القائمة الرئيسية

الصفحات

عند مفترق الطرق الحلقه التاسعه (نوفيلا)

 عند مفترق الطرق الحلقه التاسعه (نوفيلا)

 قد تتبدد الغيوم يومًا وتشرق الشمس .. ليطل قوس قزح ببهيته الجاذبة في الأجواء .. 

منذرًا اليائسين من حوله عن قدوم ساعةٌ دافئة تتغل توابع الشتاء القاسية .. 

عند مفترق الطرق الحلقه التاسعه (نوفيلا)


***********


الحلقة التاسعة.. 


"زي الأخوات"


تطلعت لخلوتها بفارغ الصبر حتى تفيض بالعبرات من أثر مصطلحهِ الموبوء .. مقدمةٌ الرثاء لسنوات عمرها المهدرة في حب ذلك الكائن .. الذي لم يتوانى بواخزاته عن صفعها بأشد الصفعات..

خيبة ألم وخذلان وشيا إليها بحتمية بعدها عن بني جنسه حتى الممات، فيكفيها ما ذاقته على يد رجلا واحد حتى الآن!

وكم كانت أمنيتها تلوح أمامها لفراقه وإنهاء تلك المهزلة .. لكن ما يعَجْزها عن تحقيق ذلك هو انتكاس صورة الأهل بين الخلائق بتفكير مجتمعهم المعاق !

غصة مريرة آنست وحدتها برفقة العبرات گ عادة تلك الأيام الماضية حتى غطت في سباتها الذي بات أفضل حلولها للهروب ..


ريثما هو ظل يتطلع بابها بحيرة ونظراتٍ شاردة.. غير مدرك سببًا مقنعًا لاضطرابه المستجد .. قد يكون جفاءها وقسوة حديثها معه هو ما أثاره .. ولكن ما به؟ أليس هو الذي أحاك بمهارة تلك الخيوط العريضة بينهما؟! .. 


فلِمَا الضيق الآن! 


في دوامة التفكير رغما عنه تجاهل رنين هاتفه الصادح حوله مؤخرًا .. رضخ له بعد عدة محاولات صامدة ومتتالية .. فوجد مكالمة من محبويته المعتادة بالصوت والصورة.. فرفض الصورة وحادثها بالصوت قائلا..

ـ لسه منمتيش..


ـ هنام أزاي وأنت بقالك كام ساعة مختفي.. كنت فين ومبتردش على مكالماتي ليه..


ـ يعني .. حبيت أنزل أسهر مع الشباب تحت شوية وغصب عني الوقت خدني وأنا ناسي تليفوني هنا..


ـ طب متصلتش ليه أول ما طلعت..


ـ عشان كنت لسه طالع مكملتش دقيقتين..


ـ ورفضت مكالمة الفيديو ليه موحشتكش ..


ـ لا طبعا .. بس يمكن عشان كنت مخطط للنوم ..


ـ طب أفتح فيديو نشوف بعض لغاية لما تنام.. أنت وحشتني بجد ..


تجمدت نظرته المهمومة على بابها المغلق هامسًا ..

ـ ماشي..


ثم شرع كلا منهما يواصل بينه وبين الأخر بالصوت والصورة لعدد من الدقائق وصل للساعة كللها جمل الاشتياق والغرام المعتادة بينهما حتى وإن كانت قد قلت نوعا عن عادتهما معا..


مع صيحات التكبير فجرًا ظل صامدًا عن الغفيان بحجة القيام للصلاة مباشرا بدلا من القيام على تنبية الهاتف .. وعينيه مازالت لم تفارق بابها .. آملا بخروجها ورؤيتها گ فجر الأمس ولا يعلم لِمَ اجتاحه ذلك الشعور من الأساس.. أو لِمَ ترَاود على مخيلته في تلك اللحظة أيام خطبتهما ومحادثتهما الهادئة معا.. والمقارنة عفويا بينها وبين محادثات وهج الحب مع محبوبته.. 


على حين غفله وعى لمهاترة شروده من البداية فقطع المواصلة في تفكيره بشكلٍ قاطع حيث تلك هي فقط .. أما الأخرى فهي "سارة" التي ظلت تشغر حواسه لسنوات طوال وتمنى وصالها .. 

"مقارنة غير عادلة " همس بها ساخرًا في خبيئة نفسه وهو يتوجه نحو دورة المياه للاستعداد للصلاة ..


ــــــــــــــــــــــــــــــ


في الصباح علّت طرقاته على باب غرفتها قائلا..

ـ بنان لو صاحية محتاج أتكلم معاكي لدقايق عشان نكمل اتفقنا..


في ذاك الحين كانت هي فور صحيانها تلعن طريقة هروبها التي حالت بينها وبين أداء فريضة فجر يومها دون اعطاء الإنتباه لحديثه بالخارج .. منتصبة تجيبه بعجالة عند إعادة جملته مرة ثانية وهي تشرع بإرتداء عباءتها وحجابها ..

ـ حاضر.. جايه..


ولجت عليه باستحياء عفها من نظراته الشاخصة .. مواصلا في بثها مع جملته ..

ـ حددتي اليوم أو الطلبات اللي محتاجاها..


ازدردت ريقها ببطء متحاشية النظر عن مرماه.. هامسة

ـ شوف اليوم اللي يناسبكم أنتم ويناسب شغلكم وقولي عليه.. أما عن الطلبات فأنا ممكن اكتبهالك في ورقة عادي وأنت تجيبها في أي وقت ..


فأردف عليها بترقب ..

ـ أنا بقول الجمعة ممكن.. أهو يوم أجازتنا كلنا.. وبالنسبة للطلبات جهزيها في ورقة زي ما قلتي وأنا لما أرجع من الشغل أجبها أن شاء الله..


ثم هما يلتفت للمغادرة إلا أنه عاد من جديد يطالعها قائلا ..

ـ جبتلك النهاردة شوية معلبات بسيطة للفطار لغاية لما أشوف باقي خزين البيت إيه وأجيبه مع الطلبات..


رصد أيماءتها الصامتة وحدقتيها مازالت تفر من أصفاد عينيه .. مدركًا انتهاء الحديث بينهما عند هذا الحد .. فأصابه الارتباك وهما بالمغادرة دون أن ينظر خلفه حتى أغلق الباب ..


لتحرر من هالة قربه بالتحرك لقضاء صلاتها ومن ثم جمع عباءاتها المحتشمة القليلة لغسلها وتجفيفها قبل قدومه بعدما تم استعمالهم كاملاً  ..


ـــــــــــــــــــــــــــــــــ


في المساء عاد في موعده للبيت متلهفًا لكشف الطناجر گ طفلٍ حبى جوعًا على خيرات أمهِ .. متحررا بعدها للاغتسال البارد من مخلفات الحرارة الجاحدة وتطيب ملبسه لأجل الخروج ثانيا لجلب الطلبات المتفق عليها، فَهمَّا يطرق باب عزلتها قائلا..

ـ بنان أنا رجعت .. ورقة الطلبات جاهزه ..


عدة دقائق وقد كان الباب بينهما يفتح لتطل عليه من خلفه بيدٍ ممتدة بورقة مطوية..


تناولها باهتمام وهو يوزع نظراته السريعة بينها وبين سطور الورقة في صمت .. طاويا إياها للإستدارة والمغادرة ولكنه قطع خطته بتردد ..

ـ بقول إيه ما تيجي معايا.. الهايبر مكانه بعيد عن هنا وأخاف أنسى حاجة من الورقة العريضة دي كلها .. غير أني في نقطة شرا طلبات المطبخ مش قد كده .. ممكن أجيب أصناف مبتحبهاش أو حاجة متعجبكيش ..


لم تدرِ حينها بأنها طالعته جاحظة العينين مندهشة من مقترحه، ولكنها سريعا ما أعادت ضبط شعورها بالرفض القاطع، إلا أنها في الثانية الأخيرة أدركت مدى احتياجها للخروج ورؤية الوشوش بعدما ودعت حياة البشرية بين جدران تلك الغرفة الرتيبة ..


لهذا عدلت رأيها للموافقة بإيماءة هادئة ليأتيها نبرته المتلهفة..

ـ حيث كده غيري هدومك وأنا مستنيكي..


على واقع جملته شعرت ببشاعة قرارها حين أدركت اجتماعها معه خلال تلك الفترة القادمة للمرة الأولى بينهما .. ندمت وكادت تعلن رفضها إلا أنها استسلمت لمستقبل تلك الساعات بين يديه في صمت .. 

خرجت عليه بفستانها الرمادي ذات النقوش الوردية الهادئة وحجاب بلون النقوش .. تشرق حدقتيها الكحيلة أرض محياها وتنبع من شفتيها حمرة الورود الخاطفة ..


فاستقام تائهًا بنظراته فوقها ..

ـ هتخرجي كده..


فتمعنت بما ترتديه بإحراج هامسة ..

ـ ليه فيه حاجة..


هز رأسه نافيا على مضض وهو يسبقها نحو باب الشقة بقوله المقتضب ..

ـ لا أبدا.. بس يا ريت تستعجلي شوية عشان منتأخرش..


تعجبت في نفسها من تصرفه ولكنها لم تبالي كثيرا بخفاياه لتتبع خطاه في صمت وحذر.. حافظت عليهما جيدًا خلال مدة سيرهما الهادئة بسيارته حتى نبهها بوصولهما لمكانهما المرجو ..


تتبعت طريقه إلى أن دخل بها لأحد أضخم منافذ بيع السلع المستعمرة قائلا وهو يراقب حركة عينيها المتقلبة في المكان ..

ـ تحبي نبدأ من فين..


مع رسو حدقتيها عليه قالت مرتبكة..

ـ شوف أنت ..


فتمتم عليها باقتناع..

ـ خلاص خدي أنتي جانب الخضروات الطازجة لأن مليش فيه وأنا هاخد جانب المعلبات واللحوم وبعد كده نبقى نروح سوا اقسام المعجنات والعصاير ..


فأومأت بالإيجاب وهي تشرع بسحب أحد سلات التسوق من أمامها للهداية بها نحو غايتها ..


على مشارف الساعة والنصف كانا قد دخلا توًّا لقسم العصائر بعد الانتهاء من كافة الأقسام.. شرعا كلا منهما في طريقه في فحص أنواع المشروبات ومكوناتها عن طريق اللافتات الإرشادية الملصقة عليها .. حتى شردا لبعض الوقت عن بعضهما في خضم انشغالهما .. 


بعد وقت ليس بالقليل ادرك مفارقتهما اخيرًا فالتفت بنظرة شمولية يبحث عنها .. فوجدها بعيدة نوعا ما عنه وأحد الشباب بالقرب من بقتعها يتابع تحركاتها بإهتمام وإيحاء الأعجاب يلفظ من عينيه .. بينما هي ما زالت منغمسة في اختيار جودة المشروبات ومكوناتها كما تركها .. ذلك المشهد ابصره كثيرًا من اشباه الرجال تجاه أي امرأة يرونها أمامهم ولكنه لم يكن يتصور بأن امرأته ستكون أحد اطرافه يومًا .. أشاح وجهه بعيد عنهما بزفرة ضجر ويده تعيث في جبينه المقطب للتهدئة.. ولكن الأمر لم يفلح عند علو صوت إرتطام من خلفه .. خاصة من موقعهما .. استدارا متفاجأً على عجل نحوهما مجددًا.. فوجدها تتقابل مع ذاك الشخص في تصادم أجاد ذلك الغريب حياكته بحرفية لفتح سبل الوصال بينهما .. مشهد قذر فاق ما كان يراه ويتصوره .. حينها تقاذفت قدميه إليهما بعجالة قائلا عن تعمد أمام ذلك الغليظ بألغاز يفهمها أمثاله..

ـ مش تفتح في حد يخبط مرات حد كده..


فتصلبت نظرات الرجل عليه لثوانٍ يستوعب خبريته حتى شحب وجهه قائلا بتلعثم ..

ـ ما كان بقصدي وحياة الغاليين.. أرجوك سامحني .. وكمان بقدم اعتذاري للأنسة.. أقصد للمدام..


رمقه بنظرة عدائية متشككة تشي بعدم تصديقه والشرر يتطاير من حوافها ليرتبك الأخر ويفر من أمامه منسحبًا .. ريثما هي لم تعي لفحوى حربهما الصامتة أو للقبه (مرات) قبلها وهي منشغلة بمسح هندامها بما طالة من قطرات العصير الذي تهشم في الإرتطام المفاجئ ..

ليردد عليها مقطب الجبين وهو يتابع فعلها ..

ـ تعالي نروح أقرب حمام تنضفي لبسك فيه..


تضررها أرغمها على ترك كل شيء واتخاذ مقترحه حلٌ أمثل ووحيد أمامها .. لهذا توارت بعدما ارشدها خلف أحد دورات المياة تهذب شكلها العام بأقل الخسائر.. 

مردفًا عليها بأصرار عقب خروجها وتلاقيهما معا ..

ـ دي كافتيريا هتقعدي فيها وأوعي تتحركي لما أجيب شنطنا وأحاسب عليها وعلى البهدلة اللي حصلت وأرجعلك ..


أومأت بإحراج وهي تتبع إشارته بصمت لشغر أحد الطاولات داخلها .. متابعة عقب ابتعاده مشاهد زوارها المتفرقة بهدوء تام .. حتى بغتت بخيال يغلب على جلستها المنفردة .. حسبته هو ولكن عند التفاتها وجدته ذلك الرجل الذي ارتطم بها وسبب الكارثة .. والذي راح يوالي عليها بكلمات الإعتذار المهذبة وضرورة مسامحته على تلك الواقعة .. فما كان أمامها إلا أن تتقبل إعتذاره بنفسٍ راضية .. هامسة على استحياء ..

ـ خلاص .. حصل خير حضرتك ..


فتفاجأت به يتدحلب في حديثه الناعم ولا يكف ..

- والله البد بدي ما كنت اتسبب في أذية الجميلات اللي متلك الله يحميكي من العين .. بس ملحوقه هاد بطاقة خاصة برقم تليفوني لو احتاجتي أي مساعدة لأن حاسس أنك لسه جديدة هون على البلد ..


عواقب طريقته رسخت داخلها بالكثير من الخوف لهذا رشقته بنظرةٍ شرسة تنظره بحدودها .. متجاهلة يده الممدودة بالبطاقة وهي تردف بشراسة ..

- لو سمحت ألزم حدودك كويس .. أنا مبيدخلش عليا الكلام ده لو كنت بتسعى لحاجة من وراه .. 


تملكه الاحراج مهاترا ..

- عفوًا مافي أي غرض .. مجرد مساعدة بريئة .. ولكن بما أنك مش متقبلاها اسحبها ثانيا .. واقدم الاعتذار .. 


قالها وهو يودعها مرغمًا بجبهة طائرة يكاد يلملم ما تبعثر من كرامته بوجه ذليل محتقن .. متفاجئة عقب مغادرته بالأخر قد أتى من العدم گ ريحٍ عاصف يزلزلها باستفساره المحتد ..

ـ كان بيقولك أيه الراجل ده..


تعجبت من شراسة هجومه مفسره ..

ـ أبدا .. كان جاي يعتذر عن اللي حصل من شوية ..


- وبعدين ..


- مفيش ..تقبلت اعتذاره عادي ..


- بس كده ..


لن تزيد عن ما قالته شيئًا فلن توهم نفسها بأنه إذ ما أخبرته سيهتم ويكون لها حائط حماية .. فهي لا تعني له شيء هكذا باتت تقتنع .. لهذا ردت عليه بإصرار ..

- أيوه بس كده ..


وهو الذي كان يظن أنه تركها في مأمن هنا .. زفر يسب اصرار ذاك الوقح في نفسه بأبشع الألفاظ .. متمنيًا سرعة قدومه قبلها بعدة ثوان قليلة حتى يلقنه ما يستحقه بضربة قاضية .. ولكنه تأخر والجبان هرب .. لهذا قال بوجوم بعدها..

ـ طب يلا هنروح .. اتأخرنا هنا بما فيه الكفاية وأنا ورايا شغل الصبح..


لم يدرِ لِمَ أخبرها بذلك وهو الذي كان يطمع للمواصلة وجلب أغراض أكثر مما جلبوا ولكن كم محاولات ذاك الرجل المخادعة اغضبته غضبًا جمًا .. مبررًا سببه في خبيئة نفسه بأنها مازالت تحمل اسمه حتى وأن كان بينهما ما بينهما ..


------------------------


طريق العودة كان أيضا مقتصدًا في الكلام والنظرات كأن إحدهما غادر الأخر وبقى وحده .. حتى حمل الأغراض للأعلى والولوج للشقة كان هادئا لا يعكس حياة .. فقط بعد الزفرات النارية التي كان ينفس بها كل حين ..

بينما هي رغم تعجبها من إنقلابه المشحون لم تكن مبالية لمعرفة سبب ذلك، بل كانت ممتنة كثيرًا لتفادي الحديث معه .. 


اللحوم والخضروات الطازجة هما ما اجبراها على القيام بحفظهما في الحال .. مباغته بتقديم مساعدته الإرشادية عقب فعلها عن أماكن تخزين الحاجة وهو يراعي مشاركتهما الثنائية داخل حدود المطبخ الضيقة .. تم العمل في ظل قربهما بثقلٍ شديد وفي أجواء توترية لكلاهما لتخرج مستنجدة من حرارة المكان وقربه معا .. تنوي استكمال المتبقي في الغد تحديدًا في وقت غيابه اليومي بعدما تحججت أمامه بالإرهاق .. لهذا هرولت لغرفتها تستنجد بعزلتها من جديد عن فسيح تواجده المربك ..


بينما هو اطاح بتجمع الحقائب الفارغة من يده بعنفوانية ليودع معه ثباته الذي ظل محافظًا عليه في حضورها .. مستنهزًا مغادرتها للفظ به عن كاهلة .. وهو يوزع نظراته بضيق وتشتت في الفراغ وتحايل ذاك الوقح معها لم يغب عن عينيه .. مسببًا ضيق بصدره حديث العهد وتشتت عقله عن الهدوء والراحة .. فيتوالى عليه عتاب نفسه اللاذع ..

"مالك وشأنها .. ليس لك عليها بسلطان .. فما هي إلا فتاة عابرة أتت لطريقك بالخطأ.. وستخرج منه كما جاءت .. "


ليخرج مستشيطًا دون إجابة محددة على استفسار الذات وهو ينوي بعنفوانية تمديد فراشه للنوم واسكان ذلك الصوت بداخله .. ولكنه تفاجأ برنين هاتفه ينبهه بمكالمته اليومية مع حبيبته .. فهما يكمم صوته بوضع الصامت مرجحًا النوم مبكرًا گ أفضل الحلول لاضطراب حالته المستجد ..


---------------------


يومها التالي فور مغادرته للعمل كان مشحونًا للغاية .. تخزين المشتريات وتنظيمها أمرٍ مهلك .. وتجهيزات الوليمة للغد أمرٍ يزيده ارهاق في ظل حرارة المطبخ الملتهبة .. والتي قاومتها بمنامة خفيفة من القطن .. مستعينة كل فترة بالتردد على المبرد الخارجي لتجديد نشاطها .. ولكنها في النهاية ممتنة لانشغال يومها عن الفراغ والملل .. 

بعد تفكير عميق حددت أصناف الوليمة بدقة تناسب شوق هؤلاء المغتربين ومن ثم بدأت بتحضيراتها المسبقة .. حتى جاء قرب موعد قدومه وعدم انتهائها فزارها الحيرة والتشتت عن ضرورة التوقف والانعزال عنه أو الاستمرارية في عملها .. لترجح الطرف الأخير لضيق الوقت لهذا رأت أن الاستنعام بحمامٍ مرطب قبل تقيد جسدها بعباءة محتشمة .. هو أمر وجب عليها فعله لتحمل المزيد من العمل في ظل حرارة الجو ووجوده معًا .. 


من الناحية الآخرى ولوجه للشقة كان هادئًا خاصة عند انصاته لحركة قادمة من المطبخ .. اكتشف فاعلها عندما طل عليها وهي توالي عملها باهتمام وتركيز .. فردد التحية عليها متعجبًا ..

- ليه بتشتغلي في الوقت ده ..


وعت لحضوره خلفها فقالت وهي منهمكة بسلق الملفوف ..

- لازم من التحضيرات دي قبلها ..


فرمقها بصمت حتى قطعه ..

- أنا عرفتهم بالميعاد وبصراحة مستنين بكرة بفارغ الصبر .. 


فاجابته مقتضبة وهي توالي عملها ..

- كويس 


اضطر لمغادرة حيزها عند انتهاء اطراف الحديث بينهما عند هذا الحد ... مرجحًا حمامه اليومي فعله القادم بعد أن تغاضى بإحراج عن شوقه لتناول طعام غذائها قبل كل شيء .. ليأتي إليها بعد الانتهاء وارتداء ملابسه البيتية لتقديم المساعدة فأخبرته رافضة بذات الاقتضاب وهي توالي عملها .. 

- مش مستهلة .. هخلص كل حاجة بنفسي ..


فهما يبادرها بقوله ..

- ما أنا مش هعرف أقعد كده وأنتي شغاله خاصة أن أنا اللي دبستك في العزومة دي غصب عني .. فعلى الأقل اشرحيلي أعمل أيه لمساعدتك وأنا أعمله ..


تطلعت في الفراغ بنفاذ صبر حتى رضخت لمقترحه أخيرًا مردده ..

- تمام ممكن تبدأ تقطع الكرنب من ورايا بالشكل ده ..

ثم شرعت أمامه على الطاولة تحوف عنق أحدى الوريقات بالسكين ومن ثم تقطيع المتبقي منه لقطع مربعة مناسبة ..


تتبع فعلها بتركيز شديد وعقب انتهائها تحفز بيده لجلب السكين من يدها لبدء انتاجه .. فتلامست راحتهما معا في حركة عفوية اصابتهما بالإحراج .. ليتمتم عليه بارتباك وهو يهم بالمغادرة ..

- أنا بقول هاخد الطبق ع بعضه واقطعه بره أحسن ..


بينما هي لم تعيره رد في ظل صمتها .. متملصة من ارتباكها بالشروع في تجهيز حشو الورق من خلطة الرز والخضار حتى جاء إليها مرددا ..

- خلصت .. هتعملي ايه تاني ..


فقالت محرجة ..

- ابدًا هحشي.. 


تابع حركاتها الصامتة عقبها في لف الملفوف حتى قال ..

- علميني اساعدك ..


- صعب .. 


- ليه صعب .. ما أنا عملت الورق قدامك! 


- ممكن عشان دا محتاج مهارة معينة عن التقطيع .. مش أي حد يتعلمها بالساهل ..


فتفاجأت من اصراره ..

- علميني وقرري بعدها ..


طالعته باندهاش ..

- ليه مُصر ..


فجاوبها بهدوء وجدية ..

- يمكن عشان أنا السبب أنك تشتغلي في الحر ده ..


فأومأت مرغمة ثم على استحياء راحت تفعل أمامه المزيد من اللفائف المبسطة .. في خضم فعلها قطع انتباهه رنين هاتفه الموالي فقال محرجا بعد أن طالع شاشته.. 

- معلش ثواني وراجعلك ..


مغادرا حدودها للخارج وهو يهم بفتح المكالمة قائلا.. 

- أزيك ..


فخرج عليه صوتها مشحونًا ..

- أيه يا مالك .. كنت فين من أمبارح ..


توجه لابعد نقطة عن المطبخ مرددًا ..

- أبدا يا حبيبتي نمت بدري والصبح رحت الشغل وانتي عارفه محتاج تركيز ومبعرفش افتح نت فيه


فقالت متبرمة ..

- إيه حكاية النوم بدري معاك اليومين دول .. دا أنت كنت بتسهر معايا للفجر ..


مط شفتيه بحجته الواهية الذي كاد يقنع بها نفسه.. 

- ممكن ارهاق من الشغل والحر وبصراحة ما بصدق أرجع ارتاح وأنام ..


- ماهو بصراحة برضه أنت وحشتني .. وطول اليوم بصبر نفسي على ميعاد رجوعك .. وأنت ولا هنا ..


أغمض عيناه معاتبا نفسه على تقصيره المستجد في حقها .. لهذا اسرع بالاعتذار ..

- أسف حقك عليا .. وأنتي كمان وحشتيني أكتر بس ساعة كده لما اتواصل معاكي تاني على رواقه ..


- ليه بتعمل إيه .. 


- يعني شوية حاجات مهمة بنهيها ولما أخلص صدقيني هكلمك .. مش هتأخر عليكي ..


- ماشي يا ملوكه مستنظراك .. 


هما بغلق الهاتف بتنهيدة مثقلة عن مدى اهماله المقصود لها في اليومين الماضيين متذكرًا في ذات اللحظة الأخرى وجهودها في المطبخ فهما مسرعًا تجاهها لأجل مواصلة المساعدة ..


الأخرى التي تلقت خبر مكالمته بفطنة حزينة عن من هي صاحبتها .. لتتفاجأ بدخوله بعد وقت ليس بالكثير قائلا بنشاط وتحفز ..

- ها كنا بنعمل إيه ..


فواصلت فعلها بضجر ولم تجيبه .. تعجب لصمتها ومع هذا اضطر للبدء في تنفيذ خطواتها بالدقة المطلوبة .. حتى افتعل أولى انتاجاته متباهيًا بها في شموخ ..

فخرج عليه صوتها بفزع ..

- دا إيه ده أن شاء الله !


فطالع ما فعله مجددًا وهو يجيبها بحيرة ..

- صوباع محشي هيكون إيه ؟!


فهدرت عليه بسخرية مفرطة ..

- قصدك صاروخ أرض جو .. مش صوباع محشي للأكل ده ..


فقال متبرمًا وهو يقارن بينه وبين انتاجها ..

- وماله مش كله محشي وهيتاكل .. بل بالعكس بتاعي هيشبعهم بسرعة إنما بتاعك مش هيكفيهم عشرة منه في معلقة واحدة ..


على أثر قوله العفوي انفلت من بين شفتيها تلقائيًا ضحكة بريئة تناستها منذ قدومها إلى هنا .. ولكنها عقب وعيها لما فعلته بترتها في الحال وهي تضيف بارتباك ..

- المشكلة مش في الشبع قد الشكل .. مش بيقولوا العين بتاكل قبل البؤق ..


لم يجيبها .. بل ظل مخدرًا شاردًا من فعلها .. محياه اتسم بالهدوء الشديد والمسالمة .. حتى همس بخفوته ..

- فعلا 


فشرعت تكمل عملها في صمتٍ تام والتوتر يحوفها بينما هو الأخر لم يختلف عن منوال صمتها بعد أن شعر بدغدة شقية تعدل من ركود دمائه .. وتشي له في سرية تامة بأن بين جنبات القادم ثورة عارمة !


-----------------

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

Health and beauty category