القائمة الرئيسية

الصفحات

خاتمة حصنك الغائب "الجزء الثاني"

 خاتمة حصنك الغائب "الجزء الثاني"

---------------------

إذا شعرت و أنت تقلب الصفحة الأخيرة في الكتاب الذي تقرأه أنك فقدت صديقاً عزيزاً فأعلم أنك قد قرأت كتاباً رائعاً 

خاتمة حصنك الغائب "الجزء الثاني"


"مقتبسة"

-------------


_ بابا.. مش هتسرح شعري؟ الباص قرب يجي. 


جذبها ظافر وهو يستقبل صباحها بقبلة حانية ثم شرع گ عادته يصفف شعر صغيرته، لتصيح بعدها بانبهار: الله، حلوة أوي الضفيرة دي يا بابا..شكرا. 

_العفو، اتعلمتها عشان خاطرك يا روح بابا..يلا بقي سيبني اجهز عشان شغلي. 


ذهبت لوالدتها التي تدثر شقيقها بملابسه بعد استحمامه: مامتي ممكن تصوريني بالضفيرة دي. 

فعلت بعد أن نالت عناق دافيء من الصغيرة التي هتفت: هروح اوريها لتيتة. 


_ ياعيني علينا ولا حد معبرنا، كل فين وفين على ما بتعملي صفيرة زي بنتك. 


رمقها عبر المرآة ثم غمزها مع قوله العابس: ضفيرتك بتكون أحلى بالليل. 

ضحكت له: ماشي كل بعقلي حلاوة..ثم حدثت صغيرها:  يلا يا مصطفى صبح على بابا خليه يشوفك وانت جميل كده ويسرحلك شعرك انت كمان.  

دني من طفله وحمله ولثم خده الشهي قائلا: صباح السكر يا حبيبي..هات بوسة لبابا. 

قبله الصغير وقال: سرحني زي لاري أختي. 

_ من عيوني.. وراح برفق يمشط شعر طفله الغزير الناعم حتى انتهى:  كده بقيت عسل، روح صبح على تيتة هدى زي اختك ووريها انت ازاي أمور وريحتك حلوة. 

هرول طفلهما ليستدير إليها رافعا إحدى حاجبيه: 

الأستاذة كانت بتقول ايه؟

_ أستاذة ايه بقى ما راح زمنا خلاص، كفاية عليك بنتك ودلوعتك يا شيف. 

حدجها مليا بحب:  بتغيري من بنتك يا ملكة؟

مطت شفتيها بتهكم واستدارت تمشط شعرها الطويل أمام المرآة: حتى كلمة ملكة بقيت مش ليا.. مش بقولك راحت علينا يا شيف. 

ابتسم وعيناه تغوص بليل شعرها الأسود الطويل وهي تمشطه بتأني مهلك أغرى أنامله للمسه، فتحرك خلفها ليسحب منها المشط وهو يمشطها بحنان قبل أن يهمس لأذنيها:  بعد كده ابقي عاتبيني بالليل لأن عشان اصالحك دلوقت هتأخر على شغلي.  


فهقهت وهي تدفعه بعيدا عنها وشمسيها تلمع بشغب محبب: بصراحة أنا قاصدة أجننك عشان تحرم تهملني تاني، خليك بقا علي نارك لحد ما ترجع بالليل..عن أذنك عشان استعد لشغلي انا كمان ياشيف.  


ابتعدت خطوة لترتد رغما عنها لصدره ثانيا وهو يحوط خصرها بتملك وعيناه تبرق بتحدي: فاكرة انك بتعجزيني عشان عارفة ان عندي تصوير؟ شكلك لسه متعرفنيش..ثم بدأ يحل أذرار قميصه لتراقبه بريبة مع هتافها:  ظافر بتعمل ايه يامجنون؟  بجد عندي اجتماع مهم بعد ساعتين ولازم انزل.. وانت كمان عندك تصوير و..


لم تجد الفرصة لتكمل اعتراضها وهو يغتال الحروف من بين شفتيها ثم همس بالقرب من وجهها: أنتي اللي اتحدتيني وجريتي شَكَلي، اتحملي. 

_________


لاحظت تجهمه وهما يغادران مبنى الإعلام حيث انتهى بث حلقته المباشرة، استقلت معه السيارة صامتة عازمة ان تسأله عن سبب عبوسه قبل أن يقاطعها رنين هاتفه. 


"زعلان منك يا خالو"


ابتسمت بلقيس عند سماع صوت لؤي عبر مكبر الهاتف، كم تعشق هذا الصغير، طفل إيلاف المشاكس. "طب سلم على خالو الأول يا لؤي" قالها ظافر وهو. يبتسم لصوته والصغير يهتف ( أزيك يا خالو وحشتني.. انت في العربية؟ سامع زحمة حواليك) ابتسم لذكائه وقال ( أيوة يا لمض سايق ومعايا طنط بلقيس، سلم عليها يلا..(  ازيك يا طنط بلي وحشتيني خالص)

_ انت اللي وحشتني ياعسل انت، عامل ايه انت واختك دينا وماما وبابا؟

_ كويسين بس ماما بتتعصب عليا كتير اوي. 

_ أكيد بتتشاقى يا لؤي. 

_ مش أنا طفل يا طنط ولازم العب زي الأطفال؟ 


ضحكت لرده بينما ابتسم ظافر: 

طب قول يا لمض زعلان مني ليه؟


_ عشان قولتلك عايز اطلع معاك في البرنامج أنا ولاري ونعمل أكل.. ومش طلعتنا ولا مرة.  

_ معلش حقك عليا، عيد ميلاد لاري الشهر الجاي هطلعكم في حلقة معايا مع ولاد عمو عامر وعمو يزيد، مبسوط يابرنس؟


هلل الصغير بما ظفر من وعد: هييييه مبسوط أوي أوي ياخالو.. بس لو نسيت هخاصمك أيام كتير أوي. 

_ وانا مقدرش علي خصام حبيب خالو، قولي بقى ماما وبابا فين؟ 

_ بابا في الشغل وماما في أوضتها تعبانة عشان النونو. 

عقد ظافر حاجبيه ونظر لبلقيس التي تعجبت مثله:  نونو؟ 

أكد الصغير لهما بثرثرة عفوية: أيوة النونو اللي في بطن ماما يا خالو..حتى أنا قلت لبابا نفتح بطنها ونعرف النونو ولد ولا بنت بس زعقلي وقالي ماما تتعب..مع أن الدكتور فتح بطنها وطلع اختي دينا وقفلها تاني وماما كويسة اهي.  


تجاهل حديث الصغير والقلق نهشه لأجل شقيقته، لما لم تخبرهم بحملها إلى الآن؟

_طب هات ماما أكلمها يا لؤي. 

_ حاضر ياخالو. 


_ ازيك يا آبيه، وحشتني انت وبلي اوي. 

_ ازيك يا حبيبتي عاملة ايه انتي ومحمود؟

_ الحمد لله بخير. 

صمت برهة قبل أن يهتف:  إيلاف، هو انتي حامل زي مابيقول ابنك؟ 


نظرت بذهول للصغير ثم رمقته بحنق وهي تتوعده بإشارة صامتة ومحذرة من يدها وقالت: أيوة يا آبيه. 

_ وليه مش عرفتينا؟

_ والله كنت منتظرة أفاجئكم اما نتجمع أخر الأسبوع، بس اعمل ايه في راديو توشيبا اللي انا مخلفاها ده.. مع إن محمود حذره يتكلم في حاجة مالوش فيها.. أهو بوظ المفاجئة بتاعتنا. 


ضحكت بلقيس: ولا يهمك ياقلبي وألف مبروك يا لولو، بس أعترض على تسمية لؤي براديو.. ده قناة عالمية مستقلة بذاتها يا ماما. 

قهقهت لها:  الله يبارك فيكي يا بلي، والله ده مجنني انا وابوه يابلقيس، لمض بشكل مش طبيعي.. ومحمود كل شوية يقوله مهند ماكانش بيتكلم زيه كده.. ومش قادرة اقولك رغم لماضته دي واكل عقل جدو محمد وجدته عبير ازاي.. في مكالمة يومية كده بينهم مع لؤي لازم تحصل.. ممكن مش يكلموني انا ومحمود بس الأوزعة ده بيعطوه قيمة كبيرة. 


ظافر:  ونسيتي جدته هدى، دي بتستني زيارتكم اخر الأسبوع بفارغ الصبر، وعلى فكرة انتي مش عارفة قيمة لؤي خالص.. ده أحلى حاجة انتي ومحمود عملتوها في حياتكم لحد دلوقت. 


صاحت وهي تستغل الموقف لتُسمع صغيرها:  لا بس انت أكيد زعلان من لؤي ياخالو عشان مش بيسمع كلام بابا وماما صح؟ 

فطن ظافر لهدفها وقال:  أه طبعا وكده مش هطلعه في البرنامج مع بنتي. 

_ سامع خالك بيقول ايه يا لؤي؟ 

التقط منها الهاتف سريعا: خلاص ياخالو مش هزعلهم تاني بس طلعني معاك عشان أصحابي يشوفوني. 

أخبره مبتسما:  خلاص ياحبيبي أوعدك. 

ثم حدث شقيقته:  إيلاف انتي كويسة وروحتي تتابعي الحمل ولا لسه؟ 

_ أنا عرفت الحمل من قريب وباخد فيتاميناتي المعتادة زي كل مرة. 

بلقيس:  لا يا إيلي لازم تتابعي، هعدي عليكي بكره ونروح سوا للدكتور. 

_ لأ استني اما اعرف ماما وافرحها في زيارتنا أخر الأسبوع ونبقي نروح كلنا يومها. 

_ ماشي حبيبتي.. وربنا يقومك بالسلامة. 

_ تسلمي يابلي.. بوسيلي لاري و مصطفى حبايب عمتو. 

_ حاضر من عنية. 


وقف بسيارته أمام الفيلا وقال:  اسبقيني يابلقيس هركن العربية واجي. 

.......

_ ماما، لاري ضربتني. 


هكذا استقبلها صغيرها بشكواه..(صحيح يا لارين، ضربتي اخوكي؟) نفت الصغيرة التهمة عنها بثبات:  والله ما ضربته يا ماما انا كنت في الجنينة بدربه معايا علي الجودو، فوقع على الأرض وافتكرني قصدت اوقعه..مش عايز يصدقني ومصمم اني ضربته.


_ لاري مش بتكدب. 


دعمها أبيها وهو يلج من خلفهم فأسرعت تقفز اليه: قولهم يا بابا اني مش بكدب. 

_ عارف ياحبيبتي

_ لما اكبر هضربك. 


بحنق طفولي قالها شقيقها ليجذبه ظافر بانزعاج حقيقي:  كده يامصطفى عايز تضرب أختك حبيبتك اللي بتحبك؟ ده المفروض تقول لما اكبر هحميها.  

تمتم بعناد:  ما هي بتضربني عشان انا صغير يا بابا. 

_ لأ انت اللي فاهم غلط، لارين بتحبك وكانت بتدرب معاك مش أكتر. 

صاحت الصغيرة: والله ده اللي حصل يا بابا، خلاص يامصطفى مش هتدرب معاك تاني ولا العب كمان.

أزعج الصغير قرارها وظنها تغيظه فازداد غضبه: ولا انا هلعب معاكي..هلعب مع ماما وبابا تيتة بس.


وهرول بعيدا عنهم ليجثو ظافر علي قدميه محدثا طفلته بعتاب:  لارين، أخوكي صغير لازم تاخدي بالك منه ومش تزعليه..ولو مش هتلعبي معاه مين يلاعبه؟ انا كده زعلان منك. 

_ يا بابا ده بيعيط من أقل حاجة وانا زهقت. 

_ معلش هو صغير وانتي الكبيرة، روحي يلا صالحيه لو مش عايزاني ازعل أنا وماما منك. 

_ حاضر يا بابا (ثم تذكرت شيء جعلها تتحمس بقولها) نسيت اقولك عملت انا ومصطفى وتيتة حاجات جميلة  "بالسلايم" هروح اجيبها عشان تشوفها انت وماما. 

بلقيس:  بس صالحي اخوكي الأول زي ما قالك بابا يا لاري. 

_ حاضر يا ماما. 

________


"ظافر، ممكن اعرف ايه اللي مضايقك؟"


غمغم وهو يخلع عنه قميصه:  مفيش يابلقيس. 

_ لأ في، من وقت ما طلعنا من القناة وانت مضايق، في ايه زعلك طيب؟ 

غمغم باقتضاب: ولا حاجة. 

_ ازاي أكيد في سبب؟ 

_ ما قلت مفيش حاجة. 

قالها بحدة أجفلتها واغرورقت عيناها ليزفر هو بحنق من نفسه ويعلم ان لا ذنب لها فيما يضايقه..أمسك كفها ولثمه ثم عانقها ليراضيها هامسا( سيبيني دلوقت يابلقيس بعدين هكلمك) سكنت على كتفه بشرود فلن تهدأ قبل أن تعلم سبب ضيقه، وستعلم حين يكون مستعدا للحديث. 


(بابا..ماما، تعالوا شوفوا عملنا ايه بعجينة "السلايم" الصحي اللي تيتة عملتها ليا أنا واخويا) 


اقتحموا الصغار الغرفة گ العاصفة متحمسين لاستعراض ما صنعوه..  

_وريني ياحبيبة بابا عملتوا ايه. 

جذبتهما بحماس لغرفتهما حيث طاولة جانبية يعلوها مجسمات صغيرة صنعتها للأسد وأميرة سنوايت وبعض أشكال الفاكهة، ليهتف ظافر بفخر حقيقي:  الله يا لارين، الاشكال اللي عملتيها تحفة كأنها حقيقية بالذات الفواكهة عرفتي تتقنيها برافو يا قلبي. 


بلقيس بإعجاب مماثل: ما شاء الله، بنتي طالعة فنانة لأبوها.. هاتي حضن كبير لماما بسرعة. 

ضحكت الصغيرة بحصد إعجاب أبويها عما صنعته لتواصل بلقيس مع صغيرها: فين اللي عملته يا قلب ماما؟ 


أسرعت لارين تجيب عنه: مصطفى وتيتة عملو سوا السمكة والديك يا ماما.. بس انا ساعدت تيتة شوية في الديك.

_ لأ أنا اللي عملتهم انا وتيتة بس. 

_ مصطفى بلاش تكدب، انا ساعدتكم. 

دب قدميه في الأرض بتذمر: لأ تيتة بس. 

تدخل بينهما ظافر: وبعدين انت هي هتتخانقوا تاني؟ انتو الاتنين شغلكم عجبني وهصوره وانزله على الصفحة بتاعتي عشان الناس تشوف شطارة ولادي  الحلوين. 


قفزوا يعانقوه فرحا بهذا الوعد ولارين تصيح:  الأشكال بتاعتي هتجيب لايكات كتير. 

مصطفي مقلدا إياها: وأنا كمان. 


همت لارين بإغاظته لولا أن رمقها ظافر محذرا، لتتراجع قائلة وهي تجز على أسنانها: وانت كمان يامصطفى ارتحت؟ وحدثت أبيها:  أنا هطلع شيف زيك يا بابا. 

ليخالفها مصطفى تلك المرة: أنا بقى هشتغل زي ماما وجدو في الشركة الكبيرة بتاعتها.. صح يا ماما؟ 

برقت عين بلقيس بحنان:  إن شاء الله ياروح ماما. 

يلا انزلوا تحت عند تيتة عشان الغدا . 

لارين:  ماشي، يلا يا مصطفى.


عادت تنظر إليه لتستدر منه سبب ضيقه، فقطع السبيل عليها مع قوله:  بلقيس أنزلي للولاد وانا هاخد شاور واحصلكم. 

رمقته برهة مغمغمة: مافيش أمل تقولي مالك؟

_ بعدين. 

أومأت برضوخ كي لا تغضبه وغادرته لكن حتما ستجرب معه في وقت أخر. 

___________


"من فضلك، ده بيوتي سنتر " ملكة المنصورة " للعرائس المحجبات"


رفعت رودي عيناها عن شاشة الحاسوب للزائرة تجيبها بابتسامة:  أيوة هو حضرتك..أي خدمة؟


الفتاة زافرة براحة: أوف، أخيرا وصلت، الحقيقة انا جيت على وصف صديقة ليا وخوفت أكون توهت في الطريق.

دعتها للجلوس:  طب خدي نفسك الأول وحمد الله على السلامة، احنا والبيوتي كله تحت أمرك. 

_ تسلمي، أنا سمعت كتير عن شغلكم الكامل مع العرايس وأسعاركم المناسبة وحبيت احجز معاد أول الشهر الجاي. 

_ مفيش مشكلة، قولي التاريخ عشان اشوف اليوم ده اذا كان فى عروسة معاكي. 

أخبرتها فتفقدت رودي زبائن ذاك اليوم لتهتف: في عروستين بس معاكي، بإذن الله هتطلعي من هنا عريسك مش هيعرفك. 

ابتسمت الفتاة:  أيوة الله يخليكي ظبطوني عايزاه يدوخ لما يشوفني.. 

ضحكت ضحكة قصيرة:  هيحصل. 


_يبقي اتفقنا وده عربون للحجز، امتى هتحتاجيني؟

_احنا بنبدأ قبلها بحوالي عشر أيام برنامج للعناية الكاملة بالجسم والبشرة، كلميني وهنظبط كل حاجة مع بعض. 


ودعت الزائرة واكتفت بهذا القدر من متابعة العمل في المركز وراحت تتفقد بيتها الذي لا يبتعد قليلا عنها.

____________


في المساء


_ واحدة طالبة تقابل حضرتك يا رودي هانم.


استأذنت البقية وتوجهت حيث تنتظر الفتاة لتهتف رودي متعجبة: شاهندا؟ انتي لسه مرجعتيش بيتك لدلوقت؟ افتكرتك مشيتي من بدري. 


غمغمت الفتاة والخجل محفور فوق محياها: 

في زبونة جت قبل ما نقفل عشان تتفق وتحجز عندنا..خلصت معاها وبعدين قفلت البيوتي و…


بعين ثاقبة رصدت بوضوح توترها وترددها بالحديث ( عايزة تقولي حاجة يا شاهندة؟)


رفعت الأخيرة وجهها بعين دامعة وقالت بلعثمة:

 أنا.. أنا بصراحة.. يعني. 

_ اتكلمي ومتخافيش. 

رمقتها بخزي وهتفت أخيرا: عايزة اسيب الشغل يا مدام رودي..لم يبدو علي الأخيرة الدهشة كأنها توقعت نفس الأمر، لتستطرد الفتاة: بس قبل ما اسيبه بشكرك من قلبي إنك سترتيني قصاد زمايلي وسمحتيلي استمر في الشغل عندك بعد ما اللي عملته.. أنا كل اما اشوف سماحتك معايا استحقر نفسي أوي لاني خونت الأمانة..واحدة غيرك كانت طردتني بفضيحة بعد ما ..


ومع أخر قولها انفجر شلال الدموع من مقلتيها فدنت رودي تربت علي كتفها: خلصتي كلامك اهدي بقا وكفاية عبط.. الموضوع ده اتقفل خلاص ومش هنتكلم فيه تاني. 


غمغمت باكية:  لا يا مدام متقفلش جوايا، أنا كل اما اشوف طيبتك ضميري يجلدني أكتر.. كان فين عقلي لما مديت ايدي علي فلوسكم..خونت ثقتك انتي والست ميرا اللي عيونها مليانة لوم ومش بقيت تطمن ليا زي الأول ومعاها ألف حق.. أنا بالنسبة ليها مجرد بنت حرامية.. عشان كده انا قررت اروح لحال سبيلي وربنا يسامحني ويفتحلي باب رزق تاني اصرف منه على أمي وأهلي. 


شملتها تيماء بنظرة عميقة وهي لا تري بها سوى شبيهة لها..ألم تكن يوما مثلها خائنة للأمانة؟ لكن شتان بينهما، إن كانت يد هذه الفتاة امتدت لتسرق بضع نقود هي كادت تسلب صديقتها شرف وحياة بأكملها..ألا تتمنى يومًا أن تحظى بهذا العفو من بلقيس؟ فلا يؤرق نومتها غير هذا الخاطر أن هناك من لم يمنحها سماحه بعد..ماذا تقول لربها حين تلقاه إن ظل الذنب عالق برقبتها گحبل غليظ يدميها.. بهذا الدافع فقط منحت الفتاة عفوها.. لعل الله يؤجرها عليه وتحصد مثيله ذات يوم..لا عيب لو طمعت برفق ربها.. لا عيب. 


ملأت صدرها بقدر كافي من الهواء وقالت: 

_ أسمعي يا شاهندا اللي هقوله لأني مش هعيده تاني، اللي حصل أنا نسيته خلاص لأنك كنتي مجبرة بسبب مرض والدتك، وانتي من دلوقت في اختبار جديد للثقة يانجحتي فيه يا فشلتي..أما ميرا مع الوقت هترجع تطمن ليكي تاني لما تثبتي ليها العكس.. واللي سرقتيه هترجعي تكسبي أكتر منه بالحلال.. وطلبي الأخير منك لو احتاجتي أي مساعدة مادية تعالي كلميني..صدقيني مش هتلاقي في الحرام بركة ولا توفيق..بالعكس ربنا هيسلط عليكي ضميرك من غير رحمة.. ويا ويل اللي ضميروا يكون جلاده يا شاهندة. 


بكت الفتاة ناكسة رأسها ثم التقطت بغتة كف سيدتها تقبله تعبيرا عن شكرها لتسحب رودي يدها سريعا مع نهرها:  وبعدين معاكي قولنا خلاص انتهينا، يلا ارجعي بيتك الوقت اتأخر، ولما توصلي ابعتي رسالة تطمني، خدي بالك علي نفسك يا شاهندة. 

________


_مش عاجبني تصرفك مع البنت دي يا رودي. 


التفتت علي صوت ميرا خلفها وبدا جليًا أنها تابعت حديثهما من بعيد، لتردف بهدوء: طب تعالي نتمشي في الجنينة برة ونتكلم.


_ ازاي نأمن ليها تاني بعد ما كانت بتسرق كل يوم جزء من إيراد البيوتي واحنا في غفلة؟

_ تفتكري ياميرا لو البنت دي مش محتاجة كانت سرقت؟

_ وده مبرر لسرقتها؟ لو محتاجة كانت طلبت سلفة ولا مساعدة مننا.. أحنا مش بنتأخر عن حد من البنات اللي شغالين معانا وانتي عارفة كده.. كل البنات بياخدوا حقهم وزيادة كمان..يبقي ليه الغدر؟


حادت بعيناها وقالت: ميرا انتي بتثقي فيا ولا لأ؟ 

_ أكيد طبعا ياحبيبتي بس. 

_ يبقى خلاص خلينا نديها فرصة وحاولي تعطيها ثقتك من جديد يمكن ده اللي يغيرها، لكن في نفس الوقت هتكون تحت عيوننا، ولو لا سمح الله رجعت تخون تاني أنا وقتها هعرف اتصرف.. 


صمتت ميرا تفكر مليا قبل أن تهتف بإذعان:  ماشي يا رودي عشان خاطرك هحاول، واتمنى مش تخذلنا.. 

ابتسمت لها وأخذت نفس عميق وهي تطلع للسماء الصافية وحفيف الأشجار يداعب أذنيهما قبل تهمس ميرا: 

تعرفي انك اتغيرتي كتير عن ما كنتي في سويسرا يا رودي؟..ظلت الأخيرة علي صمتها المتعمق في الأفق والأخرى تستطرد: بقيتي اهدى ومش متحفظة في علاقتك بالناس زي الاول.. 


غمغمت ومازالت شاخصة: كان لازم اتغير وإلا مبقاش اتعلمت الدرس.

عقدت الأخرى حاجباها بما وشى بدهشتها:  درس؟! تقصدي ايه؟

استدارت لها بكلتيها وقالت: درس إني اسامح الناس عشان الاقي اللي يسامحني يا ميرا. 

_ يسامحك على ايه؟

تنهدت مع قولها: على أي حاجة اكون أذيت بيها غيري..هو حد فينا معصوم؟ 

أومأت لها: عندك حق، أكيد محدش معصوم غير ربنا سبحانه وتعالى، عموما يا ستي انا هسمع كلامك . 

وواصلت بنبرة طغى عليها الفخر: تعرفي يا رودي مفيش أحلى من التغير الجذري اللي حصل لحياتنا بعد المشروع ده..كنا حاسيين بالفراغ ومفيش انجاز حقيقي عملناه غير خلفة الولاد وتربيتهم. 

_ البركة فيكي ياميرا، بيوتي المحجبات كان فكرتك. 

_ أيوة بس لولا الفيلا بتاعة والدك مكناش عرفنا ننفذه بالسرعة دي.. أيهم ورائد حطوا كل فلوسهم في تأسيس شركتهم بتاعة الاستيراد والتصدير..وانا قدرت بالقرشين اللي معايا من شغلي اشاركك بنسبة كويسة. 


_ الفيلا كانت مركونة من غير فايدة وقلت اسيبها ورث لولادي وخلاص، بس المشروع ده كسر روتين حياتنا وكمان بقي لينا ربح خاص بينا بعيد عن رائد وأيهم وحققنا كياننا.. وأهو كله لولادنا بعدنا. 


_ الحمد لله ربنا يزيد ويبارك، جوزي بيقولي الشركة ابتديت تاخدوا صيت كويس في السوق والحال ماشي.. والله ياريتنا رجعنا من غربتنا من زمان. 

_ كله بأوانه.

_ صحيح هتعملي عيد ميلاد فهد عند مامتك؟

_ أيوة انتي عارفة هو وابن غدير الأول وبنت حازم الأخيرة اتولدو في نفس الشهر، وماما نفسها تحتفل بيهم كلهم عندها السنادي، ورائد موافق وجوز اختي برضو وافق. 


_ ربنا يبارك لكم فيها، طب عندي اقتراح حلو مادام ده عيد ميلاد جماعي، ايه رأيك نعمل أوردر التورتة والجاتوهات ولوازم العيد ميلاد من مطعم الشيف ظافر الشباسي؟ أسعاره معقولة جدا وبيعمل قوالب مش تقليدية، ويقدر كمان ينفذ اي شكل احنا نختاره..ده عمل الاسبوع اللي فات افكار رهيبة و…… 


مجرد ذكر أسمه جعلها ترتجف وهيج ذكرايات قاسية ومشينة.. لم تنسى ذاك الليث وهو يثب لينقذ أنثاه حين تم أختطافهما في سويسرا..مازالت ملامحه عن قرب محفورة بجدار عقلها..تُرى كيف كان مصيرها هي ورائد لو علم بأمرهما حينها؟ الخاطر ذاته يصيبها بالرعب والحزن معا..هل تتأمل يوما منهما غفران؟ الأمنية تبدو لها مستحيلة لولا تشبثها برحمة الله وقدرته.. 


_ رودي..رودي سرحتي في ايه يا بنتي، بقولك ايه رأيك في اقتراحي؟ 


تجرعت ريقها لتذيب توترها قائلة:  مش موافقة. 

_ ليه؟ ده شغله رائع.. أنا كنت هعملك الأوردر بنفسي لأن لازم حجز و… 


_ قلت مش موافقة ياميرا. 


جاء صياحها معبأ بخوفها الدفين الذي بدا مبالغ به فغمغمت الأخيرة باعتذار ورودي تسرع بترميم الموقف: 

أسفة يا ميرا مش قصدي اتعصب والله بس أنا…. 

بحثت عن شيء تقوله لم تجد..

_ خلاص يا رودي حصل خير، مجرد فكرة عرضتها عليكي يمكن تفرق معاكي..هسيبك بقى واروح للولاد، تصبحي على خير. 


ها هي افسدت أجواء الجلسة وضايقت من أضحت لها أخت وصديقة غالية..ستصلح الأمر فيما بعد، لن تترك شيء ينقص من مكاسبها، وميرا أهم هذه المكاسب، هي حقا تحبها مثلما تحب ضي وغدير. 


_ماما بطني وجعاني. 


التفتت سريعا لصغيرتها الوسطى "دانة": سلامتك ياروحي، تعالي اخلي دادا تعملك حاجة دافية..أمال فين اخواتك؟ 

_ رحمة نايمة وفهد اخويا شوفته داخل عند بابا. 

حملتها بحنان:  طب يلا عشان تشربي حاجة دافية وتنامي انتي كمان لأنك سهرتي زيادة عن اللزوم يا قلب ماما. 

_ ينفع انام معاكي انتي وبابا زي اخويا؟

لاطفت أنفها برفق:  مفيش الكلام ده، هتناموا في اوضتكم. 

_____________ 


راح يحصي على حبات مسبحته استغفارا راجيا المغفرة وثواب يؤل لوالدته الراحلة.. وهو لا يُتم طقوس ذكره اليومي قبل نومه إلا بمسبحتها الألفية..جبهته لا تلمس سوى سجادة صلاتها الطاهرة..مصحفها وطيات صفحاته يحمل عبقها وملاذه الوحيد صار بين آيات ربه وتأثيرها الساحر يغزو روحه ويشرح صدره..


تقلبت علي فراشها فوجدته جالسا يختم صلاته

انتهى ونهض ليحتل فراشه جوارها لتقول بنعاس:  هو الفجر آذن.. 

اعتدل وضمها إليه:  لسه بدري يا رودي، أنا كنت بصلي ركعتين قيام قبل ما انام.  

_ معلش يا حبيبي نمت وسبتك من التعب، البيوتي كان زحمة أوي انهاردة، خرج من عندنا ست عرايس تصور.. 

_ ما شاء الله، كويس الدنيا بقيت ماشية عن الأول. 

تحدثت بتباهي: الحمد لله احنا دلوقت مش بنلاحق على العرايس، عندنا حجز لشهرين قدام. 


ملس علي وجنتها برفق وعيناه بدأت ترتخي:  الحمد لله، كله بتعبكم انتي ومرات اخويا..  

_ فعلا، ميرا ليها فضل كبير بعد ربنا..وواصلت بضيق: 

تعرف اني زعلتها؟ 

بدا عليه الاهتمام:  ليه كده؟ 


اعتدلت قليلا مع استطرادها: لأنها من غير ما تقصد قلبت عليا المواجع يا رائد، كانت عايزة تعمل أوردر عيد ميلاد ابننا فهد من عنده..شوفت الدنيا صغيرة ازاي؟ معقولة يجي اليوم اللي نقابل جوز بلقيس كده عادي؟ متهيئلي لو قابلته تاني هيشوف في عنية "جرمي" وهيموتني. 

ضمها بحمية تلقائية ليبثها أمانه: رغم إن محدش ساعتها يلومه، بس مستحيل هسمح لحد يقربلك وانا موجود.. لو في حد لازم يتعاقب ويسدد الدين هيكون أنا. 


فعلت حميته وخوفه عليها الأفاعيل بنفسها، أوتار قلبها رقصت فرحا بهذا الشعور..اندست بصدره تهمس: ربنا يخليك ليا يا حبيبي، بس أكيد ربنا مش هيوصلنا لكده.. ان شاء الله يكون قبل توبتنا ويربح قلولنا في يوم من الايام من ناحية بلقيس، مش ده اللي علمتهولي؟ اطمع في ربنا. 

تنهد مع غمغمته: ده عشمنا إن شاء الله. 

أسدل جفناه رغما عنه مستسلما للنوم لتبتسم وهي تتأمله ثم اقتربت ولثمت شفتيه برقة وعادت تعانق موضع قلبه ليغلبها النوم هي الأخرى بعد وقت قصير. 

___________


"سنة حلوة يا نيرمين.. سنة حلوة يافهد.. سنة حلوة يا عادل.. سنة حلوة يا حلوين"


نفث الصغار سويا بحماس في قالب عيد الميلاد خاصتهم متلقين تهاني أباءهم وأمهاتهم، والجميع يحلق حول مائدة تحوي ما لذ وطاب من الحلوى والمقرمشات.

( مين هيقطع التورتة فيهم؟)

تساءلت ضي وحازم اول من أجابها:  التلاتة، يلا ياولاد امسكوا السكينة واقطعوا اول قطعة واختاروا هتدوها لمين..( تيتة)  هتف ثلاثتهم دون تفكير لتومض عين الجدة بمحبة طاغية لأحفادها ( ياعيون تيتة، إلهي تاكلوا من الجنة وتشربو من زمزم يانور عيوني) أمن جميعهم علي دعاهم وبدأ الصغار بالتهام حلواهم ثم صخبهم وهم يلعبون ويملئون الأرجاء ضحكا.. 


وقفت بزاوية ما تجول عيناها بين الجميع راضية لما وصلت إليه حياتها، ها هي تنال حلم العائلة التي تمنتها يوما، عائلتها صارت گ شجرة تشعبت وترسخت جذورها أكثر، حبيبتها " ضي" التي كبرت وأصبحت شابة جميلة تخطف القلب والعين، التحقت بالجامعة وينتظرها مستقبل رائع، شقيقها الطبيب الذي حظى في مهنته بصيت يدعوها دائما للفخر به..وغدير التي غدت  توأم روحها وطفلها الذي أنجبته بعد عناء صار كأنه صغيرها وأكثر، كم تعشق منه كلمة " خالتو" اما طفلي حازم هم قرة عيناها ولقب " عمتو" من ثغرهما له وقع السحر عليها.. أما عائلة زوجها منحة أخرى وهدية من خالقها وأطفالها هي وميرا يكبرون معا ويشكلوا عزوة حقيقية لبعضهم..لم تعد وحيدة.. لم تعد محرومة وتتسول "حصن" يأوي روحها، لديها الآن حصون تتنقل بينها في دلال ورغد..


""كان ممكن ترسمي حياتك بشكل تاني خالص وتستغلي المنح اللي عندك وتبني ذاتك وتعملي اسرة وولاد وتعيشي معاهم اللي اتحرمتي منهم..""


بصوت بلقيس تدفقت تلك الكلمات بدهليز عقلها.. كم تراها محقة الآن..حين سخرت كل طاقتها للحقد وإفقاد صديقتها كل شيء خسرت هي كل شيء..

أما الآن ربحت العائلة.. 

ولا ينقصها سوى عفو تسمعه أذنيها من بلقيس. 


"الجميل سرحان في ايه؟"


انتفضت على ذراع حازم وهو يحيط كتفها بحنان، فافترشت ابتسامة مضيئة وجهها وهي تهتف له: كنت بحمد ربنا عليكم وبدعي يديمكم في حياتي.. انتو فرحة عمر طبطبت علي قلبي ونستني كل حاجة وحشة عشتها. 


قبل قمة رأسها وغمغم:  يعني قدرنا نعوضك اللي فات؟

ربتت على كفه:  وأكتر يا أخويا وأكتر..ربنا مايحرمني منك انت وغدير وماما وضي ويبارك في ولادنا. 


" وسع كده يا دوك مش هيصة هي، كل اما اغفل عنك الاقيك واقف مع مراتي وواخدها في حضنك"

شاكسه حازم:  والله اختي وانا حر اكلمها وقت ما احب، عند حضرتك اعتراض؟ 


تدللت بينهما وهي تنسحب قائلة:  طب انا هسيبكم بقي تتناقروا واروح اشوف ماما.


طالعوها وكل عين رمقتها بما يناسب دواخلها.. 

الأول گ سند يعدها بمزيد من الأمان والسند. 

والثاني گ عاشق يعدها بنهر من الحب الذي لن ينضب يوما. 

________


تعافر بقوة وهي تمط قامتها القصيرة كي تصل للطنجرة الكبيرة بإحدي الأرفف، ابتسم وهو يراقبها بتسلية مرتكزا بكتفه على باب المطبخ بضع لحظات قبل أن يقترب وتُجفل هي بكفيه القوية ترفعها گ الدمية من خصرها عن الأرض لتلتقط بغيتها مع قوله الساخر(  ياعيني على القصيرين المحتاسين) لتهتف بحنق:  بطل تقولي كده ياعامر أنا مش قصيرة ونزلني خليني احضر الغدا.  

_ الحق عليا اني أنقذتك يا أوزعة؟

جزت على أسنانها بغيظ وحاولت النيل منه ليقهقه وهي تحاول باستماتة وتفشل: انتي هتقلبي كلبة وعايزة تعضيني كمان..طب خلاص هنزلك يا مجنونة بس هاتي الحلة الأول.


"طب ماكنتي ناديني وشيليني وانا اجيب الحلة، ولا عايزة تتعبي بابا عشان يشيلك وخلاص؟"


باغتهم قول الصغيرة متطلعة لأبيها بغيرة وهو يحمل والدتها بين ذراعيه، ابتسم عامر بينما عنفتها جوري:  

_ ايه اللي بتقوليه ده يابنت؟ في طفلة تكلم أمها كده؟ ازاي تدخلي كده بين ماما وبابا مش عيب؟


أنزلها عامر وعاتبها هامسا: براحة ياجوري دي عيلة. 


تجاهلت عتابه وهي تصيح أمرة إياها بحدة: روحي علي أوضتك يا جويرية، أنا زعلانة منك ومش عايزة اشوفك دلوقت..دمعت عين الصغيرة وركضت لغرفتها تبكي.


_ ليه كده بس ما انتي عارفة انها بتغير زي اي طفلة في السن ده..دي بنت ظافر مجنناه. 


حبست دموعها ولم تجيبه وشرعت بإعداد الطعام، عقد ساعديه مائلا بجسده علي الجدار متابعا ما تفعل ووجهها العابس لم يفقد طفولته بعد رغم مرور أعوام، فضل أن يتركها لتهدأ لكنه فزغ من تآوه صدر عنها بعد أن لفحها نيران عين "الموقد" فأسرع يحضر أمبوب دهان طبي ووضع بعضه فوق كفها مع وصلة تقريع:  أنا مش فاهم لحد أمتى هتفضلي تحرقي ايدك وانتي بتطبخي ياجوري..ميت مرة اقولك ركزي مفيش فايدة..وبعدين هو أول مرة جويرية تغير كده..دي صغيرة وبكرة تفهم. 


وجد دموعها تزحف صامتة وهي تراقب ما يفعل، فأشفق عليها وظنها تتألم من يدها وغمغم برفق: طب معلش، المرهم ده ساحر وهترتاحي دلوقت..وجذبها لصدره مردفا:  خلاص بقى يا جوجو مش مستهلة والله. 


همست بحزن ناكسة الرأس: مش مستهلة ازاي وانا حاسة إن بنتي مش بتحبني يا عامر..مع إني بموت فيها. 


شدد على عناقها لصدره:  والله ياجوري انتي عيلة.. في بنت مش بتحب مامتها؟

هتفت باكية: انت مش شوفت بنفسك اللي حصل؟

_ يابنتي دي غيرة أطفال طبيعية جدا.. طب ما اخوها بيغير عليكي مني، تنكري؟ مش بزعل زيك ليه بقي واقول ابني مش بيحبني؟ وتعالى هنا انتى نسيتي كنتى بتعملى ايه مع عمى أدهم وطنط كريمة كانت برضو بتتعصب وتغير منك صح؟


شردت متذكرة مع همسها" بس أنا كنت بحب ماما" قال وهو يكفكف وجهها من العبرات مواصلا: وبنتك بتحبك والله، ماتزعليش بقا وروحي اغسلي وشك كفاية جنان، يلا وانا هساعدك في في الأكل. 


غابت دقائق وعادت لتجده يرتدي " مريولة" المطبخ فابتسمت له بحب:  هتعمل ايه ياعموري؟

أجابها بفخر: هعملك الملوخية واستعدي بقى للريحة اللي تدوخ. 


اقتربت تراقبه لتقهقه وهي تراه يشرح لها ما يفعل مقلدًا طريقة صديقه وهي تصيح:  يا ابن الأيه، ظافر فعلا بيتكلم كده في البرنامج وهو بيشرح خطوات الأكل. 

_ منا عارف، ده لو شافني بقلده كده هينفخني. 


قالها ثم شهق بغتة فأجفلها حقا وهي تلومه:  يابني قطعت خلفي من الخضة، انت اتحولت فجأة لخالتي بمبة كده ليه؟ وبعدين ايه اللي عملته من شوية ده؟ 

_ دي اسمها " شهقة الملوخية" ياهبلة إش فهمك انتي، ده انا فاكر اما كنا نقعد انا واخواتي وبابا علي السفرة وصوت شهقة امي وهي "بتطش" التومة بتاعة الملوخية بيجوعنا. 

غمغمت بمحبة:  ربنا يديها الصحة، بصراحة طنط أكلها يجنن فعلا، ولادي بيحبو أكلها جدا. 

_ عشان عيال بتفهم..على فكره هنعدي عليهم الويك إند ده.. خلي الأسبوع اللي بعد لزيارة المنصورة. 

_ ماشي أنا عرفت ماما عشان كانت مستنية نيجي مع الولاد..واستطردت: وسع بقي يا حبيبي هكمل أنا وانت نادي الولاد واستنوا علي السفرة. 


ربت علي ظهرها: طب انا هخلي جويرية تعتذرلك. 

قالت بحسم:  أوعى يا عامر، أنا مش عايزاها تعتذر لأنك طلبت منها، حابة اشوف هتتصرف ازاي من نفسها.. بنتنا لازم تتعلم تعتذر لما تغلط. 

قبل قمة رأسها:  ماشي بس فكي كده وماتزعليش، بنتك بتموت فيكي والله وانتي ظالماها. 


التفتت له وهي تبتسم رغما عنها وداخلها حزين بحق، مواقف كثيرة تخبرها أن ابنتها لا تحبها عكس عامر الذي تتعلق بأذياله أينما ذهب..تقبله قبل نومها وأول صباحها يكون له، تعترف أن أعصابها كثيرا ما تفلت مع الصغار حين يخطئون بشيء لكن هل هذا يستحق بعد جويرية عنها؟ تنهدت وهي تنحي الأمر جانبًا لتنضم إليهم حاملة صحون الغداء. 

_________


عيناها الخجولة تتبع والدتها العازفة عن النظر إليها وهي تعطيها فخذة الدجاج المفضلة لها بينما تبتسم لشقيقها " باسم" وهي تمنحه "الصدر" كما يحب قائلة: 

_ كل واحد فيكم يخلص طبقه مفهوم؟

_حاضر ياماما. 

رددها الصغيران معا لجوري وساد الصمت وصوت القرآن الكريم يصدح بخفوت جوارهم من المذياع. 

عامر وهو يلوك طعامه: أنا هنام شوية بعد العشا.

_ نوم العافية، وانا هطلع علي عطر اسهر معاها شوية أنا والولاد. 

_ هيييه هنروح عند خالو والعب مع " مالك وجهاد"


ابتسمت لصغيرها بحنان:  أيوة ياحبيبي، طنط عطر عاملة ليكم البسبوسة اللي بتحبوها ويحيى ابن عمو ياسين طالع هو كمان.. 

عامر:  انتوا متفقين ولا ايه؟ 

_ أيوة من امبارح عطر مأكدة عليا انا وبسمة اننا نطلع بالعيال نسهر عندها الليلة.

_ بس بلاش تتأخروا فوق. 

_ ماتقلقش اخرنا ساعتين. 


لاحظت أن الصغيرة لا تتناول طعامها كما يجب، رغم أنها انتوت عقابها لم تستطع أمومتها أن تواصل موقفها التأديبي، فقالت وهي تربت علي رأسها برفق:  خلصي طبقك يا جوجو عشان نطلع بسرعة عند خالو يزيد. 

أزاحت الصغيرة صحنها:  خلاص شبعت. 

جذبتها جوري لتعلو قدميها ثم انتزعت قطعة دجاج ودستها بفم الصغيرة، مضغتها بطاعة كأنها تظاهرت بالشبع لتستدر عطف والدتها ودلالها من جديد.. راقبهما عامر وغمز لصغيره ألا يتدخل ويترك شقيقته مع والدتها تطعمها..انتهت جوري من إطعامها وبتلقائية أزاحتها عن قدميها برفق لتتشبث بعنقها الطفلة هامسة بخجل:  أنا أسفة يا مامتي ماتزعليش مني.. مش هتصرف كده تاني والله. 


رمقتها جوري مليا قبل ان تهمس:  انتي بتحبيني؟ 

بسطت الصغيرة ذراعيها جانبها بعفويها:  بحبك أوي قد الدنيا كلها ومش هزعلك تاني. 


عانقت طفلتها بحنان جارف متشبعة برائحتها الذكية، لتجد شقيقها يندس بينهما بغيرة واضحة:  وأنا كمان بحب ماما قد الدنيا. 


تأملهم عامر بنظرة رضا حانية ثم شاغبهم:  

ياعيني عليا ولا حد معبر بابا بكلمة ولا حضن. 


تسابق الصغيران وهما يقفزون إليه لتضحك جوري براحة بال قائلة:  بعتوني في "minute" يا ولاد عامر. 

___________


" بابا بابا، خبيني ماما هتضربني"


تلقف صغيره المستغيث به وخلفه عطر تصيح: 

تعالى هنا يا ولد قطعت نفسي من الجري وراك.

_ ايه يابنتي مالك هتضربي الولد ليه؟


قالت حانقة تشكوه:  أبنك جنني يا يزيد.. أنا حاسة اني خلفت سمكة.. مش بيبطل لعب في المية بتاعة "البانيو" وكل شوية ياخد دور برد شديد.. ده مش بيلحق يخلص كورس العلاج وبضطر اعيده تاني لأنه بيتعب. 


لاحظ يزيد ابتلال ملابسه بالفعل فعاتبه:  كده برضو يا "مالك" مش الدكتور قال ماتلعبش في المية تاني عشان بتبرد بسرعة يا حبيبي؟

اختبأ بصدره الصغير هامسا برقة: كنت بحمي اللعب بتاعتي يا بابا عشان تبقى نضيفة. 

ابتسم أبيه: يا سيدي سبني احميها انا واوعدك اخليها زي الفل. بس بلاش تلعب في المية يا مالك انا بزعل لما بتتعب.

هتفت بتهديد زائف: لا يا يزيد ده مش بيسمع الكلام، أنا هروح احضر الحقنة الكبيرة وانت امسكوا معايا. 


صرخ الصغير:  خلاص يا ماما حلاص حقنة لأ.. حقنة لأ. 

وشرع يبكي ويشهق ليضمه يزيد:  طب ماتعيطش مش هخلي ماما  تديك حقنة، بس انت لازم تسمع الكلام يا مالك.. انت أصلا اللوز مبهدلاك يا ابني من غير حاجة. 


قال من بين شقهاته المتقطعة:  ح… .حاضر. 


لانت عطر لصغيرها وحدثته بمسحة حنان مازالت محافظة على جمود وجهها الظاهري كي تعاقبه: تعالى اغيرلك عشان عمتو جوجو وطنط بسمة طالعين مع الولاد، ولا عايزهم يقولوا لوكا وحش ومش نضيف زي جهاد أخوك؟ 


قفز عليها متناسيا  سريعا خوفه وهو يصيح: عايز البس الترنج بتاع عمتو. 

ابتسم يزيد بحنان: معرفش ليه بيحب يلبس الترنج اللي جابته جوري كده. 

ابتسمت وهي تلثم رأس صغيرها: ما انت عارف هو أصلا بيعشق عمتو جوري وهي كمان بتموت فيه. 

واستأتفت:  أنت قلت إنك نازل شوية مش كده؟

_ أيوة، أنا واحمد وياسين عندنا عشا عمل بره مع عميل مهم.

_ كويس يا زيزو عشان ننم براحتنا. 

_ منا واخد بالي. 

_______


انسلت من بين ذراعيه قبل أن ينغمس معها بوصال عاطفة جارف وراحت تبحث في الأدراج عن شيء ما غاب عن ناظريها ( بتدوري علي ايه ياعطر، هو ده وقته؟)

قالها بضجر وهو يراها تعكر صفو لحظته الخاصة معها لتهتف ومازالت تبحث:  ثواني يا حبيبي لأن كان لازم اخده الاول وانا نسيت ( ثم حدثت نفسها) معقولة يكون خلص؟ 

_ هو ايه اللي خلص بالظبط؟

_ شريط الحبوب بتاع منع الحمل. 

وصاحت بغتة:  اهو الحمد لله لقيت واحدة. 

همت بابتلاعها قبل أن يوقفها يزيد:  مالهاش لازمة. 

رمقته باستفسار فجذبها إليه مقبلا أنفها برفق: ابننا مالك قرب على اربع سنين، متهيئلي ده الوقت المناسب عشان نجيب بيبي تاني. 

_ بس انا مش هجيب بيبي تاني يا يزيد، كفاية اوي الولدين علينا بس نربيهم صح. 


ضاقت حدقتاه باستنكار سرعان ما تحول لوميض غاضب وهو يبتعد عنها بقوله الصارم: مين قالك كفاية ياعطر؟ وياتري كنتي ناوية تاخدي رأيي في حاجة زي دي ولا أنا مش في دماغك أصلا؟؟؟


صمتت مأخوذة بحدة قوله قبل أن يلين وجهها وهي تقترب منه لمنع زوبعة غضب تلوح بوادرها:  يزيد حبيبي احنا ربنا كرمنا بولدين الحمد لله عايزين ايه تاني؟ خلينا نربيهم كويس وفي نفس الوقت نركز في شغلنا، خصوصا انا مش عارفة اتقدم في حاجة وما صدقت اخد نفسي.. معنديش استعداد لقصة حمل وولادة. ورضاعة وسهر.. هحقق ذاتي امتى طيب؟ 


_ وانتي اما تعملي عيلة كبيرة تبقي مش بتحققي ذاتك ياعطر؟ 


بلمحة عناد جادلته: وهي العيلة لازم تبقى نص دستة ولاد؟ منا مليش غير اخ واحد وانت واخواتك تلاتة بس..وكلنا عيلة مكملة بعض وعزوة مش هينة، يعني انا مخرجتش عن الطبيعي وبجد ولدين كفاية اوي. 


حدجها مليًا بشفاة مطبقة بقوة كأنه يحجم مارد ثورة وشيكة وغمغم مسدلا علي وجهه ملامح ثلجية:  مش انتي اللي تقولي كفاية ولا ده أصلا قرارك لوحدك..( واستطرد بنبرة وعيد) وانك تقرري أمر زي ده من غير ما ترجعيلي أقسم بالله ما هيعدي بالساهل ياعطر..


وترك غرفتهما ليمكث بأخرى مغلقا عليها كل سبل النقاش والاستجداء.. نظرت لجانبه الخالي بالفراش ودمعت عينيها وعزمت ألا تتركه يبتعد عنها..لكن تأجج عنادها مرة اخرى.. هي تقنع نفسها أنها لم تخطيء في شيء..هي من تنجب وتتعب وتسهر.. متى تمارس عملها كما يجب ان حملت ثاتيا؟ يكفي إنجابهما ولدان. 


اخمدت نغزات خافقها بأن تذهب إليه وتمردت بعناد وهي تعود لتستكين بالفراش محاولة النوم.. لكن هيهات أن يزور جفنيها وهو بعيد.. وغاضب. 

_________


من فرط شرودها  لم تنتبه لفوران سائل اللبن فوق الموقد رغم وقوفها أمامه، أغلقت مفتاح الغاز سريعا وراحت تنظر للحليب الفائر كأنها ترى وجه يزيد به..هو ايضا يكاد يفور وينفجر لذا يتجنبها منذ حديثهما الأخير..مقتضبا في التعامل معها بالشركة وهنا، فشلت كل محاولاتها لتحدثه وتقرب وجهة نظرها له ربما اقنعته، لكنه لا يساعدها قط..يهدر كل الفرص، كم تراه عنيد ومتحكم في كثير الأحيان.


_ ماما ممكن اخد الكوره وانزل انا واخويا نلعب مع يحيى وجويرية وباسم تحت؟ 


التفتت لصغيرها:  قول لبابا الأول ياحبيبي.

_ منا قلت له ووافق. 

قبلت رأسه بحنان:  ماشي ياجهاد بس خد بالك من اخوك مالك عشان لسه صغير، اوعي الكوره تيجي فيه زي المرة اللي فاتت ويطلع يعيط. 

_ متخافيش يا ماما هاخد بالي منه والله. 


راقبت ابتعاد صغيرها بشخوص قبل أن تتوجه إليه، هي فرصتها لتستعيد رضاه وتزيل غضبه عليها وتسترضيه.  

…… ..

_ يزيد. 


لم يصدر عنه أي رد فعل وبدا منهمكا في متابعة الكتاب القابع بين كفيه، دنت له وبرفق سحبت الكتاب ليكون رد فعله نظرة زاجرة منه ومن ثَمَ ابتعاده ومغادرة الغرفة بأكملها للشرفة الخارجية.. وقفت مكانها تنظر لأثره بصدمة حدقتاها مغرورقة، ألهذه الدرجة لا يطيق قربها وناقم عليها؟ لمعت عيناها بعناد وقررت أن تتغاضى عن عزوفة وتحاول مرة أخرى لعله يفهمها. 


_ يزيد. 


تشبثت بذراعه ونبرتها غارقة برجاء ليعطيها فرصة تفاهم، وقف دون أن يلتفت فاسترسلت: يزيد أنا مش قصدي الغيك او اقرر حاجة بدون ما ارجعلك زي ما قلت، بدليل اني بعفوية دورت على علاج منع الحمل قدامك يعني نيتي مش اخبي عنك أو أهمشك، يجوز افتكرت انك مش هتعترض او...


_ مش صح. 


صاح وهو يستدير إليها وعيناه قاتمة:  انتي اتغريتي في حبي ياعطر.. افتكرتيني ضعيف قدامك ومش هرفضلك طلب ولا رغبة عشان كده مافكرتيش تشوريني اصلا، ده السبب الحقيقي..ثم دنى إليها وهو يرمقها بنظرة أكثر صرامة: نصيحة افهميها كويس لأني مش هعيدها تاني، أوعي تتغري في حبي ليكي في يوم من الأيام وتفتكريني ضعيف، وكلامك إنك تكتفي بولادنا ده هعتبرني مسمعتوش، وشغلك اللي خايفة عليه ده انا ممكن امنعك منه اصلا ومخلكيش تمارسيه. 


أفلت بجملته الأخيرة شيطان عنادها من عقاله فناطحته بقوة:  محدش يقدر يمنعني اشتغل. 


_ أنا اقدر. 


هدر بها صارخا بوجهها مستأنفا بثورة أكبر: 

لو مش عايزك تشتغلي هقدر امنعك ووريني هتعملي ايه. 


أجفلها صراخة ووقفت تطالعه بذهول وخوف مبتلعة الكلمات بحلقها وهو يغادر البيت بأكمله دون أن تجرؤ على أيقافه. 

___________


"مال صوتك ياعطر؟ انتي كنتي بتعيطي؟"


نفت كذبًا: أبدا يا ماما مفيش، كنت نايمة بس. 

بدت غير مصدقة وهي تقول:  عطر، انطقي مالك، حصل حاجة لأحفادي بعد الشر؟ 

أشفقت عليها من هذا الخاطر فقالت سريعا:  لا لا والله ابدا، جهاد ومالك بخير يا ماما اطمني. 

صمتت هنيهة قبل من تستطرد:  طب وجوزك؟

نكست رأسها بغصة وخيطان من الدموع انسابا من جانبي عيناها فتأكد ظن والدتها التي صاحت بحزم دون تردد: ماتروحيش الشركة بكرة، الصبح هكون عندك.

_______


ما أن رأتها حتى بصرت شحوب وجهها وعيناها منطفئة البريق علي غير طبيعتها، قالت بجزع:  مالك يابنتي؟

فاض بها الكيل ولم تعد تقاوم وهي ترتمي بين ذراعيي والدتها تبكي بقوة، أعطتها فدوى المساحة الكافية لتفرغ طاقة حزنها وهو تربت بحنان عليها وترتل آيات الذكر الحكيم بأذنيها كي تهدأ، بعد دقائق استعادت عطر بعض هدوئها وإن ظل وجهها مغبر بالحزن. 


_ اهدي بقى واحكيلي حصل ايه بالتفصيل. 


بصوت باكي سردت كل شيء لتنتهي بقول خافت:  من ساعتها مش طايقني يا ماما، عمري ما شوفت يزيد زعلاني مني كده او عاملني بالقسوة والفتور ده كأنه كرهني. 


_ دي أقل حاجة يعملها معاكي.


نظرت إليها باستنكار:  حتى انتي يا ماما مش فاهماني وجاية عليه؟ 

_ لأنك غلطانة واتغريتي بحب جوزك ليكي زي ما قالك، غلطتي غلط تستحقي فعلا تتعاقبي عليه 

_ يا ماما أنا قلت ربنا يحفظ جهاد ومالك وكفاية علي كده، انتي عارفة اني طموحة ونفسي احقق حاجات كتير اوي في شغلي لسه مش عارفة احققها. 

_ طموحك وقيمتك الحقيقة هي نجاحك إنك تنولي رضا جوزك قبل شغلك..اما تكبري عيلتك اللي هتكون عزوة شيبتك بعد عمر طويل وتحققي رغبة يزيد ده أكبر نجاح ليكي گ ست..وبعدين انهي مصيبتك الأكبر انك تجاهلتي أخد رأيه في أمر زي ده، كان لازم هو يكون علي علم بقرارك مش يعرفه كده في موقف عابر بينكم كأنه تحصيل حاصل.


واستأنفت وهي تصب عليها عصارة خبرتها في الحياة: 

الرجل يا بنتي..وقصدي هنا أي راجل في الدنيا مهما حب مراته مايقبلش تهمشه في اتفه الامور.. لازم يحس انه سيد قرارها وامرها في ايده..ده بيغذي رجولته وفي نفس الوقت بتزيد معزة مراته عنده.. لو خالفتي القانون ده تخسري كتير اوي..والست الذكية لو عايزة حاجة من جوزها تقنعه بطريقة تحسسه انه هو اللي اخد القرار مش العكس..بس ده لو رغبتك مش فيها ضرر.. انما تقرري موضوع خطير زي ده لوحدك وتعرفيه گ أمر مسلم به ده غلط يرقى للغباء نفسه..كام مرة مثلا يزيد اتمنى قدامنا انه يخلف بنوتة؟ مالك بقي عنده اربع سنين دلوقتي وده فاصل معقول جدا انك تخلفي تاني. وهو ده اللي جوزك توقعه منك.. لكن انتي صدمتيه بالعكس..عرفتي بقي ليه جوزك اتغير؟ لأنك كنتي في وادي وهو في وادي. 


تعلم أنها تقسوا عليها لكن عزائها أن ما تقوله ربما يصلح ما أفسدته ابنتها بجهالة وعناد..استأنفت تردف بأخر مالديها: وبعدين ياحبيبتي تتعطلي في ايه؟ انتي تقدري تجيبي مربية واتنين لولادك..انتم مش فقراء، لو جبتي عشر ولاد هتقدروا بفضل لله تربوهم كويس وتوفروا ليهم كل الإمكانيات لأن خير ربنا كتير.. يعني كل الاسباب اللي تخليكي تاخدي قرار زي ده للأسف مش عندك ياعطر. 

يمكن كانت تناسب حد تاني ظروفه مختلفة. 


أنحنت أكثر وبدأ جسدها يهتز من البكاء فاحتوتها فدوى بحنان جارف:  انتي لسه صغيرة يابنتي والعمر لسه قدامك عشان تحققي حاجات كتير اوي ان شاء الله، ترضي جوزك وترضي طموحك في نفس الوقت بس لازم تفهمي اولاوياتك.. جوزك وبيتك المقام الأول والأهم ياعطر..فهمتيني ياحبيبتي؟ 


أومأت لها والغصة أخرستها، والدتها معها حق، هي أخطأت لكن يعلم الله أنها لم تري الصورة قط علي هذا النحو، لم تكن يوما مستهترة او عصت له أمرا. 


ماما، ماما انتي فين احنا جينا؟"


ضوي وجه فدوى عند سماع أحفادها:  شكل يزيد جه مع الولاد، قومي يلا اغسلي وشك وظبطي نفسك وانا هقوم اشغلهم عنك شوية..ثم مازحتها قليلا: جوزك لو شافك كده هيخاف منك يا بنت. 

………. 


_ تيتة جت.. تيتة جت. 


ضحكت وهي تتلقف حفيديها بعناق جارف غير مصدقين انها هنا..( وانا بقول البيت منور ليه اتاري خالتي الحلوة عندنا)  ربتت على كتفه:  منور بيك ياعيون خالتك..

تحدثت للصغار:  جهاد، مالك، اطلعوا يلا عند طنط جوري عرفوها اني جيت وانا هحصلكم بعد شوية. 

مالك وهو يقفز بسعادة: بس هتباتي معانا يا تيتة. 

قبلت خده: طب روح بس ونتكلم في الموضوع ده بعدين. 


فطن جيدا لسبب مجيئها لكنه تجاهل مع قوله:  بما ان فدوى حبيبتي نورتنا انهاردة، هأجل لعيونك رجوعي للشركة وأي مشوار عندي، وشوفي لو تحبي نخرج يابطة. 


حدجته مليا بنظرة ثاقبة

 ثم حاد بصرها لغرفة ابنتها وعادت تنظر إليه.. 

ترى هل ستنجح فدوى بإعادة الأواصر بينهما ثانيا؟


انتظروا غدا الختام الثالث والأخير.

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات