القائمة الرئيسية

الصفحات

عند مفترق الطرق الحلقه الثانية عشر (نوفيلا)

  عند مفترق الطرق الحلقه الثانية عشر (نوفيلا)

أن تُنجى من ألسنة النيران ..

لا يعني نسيان تلك التشوهات التي خلفتها وراءها ..

بل وقد تدفعك كثيرًا من الأحيان لتغير ما أن عليه ..

عند مفترق الطرق الحلقه الثانية عشر (نوفيلا)


**********


الحلقة الثانية عشر 


...... 


مع ثقل عجلات سيارته المعاندة وغبار الرمال المتصاعد حوله بكثافة .. استفاق أخيرًا من حالته اللاوعية .. استفاق ينهش الأجواء من حوله بعينين زائغتين گ الغريب الضائع الذي ضلّ الخطى .. أو كيف أتى ! 


صحراءٌ جرداء خارج حدود المدينة كانت نهاية مطَافهُ الشارد لتفريغ شحنته المكبوتة .. بقعة خالية من كل شيء وأي شيء إلا من الرمال والقرص الواهج من فوقه .. أقل وصف لمن يراهُ ضيفها يقول أنه مجنونًا لا محال .. فكيف لعاقلٍ أن يكون ضيفًا للهيبها المتقد دقيقة واحدة .. ساعة ذروة الجميع فيها يختلي بسقيع برادات بيته .. بينما هو من بينهم يؤنس رمالها الملتهبة .. ولكنه لا يعي! .. لا يعي لجبينه المصفد بالعرق .. ولا لصدره المتهدج كأنه أُنقذ توًّا من فواحه بركان نشط ..


لا يعي لمدى صدق مشاعره قبل رؤياها .. ولا كيف أصبحت الآن ..


كل شيء تخبط حوله .. خططه .. ثباته .. حتى خفقات قلبه .. صارت تعانده وتطرق أبوابه للاستيقاظ من غفوته .. فـ لسنوات عدة كانت مخلصةٌ لإمرأة واحدة محددةٌ بالاسم والهيئة وبالأمس القريب شعر أنها باتت لغيرها تمامًا ..


عند ذلك الهاجس فزع من مقعده خارجًا .. يستكين أمام مقدمة سيارته بجحوظٍ تام .. لا يكاد يستوعب ما لفظ به تفكيره عليه توًّا من حقيقة صادمة .. صاعقة .. صعقته گمن صُعق بسهام رعدٍ قاتل ..


يحبها! .. كيف؟! .. ومتى؟! .. ثم أين سارة من كل ذاك! .. حب عمره! .. وسنوات هيامه العشر بها! .. 


بل كيف لقلبه أن يميل .. أن ينصر أحداهن عليها؟!


ليوارده حديث النفس بأن لا هناك سلطانٌ على القلوب إلا رب العباد .. وأن من يستنجد بشهامته كان ينبض منذ قليل ودون إرادة گ السكير بين الطرقات لفتاةٍ آخراها .. يتوق قربها .. نبضها .. ينخره الشغف نحوها .. هي ككل .. تمامًا گ زوج لزوجته !


راح يجثو فوق الرمال الملتاعةٌ مثلهِ تائه مطرق الرأس يعيد أمام مرآته ذاك المشهد من جديد .. مشهد رؤيتها هكذا .. صدمةٌ تلقاها ولم تكن في الحسبان .. جعلته أبكم .. أبله لا يفقه تصرفه القادم ولا الزمان من حوله .. وهي أمامه گ الجماد الراسخ .. عيناها شاخصتان .. لا يرفرف لهما جفن .. ولا يزغ منهما حدقة .. فقط لمعة عبرات واهنة ما كانت تشاع منها .. تخبره أنها عاجزة عن حفظ كبريائها الذي جُرح .. لهذا هي رافضة .. مستنكرة .. تكاد تصرخ باكية في وجهه رغم ثباتها التام الذي لا يبث شهيقًا أو زفير .. 


هالة هو أمامها كان لا يختلف عنها كثيرًا غير أن قلبه كان يزداد لوعة ورغبة .. يحسهُ أن يقترب .. يقترب جدًا .. يقترب من إمراته !


ولكنه فاق من وسواسه اللهوف على صحوة فرارها المتأخرة من أمامه خلف بابها الموصد بعنفوانية في وجهه ..


على أثرها اخرج انفاسه باضطراب .. يعلو بها صدره و ينخفض .. ليدرك أنه كان يحبسها بين طياته طيلة مدة قربها تمامًا گالسجين المدان خلف القضبان .. وإنها باتت تشتعل بإزدياد مع حرارة العقل والجسد الموقدتا بلهب .. حرارة لم يكن يظن أنها ستزوره يومًا إلا لإمراة واحدة .. ولكنها كذبت كل ظنونه لسنوات في حركة عقرب واحدة ..


التفت بضيقٍ وغضب ينوي الهروب من ذاك المكان .. منتشل قيمصه في طريقه .. ينفذ رغبته في البُعد .. البعد البعيد .. البعيد جدًا .. ليفتش عن قلبه .. عن ماهية نبضه الحقيقي .. يفتش عن مالك من جديد !


لهذا لم يكن طريقه التالي شقة رفقائه بل إنفرد بسيارته وسرعتها الجنونية في وسط العاصمة حتى وصل لبقعته الحالية .. الذي هو من بين جنباتها وحيدًا .. وحيدًا جدًا إلا من ربه وصمت الرمال من حوله أمام صارمة الشمس الحارقة ..


--------------------


خلف الجدران لم تكن حالتها قد تغيرت عن بداية الحادثة .. حين استكانت جالسة على طرف الفراش شاخصة في نقطة واهية .. لا ترفرف لها عين ولا تهمس ببنت شفة .. گأنها استعاضت عن بديلاً لصفحتها من ميتٍ مات حديثًا .. صفحة هادئة شاحبة لا تعكس ما يحدث بداخلها من نيران مستعرة وحرب قائمة .. روحها من بينهما كانت ضائعة ممزقة .. تشي لعقلها بأن كرامتها هدرت باستهانة .. وحدودها استباحها الغرباء بغير وجه حق حتى وإن كان بينهما ميثاقٌ غليظ مُسلم به بين الناس .. فحقه في ذلك العقد سُقط في الهاوية عند أول كلمة خرجت لها من فاههِ يحررها بها بعيدًا عن قلبه وحياته .. 


لهذا لا يحق له أن يرى ما رآه .. أو يلقي بسهام عينيه على جسدها هكذا .. 


والت جلد نفسها في الثانية مئة جلده لاذعه .. تعاتب رغبتها على الاستحمام في ذلك الوقت تحديدًا .. وخروجها من دورة المياة دون حجاب حاجز يسترها جيدًا وإن كانت متيقنة بأن الشقة تخلو من أحد غيرها ..


استمرت قسوتها على النفس بتتابع حتى صارت ترد الهجوم في الحال بهجوم أخر أهم دوافعه إنها كانت في فترة راحتها المحددة من قبلهِ سابقا .. وأنها ليست المرة الأولى التي تتخذ ذلك الوقت راحة واستنعام لها .. وأن هو من خالف الوعد وهجم على وقت حريتها بغير حق ..


من بين شتات عقلها وجهت رعشة أناملها نحو كتفيها العاريين البارديين لمدراتهما .. تداري ما تستطع مدراته وعينيها تتدفق بالدمع .. بدأ شحيحًا ولكنه جاد بكرمه عقبها .. لتشعر من طراوته فوق وجنتيها مع تواثب شهقاتها المتحررة بأنها الآن ..


والآن فقط بدأت الإفاقة من صدمتها بعد تلك كل المدة ..


---------------------


يومان انعزل بهما بعد ذلك الحادث في شقة رفقائه العُذاب بالأسفل .. الهروب كان درع نجاته الوحيد من عتاب عينيها المميت .. فكيف يشرح لها وتصدقه بأن الأمر غير مخطط له .. وأنه نسى حقا وعد عودته .. لهذا لا يستطيع ولا يقدر على مجاذفة الصعود والوقوف أمامها من جديد .. فأعترافه الأخير الصادم مع النفس كونه يشعر تجاهها بشيء وليد لا يضمن له عواقب نهاية اللقاء بينهما والتي حتما ستكون وخيمة .. لهذا التزم المبيت بعيدا عنها .. يطوي رغبته بتصنع .. ويلهي بحزم تشتات عقله وقلبه بين تسامر الشباب المرح .. وذلك حتى يستجمع تماسكه وينهض من جديد ليستطع مواجهاتها مجددًا .. والأهم من هذا وذاك مازال به شيء ضئيل يكذب احساسه بها ويميل لـ سارة .. ربما كان تأنيب الضمير ..


سارة !


تذكر استنجادها في خضم عاصفة تفكيره وهي تروي عليه تفاصيل ذاك اللقاء بينها وبين والدها .. ليكون الصمت التام حليفه طيلة المكالمة لتصرخ له بحنق في النهاية ..

- لا دا أنت مش معايا خالص ..


- ليه بتقولي كدا ..


- ليه بقول كدا! .. أنت مش حاسس بنفسك يا مالك وباللي بتعمله بقى أنا بقولك بابايا بيهددني بكذا وأنت ساكت مبتتكلمش ولا أكن الأمر يعنيك ..


- ما يمكن ساكت عشان المعركة مش معركتي ..


- أنت بتقول أيه .. أمال معركة مين؟!


- معركتك أنتي يا سارة .. لأن معركتي كانت زمان .. أدتها بنجاح وبدفع تمنها دلوقت من سنين غربتي وبعدي عن أهلي .. 


- أنا .. أنا مش فاهمة حاجة ..


حينها ملأ صدره بالهواء متمتمًا بجدية بعد تنهيدة قصيرة ..

- سارة من غير لف ولا دوران أنا دلوقت معايا الفلوس اللي تعيشك في نفس مستوى والدك وأكتر .. يعني من ناحيتي جاهز ومعنديش مانع .. الوقتي جه الدور عليكي أنتي تقنعي الجنرال يتخلى عن عنتظة العسكرية ويبص للناس من غير عنصرية ..


- مالك .. أنت بتقول إيه 


- أسف يا سارة اللي عندي قلته .. منين ما تحسمي نتيجتك بلغيني ..


اغلق معها وهو على يقين تام بأنها لن تنجح في مهمتها المصيرية مع والدها المتسلط، هو عاشره لعدة لقاءات ويعلم فصيلة هؤلاء البشر الساديين .. كان يأمل خيرًا بأنه تغير خلال تلك السنوات .. ولكن بعد ما سردته عليه توّا تأكد من صموده .. لهذا قال لها ماقال بأن المعركة معركتها وحدها .. وهي ما ستحدد النتيجة .. متعجبا كل العجب من جموده هو الأخر ولا مبالاته المستحدثة نحو الأمر برمته .. لا يصدق بأنه مالك القديم الذي لو سمع ما سمعه توا لكان ثار وحزن وانتفض وجاهد للمحاربة .. 


فلِمَا الآن هاديء .. لا يبالي ..  ربما لأنه بات يعي ما يحتاجه ويميل له في الحقيقة .. وأن قلبه وشى له عن رغبته وارتياحه الكثير في ذلك البعد !


-----------------


بينما بنان في عزلة اليومين الماضيين لم ينقطع فيض عينيها من الدموع .. معايشتهما على تأنيب النفس وطرح المبررات بالند .. حتى ضم حزنها وربت عليه بحنو ركعات انفردت بها في جوف الليل لربها .. كانت كالرفيق الأمين .. الذي استقبل منها باهتمام ثم طرح عليها الحل في الحال .. حين عادت منها مطمئنة هادئة .. لا يغلبها الحزن كما السابق .. ولا يغتالها الهم .. تعيد بناء حالتها الضائعة بأكثر قوة ومتانة .. كي تواجه طيفه مرة أخرى بعد ما حدث بينهما ..


وهي تبث عبارة عزاءً جليلة لكبريائها .. " إنه لقدر "


-----------------


ليست هي .. 


نعم حتمًا ليست هي! 


هو فقط يتهيئها .. من شدة شوقه إليها ليس أكثر ..


جمل متقطعة راح يحدث بها نفسه وهو يبصر مثيل طيفها يأتي أمامه من بعيد لحظة وصوله من العمل والتوقف بسيارته أسفل مسكنه .. ظل يترقب قدومها على مهل حتى اقتربت واكتشف إنه كان مُخطأً .. جنونًا تلبسه وهو يبصرها تسير بالخارج ببعض الحقائب البلاستكية .. التي تشي له عن مشتريات قليلة قامت بشراءها دون استئذانه .. 


اعمى الغضب عينيه وهو يتحرر من مقعده نحوها بلفحة شر تكاد تقلعها من ثباتها .. متناسيًا بين طيات عاصفته تجنبه البيّن لها ليومين واعتذاره المجهز لأجلها .. وهو يوالي عليها بشراسة استفساره ..

- إيه اللي نزلك من الشقة .. 


على جهورية نبرته المشحونة واعتراض بنيته لطريقها طالعته من اطراقها متفاجئة .. ملجمة .. محرجة .. يراودها بأولوية اقصوصات حادثهما الأخير ونداءه الخفي لتخضب حمرة وجهها .. إلا إنه لم يعطي فرصة لمشاعرها أن تجوب أو حتى للإجابة عليه حين انتشل منها الحقائب وقبض عنوة على معصمها بيده الأخرى .. يحثها بنظرة يشاع جنونها على الصعود معه نحو شقتهما في خنوعٍ تام ..


والتي ما أن دخلا حدودها وأفلت يدها حتى التفتت إليه توضح سبب فعلتها بتلعثم ..

- أمبارح كان وقت تسويقنا و..وأنت مش موجود .. ومعرفش ليك رقم تليفون .. كنت محتارة مش عرفه اتصرف أزاي وأغلب الحاجات الضرورية خلصت .. الطماطم أهمها .. وأنا عاوزه أطبخ .. قلت مفهاش حاجة لما أنزل وأسأل على أقرب حد بيبعها عشان أكمل تجهيز الأكل على معاد رجوعك .. 


كادت تهدئه كلماتها وتروضه عند تذكره لِمَ جلبه أول أيام وصولها من شريحة جديدة لمكالمة الأهل متغاضيًا بقلة اهتمام عن حفظ رقمها لديه أو رقمه لديها .. حتى جاءته همهمتها المعاندة التي أثارت حنقه وحفيظته ..

- ماهو أكيد مش هتمانع لأن الموضوع عادي ولحاجة ضرورية ..


همهمة باردة فاترة كادت تقوده للجنون .. لفقد السيطرة والثبات .. وذلك لعدم ادراكها للكارثة التي قامت بها ..

عندها عقد حاجبيه باندهاش وهو يلوح بيده في ضيق ..

- للدرجة دي شايفه موضوع نزولك بالبساطة دي .. فأي وقت .. ومن غير استئذان .. كله عادي ..


صعقها سخريته المبطنة لهذا راحت تجادله بحنق ..

- أنا منزلتش اتسكع لو سمحت عشان تقول كدا .. نزولي كان اضطراري لغرض مهم محتاجاه ورجعت تاني زي ما خرجت .. مش احسن لما كنت استناك ومطبخش خالص .. 


