القائمة الرئيسية

الصفحات

البارت 65 والأخير من حصنك الغائب

نامى  نامى ياصغيرة.. يالله اغفى ع الحصيرة. 

نامي فى حضن اديا ..بكرة شمسي جاية. 

هدفينا بحب كبير.. وتلملم كل الجراح. 

نامى  نامى ياصغيرة.. يالله اغفى ع الحصيرة

البارت 65 والأخير من حصنك الغائب


بكرة بابا جاى.. جايب شمس مضوية. 

غازلك بعيونه شال.. يدفيكى شتوية. 

ياعصفورة محندقة. 

شعرك اسود ومنقى. 

واللى يحبك بيبوسك. 

واللى يشوفك يترقا. 

نامى  نامى ياصغيرة.. يالله اغفى ع الحصيرة. 


_ ياسيدي على الروقان. 

ابتسمت وهي تشير له ألا يصدر صوتًا وأرقدتها برفق في فراشها الصغير. 

_ لاري خلاص نامت؟ 

همست :الحمد لله أخيرا، دي طلعت عيني. 

اقترب لطفلته وهو يغمغم:  طب ابوسها وهي نايمة. 


قبل أن ينحني يلثمها سحبته بلقيس بعيدا عنها وهي تهتف بخفوت حانق:  تبوس مين؟ ماهي قدامك بقالها ساعتين حليت في عينك تبوسها دلوقت وتصحيها تاني؟

تعمد استفزازها بتسلية:  والله أنا حر، أبوس بنتي وقت ما يعجبني. 

جزت علي أسنانها:  ظافر، سيب "لاري" ما صدقت نامت حرام عليك خليني انام ساعة واحدة بس انا مطبقة بقالي يومين وخلاص تعبت. 


تراجعت رغبته في مشاكستها وحلت عاطفته فجذبها لفراشهما وأسكنها صدره وراح يربت على رأسها بانتظام حاني هامسا: طب يلا نامي. 


عانقته وارتخى جسدها تماما والنوم يداعب جفناها بشدة فارضا سطوته، تأمل وجهها عن قرب فوق ذراعه وهو يحاصرها بنظرة يسيل منها حبه وإعجابه بعد شدوها الرائق منذ قليل، فغمغم بخفوت:  بس ماكنتش اعرف ان صوتك حلو كده يا بلي.


شرعت عيناها وقالت: ده صوت قلبي ياظافر..مش مصدقة ان بنتي بين ايديا.. قادرة المسها وابوسها واحضنها.. ياما حلمت اغنيلها كده.. 

واعتدلت قليلا تستأنف همسها وأصابعه مازالت تعبث بشعرها الطويل بنعومة: ماما كانت بتغنيلي الأغنية دي دايما.. لو سمعت صوتها هتحبوا اوي.. لما كنت بقولها يا ماما صوتك حلو.. كانت تقولي ده صوت قلبي. 


مال مقبلا موضع قلبها هامسا: يسلملي قلبك وقلب بنتي ويخليكم ليا.. وعاد يسترخي ثانيا مغمغما بلمحة دلال: طب غنيلي أنا كمان زيها..عايز انام على صوتك. 

ابتسمت بحب طاغي وتبدلت الأدوار وهي تضع رأسه فوق ذراعها وأناملها الحرة تتخلل شعره: تحب أغنيلك ايه؟ 

_ أي حاجة لفيروز.. 


أجلت حنجرتها بعد أن حددت إحداهم وراح صوتها ينساب في أذنيه بوقع ساحر والابتسامة الحاملة تزين شفتيه: 


أنا لحبيبي وحبيبي إلي. 

يا عصفورة بيضا لا بقى تسألي. 

لا يعتب حدا ولا يزعل حدا. 

أنا لحبيبي وحبيبي إلي. 


حبيبي ندهلي قلي الشتي راح. 

رجعت اليمامي زهر التفاح. 

وأنا على بابي الندي والصباح. 

وبعيونك ربيعي نور وحلي. 


تغلغل صوتها الساحر داخله، أغمض عينه وهو يحتجز صورتها بصفحة عقله والصغيرة تقتسم الصورة وتعطيها نكهة جديدة، بدأت جفناه ترتخي رويدا وأناملها تداعبه حتى غفى وأخر ما أدركه بصوت حبيبته الساحر.   


وندهلي حبيبي جيت بلا سؤال. 

من نومي سرقني من راحة البال. 

أنا على دربو ودربو عالجمال. 

يا شمس المحبة حكايتنا أغزلي. 

أنا لحبيبي و حبيبي إلي. 

يا عصفورة بيضا لا بقى تسألي. 

لا يعتب حدا ولا يزعل حدا. 

أنا لحبيبي وحبيبي إلي. 

__________


أحضر لها دفتر جديد وجميل مثلها. 

راح يسكب بأول صفحاته "أحبار" مشاعره التي انسابت فوق السطور ترسم لابنته بالحروف قصائد لا كلمات..


لارين يا  ملكة أبيكِ.

تدللي ياصغيرة فوق آسرة القلوب. 

املأي الدنيا بصوت " موائك" الذي تهمسيه گ القطة.  

كيف وانتي بهذا الحجم تقتلني حبًا وتعلقا بكِ.

عناق أناملك الرقيقة لإصبعي يكاد يذيبني.

فماذا لو كبرتي صغيرتي وعانقتيني كلك.

"وائك" تلك الكلمة اليتيمة بأذني تساوي عندي كل بلاغة الحروف وتكمل أبجديتها الناقصة..

جوهرتي عيناكِ لآليء تضوي وتبدد عتمة سمائي..

نظرتك البريئة وانتي بمزاجك الرائق بعد ارتشاف حليب والدتك تبتلعني لعالم أختبره للمرة الأولي

عالم ساحر لم يطأ أرضه سواي.

كم جميل أني أصبحت أبًا. 


_بتكتب ايه حبيبي؟


التفت لزوجته مبتسما:  بكتب أول صفحة لبنتي في الدفتر بتاعها..لو ربنا عطاني العمر هيكون هديتي في اول يوم ليها في الجامعة. 


نهضت جاذبة رأسه وقبلته بشعور أمومي هامسة بإزعاج حقيقي: ربنا يعطيك العمر كله ويخليك ليا وليها ولولادنا الجايين.


ابتعد عنها وأسكنها صدره وحاوطها بذراعيه نافثا بثنايا عنقها تنهيدة دافئة مع همسه: حاسس بحاجة غريبة مش فاهمها. 

تساءلت وكفها يربت على موضع قلبه:  ايه هي؟

_ حبي وخوفي في ميزان واحد.. كل اما اتأمل لارين ابقي عايز ادخلها جوه عيوني أحسن حاجة مش عارفها تأذيها..حاسس اني ببالغ ومحتاج اروض مشاعري دي.. 


ابتسمت متفهمة ما قاله:  ده طبيعي يا ظافر.. أنت كأنك وصفت أحساسي والله.. ومتأكدة ان كل أم وأب كانوا زينا أول مرة.. 


ثم ابتعدت عنه تشاكسه:  ممكن بقي اعرف كتبت ايه لبنتنا؟

مد لها الدفتر، أخذته والتهمت سطوره بلهفة.. كلما بدأت سطر جديد لمعت عيناها حبا ودموع ثم رفعت وجهها إليه تهمس:  انت بتكتب شعر؟


ندت عنه ضحكة خافتة:  لأ.. انا كتبت مشاعري لبنتي مش أكتر.. 


عادت تنظر لسطوره وهي تردد: 


لارين يا بابِ كعبة يطوف حولها الطائفين.  

لارين يا ملكة أبيكِ يا آسرة الناظرين. 

لارين يا حبيبتي وكَنز العمر ونصري المبين.  

لارين يا زهرة البرتقال وطوق الياسمين. 

