القائمة الرئيسية

الصفحات

عند مفترق الطرق الحلقه الثالثة عشر (نوفيلا)

 عند مفترق الطرق الحلقه الثالثة عشر (نوفيلا)

حمدت الله بأنها استطاعت الفرار لحيز غرفتها بعد أن خال عليه حجّة ارهاقها وفقدان شهيتها .. متسائلة بتحيرٍ عن خطبهِ اليوم .. فأفعاله كافة تثير القلق ولا يلوح لها مبررٍ .. بدأها ببركانه الناضب عند رؤيتها بالخارج .. ومن ثم لهفته ..عناقه .. قربه .. جلب ما تحبه من حلوى .. لينهيها بغراء قربه المتواصل عند تحضير الطعام ..

عند مفترق الطرق الحلقه الثالثة عشر (نوفيلا)


لا .. ليس هذا بالمنحوت المتجمد الذي عاشرته سابقًا ..


هكذا حدثت نفسها بريبة وشك والكثير من الاستفسارات تتوارد عليها بذهول .. قمَّمها 

بأن رغبة القرب تلك لا تنبع إلا من (الحب .. الشوق .. الارتياح !


فهل هو كذلك ؟! 


ما وصلت إليه استنكرته بفزع .. بدهشة .. بغصةٍ تجرعتها ببطء لتعيد استكمال البدائل السابقة بأكثر حكمة وتريّث ( الحب .. الشوق .. الارتياح .. وقد يكون أيضا الاعتيادية .. التجربة .. الشهوة )


هكذا صفعت عقلها بقسوة لنفي الأوهام وتصديق الحقيقة المريرة .. فـ سارة هى الحب .. هي الشوق .. وما هي إلا تجربة بديلة و شهوة عابرة لرجلٍ أعزب تسكن معه أنثى بين جدران بيته ..


هذا هو الاستنتاج الحكيم لكل هذا الهراء الذي يحوطها .. لذا وجب عليها الأفاقة وترك دفة القيادة لكرامتها من جديد حيث ستشد من عضُدَها لكي لا تكون بين هذه أو تلك ..


لهذا عزفت عن رؤيته في اليومين التاليين عزوفًا تامًا .. فقط تخرج في وقت غيابه تطبخ وتؤدي فروضها ومن ثم تختبئ قبل قدومه كما أولى أيامهما .. قد يُوصف فعلها بالهروب .. الجبن .. الخوف .. ولكنها مؤمنة بأنه يفي لحمايتها من مخالبة حتى يحين الرحيل ..


بينما هو في ذلك الوقت كاد يجن من تكرار صومعتها دون سبب واضح أو مقنع .. عاجزًا بضراوة عن تخطي مرارة البعد بعد تفشي حبها داخله .. لهذا صار كمجنونٍ يرغب بإقلاع الحاجز اللعين بينهما بمشروعية مزيفة اعطاها لنفسه دون وجه حق .. ولكنه ما ابصر حجته المقنعة حتى راح يطرق بابها بتهذب وإصرار إلى أن استجابت بعد عناء وخرجت عليه مترددةٌ بتوجس ..

- في حاجة .. 


ضمر حزنه داخله من جفاء استقبالها .. وهو يلهف ظهورها باشتياق حار گ رؤية أشراقة شمس فريدة في يوم غائم ممطر .. مطرحًا حجته بترقب بعد حمحمة هادئة ..

- أحم .. بنان انتي كنتي وعدتيني بالمحشي وكباب الرز .. يا ترى .. لسه عند وعدك ..


لتتلقى جملته بصدمة .. فبالرغم من جهودها للفرار ها قد جاء بحجّة قربهُما التي ظلت تخشاها .. وما أمامها الآن إلا تنفيذ الوعد رغم أنفها .. لهذا اضطرت أن تتخلي عن جُبنها ومواجهته بثباتٍ مرهق ..

- عادي .. مافيش أي مشكلة .. بكرة بأذن الله تيجي تلاقيهم جاهزين .. 

مستأنفة بإقتضابٍ عقبها .. عن أذنك 


ثم راحت تغلق الباب بينهما من جديد لغلق كل السبل أمامه لتمادي الحديث لأكثر من ذلك .. 


والذي استقبل فعلها باندهاش كالآبله .. غير مستوعبًا قسوتها المستجدة وحصونها المُشيدة بعد ما عشاه في يومهما الأخير معًا .. فهل له أن يفسر فعلها هذا بالخوف لأن بوادر مشاعره الإيجابية نحوها (كالعناق) انفلتت منه دون تقيد .. أم لأنها لا تحبه ترفض تلك المشاعر رفضًا قاطعًا وتضع حدًا بينهما كما كانت البداية .. 


تلاطمت أفكاره بحيرة وحزن متمنيًا أن يكون أولى تفسيراته هي الحقيقة وفقط ..


من عقر تنهيدة مثقلة عبر بها عمّا به من تشتت نخرهُ مشهد رؤيتها الأخير بتملك .. مما دفع امتنانه لتغطية الأجواء المذبذبة من حوله وتقدير لحظات رؤيتها القليلة .. فهي حتمًا أفضل مما لا شيء ..


---------------


في اليوم التالي وعقب انشغالها في تحضير الوصفات التي بات يرغبها تفاجأت به يعود من عمله مبكرًا وعلى غير العادة .. مما ذكرها ذلك بلقائهما الملعون والتي حرصت من بعده على ستر كل بدنها في أي وقت وزمان تحسبًا لغفلته .. 

تجاهلت حضوره بلا مبلاة صنعتها بحرفية وهي مستمرة في عملها .. حتى تفاجأت به يستبدل ملابسه ويشاركها حدود المطبخ كما أخر عادته قبل المقاطعة .. لتواصل فيه مضطرة بإحراج وهي تتجنبه لأقصى درجات البُعد .. إلى أن اخرجت من المقلاة أول دفعة من الكباب المحمر ووضعتها على الطاولة أمامها .. فأجفلت به قريبا منها يمد يده من خلفها ويتناول واحدة كما مرتهما السابقة .. ألا أن وجهه تلك المرة كاد يلامس جانب وجهها .. لتحرص على إمالة وجهها بعيدًا عنه بعجالة غير مهتمة في وقت فعله القصير بأنه عن قصد أو عفويًا .. لتتفاجأ به يتغاضى عمّا فعلت بحرارة انفاسه القريبة وحديثه الطبيعي بذات وقفته ..

- الشباب كتر خيرهم شالوا عني نبطشيات بليل طول الفترة اللي فاتت .. عشان كدا من النهاردة هرجع لطبيعة وردياتي .. اسبوع الصبح واسبوع سهر .. واللي استلمته من النهاردة هرجع زي دلوقت وأبدأ على ١١ بليل .. 


استقبلت خبريته المجفلة بتصنع هادئ يوحي له بأن ماقاله لا يعنيها في شيء .. فبغتت به يستند بيده الثانية على الطاولة أمامها ليحصرها من الجهتين .. متمتما وهو يمضغ بتمتع ..

- بس قبلها لازم أعمل زيارة لحسين صاحبي ومراته في شقتهم تحت ..

موضحًا .. لأنها وصلت بالسلامة هي وابنها من مصر امبارح ..


نجح في تشتيت ذهنها بإحاطته الجريئة حتى أنها لم تعي لِمَ قاله جيدًا حين شغرتها رغبةٌ مُلحة عن كسر يده والهروب بعيدًا .. فـ راح عقب استشعاره بما يدور في مخيلتها يسألها بلؤم وابتسامة خبيثة تزين شفتيه ..

- مسمعتش ردك يعني .. ولا أنتي مش مركزة معايا من أصله ..


هو يجابهها اللعين ويلعب على أوتار خجلها ظنًا منه بأنها إمرأة ستتأثر به كما يفعلنَّ الآخريات .. ولكنها لن تسمح له بالفوز عليها .. وستثبت لغطرسته الرجولية بأن قربه منها وبعده سواء .. لا يأثر عليها مطلقًا .. لهذا قالت بثبات وقوة وهي تشغل يديها في تقطيع الخضار أمامها ..

- وأنت محتاج ردي في أيه .. ما تنزل تزورهم براحتك ..


فمال برأسه عند أذنها يؤكد بهمسه الناعم .. 

- قصدك ننزل سوا ..


لم تبرع في اخفاء دهشتها تلك المرة حين رفعت رأسها بعينين شاخصتين .. فعن أي زيارة عائلية يطلب ذاك .. فلا هو وهي بالزوج والزوجة الطبيعيين .. ولا مدة بقاءها هنا تسمح لها من الأساس بأن تكون صديقةٌ لأحد ..


لهذا استدارت ترفض هرائه بقوة واعتراض انساتها حصاره من خلفها .. فبغتت بعينيه تغتال حدقتيها في قرب مهلك اربكها وبدد ثباتها .. لتواري رجفتها بحركة يديها العفوية في صدره للإبتعاد .. صعقت على أثرها بإنتفاضة .. وهي تسحبهما بارتباك وخجل وارته خلف هجومها اللاحق..

- مرات مين .. انا معرفش حد هنا .. وطبيعة العلاقة بيني وبينك مش مجبرة تخليني أعرف.. 

ولا كدبتك صدقتها وخلتك تتمادى بأن دا من واجبي .. بس أنا ممكن افكرك وانعش ذاكرتك بأني هنا عشان احمي كرامتي وسمعتي قدام الناس مش عشان أعزز مناسباتك الاجتماعية واحافظ عليها .. اللي حتما هتكون من واجبات البرنسيسة حبيبتك مستقبلا لما تجيلك هنا بنفسها بعد ما أنا أكون مش…. 


لم تسمع إلا صفع الطاولة بيديه جوارها بقوة صمت أذنيها .. سلبت انفاسها .. واغلقت فاهها عن الكلام .. وهي تشاهده يفرغ بها جام غضبه المتقد .. تتفرس عينيه عينيها الواجفة بشرٍ يتطاير .. مهدرًا عليها كلماته من بين تشدد أنيابه ..

- عارف وواعي أنا بطلب إيه ومن مين .. ومش محتاج حد يعرفني بأنك مراتي دلوقت مش هي ..


صعقها فرض قوته وكلماته المتتالية بحزم .. بل بالأخص مغزاها المتواري بألا تنسى عن كونها زوجته وله حقًا عليها .. فباتت تائهة ضائعة .. مصابها الجنون .. ولا فرضية أمامها إلا أنه معتوه يرغب في حلو التجربة .. وهي لن ترضى أن تكون بديلاً بخسًا مطلقًا .. 


ابتعددت عقبها في ريبة تتلاشاهُ في صمت وهي تكمل عملها أو بالكاد توهم نفسها بذلك من وسط تشتتها .. حتى شعر من انكماشها بإنه غير مرغوب به حولها .. كاد يواسيها ويعتذر إلا أنه فضل الانسحاب بعيدا حتى يعطيها قدر من الحرية لاستيعاب الحقيقة الغائبة عن ذهنها .. وبذات القدر يعطيها لنفسه لإعادة بناء ثباته من جديد وتحديد طبيعة خطوته القادمة ..فهي وإن لم تحبه فهي ملكه وزوجته .. لا أحد له فيها بقدره .. ولا خيار للهروب .. 


لا خيار مطلقًا .. مع امتنانه اللا محدود بذات الوقت لانقطاع سارة عن الاتصال طيلة الأيام الماضية بعد أخر مكالمة بينهما ..


--------------------


بعد الغذاء ومشاركتها للأكل بجواره كما رغب .. لفحت عباءتها وتجهزت للخروج معه لجلب هدايا للصغير ومن ثم العودة ثانية نحو المسكن لزيارة شقة صديقه بالأسفل .. والذي استقبلهما هو وإمرأته بالترحاب والود الشديد لتنفرد بها الأخيرة بعيدًا عنهما .. قائلة بوشوشة مرحة لا تدل على حداثة تعارفهما ..

- بقولك إيه تعالي نحضر العصير سوا ونسيبهم لوحدهم ..


فخجلت بنان من عرضها لتلهفها "نورا" بمزاح لكسر الحاجز بينهما ..

- لا بقولك إيه أنا مباخدش تعارف أكتر من خمس دقايق مع اللي قلبي بيرتاح لهم .. ففكي كدا وخليكي معايا على الخط عشان خاطري .. دا أنا ما صدقت شلة الصيدلة في العمارة فكت النحس أخيرًا وشفت جوازة حد فيهم ..