ألجم يده من التطاول ولسانه من السُباب .. مع أنه كان يتمنى افراغ شحنته على وجهها بقسوة حتى تعي درسها مدى الحياة .. إلا أنه ليس من شِيمه هذا ولا ذاك .. لهذا استغفر ربه و روض غضبه بتنهيدة جليلة يستوعب نعمة ربه العظيمة عليه وهو يراها مرة ثانية أمامه مُعافة تملأ بمعالمها حدقتيه بكل سلام .. لهذا استدار بوجهه بعيدًا عنها يتنفس الصعداء وكلمة واحدة ظل يرددها مع نفسه بغيظ لإفراغ جام غضبه .." غبية "

وصدره يلفظ بتهدجه البين أطنان الخوف الذي لازمه منذ لمح طيفها وتوالي مخيلته عليه بسيناريوهات الخطر المفترض أن تكون محاطة بها لولا ستر الله ..


عائدٌ يخطو نحوها على حين غفله غير مباليًا لخطوات رجوعها المتوجسة مع تقدمه .. يقبض على ذراعيها بيديه مرددا من بين انيابه المضغوطة ..

- بعد كدا لو كل السبل اتقطعت بيني وبينك وتحكم أن مش هتغدا خالص أوعي تنزلي لوحدك مرة تانية .. انتي هنا مش في بلدك .. أنتي هنا في غربة مش مستوعبة كم الخطر اللي كان هيلحقك لو حد اتعرضلك وضايقك في بلد أنتي مش عارفه فيها حاجة ولا أي حد .. 

مغمغمًا بنبرة مبحوحة وهو ة على ذراعيها بأكثر قوة .. 

- أقلها بعد الشر إنك تتوهي عن العنوان وماعرفش أوصلك تاني ..


عند جملته الأخيرة لم يستطع الصمود أكثر من ذلك في مدارة حالته الخائفة .. لهذا دون وعي راح ينفيذ رغبة مُلحة كانت تجتاحه بضراوة منذ لمحها بالخارج .. رغبة عفوية للتأكيد بأنها هنا ما زالت معه .. سليمة معافة .. بلا أدنى ضرر .. أبوية هي وصفها .. حين جذبها عنوة إلى موطن صدره يحيطها بذات ذراعيه القاسيتين في ضمة حذر وخوف .. كي يعيد بوجودها فوق دقات قلبه الثائرة الطمأنينة والثبات الذي غادراه .. وهو يتضرع صامتًا بكل الشكر لخالقه بأنها بين يديه من جديد دون آذى ..


بينما هي راحت بعد تخطي صدمتها من فعلته تتملص منه للخلف متشنجة .. شاحبة .. جاحظة .. تبتلع ريقها ببطء شديد .. لا تصدق غفلته .. ولا استسلامها الغير متوقع .. ربما لأنها منصدمة .. متفاجئة .. لهذا لم تستطع لم شملها إلا بهمسة هروب مرتبكة وهي تهم بالمغادرة ..

- هروح .. أحضر الأكل.. 


ليوقفها بكلمته المتلهفة ..

- بلاش .. 

مستأنفًا بعد أن نال التفتها واستفسارها الصامت ..

- خلينا نشوف دلوقت كل احتياجات البيت الناقصة الأول ونطلع نجبها ..


لم تعي مقصده ربما لأنها مازالت تائهة ..غائبة فـ راحت تطالعه باندهاش تنتظر منه توضيحًا لمقصدها الذي رددته بترقب ..

- قصدك نتغدى وبعدين نطلع ..


إلا إنه خطفها بلين نبرته المُصرة ..

- لا .. أقصد دلوقت هنطلع .. ولما نرجع تبقي تكمليه على مهلك .. أنا مش مستعجل ..


طافت بعينيها بعيدًا عنه في اندهاش ونحنحةٌ هادئة أفتعلتها كي تفك سحر قربه ..لتعي كلماته .. أفعاله .. خوفه فكل ذلك عليها بجديد .. جديدًا تمامًا .. كانت ستصدقه وترفرف گ البلهاء لو أنهما في واقع غير واقعهما ذاك وحقيقته المريرة بأنه ليس لها ولا يحق إلا لسواها!


هنا عند تلك الجملة فاقت كثيرا .. فاقت تعيد ألالمها من جديد وهي تبتلع ريقها بغصة مجمرة وانتكاسة تامة حتى همس بترقب ..

ـ نقول تمام .. 


لتجيبه بجمود وحزم وهي تطالع ملابسها بنظرة خاطفة ..

- بما أن لبسه لبس الخروج فأنا جاهزة ..


حينها فقط وبعد أن غادره فورة غضبه طالع ما عليها بأكثر تمعن ودقة .. يعاين ما ترتديه بنظرة رجل لا بنظرة واقعية تتماشى مع الوقت والزمان .. فوجد فستان شبيه بمثيله في رحلة تسوقهما الأولى .. ذاك الفستان الذي جذب لُبه قبل ذلك الغليظ المتطفل .. ثوب يزيدها حلاوة .. ويضوى محيطها ضوًا .. يجذب أبصار البعيد ويشتت تركيز القريب .. يهلك النفس وحصونها العتيدة .. 

فلم يعي لجنونه حين أمرها بحزم ..

- عباية سودا !!


---------------- 


أن تقع عاشقًا بين جنبات روح لا ترحم ضعفك وقلة حيلتك .. أمر شاق لا محال .. يزيد القلوب أرهاقًا .. تمامًا گ أرهاق الحياة كافة ..


مع اطارات السيارة المسرعة مازال الاندهاش والحيرة رفقائها وهي بجواره ما أن تذكرت طرحه لتلك العباءة أمامها بعد أن اخرجها من حيز حقيبة بلاستكية مدثرة بجوار الأريكة .. غير مقتنعة بمبرره الذي أردفه عليها ..

" بصراحة اشترتها من كام يوم للوقت المناسب لأن كل اللي مش بيلبس العبايا هنا بياخد غرامة .. أنا دفعتها عنك المرة اللي فاتت لما خرجنا نتسوق .. ومردتش أقولك عشان ماحرجكيش .."


بنظرة شمولية خاطفة اطلعت للعباءة المحكمة عليها للمرة المئة ثم راحت تنهش في المارة على جانبي الطريق وتنوع ازياءهم مستغربة .. نعم أكثرهم يرتدون العباءة ولكن بهم فئة ليست بالقليلة متنوعة بالتنورات والقمصان والبنطال .. فكيف إذا وهي لم تسمع عن هذا من قبل في أي بلد عربي 


سرقت نظرة خاطفة إلى جانب وجهه متشككة بأن كون كل هؤلاء يعاندون توجيهات القانون الحازمة .. إلا أنه حسمت الأمر في النهاية بأن لا يوجد له مصلحة في الكذب .. لهذا صدقته .. أو هيئ لها بأنها صدقته ..


رنين هاتفه توالى في الحال قطع عليهما الصمت المشحون من كلاهما .. طالعه بتمهل لمعرفة صاحبه ودون إكتراث تجاهل المكالمة ثم تركه بإهمال وإعطاء الأولوية للطريق أمامه .. ولكن الهاتف عاد بالرنين مرة أخرى يغلب صمتهما فاضطر أن يمسكه ومن ثم يغلقه نهائيا ..


الاندهاش مازال يرافقها اليوم من شدة افعاله الغامضة بعد ذلك العناق المفاجئ والغريب الذي فسرته بأنه فعلها من باب قلق الأخوية الذي يغلف به علاقتهما دائمًا لأنها في أمانته .. والآن حتما صاحبة المكالمة حبيبته فلِمَا لا يحادثها ويصر على أن يغلق الهاتف في وجهها هكذا .. 

اندهاش تفاقم ولكنه قُوبل بحداثة فرضها بأنه لم يشاء أن يحادثها أمامها وينتظر أول فرصة ينفرد فيها بنفسه لطرح الغرام عليها .. هكذا ظنت في خبيئة نفسها ..


ضاق صدرها بحزن وبغير إرادة اشاحت وجهها عنه ودفسته في نافذتها المجاورة تشرد في جموح البشر المتوالية برفقة الكثير من الأماكن العامة الشاغرة للطريق ..


فانتبهت له بعد وقت ليس بالقليل يوقف سيارته ويهمس لها ..

- وصلنا .. 

ثم يستأنف بأمرها وهو يهم بفتح هاتفه ..

- هاتي تليفونك ..


تجمدت مندهشة دون تنفيذ أمره حتى تناوله هو بحزم من بين يديها .. فشاهدته يضغط بأنامله سريعا عليه .. مرددا 

- أنا سجلت رقمي .. ورنيت عليه عشان اسجله عندي .. 

مواصلا يقنعها بحجّته ..

- الهايبر كبير وممكن نتوه من بعض ومش كل مره هتسلم الجرة زي المرة اللي فاتت .. غير كمان لو حاجة نقصت بعد كده وأنا في الشغل تتصلي عليا اجبهالك لغاية عندك من غير ما تضطري تعرضي نفسك للخطر وتنزلي زي النهاردة ..


أمام كلماته صمتت .. استسلمت .. لم تستطع الرفض وهي تقتنع تماما بما ردده عليها من أسباب .. لهذا ترجلت من مقعدها تتبعه في خنوع تام .. حتى دخلا من الباب الرئيسي وقال بخشونة حازمة .. 

- مفيش حد هيبعد عن التاني يشتري حاجة .. احنا الاتنين هنمشي مع بعض جوا كل قسم ونشوف اللي محتاجينه سوا ..

ففطن الاعتراض بعينيها فقال مستأنفًا قبل أن تنطقه ..

ـ ومش مهم نستهلك وقت قد أيه ..


فهو ليس بالآبلة الذي يتركها وحيدة ليأتيها متطفل لزج أخر يفرض استعراضه عليها .. 


لهذا توجها لأقسام مشترياتهما يبتاعان ما يريدان وهو يجاورها ثانية بثانية حتى أتم ما يحتاجان بل تعجبت أنه جلب أكثر مما يحتاجه البيت بحجة توافر الموارد بكثرة أمامها وعدم تعرضها لموقف اليوم مرة ثانية ..


في طريق العودة وعقب تنظيم الحقائب في صندوق السيارة والمقعد الخلفي .. مرت السيارة بأحد فروع بيع المثلجات بكافة اصنافها المتنوعة .. فسلب لُب حدقتيها والتفاتة اهتمام تلقائية نحوه .. ولكنها عادت برأسها يائسة .. صامتة .. لا تنوي الإفصاح عما جال بخاطرها من رغبة لمعروضاته .. فمن هي حتى تحادثه عن شهيتها المفرطة نحو شيئًا حرمت منه منذ وصولها إلى هنا ..


تنهدت بصمت وحزن ترمي برأسها على الزجاج مرة أخرى لمتابعة المارة .. فبغتت في انغماس تفكيرها بأن السيارة تخلف مسارها المستقيم وتعبر للطريق الموازي .. أدقًا لطريق محل بيع المثلجات الذي سرق قلبها من دقائق .. والذي توقف أمامه في صمت يعادل دهشتها .. نظرة متشككة رزقت إياه لعل فعله لغرض أخر غير غرضها .. فقال لها ضاحكًا بمشاكسة ..

- دقيقتين كمان وهغير رأيي لو منزلتيش دلوقت نشتري اللي نفسنا فيه ..


جملة دفعتها للتخلي سريعًا عن مقعدها ومجاورته لاختيار أجود انواعها المفضلة .. والتي غاصت بين جنبات عشقهم مغيبة تنسى واقعها وتنساه هو شخصيًا .. في وسط نظراته المبهمة وضحكته التلقائية لفعل تلك الطفلة أمامه ..


لهذا لم يكتفي بما تناولته بل جلب معه كمية أخرى من ذات أنواعها المحببة للبيت بعدما رصد كم الحب الذي تكنه لذلك النوع من الحلوى.. 


عند دخولهما من باب الشقة والحقائب بين يديهما شاهدها تسرع بتخزين حقيبة المثلجات بحرص واهتمام في البراد كأنها ابنتها التي لم تنجبها .. ضحك خلسة عند متابعة تصرفها الطفولي ولكن ضحكته تلاشت عندما شاهدها تتوجه نحو غرفتها .. فقال بعجالة لقطع مخططها ..

- هو الغدا مش هيتحضر ولا إيه ..


استدارت تطالعه باندهاش من وسط ارهاقها البين ..

- ياالله أنا ..أنا نسيته خالص .. بصراحة كنت بحلم أن أصلي وأنام شوية من أرهاق السوق ..


فرد عليها متبرما بضيق خفي وهو يرمق حجته الأكبر بين يديه ..

- تنامي إيه .. دا غير الغدا لازم الحاجات دي تتنظم في أماكنهم ضروري ..


اطلعت على الحقائب بنظرة يأس ثم قالت متنهدة باستسلام ..

ـ تمام .. هغير هدومي على الأقل وأصلي وبعدين اجي اشوف هعمل ايه ..


أومأ بالإيجاب وهو يتابع مغادرتها وداخله يكبت شعور الفرحة لعودتها إليه مرة ثانية دون استخدام مخبئها المعتاد في ذلك الوقت ..


-------------------


على مشارف الساعة كانت قد استبدلت ملابسها وأدت فرضها ثم نظمت المشتريات بمساعدته التي فرضها عليها ..

إلى أن جاء وقت استكمالها لتحضير الطعام فشاهدته لا يغادر الحدود بل وقف يجاورها باهتمام وهو يكشف عن الطناجر قائلا بشغف واهتمام ..

- إيه خطتك للأكل النهاردة ..


فضطرت تجيبه بتعجب ..

- فصوليا باللحمة .. ورز بالشعرية ..


فبغتت به يحفزها بنشاط وهمة ..

- طب يلا بسرعة مستنية أيه انا قربت اقع من الجوع ..


فردت عليه مندهشة ..

- كدا وأنت واقف ..


ارخى خصره على الطاولة بساعدين منعقدين أمام صدره وهو يجيبها بمراوغة ..

- أيوه .. هو واقفتي هتشغلك ولا حاجة 


فاضطرت أن تهز رأسها بإحراج وهي تنفي ..

- ابدا 

ثم شرعت باندهاش تكمل ما كانت تفعله قبل مغادرتها للسوق .. وهو يحتويها كلما غدت أو راحت بنظراته الخاصة الغامضة التي ثارت بداخلها للمرة الأولى الحيرة ..


استمر على ذاك الحال ساعة وبضع الدقائق ولم يمل بل كان كأنه يستمتع بلهيب المقود وحرارة الجو معا .. بلغ مبلغها من التعجب حتى خرج صوتها بتنهيدة ارتياح فشلت بمدارتها ..

- خلصت .. استناني لو سمحت بره لما أغرف الأكل واطلعه ..


فاعتدل يجيبها بهدوء ..

- ناوليني أي حاجة أخدها وأنا طالع بدل مطلعي كله لوحدك ..


أومأت في هدوء ثم شرعت تغرف طبق الأرز أولا .. ليتناوله مغادرًا فخرج منها نفس مثقل يشي عن ارتيارحها الكبير من تحرر قربه .. وهي تهم بغرف الباقي وتتبعته صامتة حتى أتمت وضع الطعام كاملاً على طاولة الطعام المحدودة بالجانب ومن ثم بدأت تتوجه للمغادرة لأجل الراحة والهروب المعتاد من قربه .. فتفاجأت به يقبض على معصمها لمنع خطاها مردفًا ..

- على فين !!


----------------------

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

Health and beauty category