ظافرُ أنا حين قبلتُ بوجهك هذا الخد وذاك الجبين. 


صاحت بإعجاب جم:  الله يا ظافر.. كلامك روعة وتقولي كتبت مجرد مشاعر..ده انت لازم دور النشر تعرف بوجودك ينطبع ليك ديوان يا راجل. 


ضحك بانطلاق أكثر:  مجاملة مقبولة يا بلي..

_ وربنا مابجاملك.. حقيقي دي أجمل هدية هتكون لبنتنا لما تقرا كلامك.. وتركت الدفتر لتلتقط كفه وتلثمها بعاطفة حانية:  لارين محظوظة بأب زيك زي ما أنا محظوظة بيك.. 

واندست به وهو يحتويها بصمت قبل أن تهمس:  حبيبي.

_ عيوني. 

_أنت خلاص هتهجر سطور دفتري وتسيبه فاضي؟ 


قالتها بغيرة محببة كستها بصوت دلال أنوثتها الآسر، فابتسم محتضنًا وجهها ببن راحتيه: مشاعري ليكي ميكفيهاش ألف دفتر يا بلقيس.. انتي حاجة تانية مش هقدر اوصفها بكلام.. 

ثم مال مصافحا شفتيها بقبلة ليهمس بعدها بغمزة عين:  في لغة تانية أقدر اعبرلك بيها أكتر من الكلام.. 

ضحكت بدلال خطف قلبه وعانقته بقوة لتقاطعهما الصغيرة بمواء رقيق حاز اهتمامهما معا وبلقيس تستدير نحوها وتحملها وهي تغمغم لها بحنان: 

الصغننة روح مامتها صحيت؟ لاري جعانة وعايزة "مم" عشان تكبر؟


لوحت الصغيرة بكفيها الناعمة المنبثقة من الغطاء كأنها تجيبها بنعم هي جائعة ومعدتها فارغة..استعدت بلقيس لتمنحها طعامها بينما ظافر يداعب شعرها الأسود الكثيف فوق رأسها هامسا:  هي طلعلها الشعر ده كله امتى؟

_بيقولوا عليه شعر البطن.. ماما قالتلي انا كنت كده لما اتولدت. 

لثم خدها بذات الهمس: امال بنتي طالعة حلوة لمين؟ وواصل همسه للصغيرة:  امتى شعرك يكبر واسرحك بنفسي يا روح بابا.. 

_قوليلوا هكبر بسرعة يا بابا وهستناك تضفر شعري. 


أنتهت من إطعامها ونهضت ليسألها: رايحة بيها فين؟

_ هحميها يا ظافر عشان تبقي ريحتها حلوة.. طنط هدى وايلي وماما وبابا دقايق وهيطلبوا يصبحوا عليها مش هيصبروا.. ولاعايز ملكة أبيها تبقي ريحتها بيبي؟ 

قهقهة وهو يميل يلثم صغيرته:  وحتي لو ريحتها بيبي.. دي مسك اش فهمك انتي..يلا بقى حضريها وانا هاخد حمام تحت. 

_ يا ابني استني اخلص بسرعة واتحمم هنا. 

_ مش هتغيبي؟

_ لا والله ابدا.. 

وهمت بدخول المرحاص لتقف بغتة مستديرة إليه: 

ظافر.. تعالي نحممها سوا. 


اقترب ونظر لابنته وقال بعاطفة:  لأ.. أخاف تقع مني او امسكها جامد وأوجعها من غير ما احس. 

ابتسمت وهي تضعها بين ذراعيه وتجذبه خلفها برفق وهي تقول:  متخافش مش هتقع، أنا معاك اهو..دي متعة نفسي تجربها وهي بلبوصة كده وبتتزحلق زي الصابونة في ايدك. 

_بقي بنتي صابونة برضو؟ يعني الشعر اللي كتبه في الدفتر ده ما بهتش عليكي؟ 

جلجلت ضحكتها:  لا كفاية انت تشعر.. خليني انا في الوقائع الملموسة.


لا يصدق هشاشتها بين يديه.. صدقا قارورة هشة يستعيذ داخله سرا ألا تنكسر يوما..روحه فداء لها. 

فرغت بلقيس من تنظيفها ودثرتها بالمنشفة وظافر يبتسم وهو يغمغم: بسكوتة ياناس عايز اكلها

ضحكت لتشبيه:  صدق من قال الصنعة تحكم.. دلعك يشبه مهنتك (ثم قرصت خده تشاكسه) ألذ شيف في الدنيا..ثواني اجيب لبسها عشان نحضرها.. 


_ طيب أوام استري بنتي بحاجة قبل ما ماما وماتك وايلي يخبطو علي الباب عشان يصبحوا على لارين.. 


_ لأ خليهم يشفوها بلبوصة وطعمة كده، ده انا هصورها كمان. 

رفع حاجبيه:  هتصوريها عريانة؟ إياكي

_ بص مش عريانة أوي، هلبسها بامبرز واصورها..أصلي بموت في شكل الأطفال كده.. سبني يا ظاظا احقق أحلامي في بنتي بقى وخليك انت في الشعر بتاعك. 


_ ماشي يا ستي، بس الصور دي ماتتبعتش لحد غريب مفهوم؟

_ مفهوم يا غيور. 

………. 


_ أنا هلبسها البامبرز

_ لأ عنك انتي سيبهالي. 


الأولي صدرت من دره والثانية من هدي، لتصيح إيلاف بمرح:  كان نفسي اخد دور في السباق ده بس للأسف مش هعرف البسها البامبرز.. هستني اشيلها علي الجاهز لما تخلصوا.. 


دره:  خلوني أنا اشبع منها لأنها كده كده هتفضل معاكم وأنا همشي. 

قالت بلقيس بحزن: يعني مصممة ترجعي المنصورة  وتسيبيني يا ماما؟ طب ولاري يهون عليكي تبعدي عنها؟ 

_ ياحبيبتي انا فضلت معاكي شهرين ومبقاش يتخاف عليكي، آن الآوان ارجع بيتي اللي عشت فيه عمري كله، ثم حادت بنظرها مستطردة:  واهي الست هدى مش مقصرة وعارفة انها هتحطك في عنيها.. 

ربتت الأخيرة. كتفها بود: دي زي بنتي والله أوعي تقلقي عليها ابدا. 

ظافر:  عموما أوعدك كل أسبوعين هنقضي يومين ويك إند معاكم عشان تشبعوا من لاري. 

ابتسمت دره وهي تحمل حفيدتها: إن شاء الله ياحبيبي وربنا يحفظها ليكم وتخاوها قريب. 

صاحت بلقيس:  حرام عليكي يا ماما أنا لسه بقول يا هادي، دي لسه صرصارة عندها شهرين ومش بنام منها. 

لكز ظافر رأسها بخفة: ماتقوليش علي بنتي صرصارة.

وهاتيها عشان تصبح علي جدها تحت وبالمرة أفسحها علي السلم. 

قهقت إيلاف:  أيوة يا آبيه، أنت لو أخدت المفعوصة الشبر ونص دي لفة في الفيلا والجنينة يبقي كأنك زورتها محافظة تانية. 


_ بتتريقي علي بنتي؟ طب عقابا ليكي مش هتبوسيها أنهاردة. 

_________


"روح جدو عايز أوضتها لونها ايه؟"


_ قوليوا وردي ياجدو. 

أجابه ظافر وهو يراقب مداعبة عاصم للصغيرة مواصلا: بس كده؟ ده انا هعملك أحلي أوضة أطفال في الدنيا وهحيبلك لعب كتير اوي، ومرجيحة كبيرة زي بتاعة مهند، هخلي عمك عابد يعملهالك، عايزة ايه كمان يا عقل جدو؟


طبطب ظافر علي كتفه: ربنا يخليك ليها ولينا ياعمي

_ ويجعلها ذرية صالحة ليكم ياحبيبي، والله ما عارف هسيبها ازاي، هاين عليا اخدها وانا ماشي. 