فرغمٍ عن بنان ضحكت وسايرت خطواتها نحو المطبخ متمتمة ..

- اظاهر كدا أنك كنتي في بؤس من عدم جوازهم ..


فأجابتها نورا متنهدة ويديها تلوح بهما بهلع ..

- وأي بؤس يا بنتي .. سنتين يا ربي بكلم الجدران هنا لما اتجننت .. متجوزه وليا راجل تقريبا أغلب اليوم مبشفهوش من ورديات صبح وبليل .. ولما فكر يعمل عزومة من شهر للتاني لشلته قلت أهو الحمدلله هتعرف على مرتاتهم من باب التغير ونود بعض في سجننا دا .. انصدم أن مفيش ولا واحد فيهم متجوز ألا هو وبس .. فيتجمعوا ويسلوا وقتهم بره وأنا هنا اتفرس في المطبخ لوحدي زي قرد قطع .. حتى لما ربنا رزقني وحملت أخيرا تعبت وضعفت ملقتش لحظتها أي حد ياخد بخطري ويميل عليا .. وقال إيه جوزي بعد دا كله كان مصمم أولد هنا جمبه .. 

مواصلة بمزاح ساخر .. عشان الجنان بعد ماطالني يطول الواد كمان

مع ضحكة بنان التي لم تنقطع واصلت نورا وهي تزوي شفتيها .. 

- عشان كدا حلفت يمين تلاتة على يمينه ما أنا والده الواد ألا في بلدي وفي وسط أهلي وحبايبي .. 

مستأنفة بإمتعاض .. وادي أهو بعد ما ولدت مروان باربع شهور اضطريت ارجع غصب عني لأيام الجنان من تاني .. 

بس صدقيني من أول ما وصلت وعرفت من جوزي أن مالك أتجوز وجاب مراته هنا و الفرحة ماكنتش سيعاني على الصحبة الحلوة اللي جاتلي من وسع .. لدرجة أن رقصت تلقائيا والضحكة مفارقتنيش وجوزي شك فيا ..


لم تستطع بنان في دقائق صحبتها أن تتمالك نفسها من نوبة الضحك رغم حرصها على عدم وصوله لمجلس استقبال الرجال المنعزل .. متيقنة أن وجود نورا معها بروحها المرحة اللطيفة تلك هو كنزًا لها هي لا لها ..

..


مسترسلة بالحديث معها بعد ذلك وروح الأخوة تسودهما حتى هتفت نورا بسعادة ..

- تصدقي أنك طيبة وارتحتلك أكتر وأكتر يا بنان .. فعلا أخرة الصبر أجمل عوض الحمدلله ..


قالتها نورا عن طيب خاطر بعد طول جلسة تسامرهما معا .. لتُدمر بنان استيائها عن كونه للأسف سيصبح تعارف قصير الأمد ما أن ترحل قريبًا .. وهي تجيبها بابتسامة هادئة لا تعكس همومها ..

- أنتي اللي لازم تصدقيني بأن صعب أتعرف على أي حد بالسهولة دي .. بس معاكي بجد كل الصعب اختفى .. لأن القلوب والطباع بقت عند بعضها ..


- ربنا يجبر بخاطرك ..

قالتها نورا وهي تهدهد على وليدها المتذمر لاسكاته مواصلة ..

- الولد شكله مقريف من الجو هنا وتقريبا مش بيسكت خالص من لحظة ما جينا مع أن برطب جسمه كل شوية بحمام بارد .. 


فقالت لها بنان برجا ..

- هتهولي اساعدك شوية .. غير أن أنا نفسي أشيله قوي ..


فأعطتها إياه بنفسٍ راضية متضرعة ..

- خدي يا حبيبتي ربنا يعطيكم ويعطي كل مشتاق من وسع يا رب ..


فتراخت معالم بنان بحزن ابرعت في اخفائه عند سؤال نورا المباغت بحيرة ..

- شكلك بتحبي الالتزام الشديد يا بنون ..


فأجابتها بنان وهي تحتضن رأس الصغير بين صدرها ونحرها ..

- إيه اللي أوحالك بكدا ..


- يعني لابسه العبايا واسعة ومش ملفته في زيارتي مع أننا في عمارة واحدة وتحت بعض ..


فقالت لها ضاحكة ..

- لا بالنسبة لشكلها مالك هو اللي اختارها .. ولبستها بس عشان خرجنا أنا ومالك برة قبل ما نجيلكم .. 


- وحتى لو .. هو أنتي بتلبسيها دايما في العادة يعني ..


فرددت عليها بنان بدهشة ..

- ليه هو أنتي مش بتلبسيها انتي كمان لما بتخرجي بره ولا ايه 


- والبسها ليه .. ما أنا عندي لبس خروج محترم وواسع يعوضني عنها 


- عشان الغرامة .. هو جوزك هيناهض يدفعها كل شوية ..


فرددت نورا مستنكرة ..

- غرامة! .. أي غرامة تقصدي


- الغرامة اللي بتندفع للحكومة عشان الستات اللي بتكسر قواعدهم لما تمشي بأي حاجة غير العبايا السودا ..


لم تتلقى بنان تلك المرة استفسارًا منها بل رصدت ضحكة مجلجلة وهي تعقب ..

- بنان فوقي وطلعي رأسك من شباك العربية مرة وشوفي بقية الشعب ماشي ازاي .. دا لو الحكومة عملت بالمبدأ دا هي اللي مش بعيد ماتناهضش و تعتزل الكار بدري بدري .. 

مواصلة بأكثر وضوح .. هو أه أهل البلد هنا بتلبس عبايات بس دا لأنها جزء من تراثهم وحابين يحافظوا عليه إنما المغتربين اللي زي حالتنا فليهم مطلق الحرية يلبسوا اللي نفسهم فيه ويرجع لراحتهم بدون أي غرامة ..


صاحبها الصمت بعدها والكثير الكثير من الدهشة .. أكملت اللقاء بكثير من التصنع والشرود حتى صعدت واختلت بغرفتها من جديد .. واستفسارا واحد يفرض وضعيته عليها ..

- لماذا أجبرها على لبسها وقال لها ما قال عن تلك الغرامة ..


في خضم حيرتها لم تجد إجابة واقعية تشفع لكذبته .. متفاجأة بسماع صوته في الخارج وهو يخبرها ..

- بنان جه معاد نبشيطي هتعوزي مني أي حاجة قبل ما أنزل ..


تطلعت للباب شاردة صامتة لوقت طال ثوانيه وحروفها ضائعة حتى سمعت مغادرته وغلق الباب خلفه ..


حينها نسيت كل ما يجول في عقلها من استفسارات ووعت لجلستها بين جدران تلك الشقة في جوف ليلٍ مظلم مخيف لغربة موحشة ..فخرجت سريعا بفزع .. تستكين الأريكة مرتبكة خائفة تهاب السكون التام حولها وهو ليس بجوارها كما عادته السابقة هنا ..


لم يستطع الهاتف أو التلفاز أن يشغلها عن نوبات توجسها مع مرور الساعات حتى جاء بزوغ الفجر وفريضته فأدتها ومن ثم بادرها النوم على الأريكة دون إدراكٍ منها ..


لتحل نسمات الصباح واشراقة قرصها الوهاج ويأتي موعد عودته .. ليتفاجأ بوضعها المنكمش ذاك ومن ثم خوفها البين .. فهما يقترب منها وهو يربت على كفها ببطء وحنو ..

- بنان .. بنان .. 


مع حركة عينيها المتكاسلة واصل ..

- قومي أنا جيت .. 


فعاد وعيها للواقع فزعه تعدل من هيئتها وحجابها وهو يوالي باستفساره ..

- إيه اللي نيمك هنا ..


لتجيبه مطرقة بخجل وهي تهم نحو غرفتها ..

- ابدا شكلي بعد ما صليت الفجر نعست من غير ما احس ..


فاعتدل واقفا يقتفي أثرها بتعجب عن كونها لم تفصح له عن طبيعة مشاعرها المتوجسة من غيابه والواضحة وضوح الشمس أمامه الآن ..


--------------------


مع قرع جرس الباب بتهذب واستمرارية خرجت بنان من غرفتها مجبرة للاستجابة وهي تبحث بعينيها عنه في المكان .. فابصرت الصالة خالية وهو على ما يبدوا داخل دورة المياه ينال حمامه المرطب المعتاد .. فتوجهت تفتحه باهتمام لكشف هوية الطارق .. مندهشة عقبها من اطلالة نورا ووليدها معًا وهي تردد بعجالة ..

- بنان هزعجك ..


فنفت بهزت رأس طفيفة قائلة ..

- ماتقوليش كدا .. بالعكس اتفضلي نورتيني 


- بصراحة مش هقدر ادخل لأن مش عاملة حسابي لزيارتك النهاردة 


- ليه .. مالك ؟


- هو مش مالي قوي يعني .. هو مال مروان ..


فتمتمت مندهشة ..

- أزاي يعني ..


- أصل بصراحة نازلة السوق أنا وحسين عشان شقتنا فاضية من كله لأن زي ما انتي عارفه اهتمام الراجل بالبيت في غياب مراته مش بيبقى زي اهتمام الست ..

فحستها بنان على المواصلة ..

- طبعا دي حاجة مفروغ منها ..


- عشان كدا مش عرفه اسيب مارو فين ومينفعش بعمره الصغير دا أخده معايا ويتبهدل .. فأنتي جيتي على بالي في أخر لحظة .. فلو بعد أذنك بس ..


فعجالتها بنان بترحاب بعدما فهمت رغبتها ..

- عنك لما تروحي وترجعي بالسلامة .. هو أنا أطول ضيافة زي دي ..


فـراحت نورا تشكرها بامتنان وهي تناوله لها بحرص ..

- متكشرة قوي يا بنان متعرفيش ريحتيني قد إيه ربنا يريح قلبك ..

مواصلة بتوعية وهي تناولها حقيبته الخاصة ..

- دي شنطته فيها ببرونته واللبن مع غيرات وحفاضات احتياطية عشان يعني لو ..

ثم انفرجت شفتيها بضحكة واسعة استعاضت بها عما ستقوله لتجيبها بنان وهي تبادلها الضحك ..

- روحي أنتي ومتقلقيش وكل حاجة بأذن الله هتكون تحت السيطرة ..


ثم تناولت منها احتياجات الصغير وودعت مغادرتها العاجلة حتى اختفت .. لتغلق الباب وتضع الحقيبة عند أول مقعد يقابلها وهي تواجه الصغير لوجهها متمتمة بحرارة ..

- أهلين يا مارو .. مستعد يا ترى لرحلتك السريعة معايا النهاردة ..

مواصلة بخبث ما أن تذكرت وجود مالك معهما ..

- ومع عمو حبيبك ..


كتمت ضحكتها الشامتة عقبها وهي تتوجه به نحو سريرها لتدثره فيه بحرص وبقبلة مطولة .. وبداخلها ممتنة لحضوره اليوم كثيرا .. لقطع سبل تواصل مالك الناعمة وهو يحوم حولها كالمعتاد طول مدة وقوفها في المطبخ ..


--------------------- 


صدق حدسها بعادته بعد مرور الساعة حين خرج من حمامه وصلى فرضه وجاء إليها يراقبها عن قرب قائلا ..

- بتعملي إيه ..


لم ترفع عينيها وهي تواصل فعلها متمتمة ..

- امبارح عملت الكباب والمفروض النهاردة أكمل وعدي بالمحشي والبط ..


فابتهج مرددا ..

- الله عليكي .. 

ثم جاء بمكر من خلفها ليحصرها بذراعيه مواصلا ويده أمامها تتناول ورقة كرنب مستطيلة لحشوها ..

- هساعدك بقى فيه عشان تنجزي ..


ابتسمت متهكمة لطريقته اللعوبة، وهي تجيبه ببرود ..

- الكمية قليلة ومش محتاجة مساعده .. 


راح يجيبها نافيًا وهو مُصر على المواصلة بقربه المستفز ذاك .. فبغت بصرخة الصغير تفزع سكينته متسائلا عقبها باندهاش ..

- ايه دا ..


فقالت بتسلية وهي تشكر الصغير بداخلها عن توقيته المثالي ..

- دا مارو ..


فالتفت حوله مستنكرا ببلاهة ..

- مارو مين ..


- ابن صاحبك ..


- صاحبي مين ..


جاهدت تكتم ضحكتها وهي تجييه بتلاعب ..

- صاحبك حسين اللي تحت واصريت عليا اتعرف على عيلته امبارح .. هو أنت نسيته ولا ايه ..


فقال متذمرًا وهو يبتعد عنها للوراء ..

- وبيعمل إيه عندنا ابن صاحبي اللي مفروض مش انساه دا ..


رفعت كتفها وهوت به باستسلام ..

- ابدا جه على غفلة عشان مامته وباباه راحو السوق ومحترين يودوه فين ..

موصلة بخبث عقبها ..

- ومقدرتش ارفض خالص تنفيذا لرغبتك في الود والتواصل .. معلش بعد أذنك ممكن تروح تشيله وتهدهد عليه .. أنا أيديا زي ما أنت شايف مش فاضية ..


فصاح باستنكار مندهش ..

- أنا 


فامطرت عليه كلماتها ببرائة مصطنعه ..

- أمال هيكون مين غيري أنا وأنت .. دا طفل رضيع في ضيافتنا .. حرام نسيبه يعيط بالشكل دا ..


فاعترض عليها بنفور ..

- حرام إيه هو أنا كنت خلفته ونسيته .. أنا ليا ساعات محددة قبل ورديتي لازم أنام فيهم كويس مش فاضي أنا للشيل ولشغل الأمومة دا ..


فرمقته بنظرة متشككة وهي تردد ..

- طب ما أنت كنت فاضي وعاوز تساعدي من شوية ..


فصاح بإحتقان وغيظ من تربصها ..

- دي نقرة ودي نقرة تانية خالص يا مدام ..


اصطادت جملته وقلبتها ضدده بحرفية صيادٌ محترف ..

- عندك حق نقرة الطفل البرئ والمسكين متتقارنش بأي نقرة تانية لأن رحمتنا تجاهم بتحكمنا وتوجهنا ناحيتهم غصب عننا .. 


افلحت في حصاره بتلك الكلمات مما كتم غيظه وردد باضطرار ..

- خلاص .. بس حاولي تنجزي بسرعة لأن مليش صبر على كدا ..


فأومأت بالإيجاب وهي تكاد تخفي ابتسامتها حتى ذهب لتنفرج بها بانتشاء .. سارعت بمدارتها عند عودته مرة أخرى مكفهر الوجه بصخب ..

- بنان الواد ريحته لا تطاق ..


لتجيبه بنبرة غير مبالية وهي تكمل عملها ..

- عادي يا مالك شوف المفروض بيحصل إيه في العادي وأعمله ..

موصلة بمكر ..

ولا عاوزني أغيرله وارجع احشي تاني المحشي اللي نفسك تأكله من أول ما جيت ..


----------------------------


لا يصدق واقعه وهو يقوم بإزاحة الحفاض ذو الرائحة الكريهة بعد أن رفض رفضا قاطعا تغيرها لذاك الحفاض والعودة لاستكمال أكلته التي يتربص لها منذ وقتٍ طويل ..وهو يغمغم مع نفسه بتذمر ..

- والله عال بقى الدكتور مالك أبو العزم اللي بيتعمله الف حساب يجي على أخر الزمن ويغير حفاضات بالشكل دا .. 

مستأنفًا بسخرية ممتعضة .. ومش أي حفاضات .. دي من الوزن التقيل ..


ليتفاجأ بتراقص جسد الصغير بضحكة شقية يعبر بها عن مرحه من تحرره أخيرا ونظافته ..

ليواصل معترضا ..

- اضحك يا أخويا .. اضحك وأقلب معدتي ..


ليتفاجأ في ذات الوقت بخروج حمام مائي موجه من الصغير نحوه بعفوية .. مما تجمد جسد مالك عقبها بصدمة .. لا يكاد يصدق ماحدث وشاهده .. ليصرخ توها .. 

- تصدق بالله .. هتصدق أن شاء الله .. أنا اللي غلطان واستاهل .. طالما أهلك بيشموا الهوا ومبسطين .. وأنا المغفل اللي مراته دبسته يهيص في مجاري سعادتك المنعشة ..


------------

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات