القائمة الرئيسية

الصفحات

 البارت 63 من حصنك الغائب

___________________


وقفت تصب في الكاسات ذات الأطراف المذهبة عصير المانجو لتباغتها "كريمة" بدخول مفاجيء قائلة بود:  بسمة تعالي حبيبتي عايزاكي في كلمة. 


الفصل 63من حصنك الغائب


جاورتها علي فراش غرفة نومها مبادرة بسؤال :  عاملة يا يا بسومة. 

_ الحمد لله ياطنط بخير. 

_ أمبارح كنتي زي البدر المنور. 

ابتسمت بخجل لإطرائها:  شكرا ياطنط تسلميلي. 

تنحنحت كريمة قبل أن تهتف: شوفي بقى أنا مش غريبة جوزك ده ابني الرابع وانتي في مقام مرات ابني زيك يا زمزم بالظبط، وأنا مش بتطفل بس عايزة اطمن عليكي، يمكن مثلا عايزة تسألي عن حاجة مش فاهماها انا موجودة ماتتكسفيش مني. 


أدركت بسمة بفطنتها مغزى حديثها فأطرقت تكسوها حمرة الخجل وهي تهمس: أطمني ياطنط كل حاجة تمام. 

برقت عين كريمة بفرحة اختلطت بحنان فطري جعلها تتلقفها بعناق جارف وصادق وهي تملس علي شعرها:  ألف مبروك ياحبيبتي ربنا يسعدك ويهنيكي انتي وسينو..تعرفي جوزك له مواقف كتير أوي لو حكيتهالك هتحبيه أكتر. 


ومضت فضيتها بلهفة:  عايزة اعرفها ياطنط. 

ابتسمت لها: هنرغي كتير بس مش دلوقت، لما ترجعوا من شهر عسلكم وتيجوا عندي، هاخدك منه يومين وهنحكي براحتنا..

ثم التقطت من حقيبة يدها شيئا سريعا ما اتضح أنه سلسال ذهبي يتدلى منه لفظ الجلالة، أحاطت به عنق بسمة وهي تغمغم:  دي بقي نقطة فرحك، زيك زي البنات. 


حنت رأسها تتأمل سلسالها هاتفة بامتنان:  ده كتير يا طنط والله، ياسين جابلي. 

_ يعيش ويجبلك حبيبتي بس دي هديتك مني.. 


قاطعهما طرقا علي الباب دلفت بعده جوري تخبر عن مجيء حنين وزوجها.. 

…… ..

غادر كبار العائلة بعد مباركة وتوصية لياسين على زوجته، ولم يتبقى سوى شقيقتها وعطر وزمزم وجوري بغرفة منفصلة. 

حنين وهي تقبلها بحنان قبل أن تغادر: بسمة أنا خلاص همشي وهسيبك لحياتك وربنا يسعدك فيها، بس ماشية مطمنة عليكي لأني عارفة انك هتكوني بخير، ثم حادت جانبها بنظرة رجاء:  عطر أنا هسيب أختي أمانة معاكم أتمنى تعتبروها اختكم انتي وجوري، اوعوا تحسسوها انها لوحدها من غيري، أنتم في عمارة واحدة وكلكم قرايب خدوا بالكم منها عشان خاطري. 


اغرورقت عين بسمة لأمومة شقيقتها التي تدفقت وهي توصي عليها لتربت عطر كتفها بود: متخافيش ياحنين اختك في عيوني قبل عيون اخويا، كلنا هنا اخواتها وأهلها، بسمة بقيت من عيلتنا وتخصنا.. اطمني وماتشيليش هم ابدا. 


تعانقا الشقيقتان بقوة لتهتف جوري مكفكفة دموعها تأثرا: وبعدين معاكم بقي يابنات ليه العياط دلوقت، وبعدين تعالي هنا ياحنين هانم، انتي ليه عايزة تخنقي عبده جوزك من بدري؟

التفتت لها متعجبة لتستطرد: ليه صممتي تاخدي اخوكي معاكي؟ ماهو كان هيفضل مع خالتو فدوى او حتى معايا انا وعطر هنا..

الأخيرة داعمة:  جوجو عندها حق، انتي كمان لسه عروسة، وماتزعليش مني يعني جوزك ذنبه ايه مايتهناش بيكي؟ أكيد وجود ياسين الصغير هيأيده واظن انتي فهماني.

بسمة باندفاع نبع من مسؤليتها:  عشان كده قولتلها تسيبه يسافر معايا..

_ ألطم على وشي ويقوله جوجو اتجننت؟، يابنتي ما انتي كمان عروسة بقالك يوم واحد..سيبوا الولد معانا ومتخافوش، انتي وهي لازم تظبطوا عرسانكم في أول أيام شهر العسل.

زمزم: جوري عندها حق يابنات، وبما اني أكبركم فأنا هقول كلمتي ومحدش فيكم يعترض، أخوكم هيفضل معايا انا هراعيه مع ولادي، همت بسمة وحنين بالاعتراض فلوحت لهما بتحذير: ولا كلمة تاني، معايا هيتسلى مع مهند والتؤام، مش هيحس كتير بغيابكم، انا مش ورايا حاجة غيرهم..ولما بسمة ترجع بالسلامة من شهر العسل طبيعي جدا هتيجوا المنصورة في أول عزومة ليكم عندنا، وقتها بسمة تاخد أخوها عادي..قلت ايه؟؟

عطر بصياح داعم:  ينصر دينك ياشيخة والله كلامك صح جدا وافضل حل. 

جوري: وكده نبقي انقذناكم من غضب العرسان ياسين وعبد الرحمن.. الله عليا وعلي حلاوتي بتكلم بالقافية أهو. 


قهقهوا لقولها بينما تبادلت حنين وبسمة النظرات لتغمغم الأخيرة:  خلاص ياحبيبتي وافقي، أنا كمان كنت هشيل همك لحد ما ارجع والله، عبده برضو عريس مش عايزين نقل راحته. 

ربتت زمزم على ظهرها برفق: ربنا يسعدك انتي واختك يا بسمة، أحنا بقينا أهل واخوات خلاص وراحتكم تهمنا ربنا العالم. 

ثم قالت بحماس: وعشان تطمنوا هناخد رأي أخوكم دلوقت، وغابت لحظات وعادت بالصغير قائلة:  سينو حبيب طنط زمزم مش انت بتحب مهند والتؤام؟ 

_ أوي ياطنط وأكتر واحدة بحبها "روتي" شبه القطة اللي كانت في بيتنا القديم. 

ضحكت جوري مطلقة تلميح ماكر: ركزوا في الكلام كويس، أحتمال يبقي أول سطر في حكاية جديدة للأشبال بعدينا.. لكزتها عطر علي رأسها لتصمت، لتواصل زمزم:  طب ايه رأيك ياحبيبي لو تفضل مع الولاد وتلعب معاهم؟ لو وافقت هخلي عمو عابد ياخدك النادي انت وصاحبك وتلعبوا كورة وتاكلوا بيتزا وحاجات حلوة كتير.. موافق يا بطل؟ 


لبث الصغير يفكر في عرضها المغري له ثم نظر لشقيقتاه اللذان تلقفاه بنظرة حانية، مقتربا بعد حسم أمره قائلا لهما معا:  ينفع اروح مع طنط لحد ما ترجعوا تاخدوني؟ 

ابتسموا بملامح باكية ثم عانقاه سويا وبسمة تخبره بحنان:  ممكن ياحبيبي مادام انت هتكون مبسوط. 

_ طيب هتكلموني كل يوم؟ 

_ وكل ساعة. 

قالتها حنين وهي تعود لضمه ثانيا، قبل أن يستدعيها زوجها للمغارة فتغادر بعد وداع الجميع. 

___________


"انتي بتعيطي يابسمة؟"


قالها بجزع بعد أن ودع أخر ضيوفه وعاد ليرى دموعها الغزيرة تغرق وجنتيها، كفكفها بأنامله وضمها لصدره باحتواء حاني:  طب اهدي عشان خاطري وفهميني حصل ايه؟ 

قالت من بين شهقاتها: أول مرة افترق عن اخويا واختي كده، حسيت قلبي وجعني وهما ماشيين، زمزم صممت تاخد ياسين معاها وخايفة حاجة تزعله وهو بعيد عننا وميقدرش يتكلم. 

_ طب مش أنا قولتلك هناخده معانا رحلة الأقصر وأسوان؟ ليه زمزم تاخده؟ أنا افتكرته طالع عند اختي فوق شوية وهينزل، لو اعرف كنت منعته يمشي. 


ابتعدت بوجهها تنظر إليه ومازالت محتجزة بين ذراعيه:  ماينفعش يا ياسين أضايقك بأخويا، من حقك تتبسط معايا وتاخد راحتك عشان كده قلت مش مشكلة أختي تاخده لحد ما ارجع، بس هي كمان عروسة وده اللي خلى زمزم تصمم تاخده مننا. 


أخدها فوق أريكة وأجلسها علي قدميه وكفكف بقية دموعها وهو يغمغم بحنان:  والله ماكنت هضايق يابسمة، أنا بحب اخوكي وبعتبره ابني، كنت عامل حسابي وحاجز له غرفة جنبنا فيها كل الألعاب اللي تسليه وليها باب مشترك بينه وبينا عشان تطمني عليه طول الوقت يعني ماكانش هيقيدني ابدا، بالعكس انا كنت حابب افسحه معانا في رحلتنا وافرجه معالم الأقصر وأسوان في الشتا. 


اتسعت فضيتها بدهشة منحتها لمحة طفولية:  بجد كنت واخدله غرفة معانا فيها ألعاب؟

أومأ وهو يحتضن بعيناه محياها عن قرب:  اه والله، مش انا سافرت قبل فرحنا بتلات أيام؟ كنت بظبط الموضوع ده.

غمرت نظرتها عشقًا جارف وهي تهمس وأناملها تداعب جانب وجهه:  بجد عملت كده عشان اخويا؟ مش مصدقة، أنا كل يوم بحبك من كتر ما انت حنين ورقيق..

تنهد وهو يميل بجبهته فوق جبينها الوضاء مغمضا عيناه هامسا:  لسه ماشوفتيش حاجة من حبي، قلبي عمره ما اتفتح لغيرك ولا سكنه غيرك، مشاعره كلها حوشتها ليكي انتي يا بسمتي.  


شعر بشفتيها تكافئه برفرفة ناعمة فوق خده الحليق كأنها دعوة خجول منها ليلبي مرحبا بدعوتها وهو يحملها نحو غرفتهما فتغرق معه بطوفان عاطفته الهادرة. 

__________


في زاوية هادئة علي متن باخرة نيلية ثابتة يجلس قربها كفوفهما متعانقة وذراعه الأخر يرسو فوق كتفها كأنه يعلن للجميع أنها تخصه، صوت خرير المياة هو وحده ما يشارك عزف قلوبهما كأنه يحتفل معهما بهذا التوحد.. 

_ محمود. 

_ عيونه

_ أنت ليه حبتني لما شوفتني أول مرة؟

صمت حتى ظنته لن يجيب ليهمس بعدها: عيونك. 

ونظر لها وحدقتاه تهيم بلوني عيناها مستطردا: غرابتها سحرتني وانا شايف فيها دفي الشمس مغزول مع خضرة الأرض كأنها الجنة..اتعلقت بيكي وفضلتي محبوسة في عقلي وعايز اشوفك بأي طريقة، ومن كتر ما اتمنيتك فعلا شوفتك، حسيتها أشارة من ربنا عشان اسعى ناحيتك..والحمد لله أديني فورت بيكي. 

ثم تنهد بقدر شوقه: عقبال ما نبقي في بيت واحد.

ابتسمت بخجل:  لسه بدري، أنا هتدرب فترة في المستشفى اللي قابلتني فيها، واخويا هيجهزلي عيادتي اللي جابهالي هدية. 

_ ظافر جابلك عيادة؟ 

_ أيوة هو أنا مش قولتلك عليها؟

_ لأ. 

_ يبقي نسيت أقولك أنه هداني بيها بس فاضل تتوضب. 

_ ربنا يخليكم لبعض، ظافر حنين أوي وأنا معجب جدا بشخصيته. 

لمعت عيناها بحنان:  ده أبويا مش بس اخويا. 

_ طب وأنا؟؟؟

أطرقت بخجل فعاد يلح بهمسه:  وانا ايه يا إيلي؟ 

_ حبيبي. 

حررتها من بين شفتيها مغموسة بخجلها منكسة الرأس، فرفع وجهها إليه: قوليها وعينك في عيني. 

نهضت منتزعة نفسها من حصاره:  لأ. 

صاح بحنق: طب وقفتي ليه ممكن افهم؟

_ عشان لازم نمشي، الوقت أتأخر. 

جز على أسنانه: أقعدي يا إيلاف مش هنمشي دلوقت، وبعدين احنا انكتب كتابنا يعني محدش له عندك حاجة. 


_ غلطان ياحوده..كتب الكتاب مش معناه حرية مطلقة. 


قالتها ما بين دلال وحزم لا يعرف كيف أتقنتهما ليقف قُبالتها يقول:  إيلاف دي أول خروجة لينا بعد ما بقيتي ليا..أنا مش عايز غير اننا نكون سوا..وقصدي إن محدش له عندك حاجة انك مع جوزك مش خطيبك. 

_ ورغم كده في حدود يامحمود أولهم اني مرجعش معاك بيتي في نص الليل، أحنا دلوقت عشرة، وعلي ما اوصل بيتي هتعدي ساعة كمان.. أظن ده مناسب جدا. 


عاتبها:  كده يا إيلاف؟ كنت فاكرك هتحبي تكوني معايا أطول وقت ومشتاقة صحبتي زي منا هموت وتفضلي معايا.. 

أمتلأت عيناها عشقا لم تنكره: محمود عشان خاطري خلينا ماشين بالأصول لأن ياما بلاوي وتنازلات بتحصل بأسم ' مكتوب كتابنا"دي، خلاص هانت ونتجوز وقتها أمري كله هيبقى في إيدك انت لوحدك..


حدجها بعدم رضا وأشار لتتقدمه، فمكثت تنظر له، ليهتف قاطبا:  ايه واقفة ليه مش خايفة تتأخري؟ 

_ مش عايزة نمشي وانت زعلان. 

_ مش زعلان. 


صمتت هنيهة ثم التقطت قلما من حقيبتها وأمسكت كفه لترسم شيئا في باطنه، لمسة أناملها العفوية دغدغت قلبه

وزحفت ابتسامة حانية راضية على شفتيه وهو يبصر ذاك الوجه الرائري المبتسم مع قولها:  أضحك عشان الصورة تطلع حلوة يا مودي. 


منحها نظرة مشتعلة بعاطفته المكبلة وغمغم:  بحبك ومقدرش ازعل منك يا قلب مودي. 

 _______


"هات روتيلا يا سينو"


تبعت قولها وهي تلتقط الصغيرة بحذر فقد حان موعد " رضاعتها" مع تؤامها " ديبان" 

_ ممكن ياطنط أخدها  تاني؟ 

ابتسمت لتعلقه الشديد بالصغيرة وغمغمت:  حاضر ياحبيبي بس انت كده مش عارف تلعب يا ياسين. 

_ مش مهم، انا مبسوط طول ما روتي معايا.. أنا بحبها اوي ياطنط. 

_ طيب وأخوها بتحبه زيها؟

_ أيوة بس روتيلا أكتر. 

بحنان مشطت رأسه بأناملها وقالت: للدرجة دي؟ خلاص هتاكل وارجعهالك..

 

"يلا يا سينو عشان هاخدك مع مهند النادي ألاعبكم كوره"

قالها عابد والجًا إليهما فرد الصغير:  ينفع ناخد روتيلا ياعمو؟

_ لا طبعا دي لسه صغيرة. 

بدت علي الصغير الحيرة لتُسعفه زمزم بقولها:  بص ياسينو، روتي أصلا هتنام مع اخوها بعد ما ترضع، روح العب مع مهند وعمو ولما ترجعوا تكون صحيت ابقى خدها.. ايه رأيك؟ 

فكر قليلا قبل أن يهتف:  موافق. 

_ طب يلا أنزل شوف مهند عند تيتة كريمة وعمو هيحصلكم. 

لم يبتعد ياسين قبل أن يرمق الصغيرة بحنان واضح ثم مال مقبلا خدها المنتفخ وقال:  ماشي ياطنط.


رفع عابد حاجبيه تعجبا وهو يراقبه مبتعدا والتفت لزوجته يتسائل:  أنا ملاحظ الولد متعلق بروتي جدا. 

أكدت علي قوله:  أوي ياعابد، تقريبا مش بيسيبها من ايده وعارف يحافط عليها جدا، الغريب ان البنت رغم انها لسه صغنونة بقيت عارفاه وهي كمان بتحبه اوي.. 


ملس علي رأس صغيرته برفق حاني: حبته لأنها حست بحنيته.. 

تنهدت وهي تجلس "تُطعم" صغارها مغمغمة: تعرف ياعابد الولد ده صعبان عليا اوي، أنا بشوف في عيونه حزن  مخلي طفولته فيها حاجة ناقصة، مش منطلق زي اللي في سنه..براقبه وهو بيبص علي روتيلا بحس نظرته غريبة، كأنه بيكلمها بعيونه كلام مش قادر يقوله لحد. 


صاح وعيناه تعصف بحنان وإحدي أنامله تقبض عليها روتيلا بكفها الصغير وهي ترتشف طعامها: فقده لأبوه وأمه بدري جدا لازم يعلم علي طفولته بندبة يا زمزم، ويمكن تفضل معلمة جواه طول العمر، خصوصا بعد ما اخواته البنات اتجوزوا وأكيد هيخلفوا بإذن الله، ممكن غصب عنهم ينشغلوا عنه وماياخدش الاهتمام والحنان اللي محتاجه..ومش مستبعد ابدا إن ده تفكير ياسين دلوقت وسبب نظرة عيونه اللي بتتكلمي عنها. 

قالت وهي ترقد الصغار في أسرتهما: 

_ ياقلبي عليه، والله زعلانة عشانه، ولما قعد معانا حبيبته أوي، ولد مؤدب. 

_ مع انه ماكانش كده خالص قبل وفاة أمه وأبوه، بسمة بتقول انه كان شقي جدا وبيعمل مشاكل.. 

_ مش بقولك ياعابد حاسه ان طفولته بقيت ناقصة، الحزن كبره. 

_ ورغم كده متوسم انه هيطلع شخصية مميزة جدا لما يكبر، والأيام بكرة هتثبت كلامي، بس لو كنت عايش وقتها

مش ميت. 


_ عابد! 


ندائها المفزوع ونظرتها المغرورقة العاتبة جعلاه يندم، كيف نسى ندبتها هي الأخرى بمن فقدت وما عاشته، 

 دس رأسها بصدره هامسا باعتذار: حقك عليا مش قصدي الكلام جه عفوي. 

 ‏انتزعت وجهها من صدره لتنظر له ودموعها فاضت فوق خديها: ماتقولش كده تاني. 

 ‏كفكف لها العبرات مع قوله: حاضر بس اهدي. 

 ‏ وعاد يدسها في صدره لتهمس:  دايما بدعي في صلاتي متوجعش عليك وأموت قبلك. 

 ‏اشتدت ضمته عليها مغمغما:  طب بس كفاية كلام في الموضوع ده، ربنا يخليكي ليا. 

طال عناقه الصامت لها فربتت على ظهره تذكره بنزهة الصغار، فابتعد على مضض:  أصلك وحشتيني. 

_ معلش ياحبيبي هعوضك والله. 

ابتسم متفهما ولثم جبينها وغادر ذاهبا بمهند وياسين حيث وعدهما. 

___________


"يعني مش جاي انهاردة حضرتك؟   


_   ومش جاي لمدة أسبوع. 

_ يا سلام، وانا اشيل المطعم والكافيه لوحدي؟

_ عامر بجد انا محتاج اخد فاصل بعد الأوردارات التقيلة اللي نفذتها عشان اجدد نشاطي، واطمن انا أجلت كل الطلبات اللي تخصني حوالي أسبوع، يعني شغل الزباين اليومي هينفذه اصطف الشيفات اللي عندك، انت بس هتشرف عليهم. 

_ ماشي ياشيف، بس ليا أجازة انا كمان. 

_ أتفقنا يا باشا.. 

وواصل: جوري عاملة ايه في الحمل؟ 

_الحمد لله لحد دلوقت مافيش حاجة مريبة وربنا يستر للأخر، المهم خلي مراتك تجيب عريس لبنتي اللي جاية. 

_ لا ما خلاص عرفنا إن بلقيس هتجيب بنوتة. 

_ بجد؟ ما شاء الله، ربنا يقومها بالسلامة ياصاحبي. 

_ اللهم امين ياعمور. 

__________


أصابها الأرق وعجزت عن نيل غفوة فقامت تبحث عنه لم تجده بجناحهما، هبطت للأسفل حيث مكتبه الخاص. 

_ بتعمل ايه ياظافر؟


رفع عينه لها:  تعالي ياحبيبي ايه نزلك من فوق مش قولتي عايزة تنامي؟

غمغمت بإرهاق:  مش عارفة، بطني تقلت وبقيت مش بنام بسهولة، أنا عارفة زمزم اتحملت ازاي حمل التؤام. 

ابتسم بحنان وغادر مكتبه وأخذها لتجلس معه فوق أريكة جانبية وأراح رأسها على كتفه وقال: معلش حبيبتي هانت وترتاحي. 

_ يارب. قولي كنت بتعمل ايه؟

_ بقرأ.. بقالي كتير مش لاقي وقت للقراءة

_ بس الوقت اتأخر وعندك شغل الصبح. 

_ لا مش رايح، قاعد كام يوم معاكم.. أولا ماما وحشتني وعايز احسسها بوجودي شوية واطمن عليها، وثانيا عندي شوق للقراءة وزي ماشوفتي ابتديت فعلا. 

_ طب بتقرأ ايه؟ 

_ اختارت كتابين، واحد تنمية بشرية لدكتور ابراهيم الفقي الله يرحمه وده شكلي هخلصه الليلة لأنه جاذبني، والتاني في علم النفس، هسهر عليه بكره بإذن الله. 

_ طب ايه رأيك تختارلي حاجة خفيفة أقرأها معاك بما اني مش عارفة انام. 


لثم شفتيها بخفة وخاطبها وعينه تنهل من شمسيها:  بس كده مش هعرف اركز في القراءة لو فضلتي معايا. 

ضحكت بخفوت:  أعتبره تحدي ليك في قوة الإرادة ياشيف..يلا اختارلي كتاب بس خفيف، أنا بمل بسرعة. 

نهض وبحث لها بمكتبه الزاخرة بشتى الكتب ثم التقط إحداهم وتوجه إليها: "نظرية الفستق" لفهد عامر الأحمدي، كتاب ممتع وهتستفيدي منه جدا. 

تناولته بحماس وتمددت بأرياحية فوق أريكتها ثم عاد هو لجلسته الأولى يكمل كتابه. 

غاص كلًا منهما في سطور كتابه حتى بدأت تتثائب لتميل رأسها وتسبل جفنيها غافية دون أن تشعر. 


أدركها مقتربا وهو يزيح ليل شعرها الثائر عن وجهها طائفا بأنامله على بشرتها برفق هامسا:  قريب هتكون نسختك الأصغر و الأجمل في حضننا ، وياويلي من العيون لما تشوفكم وخوفي عليكم، ومال يلثمها ثم دثرها بغطاء ثقيل ومن ثَمَ استأنف القراءة وقد أوشك أن ينهي كتاب سهرته. 

_________


" عاملة ايه ياست الحبايب؟"

ربتت بمحبة على كتفه:  الحمد لله ياظافر، بخير طول ما انت واختك ومراتك بخير. 

قبل كفيها تقدير وقال: طيب قوليلي نفسك في ايه؟ عايزة تروحي مكان معين أو تزوري حد؟ أنا متفرغلك أسبوع بحاله ياغالية. 

_ أنت واخد أجازة ترتاح يا نور عيني، خليك مع مراتك شوفها هي لو حابة تخرج، أنا مبسوطة وبعمل حاجات حلوة لحفيدتي ومش فاضية أصلا. 

غمغم بحنان:  حاجات ايه اللي بتعمليها؟ 

بعمل..( وبترت قولها هاتفة بحماس داعب قلبه) تحب تشوف بنفسك؟

_ ياريت يا ست الكل. 

نهضت وپابت دقائق ثم عادت تستعرضها له وهي تفترشها علي وجه الطاولة لتبرق عينه وهو يلتقط قطعة منهم هاتفا:  الله يا ماما، بجد يخطفوا القلب من جمالهم، ثم استنشق عبقهم وهو يقول:  ريحتك فيهم يا أمي. ثم لثم كفها ثانيا:  ربنا يخليكي لينا ياحبيبتي، بجد مبسوط اوي باللي عملتيه لبنتي..حاسس كأني شايفها فيهم. 

ملست علي رأسه:  ربنا يقر عينك وعيوننا بيها يا روح قلبي، أنا مستنية اشوفها بفارغ الصبر.


"ايه الحاجات التحفة دي؟ جبتوها منين؟"


قالتها بلقيس وهي تلتقط قطعتان منبهرة بهم مستطردة لوالدة زوجها:  حضرتك اشتريهم امتى؟ 

ظافر بفخر وهو يضع ذراعيه على كتفي والدته:  لا دي هدي هانم اللي عملتهم بنفسها. 


حملقت بها بذهول: معقولة دول شغل ايدك؟ 

_ أيوة ياحبيبتي عملتهم لحفيدتي المنتظرة. 

عصفت شمسي بلقيس بحب وامتنان وقبلت يدها قائلة:  تسلم ايدك وعيونك ياطنط ويحفظك لينا، بجد يجننوا.. 


"خيانة"


صدحت بها إيلاف وهي تطالع الأثواب مواصلة:  أمتى اتسوقتوا من غيري وجبتوا هدوم لبنت اخويا؟ 

بليقس: لا يا إيلي دي طنط اللي عاملاهم بإيدها لبنوتي. 

_ مامتي اللي عاملاهم؟ عملتهم امتي؟ طب خلاص أنا هاخد الفستان الأزرق في أبيض ده لبنوتي المستقبلية. 


لكزتها بلقيس قائلة مازحة:  بعينك، دول بتوع بنتي. 

ضحكت هدى وقالت: أنا هعملك زيهم يا إيلي، اتجوزي انتي بس وخلفي والباقي عليا.

_ لا ماليش دعوة انا عايزة من دول.  


جمعت بلقيس الأثواب في الحقيبة وهي تهتف:  أنا هاخدهم أوضتي ابقي وريني هتاخدي منهم ازاي. 

_ ماشي خليكي فاكراها. 


همت بلقيس بالصعود لغرفتها فأوقفها ظافر: 

استني يا استاذة رايحة فين؟

التفتت تحدثه بوجه بريء:  هطلعهم أوضتي، مش طنط عملتهم لبنوتي؟ 


أعاد الأثواب فوق الطاولة وقال بجمود: انا كنت ناوي أسهركم برة انهاردة، بس شكلي هعاقبكم. 

_ ليه؟؟

سمعها بصوتهما المتعجب  معا ليردف بحزم: 

_ عارفين معناها ايه انكم اول مرة تشوفوا الفساتين دي؟ انكم مش بتقصوا وقت كافي مع ماما وتهتموا بيها وكل واحدة فيكم في عالمها، لكن لو بتخصصوا ليها وقت أكيد كنتم شوفتوها وهي بتعملهم.


تبادلت بلقيس وإيلاف نظرة خجل ليواصل مقاطعا تدخل والدته لأجلهما:  أنا غايب اليوم كله في شغلي ومعتمد انكم مع بعض اغلب الوقت.. لكن كده واضح ان في عزلة بينكم..

بادرت بلقيس بدفاع:  والله ياظافر انا غصب عني بسبب الحمل فعلا بفضل فوق كسلانة غصب عني. 

_ بس بتكلمي والدتك يابلقيس، والنفروض تخصصي وقت لماما تطمني عليها وتسليها، انتم في نفس الفيلا وبينكم سلم واحد.

أطرقت رأسها خجلا من تقصيرها، ليلتفت للأخرى بذات النظرة الحازمة:  وانتي يا إيلاف، دراستك وخلصتيها ولسه مابدأتيش تدريب في المستشفى يعني فاضية، ليه مش بتقعدي مع ماما؟ 


غمغمت بخزي:  منا بنزل افطر والله وبطلع اكلم محمود وصحباتي وبتابع حاجات على النت و… .

قاطعها:  بتلاقي وقت لمحمود وللنت والرغي مع اصحابك ولكل حاجة بس ماما بتشوفيها على السفرة وبس، صح؟

دمعت عيناها بأثر الذنب:  والله ابدا انا كنت بسهر معاها انا وبلقيس دايما بس بعد حملها بلي بقيت دايما نايمة فأنا فعلا أغلب الوقت في أوضتي بس…


اختنقت بغصة وارتمت بصدر والدتها هاتفة:  حقك عليا يا ماما أنا فعلا وقتي بيضيع في حاجات كتير بعيد عنك مش بقعد معاكي زي الأول.   


ابتسم وهي تضمها بدفء:  ولا يهمك يا لولو، أنا المهم عندي تكوني مبسوطة وبخير. 


أقتربت بلقيس لتضمها والدته بذراعها الأخر والأولي تهمس:  حقك عليا ياطنط عدي عليا فعلا اني بسيبك لوحدك وفعلا مش بشوفك غير علي السفرة وبقيت اليوم في أوضتي بكلم ماما. سامحيني الله يخليكي. 


منحتها نفس الربتة الحانية وقالت:  والله يا بنتي ما زعلانة مادام انتم بخير خلاص واديني بتسلي. 

ظافر:  ياريت تهتموا بماما بعد كده وماتسيبوهاش لوحدها تاني. 

دنت منه إيلاف:  حاضر يا آبيه بس ماتزعلش مني. 

لانت ملامحه مع قوله:  مش زعلان بس برضو مش هسهركم برة، هنسهر كلنا مع ماما هنا. 

بلقيس بطيب خاطر: موافقة هو في أحلى من كده. 


ثم انتزعت الثوب الأزرق  ورفعته لعين إيلاف:  ده اللي عجبك؟ 

أومأت لها الأخري بترقب، لتواصل بلقيس:  خلاص خديه ياستي مبروك عليكي. 

فرحت بقوة وهي تهتف:  ميرسي يابلي، بس تفتكري ابقي اسمي بنتي ايه؟ 

_سميها الهبلة، ثم ضربت رأسها بخفة:  مش لما تتجوزي الأول تبقي تدوري علي اسم بنتك يا فالحة. 


كتم ظافر ضحكته وصاح بهما:  طيب يلا بقي اتفضلوا وسيبوني مع ماما شوية. 


أستدار ليجد عيناها تخط له سطورًا من الفخر به والامتنان والحب له، منحته ابتسامة بصفاء قلبها وهي تقول:  تعرف يا ظافر، أنت حتة من أبوك الله يرحمه، حنيتك وحكمتك في كفة وحزمك وقوتك في كفة تانية، دايما ميزانك عادل زيه..عايزاك تعرف أني كنت مبسوطة وأنا بغزل شوقي بين الخيوط،  كل "غرزة" كنت " بلضم" فيها روحي، كل لون اختارته عبر عن فرحتي، أنا مش بعمل لحفيدتي مجرد فستان، أنا بغزلها ذكرى تحتفظ بيها طول عمرها وتعيش لحد ولادها لأن أكيد مش هكون موجودة واشوفهم، بس خيوطي وألواني هتنقلهم حبي ليهم، عشان كده مش زعلانة إن البنات انشغلوا عني ومتفهمة انهم مش قاصدين يهملوني.  

لكن في نفس الوقت مش هنسى موقفك ده ابدا.. ياريت كل أم عندها أبن زيك. 


قالت جملتها الأخيرة وغافلتها العبرات فعانقها برفق عاجز عن منحها كلمات توازي حلاوة ما قالت، مكتفيا بتقبيله رأسها ليهمس أخيرا:  أنا اللي محظوظ بيكي يا أمي..راحتك ورضاكي أهم ما عندي وحصادي اللي بفتخر به طول العمر.. 

__________




عقم كفيه وارتدى "كمامته" الطبية ووقف ينظر لوجهه في المرآة بشرود..(ابن منصور) اللقب يصدح بدهاليز عقله بصوت شقيقته الكبرى..كأنها ما رآت به حقًا سوى ملامح أبيه الذي تبغضه..( لو عايز تلوم حد وتكرهه يبقي الحد ده هو والدك اللي دنس براءة أختك وهي صغيرة وكان بيتحرش بيها)..أغمض عينه بقوة ليهرب من صوت رائد وهو يصفعه بحقيقة أبيه المخجلة ، مخجلة لدرجة أنه لا يستطع الدخول إليها والتقاء عيناها وينتظر هنا لتغيب بجرعة المخدر عن الوعي كي لا تراه، سيفعل لها ما يستطيعه ثم يغادر. 


" دكتور حازم المريضة جاهزة"

تمالك نفسه سريعا فور سماع الممرضة خلفه وتوجه حيث تنتظره. 

______


" هما طولوا ليه كده؟ المرة اللي فاتت رودي أخدت وقت أقل في العملية"


طمأنها قائلا: ماتقلقيش يا أمي، المرة دي حازم أخوها معاها وكله هيكون خير..استنيني هنا هجيبلك حاجة تشربيها. 


جلست في انتظاره شاخصة البصر تتذكر عزوف حازم عن الحديث معها في شيء يخص شقيقته رغم محاولتها أن تلين قلبه، هي لا تعرف الحديث الذي دار بينه وبين رائد ذاك اليوم، فقط طلب منها الأخير أن تثق به دون توضيح، وعدها أن قريبا جدا  ستحل العقد بينهما ويمتد حبل وصالهما ثانيا، قلبها يخبرها أن رائد سيفي بوعده.. تنهدت وراحت تدعوا بسلامة ابنتها وعودة المياة صافية بينها أو وأخوتها كي تموت مطمئنة. 

…………. 


بدأت تفيق بإيماءت واهنة وهمهمات خافتة، فرمقها حازم بنظرة غامضة قبل أن يغادر الغرفة بأكملها وقد تمت مهمته گ طبيب ولم تعد بحاجته..لكن گ شقيق لم يُتم مهامه أو يسد دينه بعد. 

______


" حمد لله على السلامة يا نور عيني" 


همستها والدتها بفيض حاني انساب بأذنيها وبعض الداور مازال يكتنفها، جالت عيناها في المحيط تبحث عن شيء أو بالأحرى شخص..ذاك الذي طيف دفاعه عنها عالق بفضاء ذاكرتها، كأنه مذاق عطاء لم تجربها يوما وسط مرارة حرمانها الطويل الذي عاشته مبكرا ، ربما لم تتقبل بعد أنهما عادا أشقاء، مازالت تكره ملامحه شبيهة أبيه. لكن غلالة ما بدلت وجهه وأكسبته ملامح أخرى لا تشبه ذاك "اللعين".


_ أخوكي بيقول الحمد لله العملية كانت ناجحة وان جلدك مع كورس الكريمات الطبية هيرجع لطبيعته من تاني.. 

نظرت لها مليا ثم تجاهلت عمدت الإشارة إليه وغمغمت:  فين رائد؟ 

ابتسمت متفهمة تجاهلها وهي تربت علي يدها: دقايق وجاي. 

……….. 

_أختك مش هتنسى أبدا اللي عملته عشانها ياحازم. 

ناظره بجمود قبل أن يهتف:  أنا عملت اللي عليا گ طبيب أيًا كانت هي مين في نهاية مجرد مريضة. 


ابتسم رائد بغموض:  انت شايف كده؟ 

مازال يسدل قناع جموده:  أكيد.


ملأ صدره بالهواء وقال: 

_ علي كل حال شكرا إنك اتعاملت بإنسانيتك وطيبتك يا حازم مش بس گ طبيب، لأ، گأخ دافع عن أخته من غير مايقف لحظة عند خلافات وضغائن وقطيعة، أنت إنسان محترم وأصلك كريم، عارف أن كلامنا أخر مرة كان صادم بالنسبالك ومحتاج تستوعبه، بس اتمنى بعد ما تتوازن وتفهم وتتأكد، ترجع تمد ايدك تاني لرودي وتوصل المقطوع بينكم وترمم علاقتها بأختك التانية.. 

ثم غامت عين رائد وقال:  صدقني يا حازم الدنيا مش مستاهلة فرقة وحقد وقطع رحم، جميل ان يبقي عندك عيلة كبيرة تكون حصنك الدافي اللي بترتاح فيه وتضحك من قلبك..استقوي بالعزوة اللي ربنا عطاهالك..أوعى تخلي ولادكم يطلعوا أغراب عن بعض ويورثوا الجفا ما بينكم..وإلا هتندم بعد فوات الأوان. 


أنهي رائد حديثه وتركه مشوش، عشرات الخيوط تجتذبه وهو بينهما مجرد عالق ينتظر خيطًا يتلقفه لأرض ثابتة يرسوا عليها.

_______



بعين ضاقت نظرتها خلف عويناته الطبية تابع الطبيب "عز" فيديو مصور لتفاصيل عملية تيماء بتركيز شديد راصدًا ما قام به حازم وإصراره بإنجاز كل مساحة التشوه دفعة واحد وبمهارة تعجبها، نعم هو دعمه ومنحه ثقته لكنه تخطى كل توقعاته. 


التقط هاتفه وضغط رقمه فأتاه الصوت يصدح باحترام:  السلام عليكم دكتور عز، كنت لسه هكلم حضرتك عشان… 

_ عارف، أنا شوفت فيديو العملية كله. 

تساءل بترقب: طيب وايه رأي حضرتك؟ 

التزم بالصمت لحظات قبل أن يهتف:  رأيي انك كنت عند حسن ظني وأكتر يادكتور حازم، اتعاملت مع التشوه بمهارة ممتازة وخبرة بعترف إنها فاجأتني. 


انفرجت أساريره: حضرتك بتجاملني، انا لسه بقول ياهادي. 

_ بالعكس أنت فعلا تألقت في العملية دي، بس انت ليه عالجت مساحة التشوة الكبيرة دي في عمليه واحدة؟ أنا عرفتك الحد اللي انت هتشتغل عليه وقلنا الجزء الباقي ممكن يتعمل في عملية تانية حسب رغبة المريضة، خصوصا ان موقعه مش هيقصر ابدا علي نفسيتها وممكن كانت تتغاضي عنه أصلا. 


اطرق رأسه وهو ذاته لا يعرف إجابة، وكل ما تملكه وهي بين يديه نظرتها المكسورة حين "عايرها" زوجها بجمال جسدها المنقوص حتى لو زعم له أنها كانت خدعة، لكنه لن ينسي أبدا نظرتها المهشمة، ليجد نفسه يحاول بكل طاقته أن يخلصها من أي تشوه ينهل من أنوثتها أمامه..


_ لقيتك بتطلب من دكتور "… " انه يزود جرعة مخدر، استغربت طلبك وبعدها فهمت. 


_ فهمت ايه يا دكتور؟ 

ابتسم بغموض:  إن المريضة دي تخصك ياحازم.  

أسرع بأنكاره:  لا خالص أنا….. 

_ حازم، اللي قدامك ده ضعف عمرك يا ابني، يعني مش ممكن اخفق في تقديري ابدا، لو ربطت طلب زوجها انك انت اللي تتولي العملية مع اللي انت عملته، هتكون دي النتيجة الوحيدة والمنطقية. 

_ رائد طلب كده؟؟؟ قالك ايه بالظبط. 

_ ما قالش اي تفاصيل خاصة، أنا قبلها استدعيته عشان اعرفه اني هسند العملية لطبيب تاني وهسافر، فعرض عليا اخليك انت اللي تعملها.  

 

شرد حازم فيما يقول ليردف الطبيب بفراسة واضحة: المريضة دي أختك؟ 

أجاب ومازال علي شروده:  أيوة. 

_ ده اللي توقعته، عموما ياحازم أنا مش بس بهنيك علي مهارتك گ طبيب في عملية كبيرة زي دي بالنسبالك.. لكن اسمحلي ابدي اعجابي بإنسانيتك قبل كل شيء لأن واضح جدا إن في بينكم الخلافات ومع كده انت رميت كل ده وري ضهرك.. 

ثم تنهد مع استطرداده:  تعرف ايه الفرق بين طبيب والتاني؟ مش بس خبرته وبراعته في عمله، ضميره اللي بيخليه يتخطى أي سبب عشان مصلحة مريضه.. عشان كده بقولها تاني، انت هتكون طبيب ذو شأن ياحازم.  

________


" أنا خلاص نويت انزل مصر بشكل نهائي"


بفرحة عارمة رقصت في قلبه قبل أن تنضح بصوته: 

أنت بتتكلم جد يا "أيهم"؟ هتنزل ومش هتسافر تاني؟

جاءت نبرته حانيه:  أيوة يا رائد، أنا من وقت سفرك انت ومراتك وبنتك وانا مابقيتش طايق غربتي زي الأول،طول الوقت حاسس ان ناقصني حاجة، عشان كده قررت ان بعد ما الولاد يختموا مرحلتهم التعليمية، هنزل بشكل نهائي، وخلاص فاضلهم شهرين، عشان كده عايزك من دلوقت تظبطلي شقة كويسة قريبة منك.. 

وأردف بحنين: خلينا نتلم على بعض تاني يا أخويا..مافيش حاجة مستاهلة افضل متغرب أكتر من كده.. وميرا موافقاني ومتفقين الحمد لله والولاد فرحانين بالقرار ده. 

لمعت عين رائد بدموعه وهو يغمغم لشقيقه:  أنت رديت روحي بقرارك ده يا أيهم، أنا كمان محتاجلك جمبي، محتاجلك اوي بس خوفت اقولك تكون مش مستعد أو مش حابب. 

_ لا ياحبيبي خلاص آن الآوان نكون مع ولادنا عزوة وعيلة..على الأقل روح ماما ترتاح بلمتنا تاني.  

_ الله يرحمها، خلاص من انهاردة هظبطلك كل حاجة بس بلاش مراتك تعرف رودي، عايز اعملها مفاجأة. 

_ اتفقنا.. طب هي عاملة ايه دلوقت، لسه نفسيتها تعبانة؟

_ لا رودي اتغيرت خالص وبقيت أحسن بفضل الله. 

_ طب الحمد لله ربنا يباركلك فيها هي ورحمة اللي هموت واخدها في حضني، ماتتصورش مشتاق ليها ازاي. 

_ لا ده انت اما تيجي مش هتسيبها، هتجننك من شقاوتها ودلعها.. 

قهقه بحنان:  روح قلبي تعمل اللي يعجبها، طيب انا هكلمك تاني فيديو لما الولاد يجوا من برة عشان نشوف عينة من الشقاوة دي. 

_ خلاص مستنيك. 


أغلق معه وقلبه يرتل بالحمد والشكر لله على عائلته التي  توشك أن تكتمل كما تتمنى زوجته وكما يحتاج هو قبلها. 

________


"لحد أمتى هتفضل هربان مني ياحازم؟"


قالتها والدته مستأنفة: من يوم ما اختك عملت العملية والحمد لله بقيت بخير ورجعت من عندها بحاول اكلمك وانت بتهرب..أنا عملت ايه زعلك مني؟ 


التقط كفها المجعد برفق ولثمها بتقدير:  مين قال اني زعلان منك يا أمي؟ 

_ أمال متجنبني ليه ومش بتكلمني؟


أعطاها ظهره قائلا: عايزاني اتكلم أقول ايه يا ماما؟ أقولك إن بابا كان…… 


أغمض عينه بقوة دون مواصلة لتردف بذهول:

رائد قالك؟ 

تنهد بوجع:  قالي.. قال اللي انتي خبتيه عننا. 

ثم استدار لها:  معقول يا ماما بابا كان كده؟ أذى أختي عشان كده كانت بتكرهه وبتكرهنا؟ عشان كده بعدت عننا واحنا ولا مرة حاولنا نفهم السبب.. رائد كان عنده حق لما قال اننا استسهلنا البعد والجفا وشلناها من حسابتنا..

وغمغم وهو يُعرض عنها لينظر للفراغ:  حاسس بذنب كبير خانقني يا ماما.. حاسس اني تعبان.


علت وتيرة شهقاتها ليلتفت لها مناديا بفزع: ماما. 


انهارت فوق أريكتها تبكي بقوة رجت جسدها ليعانقها محتويا نحيبها وهو يهتف مهدئا:  كفاية يا أمي، أهو عشان كده  كنت ساكت مش بتكلم..وراح يكفكف دموعها لتهتف من بين بكائها:  الذنب ذنبي أنا يا حازم، أمها اللي كانت لازم تحس بيها وتفهمها، بس انا غفلت عن بنتي ومقدرتش اكون ليها حصن يحميها ويآويها، أنا كمان سبتها تبعد، كان لازم امسك فيها وافهم ليه كانت بتكرهنا..أنا اللي سبتها لابوها وقلت مش مخليها عايزة حاجة بس طلعت غلطانة..أختكم كانت محرومة من حاجات كتير انتم عشتوها عشان كده كرهتكم انتم كمان.. أنا يا ابني اللي الذنب دابحني عشان كده بحاول اصلح غلطتي واكون جنبها..


وأحاطتت وجهه بكفيها باكية برجاء مزق قلبه:


لو بتحب أمك وعايزني أموت راضية عنك يا حازم "لم" اخواتك تحت جناحك وحنن قلوبهم على بعض، غدير بتحبك وبتسمع كلامك خليها تقرب من اختها، عوضوها يا ابني اللي اتحرمت منه زمان، خليكم ليها العزوة اللي اتمنيتها خلي روحي ترتاح.. أبوس ايدك ياحازم حققلي اخر طلب هطلبه منك، العمر خلاص يا ابني مبقاش فاضل فيه حاجة، خايفة افارقكم وقلبي موجوع على فرقتكم، أوعدني ياحازم اوعدني. 


لم يتحمل انهيارها فدسها بصدره مطلقا على مسامعها الوعود..سيحقق لحبيبته وغاليته ما تريد، ويلم شمل شقيقاته ويظللهما بجناحه، الوقت لم يفت بعد ومازالت هناك فرصة. 

__________


عيناه تلتهمها بحنان وهي تطوف أمامه حول نفسها گ فراشة ملونة جذابة مرتدية غلالة رقيقة تبرز مفاتنها التي تضوي، روحها منطلقة كأنها تبدلت أو بالأحري عادت لما كانت عليه..


دنى منها وحاوط خصرها ليوقف دورانها هامسا بصوته الدافيء قرب أذنيها:  دوختيني وتعبتيني. 


سكنت له واستدارت لتمنحه أكثر نظراتها حبا وحنانا وهي تحيط وجهه مردفة: بس تعبك ماراحش هدر..عرفت تصالحني على الدنيا وعلي نفسي، حاسة ان مش جلدي بس اللي اتغير يا رائد، روحي كمان بقت مختلفة.. أول مرة أحس بالراحة دي، ربنا مش بيكرهني زي ماكنت فاكرة، ربنا بيحبني واداني فرصة ابدأ كل حاجة معاك من جديد، وأولهم اني رجعت مراتك اللي مش بتتكسف جسمها يبان قدامك.. هقدر اعوضك باللي تستحقه، هكون الأم اللي تستاهلها رحمة، مش هخليها تعيش اللي انا عشته، وهكون أبنة بارة بماما، أنا خلاص سامحتها من قلبي ومش زعلانة منها، بحب ضي اوي لأنها حبتني. 


_ وحازم وغدير؟ 


هنا عادت غلالة الحزن تكسوها من جديد، فنكست رأسها دون رد، ليرفعه وهو يزرع بعيناها نظرة داعمة محبة:  هما كمان اخواتك يا رودي واظن حازم أثبت ان وقت اللزوم كان أخ حقيقي ليكي..وأكيد اختك كمان هتكون كده..مش احنا اتفقنا انك هترمي وري ضهرك اللي فات؟ 


ابتعدت عنه لتقف شاردة أمام مرآتها مغمغمة: تفتكر لو شوفت حازم تاني مش هشوف فيه وش منصور؟ 


اقترب ليضمها إليه هامسا:  لأ، هتشوفي أخوكي وبس. أنا متأكد بس انتي أهلي نفسك لكده وافتحي قلبك. 

استدارت وانغمست بصدره، هي لا تحتاج الآن سوي عناقه.. فقط عناق..فشاكسها وهو يبعدها ممشطا غلالتها برغبة واضحة، ورغم طبيعتها الجريئة أخجلتها نظرته فعادت لصدره ثانيا، فحملها بين ذراعيه مغمغما بخبث وهو يدنوا من فراشهما:  نكمل كلامنا بعدين عشان دلوقت في كلام أهم يا تيمو. 

__________


أقتفت أثره فوجدته يقف شارد بالشرفة، اقتربت بخطى هادئة ووقفت خلفه تهتف بخجل: يزيد. 

_ نعم. 

قالها باقتضاب دون أن يستدير لها فاغرورقت عيناها قائلة:  أنا أسفة. مش قصدي ومش بمزاجي والله. 

_ عادي يا عطر، روحي نامي وانا قاعد هنا شوية. 

_ لا هستناك لحد ما تيجي تنام معايا. 

رمقها بنظرة عاتبة ولم يرد، نكست رأسها تبكي فانزعج لأجلها:  طب بتعيطي ليه دلوقت انا ببعد عنك عشان ترتاحي.. 

هتفت من بين بكائها: بس زعلان مني..

واسترسلت تبرر له:  والله يا يزيد غصب عني اما بتقربلي بحس اني مش قادرة اتحمل، مع انك عارف اني كنت بحب ريحتك ومش بنفر ابدا.. معرفش ايه السبب ومكسوفة أقول لماما  واكشف خصوصياتنا وأنا مش حابة حد يعرف عننا حاجة، عشان خاطري اتحملني شوية. 


رق قلبه لها ومد كفه رابتا علي رأسها:  خلاص ماتعيطيش، روحي نامي وانا  هنام في الأوضة التانية عشان ماتتضايقيش. 

كفكفت دموعها بظهر كفها وغمغمت بشكل طفولي يحبه: يعني مش زعلان مني يا زيزو. 


ابتسم بحنان ولمعت عينه برغبة لا تفارقه: 

عايزك تمشي من قدامي ياعطر عشان أنا مش قادر. 

قهقهت لمغزى قوله وقالت: ماهو لازم تتعذب زيي لحد ما ابننا يشرف بالسلامة. 

_ ماشي، بس اما الولد ده يجي هعاقبه. 

_بس هو يجي الأول،  نفسي اشوفه يا يزيد، انا بحلم باللحظة اللي هنبقى فيها تلاتة. 

_ كله بآوانه يا فواحة. 

رمقته بحب: قلب الفواحة. 

عانق كفها برفق حاني وخاف أن يقترب ويقبلها فيثير رغبتها في القيء من جديد، قاوم مع قوله: طيب يلا روحي نامي يا قلبي. 

_ تصبح علي خير ياحبيبي. 

_ وانتي من أهل الخير. 

___________


_ مالك ياعطر، انتي مانمتيش؟

تنهدت بوجه عكس شحوبها:  نمت قليل. 

_ والسبب. 

رمقتها بتردد أدركته جوري لتهتف:  اتكلمي يابنتي هتخبي عليا ولا ايه؟ 

حسمت أمرها بغمغمة:  معرفتش انام لأن يزيد كان نايم في أوضة تاني؟

_ ليه اتخاصمتوا؟

_ لأ.. بس عشان غصب عني لو قربلي وشميت ريحته

صمتت برهة لتواصل:  بتقيأ ياجوري، ومش عارف السبب ومش حابة احكي لماما خصوصياتي أنا وجوزي.. جوجو انتي بيحصلك كده مع عامر؟


هزت رأسها بشرود:  لأ، بيحصل معايا العكس. 

عقدت جاجبيها:  ازي مش فاهمة؟ 

_ أنا من وقت الحمل بقيت متعلقة بعامر وعايزة اشم ريحته طول الوقت ياعطر، طول ماهو في البيت لاذقة فيه زي العيال لدرجة ان امبارح زعلت منه اوي لما اتعمد يسهر برة أوضتنا بحجة الشغل لحد ما نام.. زعلت اوي، أنا ماكنتش كده والله كنت عادية وبسيبه يتنفس..ثم تنهدة بضيق: بس المفروض انه مايضايقش اني متعلقة به، عشان كده من جوايا زعلانة منه أوي.

_ غريبة، معقول كل اللي بيحصلنا ده بسبب الحمل؟ 

_ معرفش ياعطر السبب ومكسوفة اكلم ماما في كده..  

خيم الصمت عليهما لحظات قبل أن تصيح عطر:  ايه رأيك نكلم مرات اخوكي ونسألها؟

_ قصدك زمزم؟

_ أيوة لأنها عندها ولاد وخبرة في الحمل، مادام مكسوفين نكلم ماما وخالتو.. 

_ والله فكره… 

وقاما باتصال فيديو لتطالعهما زمزم وهي تلوك الطعام قائلة:  أزيكم يا بنات عاملين ايه؟ 

جوري:  الحمد لله يازوما، بقولك ايه سيبي الأكل اللي في أيدك ده وركزي معانا الله يكرمك. 

ابتعلت ما في فمها وقالت:  حاضر، معلش رضاعة التؤام مخلياني باكل زي الغولة وعابد بقي يخاف مني والله.. المهم ايه مشكلتكم؟

عطر بنحنحة:  بصراحة يازوما في حاجة بتحصلنا من وقت الحمل مش فاهمينها.. قلنا انتي اللي هتعرفينا سببها.. 

_ خير ايه هي؟


سردو لها باستحياء شكوتهما لتنطلق مقهقهة، فتصيح جوري بحنق:  بقى كده برضو؟ طب احنا غلطانين اننا كلمناكي، سلام. 

_ استني يامجنونة مش قصدي والله، تخيلت بس حالكم وضحكت.. خلاص ماتزعلوش واطمنوا اللي بيحصل معاكم بسبب هرمونات الحمل..النفور من الزوج او التعلق بريحته وبيه هو شخصيا ده عرض مؤقت هيروح مع الوقت. 

عطر بذهول:  معقولة يا زمزم؟ أنا اعرف ان الحامل تدوخ تصدع تنام كتير بس اللي بيحصلي ده عمري ماسمعته. 

_ لا ياحبيبتي هرمونات الحمل بتعمل فينا حاجات كتير اوي مش طبيعية..والأفضل يزيد وعامر يفهموا ده عشان مش يضايقوا منكم. 

جوري:  طب امتيكى ينتهي الموضوع ده؟ أنا خنقت عامر مني وبقيت عاملة زي الكلبة اللي بتجري وراه في كل مكان في الشقة وبتشمشم ريحته، أنا قرب يطلعلي ديل. 


صحكت عطر وزمزم بشدة ثم قالت الأخيرة:  طب قولي قطة طيب، عموما أول تلات أو اربع شهور وبتبتدي الأعرض تخف.. واهي فترة وهتعدي بابنات اتحملوها. 

عطر عابسة:  بس يزيد زعلان مني يازمزم. ماهو شيء جارح برضو أما يحس بنفوري من ريحته. 

_ هخلي عابد يفهمه ماتحمليش هم..وربنا بقومكم بالسلامة يارب.. 

________


" وحشتني ياكبير، من فرح ياسين ماشوفتكش"


_ وانت اكتر يا عابد والله، معلش مشغول الأيام دي وكمان عطر في أول حملها ومحتاجة راحة. 

_ ربنا يقومهالك بالسلامة وتجيبلنا ولي العهد، والله يا يزيد منتظر ابنك بفارغ الصبر لأنه ابن الغالي. 

_ حبيبي ياعبود تسلملي. 

ثم تنحنح مع قوله:  عابد انا كنت عايز اسألك على حاجة كده مش فاهم سببها. 

_ هي ايه؟ 

_ بصراحة هي حاجة تخص عطر، من وقت حملها وكل أما أقرب منها تنفر وتتقيأ، عكس الأول كانت دايما تقولي انها بتحب ريحتي..تفتكر ده له علاقة بالحمل؟ يعني مراتك حصل منها كده؟


_ أيوة يا يزيد حصل معايا، زمزم في أول الحمل كانت بتضايق من ريحتي فعلا، لما سألت الدكتور قالي ان ده بسبب هرمونات الحمل وانه عرض مؤقت، وطبعا انا كنت مضايق لكن لما فهمت انه غصب عنها مابقيتش اضايق، وبعد وقت انتهي الموضوع بالتدريج. 


تنفس يزيد الصعداء:  طب الحمد لله اني سألتك، بصراحة كنت مستغرب وشكيت في نفسي. 

ضحك عابد:  لا اوعي تشك في نفسك هما اللي مجانين حتي في وحمهم أنما احنا زي الفل..

قهقهة معه ليستطرد عابد:  صحيح هي القردة بتتوحم علي ايه؟ 

_ وبعدين معاك مش قلت بلاش تقولها قردة. 

_ لأ قردة مادام ضايقتك بسبب موضوع الريحة. 


ابتسم يزيد:  خلاص بقي ما انت وضحتلي السبب..هي حاليا لسه مش واضح اوي بتتوحم علي ايه أساسا مش بتاكل غير قليل، بس الدكتور قال ده طبيعي أول تلات شهور. 

_ أكيد هتتوحم علي موز وفول سوداني. 

_ ياريت ده أنا اجيبلها شجرة موز تاكل فيها، أنا خايف تتوحم علي حاجات عجيبة معرفش اجيبها. 

_ مش بعيد والله، متوقع من قردتك أي حاجة. 

_ طب اقفل عشان ممكن اجي اروقك. 

_ طب تعالى والله شوف العيال.. الولد ديبو بقي شبهي خالص، وروتيلا واخدة كتير من جدتها عبير.. وزمزم زعلانة ومتأثرة اوي وبتقولي عيالي مش واخدين مني حاجة، وانا بصراحة معنديش دم وعمال اغيظها. 

_ ما انت مجنون والله كتر خير زمزم انها متحملاك. 

_ يا ابني انا بلسم. 

_ طب اقفل يابلسم خليني اشوف شغلي. وهاجي اخر الأسبوع لوحدي اشوف العيال لأن فعلا وحشوني

_ هستناك ياغالي، سلم على.. 

_ ها؟ على مين؟؟؟

_ علي الباشمهندسة عطر. 

_____________


وجدها غافية لا تنتظره على غير عادتها، تُراها غاضبه لتعمده ليلة أمس المبيت بعيدا عنها؟ اقترب وجلس جوارها جاذبا رأسها لتعلو ذراعه، وخزه ضميره لعدم تقديره حالتها وملله من ملاحقتها، حتما شعرت بابتعاده ويعلم الله ابتعاده خوفا عليها من جموح عاطفته وحملها مازال حديث العهد.

_ جوجو. اصحي ياقلبي. 

صدر عنها همهمات خافتة فابتسم وقبل شفتيها برفق لتشرع عيناها الناعسة وتبصره، ابتسمت هامسة بكسل محبب:  أنت جيت أمتى ياعموري؟ 

_ حالا..ليه نمتي بدري ومش استنتيني. 

استعادت بعضا من حزنها منه حين تركها بالأمس فرمقته بعتب وقالت:  لأنك قلت هتعدي على مامتك تشوفها وتتغدى معاها، قلت انام قبل ماتيجي واخنقك زي العيال.. مش ده كلامك ليا. 


قبل بين عيناها مطولا مع همسه: حقك عليا ده من خوفي عليكي عشان حملك. 

_ بس انا مش محتاجة بس غير حضنك وافضل شامة ريحتك، اعمل ايه ياعامر "وحمي" جاي عليك انت، زمزم قالت إن الواحدة يا بتتعلق بجوزها اوي يا إما بتنفر منه، يعني غصب عني..


لاطف أنفها بأنفه: يعني علي كده هتجيبي واد شبهي؟ 

_ ويمكن بنوتة. 

_ أي حاجة أنا راضي، بس قومي بالسلامة. 

وابتعد وهو يسحبها خلفه:  تعالي نسهر في البلونة شوية ونسمع الراديو وبنفسي هعملك عشا خفيف ولبن دافي.. 

_ بلاش لبن. 

عامر:  ولا كأني سمعت حاجة. 

_______


"ماما شوفتي الفستان اللي هحضر به عيد ميلادي؟ آبيه حازم اشتراه عشاني"

مشطت ثوبها بنظرة حانية وقالت:  جميل يا ضي وهيبقي أحلى عليكي.. 

_ طيب هلبسه وحضرتك شوفيه عليا. 

ارتدته وراحت تستعرضه وتدور أمامها وهي تقول:  فرحانة أوي أوي ياماما إن كل اخواتي هيحضروا عيد ميلادي السنادي.. أنا هتصور صور كتير أوي معاهم كلهم..حاسة انه هيكون أجمل عيد واجمل يوم. 


عصفت عيناها بقلق من ذاك اليوم، هل حقا سيكون أجملهم كما تظن الصغيرة؟هل سيجتمع شمل صغارها ثانيا ويصبحوا سويا كما تتوق قبل رحيلها عنهم ؟


"ياسلام على الأميرة الحلوة"


ضحكت وهي تعانق شقيقها:  بجد حلو عليا يا آبيه؟

قبل رأسها بحنان:  يجنن والله، يلا روحي بقى غيريه عشان مش يتبهدل. 

_ حاضر يا آبيه. 


هرولت بعيدا لتصنع لهما فرصة حديث منفرد، لاحظ حازم شرودها وقلقها المحفور بثنايا وجهها فقال:  مالك يا ماما؟ 


نظرت له ومازل وميض خوفها جذوته مشتعلة: 

تفتكر رودي هتيجي؟

ولو جت غدير أختها هتقابلها ازاي؟ 

أنا معنديش استعداد حد يجرح بنتي تاني. 


تأملت إطراقته الصامتة بخوف تفاقم داخلها أكثر

وظلت تساؤلاتها معلقة دون إجابة. 

_______

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

تعليق واحد
إرسال تعليق

إرسال تعليق

Health and beauty category