لن يأتو ولن يراهم ولن يحملهم..صمت وخر جالس كأن رجليه اصبحت هلاما فلا تستطيع حمله..


..أشفق سنمار عليه من وقع الصدمة وساعده على الدلوف لغرفة نومه لأنه فى أمس الحاجة للاسترخاء وإعادة التفكير فى الواقع..


: استريح ياحاج واطمن كل واحد بياخد نصيبه وانا راضى الحمد لله وربنا عوضنى بزوجة صالحة وابنة جميلة هتقى الله فيها وأربيها وأجوزها ان شاء الله:


.. لم يعطى عبدون اى رد فعل فقال سنمار..

: انا همشى دلوقت علشان الطريق وهبقى أجى أطمن عليك تانى إن شاء الله :


.. توجه للخارج ولكنه توقف عندما وجد والدته تبكى فعلم انها سمعت حديثهم وعرفت الحقيقة فتقدم منها ملثما يدها ورأسها قائلا..


: متزعليش ياأمى كله نصيب وأنا عايش مرتاح ومبسوط؛ مش دى أهم حاجة عندك ؟


..ردت من بين دموعها : والله يابنى أنا بحبها وكنت بدعى ربنا يهدى أبوك ويسيبها فى حالها وكل ما أشوفك مبسوط معاها أدعيلكم بالذرية الصالحة.. بس اللى سمعته وجع قلبى وهدعيلك ربنا يراضيك ويعطيك طالما فى أمل بالعلاج :


: ايوة ياحبيبتى إدعيلى انتى وان شاء الله ربنا هيعملى كل حاجة حلوة.. معلشى همشى دلوقت عشان الحق النهار؛ اشوفك بخير :

.. وقبل رأسها وغادر متوجها لحبه وراحته لفتاته كما يلقبها دائما..

----------------------

عانقينى فالزمن أرهقنى ....

عانقينى فالعالم ظلمنى .....

عانقينى فحبك منبعى ....

عانقينى فحضنك ملجئى ...

 بين يدك أكون أنا منك وأنت منى.

   ...................


...عاد سنمار لمنزله غاضبا مما حدث بينه وبين والده صراخه فى وجه أبيه؛ صدمة معرفته بالسر الذى أخفاه عنه حتى لا يحزنه؛ أنه من المحتمل ألا يكون له أحفاد كما يحلم دائما..

.. وجد زوجته فى إنتظاره قلقة متوترة؛ إستقبلته بلهفة سعيدة لوصوله بالسلامة؛ حزينة برؤية ملامحه العبسة.. 

..لم يتفوه بكلمة ولكنه سحبها بين ذراعيه يضمها لصدره بقوة ..كأنه يفرغ حزنه وقهره بين أحضانها ..

..مسدت ظهره بيدها مرحبة بعودته سالما..


: حمد لله على سلامتك ياحبيبى:


تنهد زافرا: الله يسلمك يا حبيبتى؛ تيمو نامت ؟


: أه من بدرى؛ خير طمنى؛ طلبتنى وقلت رايح البلد وراجع بليل من غير متفهمنى حصل ايه؟


: ابويا طلبنى وكان عايزنى ضرورى؛ قلقت وسافرت على طول :


: تعبان ولا ايه ؟ طمنى وطنط كويسة !


: اه كويس قوى متخافيش عليه :


..شعرت بالسخرية فى كلامه وعلمت أنه يخفى ماحدث أو لا يريد الحديث عنه؛ولكنها لن تتركه لحزنه..


: مالك ياقمرى؛ إحكيلى حصلك ايه وضايقك للدرجة دى؟


.. أخذ نفسا طويلا ثم قص عليها كل ماحدث بينه وبين أبيه..وكيف انفعل وصرخ عليه..وانه صدمه بإطلاعه على سره..


.. ضمت رأسه لصدرها : معلش ياحبيبى ان شاء الله هتعدى وكل حاجة هتظبط؛ بالنسبة للجزء اللى يخصنى انا مش زعلانة لان إحنا عارفين من زمان دماغه؛ ويكفى إن تفكيره كان سبب معرفتنا وحبنا وارتباطنا؛ اما اللى يخصك فربنا كريم وان شاء الله يعوضنا خير يا ابو تيمو :


.. نجحت فى رسم البسمة على شفاهه وتبدل حزنه لرضا بقضاء الله ودعت بالخير لهما ..


.. مد يده ساحبا اياها واجلسها على قدميه يقبل رأسها وجانب عينيها ويضمها لصدره متنهدا..


: اااه يا ليساء لو تعرفى وجودك بيعمل فيا ايه؟!بكلمة منك بتشيلى عنى كل يأسى وهمى؛ ربنا ميحرمنى منك :


..غمست نفسها فى صدره أكثر : ولا يحرمنى منك ابدا ياحبيبى وأحلى حاجة حصلتلى  :


..استقامت ساحبة يده قائلة : يلا ادخل خد حمامك وأنا هحضرلك العشا :


.. كادت أن تتحرك حتى أمسك بها قائلا بغمزة من عينيه ..

: عشا ايه بس ياليو انا صحيح جعان بس ليكى ياقلب قمرك :


.. وجدت نفسها محمولة بين يديه فتعلقت برقبته غامسة وجهها الذى اكتسحته الحمرة بصدره .. لياخذها لعالم خاص بهما وحدهما بدون مؤامرات او احقاد كان فى أمس الحاجة إليه فى هذه اللحظات

------------------------------

.. الشركة ...

: عارفة والله ياسالم انى مقصرة وجاية عليك بس بجد غصب عنى؛ بقولك ايه.. ليه مش نختار شخص كفء من الموظفين الجادين هنا ونوظفه مدير  يخفف عنى وعنك وتبقى انت المدير العام والمسئول؟ متنساش انك اصلا شريك يعنى طبيعى انك تديرها :


.. نظر لها بذهول : ايه اللى بتقوليه دا ياليساء طبعا مينفعش !! لأن بيبقى فى مناقصات واتفاقيات المفروض محدش يطلع عليها غيرك وغيرى بحكم انى المحامى القانونى وكمان مساهم زى مابتقولى:


..فكر قليلا ثم اقترح : طب ليه متخليش سنمار يمسك هو الشغل؟اعتقد هو جوزك وأولى بالمنصب.. و دلوقت كمان مطمنة له !! ولا انتى لسة قلقانة منه او من خطة ابوه :


.. ردت منفعلة : ازاى بتقول كدا ! يعنى انا أمنته عليا وعلى بنتى هخاف على الفلوس اللى ممكن فى لحظة وبدون سبب تروح ؟ انا بفكر ياترى هو هيوافق ؟ حاسة انه هيرفض :


: انتى بس اعرضى عليه وانا هساعدك ولما يوافق تعملى له تفويض بالإدارة علشان يكون له صلاحية التوقيع بدل منك :


: خلاص ان شاء الله انهاردة هقوله ويارب يوافق :


: ان شاء الله؛ انا فى مكتبى لو احتاجتى حاجة :


: شكرا ياسالم دايما تعباك  وعلى طول واقف جنبى انت ووفاء :

..أشار لها ان تصمت قائلا : ياريت تبطلى موضوع الشكر والامتنان دا؛ اتفقنا :

..اومأت برأسها : حاضر :

'---------------------

.. فى المساء تأتى ليساء حاملة القهوة لها ولزوجها الجالس أمام التلفاز يحمل صغيرته النائمة رافضا ان تأخذها لتضعها فى مهدها لتجلس بجواره تحاول أن تحدثه ثم تتراجع ..


..شعر بتوترها فعلم انها تريد أن تروى له شيئا ولكنها تتردد؛ ربما خوفا من رد فعله أو غضبه فحثها على الكلام ..


.. امسك يدها يطمئنها  : ايه ياليو مالك..عايزة تقولى ايه ومترددة ؟


: بصراحة فى موضوع عايزة أقولك عليه وخايفة من ردك :


: خير قلقتينى !!


: هقولك بس اسمعنى للأخر ؛ وبعدين رد عليا :


.. اومأ براسه :حاضر ؛ انا ساكت و سامعك :


.. عرضت عليه الموضوع من بدايته حتى النهاية وانتظرت الرد ..


.. تنهد صامتا : طبعا مش موافق واحنا متفقين من قبل جوازنا انى مليش علاقة بالشركة وشغلك نهائى :


: اسمعنى ياحبيبى أنا من الأول كنت رافضة انى أمسك الشركة ولولا سالم وتصميمه مكنتش نزلت الشغل وانا دلوقت مش بقدر اروح كتير وبرمى كل الشغل عليه ودا بيأثر على مكتبه ومينفعش حد غريب يطلع على الإتفاقيات؛ عشان خاطرى وافق :


.. زفرا متنهدا : طب اعطينى فرصة أفكر وأقرر :


..مالت عليه بدلال طابعة قبلة على خديه : لا ياقمرى انت هتوافق علشان فتاتك عايزة تتفرغ ليك انت وتيمو بس :


..ضحك مقهقها : انتى كدا بتلعبى بالنار يافتاتى وهترجعى تقولى عليا انتهازى وبصطاد الفرصة :


.. توقعت انه يتكلم عن الميراث فعبثت بوجهه قائلة : انا برضو هقول كدا ياسنمار :


..فهم أن تفكيرها ذهب لمكان أخر فداعب وجنتيها بقبلة : يعنى لما تقوليلى ياقمرى وانك فتاتى يبقى كدا دوستى على ذر الخطر ولازم تتحملى :


.. استقام مناديا على مريم  واعطى لها تمارا لتضعها فى فراشها لتكمل غفوتها..ثم سحب يد زوجته متجها لغرفة نومهما لتصحيح المعلومة وإبرام الموافقة على طلبها..

--------------------------------

بعد مرور فترة طويلة على ماحدث بين سنمار وأبيه انقطع عن نزول البلد واكتفى بالمكالمات الهاتفية وكذلك انشغاله بأعمال الشركة وعمله الخاص لكنه شعر بالتقصير ناحية والديه فهو لم يكن ابدا إبن جاحد أو قاسى القلب وخصوصا على والدته

فقرر أن يأخذ زوجته وابنته ويسافر ليقضى معهم أجازة الأسبوع..


.. عند وصولهم البلد كانت أمه فى استقباله بالترحاب والشوق لرؤيتهم ..


..دلف الجميع للداخل وبادر بالسؤال عن والده..

: اومال الحاج فين برة ولا ايه ؟


..ظهر الحزن على وجه والدته : برة؟!! ياريت؛ دا من يوم اللى حصل مبيخرجش ولولا ماجد كل مايجى البلد يتابع المزارعين والارض :


..قاطع سنمار حديثها بغضب : يعنى ايه الكلام دا؟ وازاى مقولتليش حاجة زى دى وانا بكلمك كل يوم تقريبا :


:يابنى مرضتش علشان انتم الاتنين تهدوا والحمد لله بقالو تلات أيام أحسن من الاول كتير  :


.. لم ينتظر اكثر وتوجه سريعا لغرفة أبيه يطرق على بابه ثم فتحه وأطل برأسه ينادى عليه ..


: أدخل ياحاج؟  ( لم يجد رد فدخل اليه )


.. مسك يده ولثمها : ازيك ياحاج الف سلامة عليك مالك بس؛ انا أسف انى كنت السبب فى اللى حصلك دا؛ ارجوك رد عليا :


.. للأسف لم يتلقى إجابة منه.مجرد نظرات جامدة ..


..مال برأسه على صدر والده وأخذ يده وأسندها على قلبه وبدأ يحادثه..


: انا قلبى وجعنى لما شوفتك كدا؛ ياريتنى ما كنت اتكلمت ولا زعلتك؛ بس لازم تعرف انى عملت كدا علشان بحبك؛ انت سندى وضهرى اللى لازم احميه من فتن الدنيا علشان عمره ما ينكسر ؛ وأما موضوع الخلفة الحمد لله ربنا عوضنى بتمارا ؛بعمل اللى عليا وبدعى ربنا واكيد برضاك عليا ودعائك ليا ربنا هيعطينى من فضله ؛موضوع الورث مش علشان ليساء؛ لا والله انا كنت رايح أصلا لمرات شاهر واتفاجأت انها البنت اللى كنت شوفتها وحبيتها من غير حتى ما أعرف هى مين..وطلعت نعم الزوجة وانا سعيد قوى معاها وبنتها بقت بنتى يعنى حفيدتك..عشان خاطر سنمار سامحنى وارجع زى الأول واحسن؛ عايزك جبل شامخ زى ما انت طول عمرك فى نظرى :


ابتعد عنه ونظر له بحنان طابعا قبلة طويلة على جبين والده ولم يتحمل المكوث أكثر فخرج دامع العين داعيا الله أن يخرج سريعا من تلك الحالة ثم ذهب مباشرة لغرفته القديمة ..


..دلف للغرفة وجد زوجته تضع حقائبهم وتغير لابنتها جلس على الفراش دون ان يتكلم ..


: مالك ؟ عمى كويس قالك ايه؟


: كلمته مردش عليا ولا اتكلم خالص..مش عارف ماله ؟

: اهدى بس متقلقش هيبقى كويس ان شاء الله هروح اشوف طنط بتعمل ايه ! 


..مر اليوم الاول دون ان يحدث تغيير بوضع أبيه.. أما هدية فصممت على إبقاء الصغيرة برفقتها ليلا كما فعلت سابقا فهى تعاملها كحفيدتها؛ أما هو أصابه الأرق طيلة الليل ولم يستطيع أن يغفو غير ساعات قليلة جدا حزين لما حل بوالده..


.. صباح اليوم التالى فكرت ليساء فى شىء فأخذت إبنتها ودلفت لغرفة عبدون ..


: ازيك ياجدو اخبارك ايه؛ قلت نيجى نشوفك طالما انت مش عايز تخرج وتنورنا بالقعدة برة :


..كلمة جدو داعبت مشاعره وارتسمت ابتسامة بسيطة دون إرادة منه على وجهه للصغيرة فهى بالفعل بمثابة الحفيدة ألم يكن خال والدها والخال والد؛ إذن هى حفيدته.. 


..لاحظت تعبيرات وجهه..فإنتهزت الفرصة وتركت إبنتها قائلة : عمى معلش خلى تيمو معاك وهروح اعملها أكل لانها جاعت :


..خرجت وابتعدت قليلا ثم تلصصت لترى ردة فعله؛ تفاجأت بأنه عدل من رقدته وضم الطفلة لحضنه يقبلها ويداعبها ويتحدث معها هامسا..


: اخدتى ملامح أبوكى ماعدا عيونك أخدتيها من امك؛ اللى حصل  حكمة ربنا علشان يعوضنى انا و ابنى بحفيدة وابنة جميلة زيك انتى وأمك ؛ ابوكى فاكر انى زعلان منه ..ميعرفش انى غضبان من نفسى وتفكيرى فى حاجات فى علم الغيب اللى بيدبرها ربنا سبحانه وتعالى؛ وانه عصبيتو فوقت عقلى من غفلته وتفكيره الضيق:


.. ضم الصغيرة يقبلها مرة أخرى..غافل عن الواقفين بجوار باب الغرفة يستمعو له ..


** قبل قليل عندما سمعت ليساء صوت عبدون يتحدث مع ابنتها ويخرج عن صمته..أسرعت لإحضار حماتها وزوجها ليطمئن بنفسه على أبيه.. والذى دمعت عينيه بعد سماع عتابه لنفسه واعترافه بالذنب.. **


..انسحب الجميع شاعرين بالراحة لخروج عبدون من حالة الصمت والاعلان عن مشاعره.. 


..وبعد وقت قصير رجعت ليساء لغرفة حماها لتأخذ طفلتها لتطعمها؛ فوجدته عاد لحالة الثبات مرة اخرى فعلمت انه يعاقب نفسه بفكرة جلد الذات ..

--------------------------

.. عاد سنمار وليساء إلى الإسكندرية بعد قضاء الأجازة الأسبوعية بمنزل والديه..ورغم انه لم يتحدث معه إلا انه قد اطمئن عليه بعد سماع حواره مع الصغيرة ..


: حبيبى هنيم تمارا فى سريرها وأحصلك :


: ماشى وأنا هدخل اخد حمام :


.. اخلدت ليساء ابنتها للنوم واطمأنت عليها .. وتذكرت مزاج زوجها السىء فقررت ان تشاغبه وترفه عنه

...توجهت لحمام الغرفة الاخرى؛ اخذت حمامها وارتدت قميص نوم اسود صدره من الدنتيل ينسدل بقماش من  الستان الاسود.. كانت تبدو گ عروس فى شهر العسل ..


.. انتهى من أخذ حمامه وخرج للغرفة ليجدها تتهادى فى خطوتها أمامه علم انها تحاول ان تسرى عنه وتهللت اساريره لفعلتها اقترب منها واحتضنها بين ذراعيه فرفعت يدها تحاوط عنقه ثم تحدثت بدلال  ..

: وحشتينى يا سينو :


.. اخذ شفتيها فى قبلة حارة بثها كل شوقه وحبه لها ثم بعد عنها لتتنفس قائلا ..

: انت اكتر ياقلب وعقل سينو بس ايه الجمال دا ياليو ؟ أنا كدا هتهور قوى  :


: الجمال بعيونك انت يا حبيبى.. واتهور ومتخفش مش هتتعور :


... لم يستطع كبح رغبته فعاد ينثر قبلاته على وجهها وعنقها ويضمها بين ذراعيه يشم رائحتها ثم حملها بين يديه متوجها بها لفراشهما لينعما سويا بليلة حب من ألف ليلة ..

------

.. بعد شهر تقريبا من عودتهم من زيارة والديه... واتصاله الدائم بوالدته والاطمئنان على حالة أبيه وقيامه بعدة زيارات خاصة لوالده للثرثرة معه وحتى وان لم يستجيب معه ..


كان يجلس برفقة زوجته يتسامران ويضحكان

وفجاءة شعرت بدوار ووجع شديد بأسفل بطنها..


.. فزع سنمار  : مالك ياليساء حصل ايه ؟


: مش عارفة وجع جامد ودايخة قوى..ااااه مش قادرة : ( وكادت ان تقع فاستندت عليه)


.. ساعدها على ارتداء عباءة فوق ملابسها البيتية وحملها بين يديه..وهبط لسيارته واجلسها بداخلها وقاد سريعا متوجه لاقرب مشفى .. وهناك كانت المفاجأة ..


.. خضعت ليساء للكشف والتحاليل ورقدت على فراش بغرفة انتظار؛ ومعلق بيدها محلول مغذى مع دواء خاص بوضعها حتى تظهر النتيجة ..

.. كان يشعر بالقلق من الحالة التى تعرضت لها بشكل مفاجىء ولا يعلم لها سبب ..


.. دخلت الطبيبة باسمة الوجه توجه حديثها لها ..

: عاملة ايه؟لسه حاسه بدوخة ووجع ؟

: الوجع خف بس الدوخة لسه :


..ابتسمت : أمر طبيعى فى حالتك انه يحصلك كدا :


.. توتر سنمار فسألها : حالة ايه ؟! مالها يادكتورة عندها ايه ؟


: متقلقش؛ الف مبروك  مدام حضرتك حامل فى ست اسابيع :

..برقت عينيهم ورد سويا فى نفس اللحظة : ايه !!


.. ضحكت الدكتورة فهى تتعرض لمثل هذه المواقف دائما : بقول ان المدام حامل فى شهر ونص تقريبا .. ودى وصفة الادوية والتعليمات اللى لازم تمشى عليها وياريت أشوفها تانى بعد أسبوعين؛ نطمن و نرتب مواعيد الزيارات اللى بعدها.. وتقدرى تروحى لما المحلول يخلص؛الف مبروك  :


.. تركتهم الطبيبة لينعما ببعض الخصوصية ..

... ظلا ينظرا لبعضهما دون حديث وفجاءة مال عليها يضمها لصدره يشكر الله على نعمه ؛

الحمد لله ؛ الحمد لله؛ وهى تتمتم معه بنفس الجملة ..


: انا مش مصدق ياليساء..ربنا كرمنا وراضانا ؛اللهم لك الحمد :


مسدت على ظهره بيدها : الحمد لله انت أخدت بالأسباب وكنت راضى بحكم ربنا وهى دى عطيته لك؛ الشكر لله دائما وابدا :


.. عادا إلى منزلهما تملأ صدورهما السعادة والفرحة ومازال لسانهما وقلبهما يحمد الله على فضله عليهما..


: طمنينى حبيبتى؛ انت كويسة؛ تعالى على أوضتك ريحى :


: اهدا يا سنمار ..انا كويسة وبقيت احسن كتير .. المهم عايزين نفرحهم فى البلد :


: لا مش دلوقت .. ان شاء الله بعد اسبوعين لما نطمن اكتر ونسأل لو مفيش مشكلة من السفر .. 

نسافر ونعيش معاهم الفرحة :


: خلاص زى ما تحب؛ يلا بينا ننام :


: اسبقينى على الاوضة وانا هطمن على تمارا واجيلك :

.. ابتسمت له..وتراقص قلبها لان فرحته بحملها لم تنسيه ابنتهم ..بل تصرف كعادته يوميا ان يطمئن بنفسه عليها قبل خلوده للنوم ..

-------------------------

.. صباح اليوم التالى..ذهب سنمار للشركة فى موعده..ولكنه لم يوقظها كعادتهم الصباحية حتى تنعم ببعض الراحة..


.. ترك لها بجوار هاتفها ورقة مطوية فوقها وردة حمراء.. وكتب بداخلها..

*صباح أيام حلوة كتير جاية لأجمل هدية من الرحمن رزقنى بها *

.. اسيقظت تتمطأ فى الفراش تمد يدها جوارها فلم تجده؛ تحركت تجاه هاتفها وجدت رسالته مع وردته..قرأتها ثم قبلت الوردة وهاتفته مباشرة ..


.. رن هاتفه باسمها المحبب له فرد : الجميل صحى ليه :

: كدا تنزل من غير متصبح عليا؟


: أولا مردتش اقلقك علشان تعبك بليل ..ثانيا صبحت عليكى ياوردتى :


.. ضحكت بدلال : لا أنا بحب الصباح العملى .. مليش فى الشفوى دا :


..قهقه : بس كدا يبقى ليكى عندى اليوم صباح ومسا مع بعض واسبيشيال كمان :


: اموت أنا فى الاسبيشيال ياسينو..تيجى بالسلامة ان شاء الله :

: الله يسلمك ياليو..خلى بالك من نفسك..سلام :


.. غلقت معه ثم تذكرت صديقتها وهى من بشرتها يوما بهدية من الله لها..بحثت اسمها وضغطت عليه..


ردت رفيقتها : ليو صباح الخير..وحشتينى قوى انت وتيمو :

: صباح الخير يافوفا؛ انت اكتر احنا كويسين الحمد لله..انت والولاد اخباركم ايه :


: بخير تيام هيدخل المدرسة السنه دى ومشغولة فى تجهيز اوراقه وتقديمها :


: بالتوفيق ان شاء الله عقبال اوراق الجامعة حبيبتى؛ المهم عندى لك خبر حصرى :


: خير يارب :


: امبارح بليل تعبت وروحنا المستشفى وبعد الكشف والتحليل طلعت حامل :


: بجد الف الف مبروك ياقلبى؛ فاكرة لما بشرتك علشان تعرفو بس احلامى متنزلش الارض :


: الله يبارك فيكى..لا خلاص صدقت يا ستنا الشيخة علشان كدا انتى أول واحدة تعرف حتى فى البلد لسه معرفوش :


: ليه مش عايزة تقولى ليهم :


: لا مش كدا بس الدكتورة قالت لازم نكشف تانى بعد أسبوعين وسنمار قال نطمن الأول :


: احسن برضو؛ المهم خلى بالك من نفسك لغاية بس الحمل مايثبت :


: ان شاء الله ربنا يكملها لينا على خير؛ اسيبك بقى واروح أشوف تيمو صحيت ولا لسه :


:ماشى ياقلبى مع السلامة :

-------------------------

..بعد اسبوع ..

..دخلت المربية تعلم ليساء ان والد زوجها فى انتظارها بغرفة الاستقبال..


: ماشى يامريم لو سمحتى قدمى له الضيافة لحد مااجهز :

: حاضر ..حالا :


.. بعد قليل دلفت حاملة ابنتها التى تعدت السنتين بشهرين على يدها مرحبة به..


: اهلا وسهلا..حمد لله على السلامة..أومال فين الحاجة مجتش معاك ليه ؟ 


..نكس رأسه يشعر بالخزى من ترحيبها ووجهها البشوش له ومن خططه السابقة التى كان ينوى الاستلاء بها على ميراثها..


..حمحم لكى يستعيد صوته : منور بيكى يابنتى ربنا يسعدك..الحاجة بالبلد وانا عارف ان سنمار مش موجود بالوقت دا عشان كدا جيتلك لانى عايزك فى كلام مهم مينفعش غير بينا :


: خير ياحاج قلقتنى فى حاجة حصلت :


: انا يابنتى والله مكسوف من اللى هقوله بس ياريت تسمعينى للاخر بدون متقاطعينى:


: اتفضل حضرتك انا سامعة :


: زمان لما جتلك الشغل عملت نفسى معرفش ان شاهر مات علشان اضحك عليكى واستولى على مالك انتى وبنتك؛ كان الطمع عامى عينى وفاكر انه حقى انا واحفادى اللى ربنا عاقبنى بحرمانى انى اشوفهم ؛ واتفقت مع سنمار يضحك عليكى بالحب لحد ماناخد كل حاجة منك؛ بس الحمد لله ربنا رحمنى برحمته وابنى بدل ما يمشى ورا غلطى كمل مع الحق ورجعلك ميراثك انتى وبنتك وكمان حافظ على حقى؛ فوقنى وعصمنى من ذنب انا مش قده وعطانى كمان بنت وحفيدة؛ لومت نفسى كتير وندمت وطلبت من ربنا العفو وبدعى ليل نهار يغفرلى وجيتلك عشان تسامحينى وتقبلى اعتذار راجل عجوز فهم متأخر ان المال مش كل حاجة وان الصحة وراحة البال وولد صالح بكنوز الدنيا : 


..تنهد كأنه كان يحمل ثقلا كبيرا واخيرا انزله عن كاهله وقال ها يابنتى قلتى ايه ؟


..ابتسمت ثم تقدمت منه وجلست بجواره تربت بيدها على كتفه المنحنى خذيا وقالت..


: انا كنت عارفة كل حاجة من قبل حتى ماتيجى وانا بعد اللى سنمار عمله نسيت كل حاجة وكفاية ان ربنا بيحبنى عشان اتعرفت به وبقى من نصيبى وكان احسن أب لبنتى..والاهم من دا كله انه عيب الاب يطلب السماح من بنته والعيب الاكبر ان البنت ترفض بس ممكن تدلع عليه شويتين؛ وعشان كدا عندى ليك خبر هاخد عليه فلوس؛ ها ايه رايك هتدفع كام :


ابتسم وجه من ردها ومزاحها معه وتسائل..

: خبر ايه ؟! وخدى كل اللى انتى عاوزاه..كل حاجة بتاعتكم اصلا :

: طب امسك نفسك واسمع.. ان شاء الله هيكون ليك بعد سبع شهور حفيد تانى وخلى بالك بقول تانى يعنى مش هتنازل ان تمارا هى حفيدتك الاولى ولا ايه ياجدو ؟

.. برقت عين عبدون غير مصدق لما سمع..هل رضى عنه الخالق ؟هل تقبل توبته ؟هل كافأه بدل ان يعاقبه ؟ 


.. قال تعالى * * قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ **


.. ضحك عبدون بفرحة عارمة واستقام ياخذها بحضنه يقبل راسها ويبارك لها ويتمنى ان يكمل فرحتهم بخير وان يجعله ذرية صالحة مثل والديه .. ثم قاطعهم نداء الصغيرة التى التقطت الكلمة من امها ..ددو ددو ..

..لم يتمالك عبدون نفسه والتقطها ضاحكا يضمها لصدره مقبلا وجهها قائلا.

: حبيبة جدو وقلب جدو وفرحة جدو :


..ثم ضم ليساء مرة اخرى لصدره واصبح الاثنان ينعمان بحنان الاب والجد غافلان عن الشخص الذى دخل عليهم دون شعورهم وتوقف مكانه يسعد بما يراه من تصرف والده ورد فعل زوجته ..ثم تكلم ممازحا لهم ..

: خيانة وفى بيتى ومع مين ابويا؛ ليه ياربى يحصل معايا كدا :

..انفجر الجميع ضاحكا لمزحته وشرع له عبدون يديه لياتى له سنمار معانقا ليبارك قدوم مولوده ويدعو لهم بالبركة فيه .. 

..طلب من والده ان يخفى الامر عن والدته حتى يذهب اليها فى نهاية الاسبوع لكى يشاهد فرحتها ويأخذ مباركتها بنفسه ..

..اومأ أبيه رأسه بالموافقة ..ثم ودعهم اخر اليوم بعد ان دعى الله ان يتم فرحتهم ويتقبل توبته.....


نهاية الفصل

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات