القائمة الرئيسية

الصفحات

خاتمة حصنك الغائب "الجزء الثالث والأخير"

 خاتمة حصنك الغائب 
"الجزء الثالث والأخير"

---------------------


ومضات انبعثت من دهاليز عقلي وأنا أرتشف فنجان قهوتي في الصباح وأخط فوق سطور دفتري الوردي كلمات ربما غير منمقة وتحتاج تصحيح، كثيرا ما أخطيء الحروف لكن عزائي من سيقرأها يوما سيرأها بعين قلبه، لن يقفوا أحبائي عند زلاتي، سيقبلون حروفي ذات يوم بشوق وتقدير. 

خاتمة حصنك الغائب   "الجزء الثالث والأخير"


سيتعلمون من رحلتي الكثير والكثير..

سيدرون كيف تجاوزت لحظات ضعفي وحولت هزائمي لانتصارات..بعد أن تلقفتني أيادي عائلتي المحبة قبل أن أتهشم وأصبح مجرد حطام قارورة مهزومة الروح والجسد. 

مارد قوتي ما انبثق إلا من ضلوعهم.

أبي.. أمي..أعمامي..

أبناء عمومتي وبناتها شقيقاتي..

صدقوني صغاري. 

‏لم يكن أختباري في تلك الحياة عاديًا..

خضت مع ذاتي ألف معركة..

حطمت ألف قيد وقيد..

وفي النهاية ربحت.. 

ربحت حصنًا صلبًا گ الحديد. 

شامخا گ الجبال وعظيما گ ضخامتها. 

ثابتًا في الأرض مثل جذور الأشجار العالية

أعدكم حين يواريني الثرى يوما

ألا تقرأون بين سطوري

إلا ما يدعوكم بالفخر بملكة أبيها.. 


بلقيس! 

________


حصنك الغائب 2

__________


نظفت وجهها بسائل تنظيف البشرة گ روتين يومي قبل النوم ثم وزعت دهان مرطب وتوجهت نحوه وهو منهمك بمطالعة هاتفه: ظافر ممكن اكلمك شوية؟ 

ترك الهاتف ونظر إليها لتدنو محتضنة كفه هامسة: ممكن اعرف حصل ايه وخلاك وتمنعني اروحلك القناة تاني؟ أنت من كام يوم اتعصبت عليا جامد وانا عذرتك وسكت لحد ما تروق وتكلمني.. 

_ أنا مش اعتذرت يا بلقيس؟ عايزة ايه تاني؟ 

غمفمت برفق: ياحبيبي انا مش بعاتبك، أنا عايزة أفهم، في كل الأحوال انا هنفذ كلامك بس عرفني اللي حصل وليه مضايق..ده انت حتي لغيت فكرة انك تاخد لاري والولاد معاك في البرنامج زي ما وعدتهم. 


ألتزم الصمت واستدار عنها مسترخيا للنوم وبدا لها لا يود الحديث..كيف ببساطة تصمت ولا تطفيء نار فضولها لتطمئن؟ أجبرته ليعتدل ويطالعها بوجهه فوق الوسادة وهي تهمس بعد منحه قبلة خاطفة: وحياتي عندك تقولي مالك.. طب وحياة لاري ومصطفى ولادنا تتكلم. 


تأملها متشربا ملامح وجهها النضر وراح يملس على بشرتها الناعمة بحنان شارد قبل أن يهمس أخيرا: الحمار مخرج البرنامج بتاعي لما شافك يوم زيارتك للقناة نظراته ليكي مش ريحتني، حسيت فيها خبث، كنت هتهور عليه بس كتفني انه هيكدبني لما أواجهه بوقاحة نظراته و هيتهمني اني بتوهم وساعتها هيعمل شوشرة وتتتجاب سيرتك وخلاص، سكت بس وانا بتربص لأي موقف سمج منه تاني، لقيته بكل وقاحة جاي يعرض عليا انك تعملي مع لارين للقناة إعلانات علي منتجات هيروجوها في رمضان الجاي. 


اتسعت عينيها بذهول: أنا ولارين نعمل إعلانات؟ 

_ أيوة، وقعد يحكي أنها فرصة ليكم وليا ده غير كلامه عن جمال لارين وانها هتتشهر وتتألق وازاي انتي بسحرك والكازيزما اللي عندك هتكوني نجمة.. طبعا أنا بعد أول كلمتين لقتني بمسكه من رقبته وبلذقه في الحيط ولسه هضرب البلاتوه كله اتلم علينا وحاشني عنه بالعافية..ومن وقتها مش طايقه وبفكر فعليًا اسيب القناة من وشه. 

صاحت باستياء: فعلا غبي.

ثم ملست علي شعره تهدئه: بس خلاص ياحبيبي ولا تعكر دمك انت نهيت الموضوع وليك عليا مش هروح هناك تاني ابدا..أما البرنامج أنا شايفة انك تتمسك به لأنك تعبت فيه جدا لحد ما بقا له شعبية كبيرة..وفادك على مستوي شغلك الخاص وبقى عندنا كذا مطعم وبتحقق حلم سلسلة المطاعم اللي عليها أسمك وسمعتك زي الدهب الحمد لله.. وكمان متأكدة إن إدارة القناة نفسها لو هتختار بينكم هتتمسك بيك انت عن المخرج ده لأنك حصانها الرابح بكل المقاييس. 


ابتسم لدعمها قائلا: أنتي شايفة كده يا بلي؟ 

قالت بدلال لتفتت بقية غضبه: طبعا يا ظاظا، هو في حد زيك في الدنيا دي كلها يا شيف..

التقط شفتيها بقبلة وابتعد هامسا دون أن يفلت وجهها من بين راحتيه: قوليلي اخبيكي فين انتي ولارين؟ بتخطفوا كل العيون منين ما تروحوا وبخاف عليكم من الهوا يأذيكم، لو اطول اخبيكم بين ضلوعي هعملها..أنا دلوقت عذرت عمي عاصم وخوفه عليكي. 


أخذت رأسه بصدرها وبلمسات حانية راحت تعبث بخصلاته: متخافش يا حبيبي ربنا يحفظنا ليك ويبارك فيك ليا أنا وولادك ياغالي..مش عايزاك تقلق يا ظافر احنا مفيش خطوة بنتحركها غير بأمرك وتحت عيونك. 


ضم خصرها بقوة متلذذا بهذا القرب وهو يقول: مش ده السبب الوحيد اللي مضايقني بقالو فترة يا بلقيس، أنا صحيح برنامجي واخد حقه الحمد لله بس الجو حواليا اتغير، بقى في نفسنة وغيرة، مجموعة الشيفات اللي كانت معايا من كام سنة مشيوا، واللي جه بعدهم مختلفين.. مش حابب اشتغل في جو مليان حقد.. وبفكر جديا مش أجدد عقدي الموسم الجاي وانهي تعاقدي مع القناة..مافيش حاجة تجبرني اشتغل في أجواء زي دي. 

_ غلطان يا ظافر.. كل مكان هيكون في ناس حقودة، انت ليك شغلك وبس، البرنامج ده انت تعبت فيه وكسبت ثقة متابعينك وحرام أوي تسيب اللي عملته. 


_ ياحبيبتي منا هروح قناة تانية كانت من فترة هتموت عشان امضي معاهم عقد، طبعا عرضوا عليا مقابل مادي مجزي جدا بس والله ما ده سبب تفكيري اني اسيب برنامجي الحالي، فضل ربنا واسع وانا مش محتاج فلوس..بس فعلا نفسيتي شالت من القناة ولازم اسيبها..خلاص مش حابب استمر معاهم خصوصا بعد موقف المخرج ده، لو فضلت هقتله في مرة. 


تفهمت غيرته وحالته النفسية وصاحت تدعمه:  خلاص يا ظافر اللي يريحك اعمله مادام مش نرتاح، اتعاقد مع قناة تانية وانا متأكدة منين ما تكون هتتألق وتتميز.. ثم داعبت بأنفها أنفه: أصلا حبيبي هو اللي بيضيف للمكان مش العكس. 

ابتسم ودسها في صدره براحة لتشاكسه: وبمناسبة خوفك عليا، انت ماتعرفش مراتك مين؟ أنا اقدر اضرب اي حد يتعرضلي ومحدش يقدر عليا. 

_ حتى أنا؟

قالها بخبث وهو يعتدل ليطالعها فتحدته بنظرة ماكرة: حتى انت متقدرش تغلبني. 

_ طب ما تجربي؟ 

_ أجرب ايه يا بني احنا تقريبا نايمين. 

_ شكلك خايفة اهزمك يا قطة. 

_ تهزم مين صلي علي النبي. 

_ عليه الصلام والسلام، طب قومي وريني نفسك. 

هتفت محذرة:  ظافر اعقل وخلينا ننام الله يهديك عندنا شغل الصبح. 

_ أنا خلاص فوقت.. قومي وريني هتغلبيني ازاي.

_ طب وإذا غلبتك؟ 

_ ليكي أي طلب تختاريه وهنفذه مهما كان. 

وقفت تحذرة: يعني اخد راحتي؟ أنا ممكن اتغابى من غير ما احس وهتزعل! 

لكز جانب وجهها بخفة: بلاش رغي فاضي وريني أخرك يا شاطرة. 


للمرة الأولى تشتعل بها رغبة أن تجعله يري قوتها الحقيقية، ليس لتنتصر عليه بل لتنال إعجابه وفخره ويتأكد كم هي إمرأة لا تنكسر عظامها وليست سهلة المراس عله يطمئن تجاهها، وبهذا الخاطر استقام عودها وقررت أن تقاتله بكل بشراسة..وفعلت..

صوت حركات أطرافها المرنة المدروسة كانت تشق الهواء وكلما اقتربت ان تنال منه صدها بقوة تعجبتها، لم تختبر معه القتال يوما لتعلم قدارت زوجها الذي بدا لها ليس سهلا على الإطلاق.. صد كل محاولاتها لينتهي الأمر بها مقيدة بين ذراعيه تلهث ( انت خدعتني يا ظاظا.. افتكرتك ماتعرفش تقاتل طلعت مصيبة) 

أدارها إليه ومازلت بين ذراعيه وهو يهمس بأنفاس تلفحها گ المسك: عرفتي إنك ماتقدريش تهزميني يا شاطرة؟ 


ومضت عيناها بحب امتزج بفخرها وهي تغمغم بنبرة تذوب به عشقًا:  أنت الوحيد اللي هزيمتك ليا انتصار يا ظافر..أنت حصني اللي مستحيل حد يشرخ جداره أو يهده..أنت الوحيد اللي عمري ماخوفت معاه أو منه..كل حاجة فيك بتحميني كأنك تعويذة اتخلقت في الدنيا دي بس عشان تخليني في أمان، حتى ريحتك نفسها بتطمني.


قرأت بعيناه أقوى الكلمات وأرقها دون أن تتحرك شفتاه بكلمة واحدة، أنفاسه كلمات.. لمساته كلمات..طوفان مشاعره الذي اشتعل معها الآن يفوق كل الكلمات وهو يغرقها به وفيه ومعه لتنتهي رحلة وصالهما بين ذراعيه وخفقات قلبه تشدوا لها بعزوبة كم يعشقها هو الأخر لتنام على صدره بسلام قريرة العين والروح.  

__________


_ تيتة جت.. تيتة جت. 


ضحكت وهي تتلقف حفيديها بعناق جارف غير مصدقين انها هنا..( وانا بقول البيت منور ليه اتاري خالتي الحلوة عندنا)  ربتت على كتفه:  منور بيك ياعيون خالتك..

تحدثت للصغار:  جهاد، مالك، اطلعوا يلا عند طنط جوري عرفوها اني جيت وانا هحصلكم بعد شوية. 

مالك وهو يقفز بسعادة: بس هتباتي معانا يا تيتة. 

قبلت خده: طب روح بس ونتكلم في الموضوع ده بعدين. 


فطن جيدا لسبب مجيئها لكنه تجاهل مع قوله:  بما ان فدوى حبيبتي نورتنا انهاردة، هأجل لعيونك رجوعي للشركة وأي مشوار عندي، وشوفي لو تحبي نخرج يابطة. 


حدجته مليا بنظرة ثاقبة ثم حاد بصرها لغرفة ابنتها وعادت تنظر إليه قائلة: انت فعلا هتسهر انهاردة بس مش معايا.. مع مراتك. 


انقلب وجهه وهم بقول شيء فقاطعته بأشارة حازمة:  أسمع يا يزيد، عطر حكتلي كل حاجة وربنا يعلم اني لومتها جامد وفهمتها غلطها..اما انت بقى فلازم تكون اعقل من كده وتحتوي مراتك حتي لو غلطت.. عاتبها بس ماتبعدش.. البعد جفى يا بني وبيموت القلوب.. مهما زعلت ماتبعدهاش عن حضنك.. الست وردة لو جوزها أهملها أوراقها تدبل وروحها تموت.. وانت عارف انها عنيدة بس بتحبك.. مجنونة بس بتحبك.. طموحة بس بتحبك.. عارفة انها مش هتهون عليك خصوصا لو شوفتها دلوقت عاملة ازاي.. ومش هقولك راضيها عشان خاطري لأ.. راضيها عشان خاطرها هي.. دي عطر حبيبتك يا يزيد.. مهما حصل خليك انت الصدر الحنين.. حاسب بس ماتهجرش.. أضرب بس ماتخليش ضربتك تعلم جواها وتبقي ندبة ماتتمحيش.. ياما هيحصل بينكم مشاكل اتعود تعالجها بحكمة.. أنا هطلع اقضي النهار مع جوري والولاد معانا.. وانت صالحها وخدها اخرج من البيت خلي الشيطان يبعد عنكم.. وربنا يصلح الحال. 

____________


وجدها جالسة تتوسط الفراش تحوطها العتمة، وجهها مدفون بين ذراعيها المعقودة واهتزاز جسدها أخبره عن انهيارها الباكي رغم كبت صوتها..نغزه قلبه ودنى ليحرر انعقاد ذراعيها، رفع رأسها فانزعج بحق لمرآى محياها الغارق بدموعه وعيناها متورمة بشكل فطر خافقه، عانقها وقبضته تضرب ظهرها دون أن يؤلمها: غبية وعنيدة. 


تشهقت وارتجف بين ذراعيه فشدد عناقه أكثر هامسا:  خلاص ياقردة بطلي عياط بدال ما اضربك بجد. 

لم تستجيب وبكائها يزداد قوة فأحاط وجنتيها براحتيه وأجبرها أن تنظر إليه:  عطر، بصي في عيني.. بقولك بصي في عيني. 


نظرت له مع انتفاضتها وشهقاتها مثل طفلة صغيرة فاستطرد بهمس حاني:  عارفة اني بحبك ولا لأ؟ 

لم تجيبه وبكائها ودموعها لم ينقطعا فواصل:  بس مهما حبيتك في خطوط لو قربتي منها هتخسريني يا عطر.. عشان كده بعدت عنك عشان اهدي من ناحيتك..أنا اول مرة ازعل منك كده. 


نكست رأسها تبكي بحزن فرفع ذقنها والتقط شفتيها بقبلة هادئة أخمدت القليل من شهقاتها وهو يهتف:  بس بحبك يا قردة.. حتى لو خاصمتك بحبك.. اكسر دماغك بس برضو بحبك..هقف قصادك لما تحيدي عن الطريق واحمي حياتنا من حماقتك وفي الأخر هفضل احبك.. فاهمة ولا لأ؟. 


طوقت عنقه بذراعيها وخبئت وجهها به دون كلمة وهو يهدهدها مع همسه: خلاص انسي انا مش زعلان منك، ومتأكد إن فدوى فهمتك كل حاجة عايزك تفهميها.. ثم ابعد وجهها وكفكف دموعها برفق:  يلا قومي خدي حمام وغيري هدومك، هنخرج انا وانتي برة.. فرصة العيال مشغولين مع خالتي. 


همست ببحة صوت وشت بفرط بكائها:  يعني سامحتني. 

قبل جبينها مطولا قبل ان يقول:  سامحتك يا فواحة. 

استكانت علي صدره وقالت بخفوت:  مش عايزة اخرج.. خليني بس في حضنك شوية..أكتر عقاب ممكن تعاقبني به انك تبعدني عن حضنك يا يزيد. 


ضمها بقوة لتتدفق مشاعره وتشتعل مع لمساتهما وسريعا ما ابتلعتهما عاصفة وصال طال الشوق إليها بعد قطيعة الايام الماضية.. خالته محقة حين قالت أن الزوجة مثل الوردة، تذبل بالبعد بينما القرب يجعل اوراق أنوثتها تتفتح.. هاهي الحياة عادت تغزو وجهها وهي تنام جواره وبشرتها تلمع وتضخ وجنتيها لونها الوردي.. كأن بوصاله أعطاها ترياق الحياة ذاته.. لثم فمها برقة وضمها ليغيب بغفوة هادئة.. ربما هذا ما يحتاجانه أكثر من اي شيء أخر. 

_______


تشمم رائحة شهية مع قوله: 

الله يا أبلة يابسمة، ريحة التارت حلوة أوي. 

ثم تحدث بفخر:  كده هتباهي قصاد أصحابي إياد وحاتم..

طبطبت على ظهره بمحبة:  بألف هنا ليك انت وأصحابك ياقلب أختك..عايز اعملك أي حاجة تاني قبل ما تخرج؟

_ شكرا يا أبلة، يدوب هاخد حمام واروح أقابلهم. 

ابتعد خطوتان قبل أن يتوقف ثانيا:  تعرفي يا أبلة بسمة أخت حاتم صاحبي زيك بالظبط وبتعمل حاجات جميلة وبتحب أخوها اوي، نفسي في يوم تقابليها وتتعرفي عليها. 

_ ليه لأ، في أقرب مناسبة اعزم الكل ونتقابل، هي شغالة يا ياسين؟

_ أيوة، شغالة في شركة جوزها عمو فارس..أنا اتعرفت عليهم لما خاتم عزمني في عيد ميلاد بنت اخته. 

_ خلاص عيد ميلاد يحيى ابني قريب، هنعزمهم إن شاء الله..ورمقته بنظرة دافئة وقالت:  أنا مبسوطة اوي انك لقيت صحبة طيبة وشوقتني اتعرف على حاتم وإياد.. ابقي وصلهم سلامي. 

_ حاضر من عنية. 

غابت عنه دقيقة ثم عادت تقول:  خد دول معاك ياحبيبي يمكن تحتاج حاجة. 


نظر للنقود ثم رفع عينه إليها: شكرا يا أبلة مش عايز. 

دستها في جيبه عنوة وعاتبته: وبعدين معاك، مش قلت اما اديك حاجة تاخدها؟ 


تأملها مبتسما وعيناه تضخ امتنان وشكر. فأمسكت وجهه وقالت:  حبيبي أنا عارفة عزة نفسك وفخورة بيك، بس لازم تعرف إن بديك من فلوسي مش فلوس جوزي، يعني تاخد مني بقلب جامد..أنا في مقام أمك انت فاهم؟ 

أومأ لها وعانقها شاكرا وابتعد ليذهب لرفاقه فتابعته بعين مشفقة، رغم كل ماتفعله هناك شيء منطفيء بروح صغيرها، شيء تدركه ولا تستطع تعويضه مهما فعلت..هي ذاتها مازال مر اليتم بحلقها.. تشتاق والديها بشدة لكن عزائها أنها تراعي أخواتها بقدر استطاعتها علها تكمل طريقهما لو كانا أحياء.  

وتنال برهما في الدنيا والأخرة حين يحين اللقاء. 

________


"فين ياسين اخوكي؟


أجابته وهي تضع قالب التارت الساخن على طاولة المطبخ: راح يسهر مع اصحابه حاتم وإياد، وأخد ليهم تارت فواكهه زي ده بالظبط.


_ ياسلام على الريحة، تسلم ايدك من قبل ما ادوقه. 

ابتسمت لإطراءه:  تسلملي ياسينو، انا عملت تلاتة، واحد لاصحاب أخويا، وواحد لينا والأخير لعطر وجوري. 


هتف بفخر: حبيبة قلبي اللي رافعة راسي في المنطقة..

ضحكت له:  انت بتنفخني والله..المهم يعجبهم.

_ يابنتي الريحة بتتكلم لوحدها. 


وراح يراقبها وهي ترص شرائح الفواكهه بتجويف التارت حتى انتهت من تزينه ووضعته بالثلاجة. 

_ هسيبه شوية قبل ما نطلع عند البنات.. مش انت خارج بالليل؟

_ أيوة عندي مشوار مهم..وانتي وجوري وعطر خدوا راحتكم واسهروا علي ما ارجع. 

_________


" ماما، بابا..هو انا ليه مش عندي أخوات؟" 


تبادل النظرات بدهشة مع زوجته مع تساؤل صغيرهما قبل أن يضع ياسين فنجان قهوته جانبا مبادرا بقوله: حبيبي دي أرزاق من عند ربنا، وبإذن الله قريب ماما هتجيبلك أخ او أخت. 

هتف الصغير بلهفة: يعني ماما خلاص في بطنها بيبي؟

أطرقت بسمة رأسها بحزن لم يخفى عن زوجها الذي استطرد:  يحيى، أنا ماقولتش ان ماما حامل، بقولك قريب. يلا بقي روح العب مع ابن عمتك وسيبني انا ومامتك لوحدينا.. 

بدا وجه الصغير محبطا بنفي أبيه وقال: حاضر بس ياريت يا بابا تجيبولي أخ..انا نفسي يبقي عندي اخوات احبهم ويحبوني..

ربت على كتفه: إن شاء الله يا حبيبى، بس انت مش وحيد يا يحيى، عندك في نفس العمارة جهاد ومالك ولاد عمتك.. وجويرية وباسم ولاد عمك عامر وطنط جوري. 

_ ماشي منا بحبهم اوي، بس برضو عايز يكون ليا اخوات بتوعي أنا لوحدي. 


تنهد وهو يطالع طفله بشرود، لو عليه هو فيحمد الله على رزقه ولا يشعر بالنقص لكن أن يشكو صغيره بالوحدة هو ما شق قلبه نصفين. 


_ خد تارت الفواكهه ده واطلع لعمتو وماما شوية وهتحصلك. 

_ حاضر يا بابا. 


رمق إطراقتها بضيق فلكز رأسها بخفة:  ايه بقا انتي هتاخدي على كلام عيل مش فاهم حاجة. 

قالت بكسرة نفس: بالعكس، يحيى فاهم وشايف ان محروم من الونس، نفسه في اخوات يلعبو ويكبروا معاه. 

_ واحنا قصرنا في ايه يابسمة؟ دكاترة وروحنا وكلهم اجمعوا أن مفيش أي موانع عندي وعندك.


_ بس في باب لسه سايبينه يا ياسين وانت اللي رافضه. 

زفر مدركا مقصدها:  هنرجع تاني للقصة دي. 

جادلته بهدوء:  طب بالراحة كده قولي هتخسر ايه؟ 

صاح بحدة:  هخسر وقتي وأعصابي، انتي عارفة اني بكره ازور دكتور أصلا " الحقن المجهري" ده موال وحقن وسحب أجنة وترجيع وترقب وعالم كله توتر ووجع دماغ، انتي سليمة وتقدري تخلفي طبيعي ليه نعقدها؟

_ لأن ببساطة بقالي اربع سنين بحاول اخلف مبيحصلش وانا تعبت خلاص..انت فاكر دي اول مرة يحيى يسأل السؤال ده؟ أنا مش عايزة ابني يكون وحيد في الدنيا، نفس يبقي له عزوة وسند بعدينا.. ولا مستني اكبر في السن وانت تحس فجأة انك عايز ولاد فتتجوز عليا؟؟؟ 


قالت أخر كلماتها بحدة وهو يحملق بها مذهولا من مسار أفكارها، يتزوج؟ هل جُنت تلك المرأة؟


راحت تلهث انفعالا وفضيتها تتحجر بها العبرات، طالعها بعتاب لتترقرق حدقتيها وتزرف دمعا آبى أن يظل محبوسا بمحجريها..استعاذ داخله من الشيطان الرجيم وضمها إليها تاركا لها مساحة للبكاء قبل أن يجرف بأنامله وجهها من عبراته هامسا:  أنا اتجوز عليكي يابسمة؟ انتي ماتعرفيش بحبك قد ايه؟ ده انا لو لفيت الدنيا شرق وغرب مش هلاقي ضفرك. 


لم يكن سيل حنانه سوى سببا لتنهمر دموعها أكثر مفرغة شحنة حزنها وأشباح هواجسها تتكالب عليها منذ فترة..أصبحت تتخيل ما قالت كأنه حقيقة فصارت تسمع بأذنيها تلك العبارة القاتلة بصوته " هتجوز عشان اجيب أخ ليحيى" حتي أنها فاقت تصرخ من نومها ذات ليلة..لذا انفجرت الآن. 


_ ممكن اعرف ايه مبرر تفكيرك ده يابسمة؟ 

تشبثت بصدره مختبئه به دون كلمة فأعاد تساؤله لتجيبه بخفوت هامس:  من فترة كنت بتصفح الفيس لقيت بوست لواحدة بتعرض مشكلتها ان جوزها بعد تمن سنين اتجوز عليها بدون ما تعرف عشان يجيب ولاد لأبنهم الوحيد، ولما عرفت وثارت عليه فكان رده انه عمل كده عشان ابنهم مش يبقي وحيد في الدنيا.. كانت باعتة تطلب مشورة، تطلق ولا تفضل معاه.


نزعت وجهها من صدره تطالعه ليُبصر بفضيتها مرآة مخاوفها وهي تغمغم:  ساعتها سيطرت عليه فكرة انك تعمل كده زيه وتدبحني بحجة انك تخاوي يحيى. 


لا يعرف هل يصفعها بقسوة لشكها بوفائه وإخلاصه وحبه..أم يعانقها لينزع من روحها تلك الأوهام الحمقاء..نكست رأسها وقد فقدت طاقتها على المجادلة بعد أن فاضت بما كانت تخبئه، ليعود ويرفع وجهها إليه ونظرته القوية تصرخ بعتاب مخذول منها ذبحها ذبحا، فقبلت جبينه وهي تغمغم:  سامحني يا ياسين، أنا مش بشك في إخلاصك لكن غصب عني خايفة من اللي جاي.


منحها قبلة دافئة قبل أن يقول: المرة دي هسامحك علي ظنونك السيئة فيا بس لو اتكررت ماتلوميش إلا نفسك لو زعلت منك..واستأنف همسه الحاني: احنا في شهر رجب، خلينا ننتظر لحد بعد العيد لو مش حصل حمل طبيعي موافق نروح لدكتور.


بفرحة غامرة ضحكت وتعلقت بعنقه ثم راحت تنثر قبلات سخية على سائر وجهه وهو يضحك من هجومها الذيذ الذي دفعه لحملها بين ذراعيه ليتبادل معها عاطفة متأججة لا تليق بسواها..

______


دفعتها برفق وهي تمنحها نظرة داعمة لتقترب لارين على استحياء من والدها وهو يستعد للخروج: 

_ بابا.. صباح المانجو. 


حدجها بنظرة باردة وهو "يحزم" معصمه بساعة يده وقال باقتضاب: صباح الخير. 

حزنت وهي تشعر بفقد حنان والدها الغاضب مما فعلت، عادت تحاول: مفيش صباح الكريز يا لاري؟

تجاهلها وهو ينثر عطره سريعا فهرولت تمسك يده بكفها الصغير مستجدية صفحه: مش هتسرح شعري يا بابا؟ 

ترك يدها معاندا ضمها بصعوبة وهو يتظاهر بالجمود : مش فاضي يا لارين عندي شغل. 


تقدم خطوتان فوقفت بلقيس بوجهه تمنع مغادرته وهي ترمقه بعتاب كي تحسه علي العودة، فزفر وعاد للصغيرة يصفف شعرها وهو يقول بتلميح متعمد: 

للأسف مش عارف اضفر شعرك لأنه بقى قصير. 


صاحت وهي تلتفت إليه: تيتة قالتلي انه هيطول تاني..(انتهى من صنع جديلة صغيرة لها مع قوله) خلصت  سيبيني بقي اروح شغلي. 

استدارت سريعا وتعلقت بعنقه فرفع جسدها الصغير صامتا ليعطيها فرصة الاعتذار وهي تهتف بصوتها الرقيق: خلاص يا بابا مش هعمل حاجة تأذيني تاني ولا أبوظ شعري بالمقص من وراكم أو افتح صبغة شعر مامتي واحافظ علي عنية اللي جت فيها الصبغة وحرقتني..

ثم قبلت ذقنه الخشن برقة: لاري بتقولك أسفة.

لبث يطالعها برهة ثم لانت ملامحه وهو يضمها مع تحذيره: يعني وعد ماتلعبيش في شيء خطر تاني وتستأذني ماما وتيتة في أي حاجة عايزة تعمليها؟

_ وعد يا بابا.. وكمان هاكل جرحير كتييييير كتيييير عشان شعري يطول بسرعة.. تيتة دره قالتلي كده. 

غمرها بعناق أبوي: ماشي ياعمري وأنا خلاص مش زعلان منك.. يلا بقا انزلي خليني امشي. 

_ طب قولي صباح الكريز عشان اعرف انك سامحت لاري. 

ابتسم بحنان: صباح الكريز والمانجو يا أميرتي. 


قهقهت بعد حصد رضا والدها أخيرا وراح يدغدغ خصرها لتترك عنقه وتدعه يذهب ثم قالت مصححة وهي تركض بعيدا: غلط يا بابا أنا مش أميرتك، أنا "لارين" ملكة أبيها. 


راقبها وعينه مشتعلة ببريق محبة وهي تبتعد وصوت ضحكاتها يملأ محيطه ويعزف على أوتار قلبه. 


_ كنت قاسي عليها أوي ياظافر..أول مرة تخاصمها كده. 

_ كان لازم يابلقيس.. لارين عارفة اني بحبها وضعيف قدامها وهي اتهاونت برد فعلي بعد ما لعبت في شعرها وقصيته وبوظته.. وكمان استخدمت صبغة الشعر وجت في عيونها وكانت هتضيع واديكي شوفتي كان حالتها ازاي.. 


هتفت متفهمة: بس الحمد لله ربنا سترها وعيونها اتحسنت كتير عن الأول. 

_ الحمد لله، ومع كده كان لازم اخد موقف عشان تفهم اني اقدر اعاقبها لما تغلط ومش هعدي شقاوتها بالساهل وان في عقاب.. 


وقع بصره علي ساعة الحائط فقال وهو يلتقط هاتفه سريعا: على فكره انتوا أخرتوني، عندي تصوير حلقات للبرنامج عشان رمضان ويدوب الحقه. 

_ انت مش هتطلع حلقاتك لايف في رمضان ؟

_ لأ، عشر حلقات بس هيبقوا لايف والباقي هيكون مسجل، أنتي عارفة ده موسم بالنسبة لشغلي وبكون مضغوط جدا.. تسجيل حلقات البرنامج هيكون اريح ليا.. وواصل: تيجي معايا اوصلك الشركة؟

_ لا ياحبيبي انا مش رايحة الشركة..طنط قالتلي مصطفى وهو نايم معاها بالليل كان سخن شوية، عايزة اطمن عليه. 

_ لا انا شوفته واحنا بنفطر كان كويس. 

_ عارفة ومع كده هفضل عشان اطمن واتابعه اليوم كله، فعادي لو مش روحت الشركة انهاردة. 

_ يكون أحسن برضو، وانا رايح اشوفه بسرعة وامشي، مش عايزة حاجة؟ 

_ عايزة سلامتك، في حفظ الله..بس بفكرك إيلاف ومحمود جايين. عندنا انهاردة وهيسهروا معانا، حاول تيجي بدري. 

_ إن شاء الله. 

______


مد لثغر الصغيرة قطعة شيكولاه، فأثنته جدته برفق:  لا يامصطفى دينا بنت عمتك مينفعش تاكلها دلوقت، لسه صغنونة. 

تضايق الصغير:  ليه يا تيتة دي هتعجب دندن حبيبتي أوي والله لو داقتها. 

ضحكت وقبلت رأسه: عارفة يا روح تيتة بس دلوقت دينا مش بتاكل غير لبن وزبادي وخضار مخفوق ..لما تكبر جبلها شيكولاتة براحتك..

دس الصغير قطعة الشيكولاه بفم جدته سريعا وهو يضحك: ضحكت عليكي يا تيتة واكلتهالك. 

ابتلعتها عنوة وهي تصيح:  كده يا ولد تأكلني كل دي؟ سكر تيتة هيعلى. 

ببراءة تسائل: أنتي عندك سكر يا تيتة؟ طب ممكن تديني شوية؟

شهقت وضمته منزعجة:  ألف بعد الشر عنك يا نور عيني..دي مش حاجة حلوة يامصطفى، السكر اللي عندي ده مرض باخد له علاج. 

طغى على وجه الصغير الحزن وربت عليها:  ربنا يشفيكي يا تيتة.. ويشفي جدو عاصم وتيتة دره هما كمان بياخدوا علاج كتير. 

لثمت باطن كفه:  أهو انا كده خفيت. 

ابتهج وجهه:  بجد خفيتي؟

_ ماهو لما مصطفي روح قلبي يدعيلي لازم هخف. 

فكر لحظات قبل أن يعدها ببراءة: خلاص يا تيتة كل يوم هدعيلك تخفي. 

_ربنا مايحرمني منك انت واختك وولاد عمتك، يلا روح العب معاهم بقا. 

_ حاضر بس أبوس دندن وامشي.

شيعته بنظرة محبة وصارت تدعوا بحفظه هو وباقي أحفادها.. 

______


صاح بألم:  انتي بتضربيني ليه يا لاري؟

هتفت عليه بحدة:  عشان بتمسك الضفيرة بتاعتي يا لؤي. 

_ وفيها ايه عجبتني وكنت عايز امسكها. 

_ لأ، ماما وبابا قالولي محدش غريب يقرب مني خالص. 

_ بس انا ابن عمتك يا فالحة مش غريب. 

_ لأ غريب، لأنك مش اخويا ولا بابا ولا جدو ولا جوزي.

هز رأسه بتفكير عميق ثم قال وهو يبتعد: ماشي. 

…….. 

خالو، ممكن تجوزني لاري بنتك؟ 

حدقه ظافر بذهول: نعم؟ تتجوز لارين؟ بس انت لسه صغير.  

_ عادي منا هكبر.. أكيد مش هفضل طفل ياخالو


مالت إيلاف على أذن بلقيس:  اتفرجي بقا وصلي علي النبي في قلبك كده وشوفي الفذ ابني وهو بيتكلم ويطلب ايد بنتكم من اخويا. 

بضحكة مكتومة غمغمت:  والله الواد لؤي ابنك ده حتة سكر.. خلينا نشوف جوزي هيقوله ايه. 


ظافر:  عارف يالمض انك مش هتفضل طفل،  بس لارين كمان هتكبر وتسبقك. 

_ لأ خليها ماتكبرش لحد منا ابقي اكبر منها ونتجوز، مش هي بنت خالي؟ انا أولي بيها. 

حملق به ظافر بينما انفجرت بلقيس وإيلاف ضحكا ومحمود يتابعهم مبتسما بتسلية غير متعجب من حديث صغيره الذي أختبره كثيرا، فأمسك ظافر تلابيب كنزة لؤي: مين علمك تقول الكلام ده يالا؟

_ محدش علمني ياخالو انا فاهم كل حاجة لوحدي.. 


تبادل نظرات الدهشة مع الجميع ثم عاد ينظر له مقاوما ابتسامته وهو يشير له: طب روح يا لؤي العب مع ولاد خالك هناك.. انت لسه طفل ياحبيبي. 

_ طب هتجوزهالي؟

_ لما تكبر هقولك. 

_ ماشي. 

هم بالابتعاد ليوقفه ظافر: لؤي، طب انت ناوي تشتغل ايه لما تكبر؟ ما انت لو عايز تتجوز بنتي لازم تكون شغال. 

فكر الصغير قليلا قبل أن يفصح له:

أنا بحبك أوي ياخالو بس لما اكبر مش هكون شيف زيك لأنك بتقطع بصل وأنا مش بحب ريحته..ثم أشار لأبيه: انا هشتغل زي بابا كده، هيكون عندي مكتب كبير ( انتفخ صدر محمود فخرا قبل أن يواصل لؤي) عشان ألعب على اللاب طول النهار واجيب فلوس. 


اتسعت عين محمود بصدمه بين قهقهات الجميع ولكز رأس طفله بحنق: هي دي كل فكرتك عن شغلي يالا؟ ابوك بيلعب يا أوزعة؟؟ 

_ أيوة يا بابا انت كل يوم تفتح اللاب وتقولي بشتغل..مش اللاب الناس بتلعب عليه؟ 


لمح محمود بوجههم ابتسامتهم المكبوتة فعاد يهتف بنفاذ صبر:  "ولا" أجري من وشي بدال ما اتغابى عليك أجري. 


ظافر متهكما: أول مرة ابنك يقول كلام صح. 

_ الله يسامحك يا ابو نسب..ده انا قربت البس نضارة "كعب حمار" مش كعب كوباية من كتر شغلي. 

إيلاف بدعم: والله فعلا يا أبيه حوده بيتعب خالص. 

_ قلب حوده بقا. 


زجرهم ظافر: اظبط نفسك انت وهي بلاش مسخرة واحنا قاعدين (ثم غمغم ساخر) انا كده عرفت الواد لؤي ابنكم طالع معتوه لمين. 

________


"لارين، انا خلاص هتجوزك"


رمقته بدهشة:  تتجوزني ازاي يا لؤي انت عبيط؟ احنا لسه صغيرين يا ابني. 

_ محنا هنكبر يا هبلة. 

نفثت بضجر: برضو ماينفعش

عبس وجهه بتذمر:  ليه يا رخمة؟

_ عشان انا اكبر منك.. انا هتجوز واحد قوي زي بابا ويكون امور زيه ومشهور كمان. 

قال ببساطة: طب منا امور زي بابا ومشهور.. وممكن انا اكبر الاول وانتي تستني لحد ما اكون اكبر منك وبعدين نتجوز.. سهلة يعني. 

رفعت حاجبيها الجميلة باستنكار:  انت غبي يا لؤي؟ منا كمان هكبر وبرضو هبقى اكبر منك. 

_ كده يا لاري؟ مش عايزة تستني اما اكبر..ده انا كنت هجيبلك شيبسي وشيكولاتة كتير اوي. 

رقت له قليلا:  طب ماتزعلش يا لؤي، استني اما نكبر لو لقيتك قوي زي بابا هتجوزك.. اتفقنا؟

صمت برهة يفكر بقولها ثم قال: ماشي اتفقنا. 

تعالي بقا نلعب انا وانتي ومصطفى بالسلايم. 

_ يلا بينا. 

________


_عشان خاطري يابابا وافق ماما تشارك معايا في فيديو الذكرايات اللي بحضره، ماهي هتطلع فيه بحجابها ايه المشكلة؟


عابد بصرامة: وبعدين معاك يامهند؟ يعني بعد ما كبرت وبقيت راجل عايز كده ماما تشيلك وضهرها يوجعها وتتأذي عشان تعمل فيديو زي أصحابك وتقلد صورك وانت صغير؟ كفاية فيديوهاتك انت وروتي وديبو اخواتك..بلاش ماما. 


حاول مستميتا لإقناعه: يا بابا ماما مش هتشلني ولا حاجة، أنا اختارت صورة مناسبة جدا وهي بتأكلني على المرجيحة اللي حضرتك عملتها عشاني في الجنينة..وغلاوتي عندك يا بابا ما ترفض، كل اللي طلبت منهم الصور ساعدوني، حتى جدو أدهم وجدو محمد وتيتة عبير وتيتة كريمة وعملوا معايا الصور اللي طلبتها قبل ما يسافروا للحج؟


اتسعت عين عابد بدهشة: ايه ده؟ انت خليت الناس الكبارة الوقورة دي يشتركوا معاك في الهبل ده؟ أمتى عملت كده؟

_قبل ما يسافروا بيومين، انت فاكرني بلعب يا بابا، ده انا محضرلكم مفاجأة جامدة وعزمت الكل تاني يوم رجوع تيتة وجدو والباقيين. 

سأله بتوجس: عزمت الكل اللي هما مين؟ 

أجابه بفخر لما انجزه: فرع العيلة بتاع القاهرة كله يا بابا من أول عمو ياسين وخالو محمود لحد عمو ظافر وطنط بلقيس. 

ضحكت زمزم التي تتابعهم وقالت: ده انت طلعه مش سهل يا هوندتي، ومستني ايه يا ولد عشان تعرفنا بعزومة ضخمة زي دي؟ في تجهيزات كتير لازم تتعمل قبلها. 


اقترب لوالدته وقبل كفيها قائلا: ماتقلقيش يامامتي ياحبيبتي، انا كلمت عمو ظافر يعملنا اوردر محترم من الحاجات الحلوة اللي بيعملها في البرنامج وبتجوعنا دي، يعني مش هتتعبي في حاجة( وهز الصغير كتفيه ببساطة) وبابا يبقي يحاسبه. 


رمقه عابد بذهول: بابا يبقى يحاسبه؟ ياخراب بيتك ياعابد..انفجرت زمزم ضحكا وهي تدلل صغيرها بفخر: حبيب أمه اللي كبر وبينظم احتفالاتنا وبيكمل مسيرة ابوه ملك الفرفشة.

تهكم مع قوله: ملك ايه بقي يا ست هانم ابنك ركني علي الرف و وكل وظيفتي اني ادفع الفاتورة في الأخر زي أب مصري بيحترم نفسه.  

اقر مهند ببراءة: عادي يا بابا ماهي كل الأبهات كده وبعدين انا هدفع منين؟ اما اكبر واشتغل هظبطك. 

لكزه عابد برأسه ساخرا: ياعم بس كفي نفسك الأول. 

_ ماشي هكفي نفسي، المهم موافق اعمل الفيديو مع ماما؟؟؟

_ لأ مش موافق. 

استدر عاطفته: كده يا بابا بتكسر خاطر هوندا حبيبك؟ أهون عليك تزعلني؟ 


تدخلت زمزم لتدعم طفلها: عابد مافيهاش حاجة اما اظهر دقيقة وانا بلاعبه على المرجيحة، أنا كمان نفسي اسجل الذكرايات دي مع هوندا واخواته عشان نفتكرها لما يكبروا..والله دي تجربة حلوة جدا..ده أخويا محمود وإيلي عملوا مع ولادهم فيديوهات تجنن وهيبقي ذكري ليهم ماتتنسيش. 


رمقها بحنق ودني مهند وهو يعرض عليه الصورة ليقنعه قائلا: طب شوف حضرتك الصورة اللي اختارتها عادية ازاي؟ انا هكون فاتح "بقي" بهبل كده زي ما كنت صغير وماما بتأكلني حتة بسبوسة وبتضحك..وطبعا لقطات بسيطة زيها مع اخواتي، شايف سهلة ازاي؟ وحياتي عندك توافق يا صاحبي. 


رق قلبه له ولنظرته المترجية وغمغم بخشونة يشوبها مسحة حنان واضحة : ماشي يا سيدي موافق. 

قفز مهند متعلقا برقبته: صاحبي الجدع وحبيبي وربنا، هات بوسة بقا..ابتسم عابد وهو يقبله: يلا روح شوف اخواتك فين. 

......... 

_ الولد اكل بعقلي حلاوة وركني علي الرف. 

قبلت خده بدلال: ده يوم الهنا اما مهند يكبر ويبقي كتفه بكتفك يا حبيبي، بذمتك مش فرحان به؟ 

عصفت عيناه بحنان دافيء: انتي بتسألي يازمزم؟ طبعا فرحان، بس حاجة واحدة مضايقاني انه طلب اوردر من ظافر، لعلمك هاجي احاسب الراجل مش هيرضى انا عارفه..كان قالي وأنا اتصرفت هنا.. ماهو بديهي كنت محضر وليمة بعد وصول الغاليين. 


_ معلش يا عابد مهند كان قصده يفرحنا ويحسسنا انه كبر وبيتصرف لوحده، ده لسه صغير برضو، عموما ظافر مش غريب انت صمم تحاسبه، اذا رفض مايجراش حاجة مسيرنا نردها يعني مش المناسبات..

واستطردت بتمني: عارف ياعابد، نفسي العام الجاي بأذن الله اطلع عمرة معاك. 

ضم كتفيها: بس كده؟ من عيوني يا زوما، الكبار خلاص طلعوا واتبسطوا.. السنة الجاية نسيبلهم عيالنا ونطلع، حتي ممكن انظمها مع باقي شباب العيلة ونروح عمرة جماعية. 

_ والله فكرة حلوة ياريت تعملها. 

_ خلاص ده وعد ياقلبي..

ربنا يبلغنا الأيام المفترجة دي العام القادم علي خير.

لا فاقدين ولا مفقودين. 

_ اللهم امين. 

_____________


"معقول مهند هو اللي طلب منك أردر؟"


_اه والله، لقيتوا بيقولي ياعمو انا عايز تعملي الديك الرومي بتاع الحلقة اللي فاتت عشان عايز يفاجي أجداده اللي راجعين من الحج. 

قالت ببفخر: انت مجنن العيلة كلها باللي تعمله في البرنامج، بسمة وجوري وعطر بيعملوا وصفاتك كلها يعني خيرك بقى علي كل بيت يا شيف. 

ابتسم بتواضع:  ده خير ربنا، كويس انهم بيستفيدو. 


تنهدت بوميض توهج بحدقتيها:  سبحان الله يا ظافر الولد الصغير اللي كان لسه بيلعب بين ايدينا كبر وبيحاول يبقي راجل كبير ويقلد باباه..بينشر السعادة علي الكل زي أبوه بالظبط.  


_الفضل لله ثم لعابد في شخصية مهند دلوقت، ربنا يجازيه خير مش مفرق ابدا بينه وبين وولاده 

_ بالعكس، روحه في مهند يا ظافر، انا شاهدة علي حكايتهم من الاول..وبعدين انا ولاد عمي كلهم رجالة جدعان وطيبين وقلبهم زي بياض التلج. 


رفع حاجبيه بلمحة غيرة: بجد؟ وايه كمان اشجيني وكملي قصايد شعرك في ولاد عمك. 


حدجته برهة بغباء ثم ضحكت بدلال وطوقت عنقه ملثمة خدية: حبيبي الغيور..هو في زيك يا ابو مصطفى؟ ده انت نكهة مالهاش مثيل في العالم. 

طوق خصرها بالمثل مع نبرة عابسة: لحقتي نفسك قبل عقابي.

غمزته بمشاكسة: أنهي عقاب فيهم؟

مال وقبلها برقة ثم ابتعد مع قوله: ده. 

واستطرد بجدية: قوليلي بقى ناوية تروحي المنصورة امتى بالظبط؟

قبل وصول ماما وبابا والبقية من الحج بيوم..بس علي كده انت هتعمل ايه في الأوردر؟ 


_ هيتشحن عادي، انا طبيعي بعمل اوردارات شحن لاي مكان دلوقت الحمد لله مافيش مشاكل. 

_تمام، على خيرة الله يا شيف. 

___________


مكة وفيها جبال النور..طلة على البيت المعمور

دخلنا باب السلام..غمر قلوبنا السلام

بعفو رب غفور.. فوقنا حمام الحما

عدد نجوم السما..طاير علينا يطوف

ألوف تتابع ألوف..طاير يهني الضيوف

بالعفو والمرحمة...


طغى صوت أم كلثوم واغنيتها المحببة خلفية استقبال العائدين من بيت الله والجميع محلق حولهم مهنئين عودتهم سالمين..وكبار العائلة تستعرض بفرحة الهدايا للأبناء و الأحفاد..

__________


كم يركض بنا الزمن مثل جواد جامح ويطبع بحوافره على أرض وجوهنا وأرواحنا بصمته الآسرة، هاهو فيديو الذكرايات يوثق لتلك العائلة لحظات مضت عليها أعوام..بدأ تدفق الصور المتتابعة بملامح يتيم كان صغيرا يتأرجح فوق أرجوحة والده الروحي " آبد" كمان كان ينادية.. وهنا شقيقه ديبان يركض وزمزم تطارده لتدس بفمة طعام مخفوق، فيلتقط لهما مهند نفس اللقطة وأخيه صار عمره ست سنوات..وصورة اخرى لفراشتهم الرقيقة روتيلا والجد محمد يحملها بين ذراعيه ويضحك والصغيرة تنزع بشقاوة نظارته، ويلاطفه الجد أدهم في صورة أخرى ليضحك فتلتقط الجدة عبير صورة وجهه الشهي سريعا وهو يضحك..والجدة كريمة تهذب شعره وتصنع له عصير يحبه ليلتهمه بنهم من بين يديها.. انتهى مهند من عرض لقطات عائلته ودموع زمزم تسيل بحب وحنين وهي تسترجع أجمل لحظاتها مع صغارها الذين كبروا وأضحوا يملأون الدنيا بهجة حولها.. كم هو رائع فيديو الذكرايات..هو كنز عمرها الذي ستدخره حين تشيب وتشتاقهم.  


أما بالدقائق التالية للفيديو انسابت صور ظافر وهو يغزل جديلة صغيرته ليستعيد هو الأخر ذكراياته معها كل الصباح كما كان يفعل..وبين الجديلتين عمرًا ليس هين لو تعلمون، كبرت ملكة أبيها وجمالها يتوهج أكثر ليستفحل خوفه عليها أضعاف، ملكة أبيها..طوق الياسمين وزهرة البرتقال، كلها ألقاب حصدتها لارين وحدها من ظافرها..


ومن جلستها تراقب بلقيس الفيديو والتاريخ أمامها تدور عجلته من جديد، كأنها تبصر مرآة وترى صورتها هي وأبيها، كان يهتم بها هكذا، يطعمها، يلاطفها، يحملها علي كتفيه ويدور بها وهي تملأ الدنيا حوله ضحكًا..هكذا يفعل ظافر.. حتى خوفه على لارين يشبه خوف أبيها عليها..ستظل الصغيرة ملكة تشغل باله صباح مساء..أما صغيرها المشاغب قطعة الروح أخذ حيز من ذكرايات كثيرة، جميعها تصنع الضحكة على شفتيها..وعند تلك اللقطة ومضت شمسيها بحنين جارف وهي تعود بالزمن للقطة مع وأبيها وهي تفتح فمها لتلتهم حلواها من كفه، عيناه تطالعها بحنان كما يفعل الآن.. مازال يدللها.. مازلت ملكة على عرش قلب عاصم، لم ولن يأخذ مكانها أحدا حتى صغارها.. وعلى صدر دره كانت لمحة أخرى من الذكرايات، وهي غافية بين يديها بأمان ودره تشدو همسا بأذنيها وبلقيس تطالعها بنظرة طفولية.. الصوت ينساب كأنها تسمعه الآن ومعه كنز ذكرايات لن تنضب من خزانتها قط. 


اما بسمة الذكرايات معها اختلفت، ليس فقط مع طفلها يحيى وزوجها، بل لشقيقها ياسين نصيب كبير بما سجلته بالفيديو خاصتها، فمازالت ترى ذاك اليتيم الذي فقد أمه ولم يرتوي منها.. تشفق عليه ومسحة حزنه محفورة بملامحه وجلية مهما طمسها وقاره المستحدث رغم صغر عمره، استعادت معه الكثير من اللقطات لتمنحه ولو قدر يسير من الأهتمام و السعادة..كذلك فعلت حنين معه ومع طفليها طه وهمسة وزوجها..

.

اما يزيد وفواحته..وثقا معا أجمل الصور وهما يعيدون التقاطها مع صغارهما جهاد ومالك وما جعل أحداقهما تلمع أكثر هو ذاك الخبر الذي يدخرونه في أخر الاحتفال للعائلة.. فواحته تحمل بأحشائها جنين جديد..اكتملت فرحة يزيد وعائلته ستكبر كما تمني، سرا دعى ربه أن يرزق بفتاة، يريد قردة صغيرة تتسلق علي جدار قلبه وتحتله كما فعلت فواحته، يعلم انها ستنال مكانة مختلفة بين شقيقاها..ستكون مدللته..يعدها بذلك حتي قبل أن يراها.  

أما عامر لم تكن ذكرايات عائلته الصغيرة مجرد عناقات وقبلات وجدائل..كانت أطواق من الورود لضمها بحبات عينه وجويرية طفلته الأولى تقلده في كل شيء حتي انها اتقنت صنع أطواق الورود مثله ألتقطت لها والدتها لقطات تشرح القلب.. وباسم صغيرها بغيرة يدس جسده بين أبويه ويبعد ذراع أبيه عن والدته لتضحك جوري ويسجل لهما عامر لقطة اخري ستخبر الصغير يوما كم كان يغار على أمه ويحبها ويلازمها گ ظلها.. 


ثلاثون دقيقة خُطفت من الزمن لحياة تلك العائلة التي عايشنا معا تفاصيل حياتها كاملة، بحلوها ومرها، بدمعها وضحكاتها، لحظات التقطتها عين كاميرا لتوثق عمرا جمع أطرافه فيديو الذكرايات.. دقائق أشعلت الحنين في نفوسهم، الكل تذوق تلك اللحظات من جديد.. تلذذ بما حصد ونال.. ربما لم تكتمل أحلامهم بعد.. لكنهم ماضون بسعيهم في الدنيا يضمهم حصن العائلة ودفئة الذي لم يعد غائب. 


وهنا لن أقول أنه أخر المطاف لأبطال روايتي.

ربما هي بداية جديدة لكل شيء.

بداية لعهود ستبرم..

أماني لم تتحقق بعد.

أهداف مازال مبكرا الوصول إليها.

عجلة الحياة سارية بهم و ستضخ لهم مفاجأت لا نتوقعها..أقلام الصغار ستنقش على جدران طفولتهم سطور حكاياهم الخاصة..ويوما ما ستكون الرواية روايتهم والعبرة منهم..سيتبعون خطى أباءهم.

منهم من سيرث إثما عظيمًا

ومنهم من سيحصد كل الخير..

والآن أقول سلامًا لكم دون وداع. 

بل سلامًا يحمل شوقي للقادم معكم.


تمت بحمد الله

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

Health and beauty category