القائمة الرئيسية

الصفحات

عند مفترق الطرق الحلقه الرابعة عشر (نوفيلا)

 عند مفترق الطرق الحلقه الرابعة عشر (نوفيلا)

عقب انتهاءها من تجهيز الطعام وتطيبه ابتعدت تتفقدهما بتوجس وقلق .. فمنذ استحمام ذاك المالك المغمغم بالضيق والحنق لم تسمع للصغير صوت ..

عند مفترق الطرق الحلقه الرابعة عشر (نوفيلا)


تُرى قد كمّم انفاسه بالوسادة عقب تغير الحفاض .. أو يكون قد زجى به نهائيًا في خزينة الملابس .. أو ربما


وعت لعقلها بأنه شرد في تشائمه كثيرًا .. ولكنها باتت لا تستنكر إحداهما عن صفته الرجولية المتسمة عادةً بقلة الصبر مع تلك المخلوقات الواهنة ..


عند قربها بخطوات هادئة من محيطهما ابصرت فراشها بعينين شاخصتين الدهشة مصابها .. وكأنها لا تعي وتصدق ما تراه .. اقتربت تتفقدهما بأكثر دقة فربما هيئ لها .. ولكنها تجمدت ما أن لمست صدقه وهما أمامها مباشرة .. فـ مالك قد غفى دون وعي والصغير يستكين فوق صدره نائمًا بعكس اتجاهه وهو يواظب على مصَّ ابهامه كبديلٍ مؤقت عن خيرات أمهِ ..


رغم عنها تملكها ابتسامة حالمة لهيئتهما الأَلُوف معًا .. هيئةٌ قرعت فؤادها وجذبت لُبهُ نحوهما كأنهما أب وابنه بلا أدنى شك .. دغدها قشعريرةٌ عابرة اغرورقت عيناها على أثارها بوميض دمع .. شاردةٌ في تخيلها عن صورته مستقبلاً وهو يخالط ابنائه من صلبه .. حتمًا سيكون حينها والد رائع يقدر أرزق خالقه بجود حنانه ووده ..


بتنهيدة عميقة قدرت كم خسارتها لمميزات والدٍ كهذا همت على اعقابها بمسح دمعة فرت فوق صدغها دون إرادة .. مستنشقةً نفسًا عميق لإعادة عباءة الصبر على كاهلها من جديد وهي تقترب منه بحذر نداءها الهامس ..

- مالك .. مالك ..


فغمغم من غفوته بجفنين منسدلين ..

- ها ..


- الغدا جاهز .. اغرفلك .. 


- سبيني انام شوية أنا تعبت لما نومته ..


قالها مغيبًا وجسده يغوص في الفراش والصغير بين ذراعيه يحتضنه بحرص ..


فاحاطتهما عيناها بحالمية لبعض الوقت .. همت على أعقابها بتدثرهما بالغطاء جيدًا ومن ثم خرجت تسحب الباب خلفها بهدوءٍ تام ..


----------------


في الخارج سربت وقت فراغها اللاحق بين جنبات مكالمة مطولة مع شقيقتها ماهيتاب للإطمئنان على حال الأهل وأحوالهم .. لتنطلق بجملتها مقهقهة عقب محادثة أحدى صغيراتها ..

ـ هي بتقول إيه يا ماهي أنا مفهمتهاش ..


فاجابتها ضاحكة بالمثل عقب تناول الهاتف منها ..

ـ بتقولك وحشتينا يا خالتو قوي وعاوزين نشوفك .. بس هي اللي حروفها طايرة ومعرفتش تفسرلك كويس ..


انطلقت بنان على اعقابها تواصل ضحكاتها وهي تتمتم ..

ـ حبيبة قلبي هما اللي وحشني أكتر ونفسي اشوفهم قوي ..


ـ بأذن الله يا حبيبتي .. هانت عدى شهرين مين كان يصدق ..


وعت لمدة سجنها الآن .. شهران مرّا عليها كالدهر كتمت خلالهما كم من الأحزان داخلها .. لا يعلم بها ألا الله فقط ولا يواسيها ألا قربها منه وكلماته .. متمتمة بعفوية ..

ـ فعلا .. مين كان يصدق 

ثم تداركت حالته سريعًا وهي تعدل من نبرتها ..

- آلا بابا اخباره إيه .. كنت كلمت ماما من يومين بس هو معرفتش اكلمه .. وقتها قالتلي أنه مشغول شوية وأنا بصراحة قلقت 


ـ لا متقلقيش .. هو الحمد لله كويس وبخير .. 

مواصلة بتلقائية .. يمكن وقتها كان معاها حق إنما ولو كلمتيه دلوقت هتلاقيه كويس ونفسه يسمع صوتك ..


ـ غريبة، ليه ..


ـ لأن كان وقتها أول الشهر معاد دفع قسط جهازك وانتي عرفاه من أيام تسديد جهازي بيبقى متوتر قد إيه طول ما بيجمع الدفعة المطلوبة .. ولما بيسددها على خير بيهدا ويرجع لطبيعته ..


ما أن تذكرت بنان حالتهُ التي لمستها عن قرب حتى اضرمها الحزن بشدة .. فالوالد هناك يكيل على كاهليه اطنان من الجهد والتعب لسد دين جهاز لم ولن تفرح به ابنته مطلقًا .. فهمست باستياء ..

- أظاهر بعدي عنكم نساني ألمه ومعاناته بتاعة كل شهر ..


فرددت عليها ماهيتاب بمواساه .. 

ـ ومع ذلك على قلبه زي العسل والله وعمره محاش عننا حاجة ..


ـ ربنا يجزيه هو ماما عنا كل الخير ويعينه على حاله ..


ـ أمين يا رب .. 

مع علو جرس الباب لديها واصلت ..

ـ بنون خليكي معايا لما اشوف مين على الباب ..

مستأنفةً بصياح عقب برهة من الزمن ..

ـ يا سبحان الله مش بيقولوا ابن الحلال على سيرته بيبان أهي ماما ونهال بنفسهم هنا .. 


فصاحت بنان باشتياق ..

ـ ادهملي وخاصة الفصعونة نهال وحشاااني..


فقالت ماهيتاب بامتعاض مصطنع ..

ـ يا زين ما اختارتي على الأقل ترحميني من زنها شوية .. مش هتكون هي وعيالي عليا ..


فقهقت بنان حتى أتاها صوت الصغيرة مرحبا ..

ـ أزيك يا أبلة .. وحشاني ..


ـ وانتي أكتر وأكتر يا روح الأبلة .. عاملة إيه في مدرستك ودروسك سألت ماما عليكي المرة اللي فاتت وقالتلي أنك في الدرس ..


فردت عليها على مضضٍ ..

ـ هو درس واحد دا أنا بطلع من دا بدخل في دا .. قولي ليها عشان خاطري ترحمني شوية أنا في رابعة ابتدائي مش في ثانوية عامة ..


فشق عليهما صوت والدتهما بسخط وهي تتناول الهاتف من بين يدها ..

ـ بس يا بنت هاتي التليفون ماتتعبيش أختك معاكي بزنك دا .. وبعدين مش احسن من لعبك في الشارع ليل نهار .. 


فجاءها نبرة بنان تساند ..

ـ بس يا ماما البنت معاها حق 


ـ ما تخديش على كلامها يا بنان هي اللي غاوية لعب ومرقعة .. المهم أنتي عاملة إيه يا حبيبتي أنتي ومالك .. طمنيني عليكم 


صمتت لوهلة لاستجماع نبرتها المرحة ..

ـ بخير ياماما .. بخير الحمد لله .. المهم متحرمنيش من دعائك دايما وبس ..


عقب همسها ذاك سمعت بدء زقزقة الصغير دلالة على قرب عاصفته الصاخبة فقالت تودعهم بعجالة ..

ـ ملعش يا ماما مضطرة أقفل دلوقت .. بأذن الله هكلمكم في أقرب فرصة تانية .. سلام ..


ثم همت بغلق الهاتف عقبها وقدميها تسابق بهما نحو الغرفة قبل أن تبدأ وصلة صراخهُ ويفزع مالك .. فتفاجأت عقب دخولها بأن الأخير شعر به من غفوته وهم بإعطائه رضعته الصناعية المحضرة من جانبها منذ قليل تمهيدًا لإفاقته، فقالت بخفوت ..

ـ عنك أنت لما ارضعه ..


فهمّا يرد عليها بنبرته الخملة ..

ـ مفهاش صعوبة خلاص هكمله .. 

مواصلا باستفساره ..

ـ هو احنا نمنا قد إيه ..


ـ يعني .. حوالي اربع ساعات ..


فصاح مندهشًا ..

ـ كل دا .. ومصحتنيش ليه عشان أصلي ..


ـ عملت كدا والله أول ما خلصت الأكل بس انت كنت مرهق قوي وقولتلي سبيني شوية ..


فعاد برأسه للخلف بعدم اتزان مرددا ..

ـ طب حضريه لو سمحتي عقبال لما أقوم أصلي .. كدا كدا هو قرب يخلص 


واصل بها مشيرًا على الصغير وهو يلهم رضعته بنهم أثر جوعه الشديد ..

فأومأت بنان بالإيجاب مستديرةً لوجهتها، فبغتت بسؤاله ..

ـ هي مامته دا كله ماجتش ..


استدارت تواجهه بتردد وارتباك ..

ـ بصراحة جت وطلبته وانتم نايمين .. بس أنا خفت اصحيك أو اصحيه لحظة ما باخده، فقلتلها نايم غير أنه مينفعش يخرج من فرشته لبرة على طول كدا .. فسمحت ليها تنزل توضب حاجتها على مهلها ولما يصحى هنزلهُلها ..


فهز رأسه ببطء مرددًا ..

ـ تمام .. روحي شوفي إيه اللي هتعمليه ..


ـــــ


مع مرور بعض الوقت في انشغالها بتسخين الطعام بغتت به يطل عليها صائحًا بتجهم وقميصه المبلل يبعده عن جسده باشمئزاز ..

ـ شوفي أخرة المعروف 


ففزعت بدهشة ..

ـ يا ربي إيه دا .. هو فوض عليك 


ـ فوض إيه دا بتهيئلي رجع عليا كل اللي رضعه ..


تنهدت بعتاب ..

ـ ما أنا توقعت حاجة زي دي من واقع خبرتي مع بنات أختي .. عشان كدا قلتلك هاته وأنا أكمله وأنت رفضت ..


رد عليها بإمتعاض ..

ـ مكنتش أعرف أن ابعاد الموضوع مقرفه أوي كدا .. على العموم أنا مش هقدر اتغدى بالريحة دي .. هروح الأول أخد تاني شور على السريع وأنتي معلش أخري الأكل شوية ..


فأومأت إليه مردفة ..

ـ حاضر .. وعبال لما تخلص هروح أغيرله كمان عشان بعد الغدا أنزله لولدته ..


فعاد من خطى دورة المياة يؤمن خطوتها بشدة، مترجيًا ..

ـ يا ريت ارجوكي .. لأن شفت على ايده النهاردة اللي محدش يتحمله وبعد كدا لو عاوزه تستضفيه تاني يبقى في وقت أنا مش موجود فيه خالص .. تمام 


لم تسيطر حينها على ضحكتها من كم الغيظ والضيق الملوح بهما بحديثه وهي تؤمئ بالقبول .. ضحكت مغيبة حتى اُنهكت وكلما جاهدت للتوقف رغمًا عنها لم تستطع .. فتفاجأت به صامتًا متسمرًا دون حراك .. يراقبها بحالمية وابتسامة هادئة اشرقت محياه ..

فتلاشى مرحها على استحياء، مسرعةٌ من أمامه بارتباك لمواصلة جبهة الصد مجددًا ..


ـــــــــــــــــــــــــــ


مع تخطى عقارب الساعة لمنتصف الليل بقليل جلست على الأريكة بالخارج كما الأمس .. ولكنها اليوم تنعي وحدتها المخيفة بذكريات يومها المكدس .. بدايةً من صحبة الصغير الشهية إلى أن انتهى ذاك المالك من طعامه وغادر نحو عمله .. 


في خبيئتها ودّدت لو حيت الصغير بانتشاء عما فعله به طول فترة صحبتهما وكأنه علم بما جناه في حقها فبات ينتقم منه دفعة واحدة .. 

عند ذلك لم تستطع الصمود وصارت تقهقه مع نفسها من جديد حتى تجلي صوت هاتفها يملأ الفراغ من حولها .. فتسربت ضحكتها وابصرته بفضول مندهش لمعرفة هوية المتصل في ذلك الوقت المتأخر .. بغتت باسمه يعتلي شاشته في سابقة أولى من نوعها بينهما .. ارتبكت بحيرة والتردد حليفها إلى أن فتحت أخيرًا والصمت يلازمها بلا إرادة ..

فتسرب إليها انفاسه الدافئة عقبها، هامسًا بنبرة خافتة يمتزجها الحنان والخوف..

ـ زي ما توقعت لسه صاحية ..


لم تشغل بالها بما وصل إليه من استنتاج لقول كلماته تلك حتى وأن بات يشعر بخوفها .. فالأهم لديها الآن هي تلك النبرة المستجدة .. وخيوطها الهادئة المخيفة .. المُبسطةٌ بخطورة .. الحانية باستفاضة كأنها من أب لابنته .. من محبٌ لحبيبته! 


لا ..لا يعقل بأن تكون نابعة من البعد والحنين .. هي فقط كذلك لأنها في الهاتف وليس أكثر .. 

فاقت على همسه التالي ..

ـ الشغل بيقل عن المعتاد في وقت زي دا .. 

مضيفًا بلامبالاة مصطنعة .. فقلت اتصل عليكي أهو نسلي بعض شوية ..


فاغتال وقتهما الصمت المترقب حتى بادر يقطعه ما أن استشعر بإمتداد صمتها ..

ـ تعرفي أنا كان نفسي قوي أقولك تسلم إيدك على الغدا النهاردة وامبارح ..

مسترسلاً بمزاح لمدراة تصريحه .. بس حضور سي مارو مأسعفنيش أقولها بصراحة .. الله يباركله عمل اللي عليه معايا وزيادة .. أبقي فكريني اشكر افضال سعاته عليا لو قدر الله قابلته تاني وإلا أكون قليل الذوق ..


نبرته الساخرة ذكرتها بردود فعله الحانقة على افعال الصغير مرة ثانية، فضحكت رغمًا عنها فواصل وهو يشاركها الضحك ..

ـ لو مين قالي أن هتعرض ليوم زي دا مكنتش هصدقه .. دا أنا خدت كمية شور في يوم واحد محدش خدها قبلي لما بشت من كتر الميا .. 


كممت صوت ضحكتها بصعوبة بالغة وجسدها يتلوى من فرط النوبة، ليسترسل دون رحمة ..

ـ اقولك سر .. أنا حاسس صحابي النهاردة ببصولي بطريقة مش طبيعية مع ان مغرق نفسي بكمية برفنات مش تتعد .. تفتكري شموا حاجة ؟!


اشتركا عقبها في الضحك حتى دمعتا عينيهما، 

مواصلا بحنين عقب برهة صمت .. 

ـ بس سعيد ..


فتسرب على همسه ذاك أثر ضحكتها، منصتةً لاستئنافه بتعجب وكأنه شعر بها ..

ـ صدقيني والله سعيد ومسمعتيش غلط .. برغم ضيقي ونرفزتي وقتها بس لما سبتكم ومشيت حسيت بفراغ شديد وشعور غريب افتقدته .. نوع من السعادة مختلف عن المعتاد ومفهوم جديد عمري ما جربته واتمنى من الله ان يحققهولي على الطبيعة أنا وكل مشتاق .. 


دمعت حدقتيها بلا وعي حتى واصل بحديثه ..

ـ يحققهولي بس مش مع أي حد يا بنان .. أمنيتي بقت صورة واحدة ملهاش بديل .. صورة مشابة لصورة النهاردة بالظبط من غير تغير ولا نقص .. 


قصد أن يرمي لها شعوره ذاك كي يمهد إليها مشاعره وهو كله اقتناع بأن الطريق أمامه قد يكون مرهق حتى يكفر عن خطاياه .. بينما هي على الجهة الأخرى تخشبت من تصريحه المبطن .. هل هو كما فهمت ؟! .. لا .. لا يعقل ..

لم تدرِ حينها إلا بصوتها يعيد قواه ويخرج باستفسارها الذي حان وقته ..

ـ أنت ليه قولتلي على الغرامة مع أن تأكدت بالصدفة أن مفيش حاجة زي كدا؟!


لم يأتيها ألا الصمت التام وحرارة انفاسه معا وكأنه يفوضهما للرد عليها بعدما اُحرج .. فلم يصل هو لمرحلة المصارحة المباشرة بعد ولهذا هما كفيلان الآن جدًا ..


بلا إرادة ابتسمت بهذي لا تستوعب ما لمح به بعدما بات لا مجال للشك أمامها .. فكل كلماته، تصرفاته في الأيام الماضية اصبحت باعترافه الصامت هذا مترجمة ولكنها باتت بأكثر جرأة .. حينها جُن عقلها باستفسارٍ واحد .. 

وسارة أين ؟!


هل ذاك الغافل يضحك على نفسه .. أم على طفلة ساذجة بلهاء أمامه ..

يريد أن يقنعها بالحب وهي على يقين بأنها إلا عابرة سبيل ..

يريد استضافتها ومن ثم وداعها ونسيانها بلا اهتمام .. لا .. لن تعود لأهلها مكسورة الخاطر والكرامة معًا 


تحير دليلها طول الليل إلى أن حسمت أمرها بحل مرضى لدحلبته السامة نحوها .. وسداد دين والدها .. ومعالجة قرب موعد رحيلها ..

أمور جليلة وجبت عليها التحرك نحو باب جارتها منذ الصباح الباكر قبل وصول الرجال من عملهم .. مستفسرة في وسط تناولهما لكوبين من الشاي ..

ـ نورا أنتي قولتيلي في وسط كلامنا سوا أن ليكي أبن عم ماسك منصب كويس في شركة ملابس هنا ..


فأومأت لها نورا بتلقائية وهي تقضم قطعة مقرمشات مع رشفة من مشروبها ..

ـ اه صح إيه اللي فكرك بيه دلوقتي ..


اطرقت بنان بصمت إلى أن رفعت تبصرها بأكثر اصرار ..

ـ عاوزاه يتوسطلي اشتغل ..


ــــــ


جاءت عودته للبيت وهو يتجنب محيطها للمرة الأولى وكأن سؤالها احرجه وبين له كم كان يغير عليها بسذاجة دون أن يدرك ..

بينما هي تركته دون إلحاح للإجابة فيكفي ما وصلت إليه مع نفسها من استنتاج ..


ليمر بهما الحال في الأيام التالية على ذات المنوال إلى أن بشرتها نورا برأي قريبها متمتمة ..

ـ هو بصراحة مكسفنيش الله يسعد قلبه بس برضه يا بنان قالي مافيش شغل اداري متاح في شركة الإدارة وكل اللي محتاجينه دلوقت عمال آلات في المصنع وبس .. وأن كنت مُصره يبقى استنى لغاية لما مكتب من المكاتب يفضى قدامه .. فأنا اترددت وقولت أعرفك الأول ..


فولتها اهتمامها باستفسار ..

ـ ودا احتمال ياخد مدة قد إيه لو استنيت ..


ـ قالي اقلها أربع شهور ولا حاجة مع أول أجازة ينفذها أي مغترب ..


شردت بأن أربعة اشهر كاملة كثيرًا عليها وستتخطى حدود موعد رحيلها .. فلم تعي بأنها اتخذت قرارها سريعًا ودون جدال ..

ـ أي حاجة أنا قابلة دلوقت بأي شغل ..


فتركت نورا قدحها جوارها وهي تردد عليها بدهشة ..

ـ بس يا حبيبتي دا تقريبا شغل فاعل مع الحر الشديد هنا .. فـ هيكون متعب ليكي ومش هتقدري تواصلي ..


حينها أتاها اصرارها المؤكد ..

ـ هقدر بأذن الله ..


فتعجبت من عنادها مرددة ..

ـ طب وإيه غصبك على كدا أنتي جوزك دكتور صيدلي مرتبه الواحد يعيشك مرتاحه سنين 


تنهدت باستياء بعدما وارت صفحتها الحزينة بعيدًا عنها ..

ـ زي ما قلتلك قبل كدا .. عندي وقت فراغ محتاجه اشغله .. غير ان مع الوقت يا ستي لما اتعرف على طبيعة البلد هيكون هناك احتمال كبير اغيره بطبيعة شغل رحيمة شوية ..


فما كان من نورا إلا أن هزت رأسها بصمت والشك يتوغلها .. ولكن طبيعة العلاقة بينهما لا تسمح لها بالسؤال والاطمئنان لتلك الدرجة .. فضلت الصمت وخبيئتها تدعوا لها بصلاح الحال والأحوال .. تلك سلطتها الوحيدة المتاحة لها الآن .. الدعاء بظهر الغيب لأختها المسلمة دون حشر أنفها فيما لا يخصها ولا يعنيها ..


ــــــــــــ


على مدار تلك الأيام الماضية لم تعي حتى لحظتها بأن مالك حصرها في خانة المواجهة .. كان مفترض أنه راغب .. محب .. يسعى هو بكل الطرق لمحاربة من وجب محاربته دون تحديد مهام مَنْ .. لا أن يتركها تواجه وحدها حتى وإن كانت الحرب حربها كما وصفها في مكالمتهما الأخيرة ..


تلك الأيام في بعده مرت عليها ثقال ولكن بأي عين ستحدثه وتوعده ووالدها مازال معاندًا يظن بسطوته بأنه يستطيع أن يحرك حياة من حوله بإشارة أصبع ..


في خضم شرودها تفاجأت بتنبيه رقم مجهول يضيء هاتفها فتجاهلته كما تفعل عادةً .. ألا أن الرقم واصل باصرار فاضطرت لفتح الخط مردد ..

ـ ألو ..


فأتاها نبرته الخشنة ..

ـ أزيك ..


علمت شخصه عند همسه ذاك فاسرعت تغلق الهاتف مرتبكة فشاهدته يعاود الاتصال في الحال ويستمر دون تراجع فاضطرت لفتح الخط ثانيا بنبرة هادره ..

ـ عاوز إيه .. أظن معدش بينا حاجة تتقال بعد ما حصل ونفذت رغبتك ..


فجاءها تنبيهه الحازم ..

ـ أوعي تقفلي سمعاني ..أوعي ..

مواصلا من بين تشدد أنيابه ..

ـ وبعدين مش دي كانت رغبتك أنتي قبلها .. مش كل شوية مكنش على لسانك إلا طلقني .. طلقني 


فهدر صوتها بغيظ ..

ـ يعني دلوقت بتحملني كل المسئولية لمجرد قولتهلك كام مرة ..


ـ لا مش عشان قولتيها وبس لأن أنتي وأفعالك وصلتينا لكدا .. دفعتيني بكل انانيتك وعدم تقديرك بأن انطقها لما الجبل اتملى وطفح من كتر دلالك اللي مبينتهيش .. كل رغباتك كانت لازم تتنفذ وإلا هكون زوج مش كيوت وقاسي .. عاوزه دا حاضر .. مش حبه دا برضه حاضر .. مبعرفش اطبخ .. اغسل .. احضر اكل وبرضه حاضر .. هدومي مش مكوية وعاوزه خادمة تقوم بكل احتياجتي كانها هي اللي مراتي وحضرتك من النادي دا للشوبن دا وحطيت في نفسي وسكت وبرضه حاضر .. إنما توصل إنك تبعديني عن أمي اللي ربتني وتعبت فيا ووصلتني للمستوى دا وتسممي ودني من ناحيتها فده اللي عمري ما كنت هسمح بيه أبدًا .. وماتستبعديش وقتها أن كلمة زي الطلاق تفلت مني تاني وتالت في وقت مشحون زي دا ..


فخرجت نبرتها المستفزة ..

ـ واديك اهو حافظت على كرامة الست الوالدة وطلقتني راجع تاني ليا ليه بدال شايل في قلبك قوي كدا .. 


ـ مش بمزاجي يا هانم .. والدك اللي هو لواء وحدتي والحاكم الناهي فيها وفي حياتي طالب مني اراضيكي .. وغصب عني وعنك مفروض نطلع من المكالمة دي مرضيين وإلا .. 


تملكها القهر من بجاحتهما الصريحة فانتفضت صارخة ..

ـ وإلا إيه .. أنتو بتحلموا .. لأن عمري ما هحقق ليكم حلمكم .. يا ريت توصله دا .. روح قوله بنتك مازالت عند رأيها ومش هتغيره مهما عملت ياباشا .. 


ـــــــــــ


في اليوم التالي ودون تأخير اودعت نورا أوراقها الخاصة والحتمية لخوض تلك المعركة .. لتبلغها الأخيرة من فورها بالعنوان وموعد بدء العمل .. فشكرتها بامتنان عن جزيل معروفها .. ثم باتت تعي لمباراتها القادمة معه ما أن يعلم بذلك الخبر ..


وصدق حدسها حين تبلم أمامها بذهول لا ينطق حرف ولا يهمس ببنت شفة عقب ما سردته عليه توًّا .. مما شعرت بأن صمته ذاك ما هو إلا توابع لعاصفة قادمة .. 

وبالفعل صدح استنكاره عاليا ..

ـ بتقولي إيه لأن مستوعبتش كويس ..


فازدردت ريقها ببطء وهو تجابهه بثبات ..

ـ لو سمحت وطي صوتك عشان نقدر نتناقش زي اتنين متحضرين ..


فصرخ عليها بغضب ..

ـ اي مناقشة وأي تحضر بطلبني بيهم وأنا زوجتي راحت من ورا دهري خلصت كل حاجة وجاية تبلغني بخطوة التنفيذ ..


استفزها بحديثه فلم تعي لنبرتها الحانقة ..

ـ وأي زوجة تقصد برضه أنت .. اللي سابت أهلها ووثقت فيك بين جدران بلد متعرفهاش .. وجيت حضرتك بكل بساطة صدمتها بتصريحك القاسي ليلة فرحها .. اللي عايشة معاك بنية طلاق معقودة جواك ومصمم عليها .. اللي حسه أنها عيشه على كف عفريت مستنية اهانة سيادتك ليها وطردها في أي لحظة جاية .. اللي بتحاول تحفظ كرامتها من موقف زي دا قبل ما يحصل .. 

مواصلة بضيق وهي تعقد ذراعيها .. ولا أنت حابب تفضل تهين فيها كدا كتير ..


مع انتهاءها انجرفت دموعها دون حسبان لتعلو شهقات نحيبها بقوة .. مما تقدم نحوها يقبض على ذراعيها متمتمًا ..

ـ لا يا بنان .. لا مراتي اللي مكتوبة على اسمي وكل الناس عرفه بده .. وناقص انتي بس تخضعي وتعترفي بكدا ..


فاقت تقلع وشاح الضعف عند فرض سلطته المزعومة وهي تنفض ذراعاه وتتقهقر للخلف بصخب ..

ـ ابعد عني .. أنت أكيد مجنون ومش في وعيك لو فكرت بأن ممكن اتغاضى عن كل اللي قلته وعملته معايا .. لا شرع ولا دين ولا انسانية يوافقوا على كسر روح بالشكل دا .. الجرح ممكن يحصل بالسهولة المعروف بيها بس يوم ما يحتاج يتعافى بيكون بصعوبة ومجهود عمرك ما تتصورهم .. 

مواصلة بإباءة وهي تمحي أثر الدمع بظهر كفها ..

ـ واحب اعرفك حاجة مهمة وهتفرق معايا قوي .. 

مشيرة له بسبابتها في وجهه بصمود وقوة .. 

ـ أنا مكنتش محتاجه موفقتك قد ما بعرفك بخطوتي الجاية مش أكتر ..


ثم همت نحو غرفتها وتركته من خلفها يتخبط في أوحال أثمه بعدما خاضت معه معركة كانت لها بالمرصاد ..


ـــــــــــــ

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

تعليقان (2)
إرسال تعليق

إرسال تعليق

Health and beauty category