_ طب هو ليه حضرتك قررت ترجعوا المنصورة؟


غمغم وعيناه مصوبة علي وجه حفيدته:  أولا دره بتحب المنصورة وبترتاح فيها أكتر وهتتونس بكريمة وعبير وفدوة حواليها.. هي جت هنا بس عشان بلقيس ومشكلتها زي ما انت عارف غير كده عمرها ماكانت هتسيب المنصورة، والحمد لله احنا مطمنين علي بلقيس معاك ياظافر.. وثانيا أنا كمان عايز ارتاح واشبع من اخواتي أدهم ومحمد.. هناك هنكون سوا..خصوصا أن بنتي هتحل محلي في الشركة، ولا انت مش هترجعها تشتغل تاني؟ 

_ بالعكس ياعمي معنديش اي مشكلة، دلوقت هي مسؤلة تنظم حياتها بين الشغل والبيت وتحقق ذاتها زي مابتحلم، واهي ماما ربنا يخليها موجودة وهتساعدها برعاية لارين.

_ ربنا يصلح أحوالكم يابني ويبارك في ذريتكم ويديم عليكم فضله. 

______________


الآن فقط التئمت أخاديد روحها الغائرة. 

لم تعد تشكوا ألم الوحدة والنبذ.

الحقد؟

كأن ممحاة خفية أزالته من داخلها..

لا تحقد على أحد.. قلبها صار مرتعا لمن تحب ينعم به كيفما شاء.. رائد؟.. هو كنزها الذي تعيد اكتشافه كل يوم.. بل كل لحظة.. لم يصيب قلبها في شيء كما أصاب في عشقه ..حبيب يساوي حصاد عمرها بأكمله وراضية هي كل الرضا عما حصدته..أما عائلتها ها هي تشعبت فروعها كما كانت تحلم. 

شقيقها حازم إحي مكاسبها وعوض من الله لها.

صدر حاني تتكيء عليه وتتباهى به أمام زوجها.

أعاد لها كل حقوقها.. نجح بسد بعضًا من دين أبيه وإن كانت لم تسامح ذاك الأخير وتظنها لن تفعل.

أما غدير شقيقتها..كأنها تبدلت معها.. تحدثها كل يوم.. تقص لها تفاصيل كثيرة وتظل تحدثها حد الثرثرة.. ويا ألف أهلا بثرثرة أضفت علي حياتها صخب محبب كم افتقدته بوحدة أيامها القاسية..

الآن تتفاخر أمام نفسها أن لها شقيقة تفهمها وترحب بشكواها إذا ما أرادت ذلك..حقا لم تعد وحيدة..لم يقف امتداد شجرة عائلتها هنا وحسب، فلأجلها نظم حازم حفلة تعارف بينها وبين زوجته وزوج غدير. 

( اختنا كانت مسافرة برة ولسه راجعة) لم يقل أخيها أكثر من ذلك وهو يعرفها بهم..بتلك البساطة اجتمع شملها مع أخوتها وانتهت الفُرقة. 


لكن يتبقى داخلها ندبة أخيرة.

ذنب بلقيس.

ذاك الطوق الذي مازال يكبل عنقها..

لم تنل عفوها بعد..

تُرى هل سيُقدر لها يوما أن تحصد صفحها عما كان؟ 

لا تعرف..تتمنى من الله أن يمنحها المزيد من كرمه ويزرع في قلب صديقتها الغفران لجرمها البشع بحقها..لن تيأس من رحمة الله كما قال لها رائد..وربما يكتب لهما معها لقاء أخر ويسمعا معا صفحها عنهما. 


_ سرحانة في ايه يا رودي؟


قاطعها مجيء غدير حاملة بين يديها طفلتها رحمة..وكم تتعجب لتلك العلاقة التي نشأت بينهما بهذه الفترة البسيطة..لم تعد غدير تقوي فراقها، أينما بحثت عن صغيرتها تجدها في محيط "خالتها" الكبرى.. يا الله.. وقع الكلمة في نفسها مذاقه يضاهي الشهد ذاته.. ابنتها أيضا حصدت عائلة وعزوة.. 


_ كنت بفكر اتصل برائد يجي ياخدنا..بقالي كام يوم هنا وسايباه لوحده. 

_ ياريته كان جه فضل معانا..زي مرات حازم وجوزي، الفيلا واسعة وتسع الكل. 

ابتسمت لها بحنان مستحدث أصبح يلازم نظراتها قبل صوتها : قولتله بس مش وافق، وكمان بيعمل حبة تعديلات في الفيلا وقال فرصة تخلص وانا هنا معاكم..عموما تتعوض بعدين.. وزي ما اتفقنا كل شهر هناخد ضى مع ماما كام يوم..واستأنفت بعد أن لثمت خد ابنتها دون أن تنتزعها من ذراعي غدير:  هو انتي بقالك قد ايه متجوزة؟

_ سنة وشوية..

_ طب كان في بينك انتي وجوزك قصة حب؟ 


تنهدت غدير كأنها تستعيد أطياف من الذكرايات داخلها: وأي قصة يا رودي، عارفة حب النظرة الأولى اللي بيحكوا عنه؟ هو ده اللي مريت به مع جوزي، حبيته وهفضل احبه طول عمري. 


ربتت تيماء على كتفها:  ربنا ما يفرقكم ابدا. 

_ اللهم امين.. وانتي ورائد؟ بينكم قصة حب؟ 

اتعرفتوا علي بعض ازاي احكيلي.. 


غامت عين تيماء وهي تنظر لها والتفاصيل المخزية تتدفق لعقلهع مع مزيد من الذنب الخجل.. هل يمكن أن تقص لها حقا كيف عرفته وكيف كانت علاقتهما المحرمة؟ 


_ حبينا بعض.. 


هكذا فقط اختزلت قصتها معه..نعم.. العبرة بالنهاية بينهما.. رائد يحبها وهي تعشقه وكفي.. لا داعي لاستفاضة لن تجر معها سوى ألم وخزي.. 


أومأت غدير: ودي أحلى حاجة.. ثم التفتت للصغيرة مواصلة:  أما انتي بقى يا ست رحمة ازاي تاخدي عقل خالتو بالسرعة دي؟ هرجع بيتي ازاي واسيبك يابنت؟ أنا اتعودت عليكي أوي. 

_ هي كمان اتعلقت بيكي ياغدير.

وبدا على وجه تيماء التردد، لتنقذها شقيقتها بقولها: 

عارفة عايزة تسأليني عن ايه يا رودي.. احنا كشفنا وجوزي طلع عنده شوية مشاكل محتاجة علاج، وانا راضية وصابرة وبحمد ربنا. عارفه انه هيراضينا ويحقق حلمي اني اجيب طفل منه. 


اهتز قلبها حزنا وشفقة قائلة لتدعمها:  أنا متفائلة إن. ربنا هيراضيكم، زي ما ربنا جمع شملنا.. عيلتنا هتكبر بولادك انتي وحازم.. ورحمة يبقي عندها ولاد عم وخالة.. 

ابتسمت غدير ممتنة:  ربنا يسمع منك..


_ ممكن اخد رحمة شوية؟ 


برقت عين تيماء بعاطفة جلية وهي تدعوها:  طب تعالي هاتي حضن الأول وحشتيني يا ضي..


أقبلت عليها الصغيرة وقالت: أنا فرحانة أوي ان اخواتي حواليا، انتي وأبلة غدير وآبيه حازم وحبيبتي رحمة اللي هتوحشني لما حضرتك تمشي. 

_ مش هتوحشك لأني هاخدك انتي وماما وانا راجعة، دي توصية عمو رائد. 

ثم نظرت لشقيقها: انا قلت مادام انتي وحازم هترجعوا بيوتكم بكره مش هسيبهم لوحدهم. 

_ ومالو يا رودي ده افضل وكده مش هكون قلقانة علي ماما..والشهر الجاي هاجي اقضي معاكم كام يوم..

ضي:  ايه رأيكم نلعب كلنا استغماية. 

_ ماشي أختك غدير ورحمة معاكي أنا لأ. 

تمسكت بها ضي برجاء:  وحياتي عندك يا أبلة رودي نفسي نلعب كلنا سوا مادام اخواتي هيمشوا بكره..يلا بقي وافقي. 


لم تجد سبيل سوا تلبية رغبتها ولم تعد تتعجب ضعفها الغريب أمام ضي.. فلتفعلها لأجلها.  

_________


قلبها يرفرف محلقا حول قواريرها الثلاث وهم يداعبون الصغيرة "رحمة" ركضا حولها..ارتسم على محياها بسمة صافية ورنين ضحكات صغارها يخطف قلبها لسماعه.. أخيرا اجتمع شمل رودي وغدير كما صار مع ضي وبينهم حفيدتها تتدلل وتنعم بحب الجميع لها..وكم تدعوا الله أن تكتمل فرحتها برؤية صغار غدير وحازم. 


_ مبسوطة ياست الكل؟

ابتسمت وعيناها تلاحقهم:  الحمد لله اني اللي شايفاه ده حقيقة مش حلم، ولادي بقوا سوا ومافيش حاجة هتفرقهم تاني. 

ثم نظرت له وامتلأت حدقتاها فخرا: وفيت بوعدك ياغالي وجمعت اخواتك البنات، ربنا يبارك فيك ويرضي عنك دنيا وأخرة..خليك كده دايما ياحازم اخوهم اللي يلمهم تحت جناحوا.. سندهم من بعدي.. 

انزعجت ملامحه:  بعد الشر عليكي يا أمي، ربنا يعطيكي طولة العمر وتشوفي ولاد ولادنا.. 


هزت رأسها بابتسامة راضية وعادت تنظر لرودي:  شوفت ياحازم اختك؟ كانت منتظرة حد يخرجها من سجن الوحدة وينصفها..شايف بتضحك ازاي وسط اخواتها؟ كأنها رجعت صغيرة تاني، بتجري وتلعب زي زمان.


غامت عيناه وهو يبصرها:  ربنا يقدرنا نعوضها اللي فات يا ماما..لم يكد تنتهي غمغمته ليجفله صراخ والدته:  ألحق أختك رودي ياحازم. 


هرول وهو يجدها تسقط أرضًا فاقدة الوعي وسط شهقات شقيقتيها وبكاء ابنتها رحمة. 

...........


_ طمني يا ابني اختك مالها الدكتور قالك ايه؟

صاحت ضي بدلا من أخيها:  أنا هقولك يا ماما.. أختي رودي حامل.. هتجيب بيبي تاني غير رحمة. 

ثم قفزت تصفق بفرحة حقيقية:  أختي حامل. 


أسندها بساعده وهو يشعر بميل جسدها وهو يهتف:  أمسكي نفسك يا تيتة.. جايلك حفيد جديد في السكة. 

همست وهي تبكي:  الحمد لله يارب انه بلغني الفرحة دي.. المرة دي أنا اللي هراعيها وادلعها واعوضها.. مش هسيبها لحد ما تولد. 

ابتسم بتفهم:  طبعا يا ماما، وانا هشوفلها دكتورة شاطرة تتابع معاها..ربنا يقومها بالسلامة. 

___________


_ خير ياضي عايزاني اجي دلوقت ليه؟

_ لما تيجي هتعرف ياعمو.. بس تعالي بسرعة انا بتصل بيك ومحدش واخد باله عشان افاجئهم. 

عقد حاجبيه بحيرة:  تفاجئيهم ليه يا حبيبتي هو في حاجة حصلت يا ضي؟ رحمة ورودي بخير؟

زفرت بحنق طفولي:  يوه ياعمو.. والله كان زمانك جيت.. تعالي بس وهتعرف.. متتأخرش بقا سلام. 


نظر للهاتف متعجبا بغمغمة:  هو في ايه؟ 

……… ..


_ مبروك يا رودي، ربنا يقومك بالسلامة. 

ربتت غدير على ظهرها بحنان:  الله يبارك فيكي وعقبالك ياحبيبتى اعتبربها بشرة خير. قلبي بيقولي هتحصليني قريب وبكرة تشوفي. 

_ ربنا كريم، المهم قوليلي هتعرفي جوزك بالخبر ازاي؟ 

تحسست موضع جنينها هامسة:  مش عارفة. 

قالت بحماس:  لأ لازم تفكري في طريقة. رومانسية تعرفيه بيها.. أنا هشوفلك فكرة حلوة و…… .


قاطعها طرق الباب ثم دلوف ضي تهتف:  عمو رائد جه وعايز يدخلك يا أبلة رودي.. ثم أشارت لهما إشارة تعني أنها لم تقوله له شيء. 


اندهشت رودي بينما صحت غدير بخفوت:  المفعوصة ضي فكرت لوحدها وجابتهولك..ثم غمزتها بمشاغبة: هسنيبكم احنا بقي عشان مانبقاش عوازل. 

……… .


نظر لشحوب وجهها بقلق:  مالك يا رودي انتي تعبانة؟ وشك مخطوف كده ليه؟ أوعي يكون حصل حاجة تاني مع أخواتك او..  

_ اشششش. 

همستها. هي تضع أناملها فوق شفتيه ثم التقطت كفه ووضعتها علي بطنها وغمغمت بلمعة العبرات:  في ضيف جديد جاي في السكة. 


بدا لها انه لم يستوعب وهو ينقل بصره بينها وبين يدها ثم بدأت تتحرك أنامله بطء وهو يهمس بغير تصديق:  انتي حامل. 

هزت رأسها بقوة وصوتها مقيد بغصة بكائها ليعود ويهمس گ الهذيان وهو ينظر لموضع كفها: عيلتنا بتكبر..رحمة مش هتكون وحيدة..هايجي ليها أخ أو اخت يحبوها ويملوا علينا حياتنا..

ثم نظر لها أخيرا وحدقتاه بدأت تتحجر بالدموع وهو يرفع كفيه محاوطا وجهها: أنتي حامل بجد ولا ده كمان حلم؟ 

غمغمت بصوت متحشرج:  أيوة ياحبيبي حامل. 

مال بجبهته فوق جبينها وأغمض عينه بهمهمة: شوفت ماما امبارح في رؤيا بعد صلاة الفجر بتديني عنقود عنب أخضر، قطفت منه حبة وقالتلي دوق..طعمها كان الشهد.. طلبت منها تديني حبة كمان قالتلي كفاية.. هو ده نصيبك. 


ثم شرع عيناه ليجد وجهها غارق بلآليء العبرات، كفكفها وهو يهمس: ماما قالتلي بس انا مافهمتش..تفتكري ماما راضية عني؟ كتير بسأل نفسي السؤال ده. 


جاء دورها لتعانق رأسه بصدره وتبثه أمانها:  مفيش أم بتعرف تغضب علي ولادها يا رائد، طنط كانت بتحبك اوي وبتدعيلك.. حتي لو عاشت وعرفت كل ماضينا كانت هتسامحك لأنها أمك..اطمن وبلاش تحمل نفسك عبء جديد.


ارتفع يطالعها من جديد بعد أن استعاد سيطرته وقال: أختك ضي جننتني، تعالي ياعمو بسرعة.. تعالي حالا وبعدين هتفهم.. خوفت وجريت على هنا، أتاري العفريتة محضرالي مفاجأة عمري. 

ابتسمت بحب: ضي كده دايما تجيب الخير. 

واستطردت:  طب وحازم وماما قالولك ايه؟ 

_ قالولي اطلع شوف مراتك فوق، بس عيونهم كانت بتلمع لمعة غريبة دلوقت فهمتها..

وواصل بتفهم:  تحبي تفضلي معاهم شوية كمان؟

_ لأ، بيتي وحشني، وكمان ماما هتيجي معايا مش هتسيبني، هتراعيني لحد الولادة، لو تشوف فرحتها كانت ازاي يا رائد.. كأنها مش تعبانة ورجعت صبية. من الفرحة.. كأنها بتقولي اللي فات من غير ما نعيشه هنعيشه تاني. 

_ أكيد ياحبيبتي بتحاول تعوضك.. طب انا عندي اقتراح وموضوع مهم جه وقته عشان تعرفيه. 

_ خير يا رائد؟ 


حدجها مليا قبل أن يهتف: أيهم أخويا راجع قريب هو وولاده ومراته، هيستقر في مصر، وانا قررت اقسم الفيلا بيني وبينه وعملت ليهم جناح كبير بمخرج تاني يدخل ويخرج منه براحته.  

واستطرد وهو يدرس رد فعلها:  يعني أخويا وولاده ومراته هيعيشوا معانا يا تيماء، هو طلب اشوفله شقة قريبة وفاكرني عملت كده، بس أنا قررت اننا مش هنفترق تاني.. بيت أمي اللي ريحتها فيه هيساعنا مع ولادنا عشان نكون عيلة بجد..عيلة تكبر كل يوم ونعوض اللي فات..واهو حملك ده اجمل بشرى. 

ايه رأيك؟ حبيتي الفكرة؟


دنت منه ولثمت خده ثم أحاطته بكفيها وعيناها تزرع بحدقتاه ألف وعد: زي ما عرفت تكمل فيا النقص اللي عشت به طول عمري وخلتني إنسانة جديدة تعرف تحب وتسامح..جه دوري افتح قلبي قبل دراعاتي لاخوك وعيلته وانا فرحانة بجد.. هنعيش كلنا سوى عشان انت كمان تكمل اللي ناقص جواك يا رائد. 


زحفت ابتسامة فخر على شفتيه واقتنصها بقبلة مطولة ثم حررها وهو يضمها هامسا:  كنت عارف انك هترحبي وتساعديني.. وعلي فكرة أنا جهزت الغرفة اللي تحت مخصوص لمامتك وضي عشان ياخدوا راحتهم لما يجوا..هما كمان هيفضل ليهم مكان وسطينا ومش ممكن نستغني عنهم.. 

منحته نظرة مفعمة بعاطفتها وهي تحمد الله ألف حمد وتشكره ألف شكر لنا وصلت إليه. 

_________


في ساحة انتظار العائدين يقف مترقبا ظهور شقيقه الذي لاح أخير وهو يسوق عربة حقائبه ويشير له بلهفة تجلت بخطواته التي أسرعت ليلتحما في عناق جارف لم يخلو من دمعات حبيسة في مقاليهما.  


_ يااااه يا أيهم.. مش مصدق اننا اتجمعنا تاني. 

_ ومش هنفترق تاني إن شاء الله يا رائد..بعد ما مشيت كرهت غربتي وقررت انهيها والحمد لله رجعت ومش هسيبك تاني..توالى ترحيبه بطفلي أخيه وزوجته ميرا ليقع بصره على الصغيرة قائلا: 

أخيرا هشوف أخر العنقود علي الطبيعة. 

ميرا وهي تعطيها له:  شوف اللي هتاكل عقلك زي ما جننتنا كلنا..


ذكر الله وهو يحملها ويقبلها بفرحة: حبيبة عمو اللي نورت مصر كلها وهتلعب مع أختها رحمة.. 

ثم نظر للغلام الذي بدا أنضج وهو يقول:  أزيك يا  حبيبي تعالى في حضني وحشت عمو رائد انت واخوك.. اندفع الشقيقان " براق و شادي" نحوه يعانقانه والأصغر يتسائل:  فين رحمة ياعمو وحشتني اوي.. 

ميرا:  ورودي مش جت معاك ليه؟

رائد:  هي فضلت تنتظركم وتحضر وليمة خاصة على شرفكم...يلا بينا لأنها منتظرة بفارغ الصبر. 


أيهم: طب خدنا لشقتنا الأول وبعدين نروح عندك..علي الأقل الولاد وميرا يفرحوا بيها ويشوفوها. 

_ مستعجل ليه، تعالي معايا وكله سهل بعدين. 

_______


يطالعوا بانبهار ما فعله رائد لأجلهم..جناح كبير بأثاث أنيق وكامل.. طلاء الجدران الذي خطف أعينهم من فرط روعته..غرفة نوم الصغار التي راقتهما كثيرا، هذا غير غرفة أخيه وزوجته التي نالت إعجابهما بقوة. 


_ الله يا رودي، بجد انتي ورائد ذوقكم يجنن..

_ بصراحة كل ده ذوق جوزي لوحده.. أنا كنت عند ماما وقتها. 


صاح رائد:  أطن كده مفيش حاحة اسمها نشوف شقة.. الفيلا اتقسمت بنا وهنعيش كلنا سوا.. ولا حد معترض..( هللت ميرا) بالعكس ده كده أحسن ونتونس سوا..ولا ايه يا أيهم؟ 


كان الأخير بعالم أخر وهي يقف يطالع برواز صورته هو ووالديه وشقيقه وهما صغارا.. شعر لوهلة كأنه أخترق إطارها ونفذ إليهم..حنين تأجج داخله وتذكر الكثير مما جمعه بهم..ربتة حانية على كتفه جعلته يلتفت ليجد عين شقيقه تحتضنه باسما:  كنت عارف انك هتحب الصورة دي عشان كده عملت اتنين منها.. ثم رمق الجدار بنظرة أشمل وتحسسه رائد بأنامله كأنه يرسم خطوط وهمية: 

دي بذرة العيلة اللي هتكبر بينا يا أيهم..صور ولادنا وولاد ولادنا هتملي الحيطة دي..كل ذكرايتنا هنسجلها في الصور عشان نفتخر بكل اللي عشناه سوا. 


_ طب مش هنقولهم علي المفاجأة اللي عندنا؟ 


قالتها تيماء بمرح فالتفت إليها الجميع ودني رائد وهو يضم خصرها متجولا في وجوه الجميع قبل أن يصيح:  رودي حامل. 

__________


للمرة الثالثة علي التوالي يخيب أملها بظهور تلك النقطة الحمراء، شعور قوي غزاها أنها ربما تكون حامل مثل شقيقتها.. " قدر الله وماشاء فعل"..هكذا راحت تردد داخلها وتستغفر بنية أن يرزقها الله بما يسعد زوجها مثله مثل البقية.. الجميع حوله ينتظر مولودة وكم تشتاق لمنحه فرحة تلك. 


"أبلة حنين وحشتني اوي يا أبلة بسمة، هنزورها أمتى؟"

اجابته وهي تحضر طبق السلطة قبل حضور زوجها: 

الأسبوع الجاي ياحبيبي، هنزور تيتة فدوة وهنعدي علي حنين تاني يوم قبل ما نرجع القاهرة 


_ أنا فرحان أوي ان اختي هتجيب نونو وانا هكون خالو..

ابتسمت بمحبة: طبعا ياحبيبي ده بيقولوا الخال والد

ثم قبلته بدلال:  بس انت هتبقي خالو صغنون. 

ياسين. بتلقائية: وانتي يا أبلة هتجيبي نونو زي أبلة حنين صح؟ 


كساها حزن عابر نفضته سريعا وهي تجيبه:  لا أنا لسه يا حبيبي، دي أرزاق ولسه مافيش نصيب. 


بسط ياسين يده بتضرع:  يارب تدي أختي بسمة نونو جميل وتفرحها هي وعمو ياسين وتحبهم زي مابيحبوني..يارب حقق امنيتي وفرح اختي. 


تكثفت بفضيتها الدموع لدعوة أخيها التي لمست شغاف قلبها بقوة، سحبته في عناق جارف وهي تقبل رأسه وتغمغم بعبرات شكرا لدعائه الذي أرجفها من فرط صدقه...


"اللهم امين يا سينو" 


قالها ياسين وهو يعبر إليهم مواصلا: حبيت دعوتك أوي يا حبيبى.. ومتأكد ان ربنا هيكرمنا عشان دعوتك الحلوة زي. 

هرول الصغير يعانقه وبسمة تقترب منهما ليمنح وجنتها قبلة خاطفة وهو. يقول:  ازيك ياحبيبتي 

قالت بتحفظ خجلا من الصغير: الله يسلمك يا ياسين، محستش بدخولك. 

_ لسه واصل وريحة الأكل جوعتني أكتر. 

تبسمت بحنان:  حالا هيكون جاهز، روح غير هدومك وانا وسينو هنحطه علي السفرة. 

……… .


استعرض له ملابس بدت باهظة الثمن ابتاعها له مع حذاء رياضي وهو يصيح:  قيسهم كده يا ياسين، ان شاء المقاسات تكون مظبوطة. 


نظر الصغير للملابس بحيرة دون أن يلمس أي قطعة، تعجب الأخر وهو يتسائل:  ايه ياحبيبي هما مش عاجبينك؟


نكس رأسه لحظات ثم رفع وجهه ونظر نحو شقيقته التي تتابع تردده من بعيد، اقتربت رابتة علي رأسه: ايه يا حبيبي مش بترد علي عمو ليه؟ 

عاد ينظر للهدايا وغمغم:  مش حضرتك قولتيلي اي حد بيجبلنا حاجة احنا بنردها؟ طب لما اكبر واشتغل هعرف اجيب هدوم غالية زي دي لعمو ياسين؟


رفعت حاجبيها بذهول حقيقي لمسار تفكيره، بينما ومضت عين زوحها بإعجاب وهو يجثو على ركبتيه يحدثه بحنان:  كلام اختك صح يا سينو.. أي هدية حد بيقدمها لينا بنردها..بس خليك عارف إن القيمة الحقيقة مش في سعر هديتك.. القيمة بالطريقة اللي هتقدمها بيها بالحب اللي بتشتريها بيه، وأنا فعلا هطالبك بمقابل مش هتنازل عنه

_ ايه هو ياعمو؟

_ انك تكون ولد شاطر في دراستك ولما تكبر تخليني انا واختك نتشرف بيك..هي دي الهدية اللي هنطالبك بيها لما تكبر يا ياسين..مستعد تقدمها؟


رغم صغره وصله معنى كلمات زوج شقيقته بقوة..هو يريده طفلا ناجح، وفي يوما ما يكون رجلا جيد مثله ومثل أبيه..وسيكون طفلا ورجلا يفتخرون به.. يقسم علي ذلك. 

_________


_ ايه ياسمسم اوعي يكون سؤال ياسين عن البيبي ضايقك، احنا متجوزين بقالنا شهور بس. 

هزت رأسها وقالت:  لا عادي كله بأوانه..أنا بس نفسي افرحك مش أكتر. 

_ ياقلبي انا مبسوط الحمد لله ومش مستعجل.. خليكي ريلاكس وعادية وبأمر الله قريب هنفرح.. المهم حنين عاملة ايه لسه تعبانة؟ 

_ الحمد لله احسن وابتدت اعراض الحمل تهدى. 

_ ربنا يقومها بالسلامة. 

_اللهم امين.

_ قوليلي مرتاحة في شغلك؟ 

_ جدا جدا حتى…… .


تقلصت معدتها بغتة وشعرت أنها ستتقيأ، هرولت علي المرحاض فصاح بخوف بعد أن عادت:  مالك يابسمة فيكي ايه؟ 

غمغمت بوهن غريب:  معرفش يا ياسين فجأة حسيت اني مش مظبوطة.. 

_ طب تعالي ارتاحي، ثم ناولها كاسة ماء أبعدتها بامتعاض مبالغ به:  لأ مش عايزة مية. 


ارتاب في أمرها فقال بتردد:  بسمة مش يمكن. 

_ لأ.. أنهاردة أول يوم..اتأكدت من ده الصبح. 

تنهد وقال وهو يساعدها لتستلقي علي فراشها:  خلاص ارتاحي يمكن بسببها، مافيش تفسير غير كده، أعملك حاجة دافية؟

_ شكرا يا حبيبي، بس عايزة انام. 

__________


شعرت بالقلق من صوته فقالت: 

_ في ايه يا ياسين ياحبيبي صوتك. مش عاجبني؟

_ والله يا ماما انا أصلا مش فاهم في ايه. 

_ يا ابني قول في ايه وجعت بطني من الخوف، اتخانقت مع مراتك مثلا؟ 

نفي سريعا:  لا إطلاقا يا ماما ده انا مبسوط جدا الحمد لله..بس بسمة بيحصلها حاجات غريبة ومش عارف سببها..

_ زي ايه؟ 

_ عندها نفس أعراض الحمل بس… .

لم يكمل وزغرودة فدوى تدوي في أذنه ليصيح سريعا:  يا ماما اهدي وهخليني اكمل.. صحيح في أعراض حمل لكن في نفس الوقت الروتين بتاعها بيحصل كل شهر عشان كده مستبعدين انها تكون حامل، فأنا قلقان ومش فاهم حاجة..هل دي تغيرات بعد الجواز ولا ايه يا ماما؟ 


صمتت قليلا تحلل قوله ثم هتفت:  أنا جيالك الصبح 

_ ياحبيبتي ماتتعبيش نفسك قوليلي بس اعمل ايه وانا هتعامل. 

_ ماتعملش حاجة لحد ما اجيلك، ومراتك تريح نفسها علي الأخر انت فاهم؟ 

_ حاضر بس فهميني قصدك ايه؟

_ بكره تعرف المهم حافظ على مراتك وانا من النجمة هكون عندكم.

_________


" حمل غزلاني"


نظر له ياسين وبسمة  للطبيب ببلاهة بينما مالت كريمة علي أذن فدوى تحدثها بخفوت:  شوفتي بقا تفسيري طلع صح، قولتلك مرات ابنك حملها غزلاني زيي اما حملت في جوري. 

فدوى بفرحة عارمة:  الحمد لله يا كريمة والله شكيت ومن فرحتي مانمتش طول الليل. 

ثم نهضت تتلقف بسمة وتنتشلها من ذهولها:  مبروك يا بسومة ألف مبروك.  ثم تركتها لكريمة لتخطف ياسين بعناق جارف وهي تبكي:  مبروك يانور عيني هتبقى أحلي أب في الدنيا. 

قال ومازال مآخوذا:  حامل؟ طب واللي كان بيحصل؟!… 


_سيدات كتير بتحمل وبيفضل ينزل عليها دم الحيض كل شهر، العامة بتطلق عليه " حمل غزلاني" وده اللي حصل للمدام عشان كده استبعدتم فكرة الحمل.. عموما دي فيتامينات ومثبتات هتمشي عليها مع راحة تامة أول تلات شهور. 

________


الآن فرحتها اكتملت وشقيقها الغالي سيرزق بطفل هو الأخر، سيصبح أولادهما عصبة قوية وعزوة لكليهما، غمرته بعناق جاوف وهي تصيح باكية:  مبروك يا حبيب أختك مبروك يا سينو..والله أنا حاسة اني هولد من الفرحة. 

ضحك وهو يربت عليها برفق:  لا امسكي نفسك عايز ابن اختي حبيبتي ينزل كامل الدسم عشان يتحمل اللي هعمله فيه.. 

تركته لتعانق بسمة بمحبة:  مبروك يا سوما، عايزاكي تجيبي لابني عروسة حلوة زيك. 

أردفت كريمة: وممكن تجيب عريس لبنت جوري. 

الأخيرة بمزاح: ساعتها اعتبروا ابنكم مرفوض يا ماما من دلوقت..احنا ناقصين "عته". 

حدجها ياسين بتوعد:  والله لقول لجوزك يقطعلك لسانك، عامر ده له الجنة انه متحملك يا زئردة. 


ضحكت فدوى لجدالهما المحبب والفرحة تتقافز بمقلتيها لحفيد أبنها الغالي: ولد ولا بنت المهم يجوا بصحة وعافية وانتي تقومي بالسلامة ياحبيتي، من هنا ورايح خدي بالك علي نفسك، الراحة مطلوبة أول تلات شهور. 

ياسين وهو يضم كتفي زوجته: اطمني يا ماما انا بنفسي هاخد بالي عليها. 

_ وانا كمان اخد بالي علي أختي. 

قالها الصغير وهو يدنوا من شقيقته مسترسلا:  شوفتي يا أبلة بسمة ربنا حقق طلبي ازاي..كنت عارف انك هتجيبي نونو زي أبلة حنين..

ملست كريمة علي رأسه برفق:  دعوتك استجابت ياحبيبي وهتبقي خال عسول. 


احتضنته بسمة وقبلته بحنان ثم اقتربت ملتقطة كفي كريمة وفدوى وغمغمت بعين ممتنة:  مش هنسى ابدا انكم جريتوا تطمنوا عليا وتساعدوني كأن ماما موجودة، انا وياسين كنا مش فاهمين حاجة..لكن مجيتكم لينا بالسرعة دي رغم المسافات بنا فرقت معايا انا بالذات.. شكرا ياطنط فدوي.. شكرا يا طنط كريمة..ربنا يديمكم في حياتنا. 


تأثروا لحديثها وقالت عطر لتبدد حالتهم:  

طب ياجماعة بمناسبة الخبر السعيد ده كلكم معزومين عندي، هقول ليزيد يعمل أوردر وهو جاي. 

كريمة: هو ابني جاي امتي واحشني أوي. 

_ هتصل به يا خالتو يجي فورا، ده ما هيصدق انكم هنا. 

جوري: وهتفضلوا معانا يومين نشبع منكم. 

بسمة:  ياريت والله أنا نفسي تدوقوا أكلي. 

ياسين بفخر:  اه والله يا ماما مراتي أكلها حلو اوي..

فدوى:  واحنا جايين. نتعبكم يا ابني؟ ومراتك بالذات لازم ترتاح..

كريمة:  سيبكم من قصة الأكل احنا هنفضل معاكم يومين وخلاص نشبع منكم. 

تعلقت جوري برقبتها: مش هتباتي غير عندي يا كيما. 

عطر وهي تجذب والدتها: وانا هاخد مامتي. 


ياسين:  طب وأنا؟ لقيط مثلا؟؟؟؟ 

___________


أصابه الضجر من عنادها وتصميمها المجيء معهم ويموت قلقا عليها وبطنها البارز يُثقلها ولم تعد قادرة.  

_ ياجوري انتي تعبانة ووجودك مالوش أي لازمة..خليني ارجعك البيت ولما عطر تولد هطمنك. 

هزت رأسها بجدال:  مش ممكن ارجع قبل ما أطمن على عطر ياعامر، انت مش شايف كانت بتصرخ ازاي؟


قالتها وعيناها تترقرق ومرآى عطر تصرخ حين فاجأها ألم المخاض.. والأكثر فزعا أن تقلصات مؤلمة تتسلل لموضع جنينها وهي الأخرى وتتجاهل بقوة تحمل تحسد عليها.. لن تعلن عن ألمها قبل أن تطمئن على أبنة خالتها..


_ مش ممكن أسيب اخويا لوحده، ده هيتجنن على مراته ومش داري بحد. 

حاد بصر عامر ليزيد الذي ينهب الأرض بخطواته المتوترة ووجه الشاحب يشي بمقدار خوفه..صراخ فواحته من عز نومها فجرا أجفله وفطر قلبه وهو يحاول تهدئتها دون جدوي.. كلماتها الغير محسوبة وهي تلهث من الآلم بألا ينساها لو فاضت روحها وأن يحفظ طفلها و و… ثرثرة سخيفة باحت بها وهو يضمها بقوة ملجم لسانه من فرط خوفه مصدوما ولا يدري ماذا يقول.. يحمد الله أن عامر وشقيقته معه بعد أن طرق بابهما المجاور باستغاثة، فلا يتذكر من قاد السيارة إلى المشفى، كل ما يعيه أنه لم يترك صغيرته لحظة، ألصقها بصدره وحاول تهدئتها قدر استطاعته.. 


_ مالك يا جوري؟!

هتف بها عامر مفزوعا وهو يري تقلص وجهها وانحناء قامتها بألم لتهمس: ألم جامد بيروح ويجي بقاله شوية بس عمال يزيد. 

_ قولتلك نمشي انتي دخلتي التاسع وتعبانة.. 

_ لازم حد يفحص جوري ياعامر، وبعدها خدها علي البيت.


جعدت قميص زوجها بين قبضتها المتشبثة به وألم بطنها يزداد شراسة.. فقادها ليطمئن عليها ومن ثَمَ يعود للبيت.. هذا قراره ولن يسمح لها المكوث أكثر من ذلك. 

__________


_ المفروض اللي زيك ماتحضرش ولادة لأنك هتتأثري نفسيا وده بالظبط اللي حفز عندك ظهور الطلق . 


رمقها عامر بلوم بينما استطردت الطبيبة: هنلاحظك شوية. لأن احتمال كبير تكون حالة ولادة


_بس ده الدكتور بتاعها محدد ليها معاد بعد عشر أيام. 

الطبيبة: هي مش دخلت شهرها التاسع؟

_ أيوة أولها كان امبارح. 

_ يبقي توقع ولادتها في أي لحظة، وشكلها بيرجح بنسبة كبيرة انها ممكن تولد. 


تسرب الخوف إليها وترجمته بتشبث أصابعها بأنامل زوجها الذي قبضها بقوة وغمغم بعتاب نبع من خوفه: شايفة نتيجة عنادك؟ قولتلك ماتجيش انتي تعبانة مفيش فايدة دماغك عايزة كسرها. 

رمقته بوهن دون رد ومازالت تتألم، فرق قلبه وضمها مقبلا قمة رأسها:  متخافيش ياعمري هتبقى زي الفل..وراح يهدهدها وهي تحاول التماسك كي لا تصرخ أو تتآوه شفقة به وبأخيها الذي يكفيه ما يكابد لأجل زوجته. 


صراخ طفلها ملأ أذنيها ونظرت إليه والممرضة تدنوا وتضعه على صدرها لترفع يدها وتضمه باكية مثله.. لا تصدق ان ذاك المخلوق الهش هو ثمرة عشق عمرها كله.. طفلها هي ويزيد يصرخ معلنا عن ذاته بقوة.. ربتت عليه بوهن بعد أن نفذت قواها ووعيها يغيب رويدا دون قوة لمقاومته لتفقد الوعي تماما في ثوان معدودة وأخر ما نمي لسمعها صراخه.


" عطر ولدت ياجوري.. مراتي جابت ولد ياعامر"


صاح يزيد وهو يهرول إليهم بالغرفة المجاورة التي ترتاح بها شقيقته لتهلل الأخيرة:  ألف مبروك يا أخويا، وهي عاملة ايه؟

_ الحمد لله كويسة والولد اخدوه الحضانة. 

عامر مهنئا:  مبروك يا باشمهندس..ربنا يجعله ذرية صالحة ليكم. 

_ اللهم امين، عقبال مانطمن علي جوري و…… 


لم يكمل وصراخها يدوي عاليا بعد أن فاض بها الآلم، كأن اطمئنانها على رفيقتها كان إشارة خفية لتعلن هي عن معاناتها ووجع المخاض يزحف بشراسة لبطنها.. هرول عامر يحضر من يساعدها ليتأكد بفحصها انها حالة ولادة أكيدة.  

…………… 


_ ألف مبروك يازئردة..جبتي بنوتة قمر، ومن دلوقت أنا حاجز بنتك لابني اللي أكبر منها باربع ساعات بحالهم.. 


غمغمت تمازحه بخفوت رغم خالتها: بقيت "أم" و "عمة" في نفس الليلة..لا تخرج قبل أن تقول سبحان الله. 


قهقة يزيد لدعابتها براحة واضحة بعد أن اطمأن عليها هي الأخرى بينما يطالعها عامر بحنان وسعادة طاغية بقدوم صغيرته هو الأخر..فاقترب ليفسح يزيد له المجال جوارها وهو يهتف: كان نفسك انتي وعطر تتشاركوا كل حاجة.. وربنا استجاب..حتى عيد ميلاد ولادكم هيكون نفس اليوم.  

يزيد: دعاهم منه للسما يا ابني كأنهم أوليا. 

_ وده يخلينا ناخد حذرنا يا ابو نسب..لو واحدة فيهم دعت علينا دعوة هتجيبنا الأرض بركعتين. 


صدحت ضحكتهما الرائقة بينما جوري تبتسم وجفناها تتثاقل حتى غابت عن الوعي بينهما. 

____________


ولجت الممرضة تحمل الصغير لترضعه والدته، فتلقفته عطر بلهفة وهي تتأمل دامعة:  شوفت يا يزيد ابننا حلو ازاي. 

أنقد الفتاة بإكرامية سخية لترحل ملتفتا لزوجته وطفله..ما أحلاهما في عينه..عائلته الخاصة به أخيرا اكتملت.. دني يداعب الصغير برفق شديد وهو يهمس:  جهاد. 

رددت تتذوق الأسم:  جهاد يزيد أدهم أبو المجد. 

يتربي في عزك يا حبيبي. 

لثم جبينها:  ويخليكي لينا يا ام جهاد. 


_ بقي كده يا كبير اختي تولد ومعرفش؟ 


التفتت وعيناها تضوي لشقيقها الذي أتي لتوه وعانقها بقوة، ويزيد يبرر: والله يا سينو انا ما عارف جيت المستشفى ازاي اصلا، معلش راح من دماغي اكلمك. 


_ ولا يهمك ياكبير المهم ان اختي بخير، ثم نطر إليها بحنان: مبروك ياحبيبتي وحمد لله علي السلامة. 

_ الله يسلمك يا ياسين، عقبال ما تطمن على بسمة..

_ اللهم امين، هاتي بقى حبيب خالو ده انا افحص ملامحه احسن يكون واخد حاجة من عمه عابد تبقي مصيبة. 


لكزه يزيد:  وماله أخويا مش عاجبك يا استاذ؟ 

_ أكيد مش عاجبني هكدب يعني. 


وراح يتأمل الصغير وهو يسبح ويسمي مغمغما:  أهلا بقلب خالو اللي نور الدنيا كلها..وهيكون معايا في كل حتة. 


لعق الصغير إصبعه وبدأ يبكي فبرقت عين يزيد بحنان أبوي مستحدث وهو يقول: جهاد حبيبي عايز ياكل ياعطر. 

_ الله حلو اوي الأسم ده..ربنا يبارك فيه ويجعله ذرية. صالحة.. خدي ياستي ابنك المفجوع ده قبل ما ياكلني. 

________


من نافذة الحافلة يتأمل ياسين ذاك الطفل ووالدته تحمل عنه حقيبته وتودعه بقبلة حانية ليصعد بعدها الحافلة التي تقلهم للمدرسة..تذكر والديه و وذكراياته القليلة معهم..ليتهم ظلوا حتي لو لم ينل تلك الحياة المرفهة مع شقيقته وزوجها..كان يكفيه منزلهم الصغير المتواضع ورفاقه المقربين.. حينها كان يضحك ويلعب.. الآن لا يفعل.. نضجت طفولته مبكرا. 


_ ممكن اقعد جنبك؟


التفت ياسين لزميله الذي يبدوا أكبر منه قليلا واكتفى بإيماءة ترحب بجلوسه، وعاد يتطلع للطريق الساري عبر النافذة..


_ ليه دايما بشوفك لوحدك من غير أصحاب ؟

ياسين:  مش عايز أصاحب حد. 

_ ليه؟

_ كده. 

_طب أنت في سنة كام؟ 

_ تالتة ابتدائي. 

ابتسم زميله:  أنا أكبر منك بسنتين.. 

أومأ ياسين ومازالت كلماته مع الغرباء قليلة..فاسترسل الطفل الأخر:  

_ انا ماليش غير صاحب واحد بس أسمه "إياد" بس مجاش انهاردة..لما يجي بكرة هعرفك عليه. 


لم يجد ياسين مايقوله وداخله لا يرحب بهذا الأختلاط، يريد فقط العزلة، لفت نظره الأخر وهو يقدم له شطيرة مع قوله المتودد:  اتفضل كل معايا فطيرة الجبنة دي هتعجبك اوي.. اختي "سمر" هي اللي بتعملها بنفسها.. 


نقل ياسين بصره بينه وبين الشطيرة وغمغم: 

شكرا أنا معايا أكل، وأصلا مش جعان. 

_ خلاص خليها معاك لما تجوع كلها. 


رمقه بحيرة، لما يحاول التودد له هكذا.. ظلت يد الطفل الأكبر ممدودة فأخذها ياسين وقال:  شكرا. 

وبتلقائية التقط من حقيبته مغلف شيكولاه اشتراه له زوج شقيقته وقدمه لذاك الطيب كي يرد له عطيته في حينها، تقبلها الطفل الأخر مبتسما لاستجابته:  شكرا، هاكلها في البريك.. 

واستطرد: غريبة انا معرفش أسمك ايه لحد دلوقت. 

_ أسمي ياسين الفايد

ابتسم له الزميل الطيب وعرف عن ذاته: 

وانا حاتم.. حاتم نصار. 

_ مامتك وباباك عايشين؟ 


غامت عين حاتم بحزن:  لأ.. ماليش في الدنيا غير اختي سمر وجوزها فارس، راجل طيب اوي وانا بحبه

ياسين الذي رمقه بدهشة وقد وجد فيه قرين يشبه بشكل تعجبه:  غريبة.. أنا كمان ماليش غير اختي بسمة وجوزها ياسين..وكمان اختي حنين وعمو عبد الرحمن.. دول كل أهلي. 

_ طب عندهم ولاد؟ 

_ قريب أبلة حنين هتولد، وبعدها أبلة بسمة. 

_ أنا أختي عندها ولاد بحبهم أوي.. في مرة هقابلك في النادي عشان تشوفهم..موافق؟

هز كتفيه بحيرة:  معرفش، مش بروح مكان غير مع أبلة بسمة وعمو. 

_ هنحلها بعدين.. المهم خلاص انا وانت بقينا أصحاب؟


نظر له ياسين براحة تدفقت لروحه وغزته بشدة، كأنه وجد له للتو رفيقا حقيقيا يؤنس وحدة طفولته..شبيه قدره بتطابق عجيب لا يستوعبه عمره..لكن فطرته أدركت شيء وحيد..

هذا هو رفيق العمر!  


انتظروني في الخاتمة! 


___________

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات