القائمة الرئيسية

الصفحات

عند مفترق الطرق الحلقه الثامنه (نوفيلا)

  عند مفترق الطرق الحلقه الثامنه (نوفيلا)

عصفورًا ضل طريقه بين أزقات غربته 
لا هوى على أرض صلبة احتضنته .. ولا نال حريته وبات بجناحيه يشق الرحا ..
**********
عند مفترق الطرق الحلقه الثامنه (نوفيلا)


الحلقة الثامنة.. 

(على الجهة الأخرى ) ..
كان مالك قد ولج من عمله بوجه مرهق يهجره الراحة ونعيمها .. فمواصلة العمل في جحيم الحرارة ذاك أمر لا يقبله عاقل أو مجنون.. ولكنه مضطر للمثابرة لأجل ضيفته التى على ما يبدوا ما زالت تسكن غرفتها گ اليوم السابق بعدما حادت حدقتيه لباب غرفتها المغلق .. 
تنهد بإحباط تاركًا حقيبة الغذاء الجاهز من يديه على أحد المقاعد أمامه .. ثم شرع يلاحقها برابطة عنقه بإهمالٍ مماثل .. متوجهًا بتكاسل نحو البراد لترطيب جفاف حلقه بقدر يناسبه من المياه .. فوقع بصره داخله على دورق زجاجي يشف أحد المشروبات به .. تناوله باحتياج ثم شرع يرتوي من حلو مذاقه وهو يسأل في خبيئة نفسه بحيرة عن هوية فاعله .. الحيرة تفاقمت حين رمق بإلتفاتةٍ عاجلة عددًا من طناجر الطعام تحتل وجه المقود بالجوار .. فعاجله التذكر حينها عن كونه تركَ المكان في الخارج بحالة يرثى لها قبل مغادرته صباحًا .. 
لم يهمل ثانية وهمّا عائدًا يتفقده مرة أخرى بأكثر استيعاب فوجده مرتب بإحكام وملابسه يضبطها حدود الحقيبة .. بل الأهم من هذا وذاك حقيبة الطعام الصباحية ليست بمكانها المعتاد كما تركها .. 
لم يتردد بتوجيه بصره نحو بابها بارتياح عن كونها تحررت من صومعتها أخيرا وتناولت الطعام الذي احضره .. ومن ثم تخطت مرحلة الصدمة للتجاوب مع الواقع بالكثير من العقلانية والتقبل .. تنهد بالحمد وانشرح صدره من تأنيب الضمير .. عائدًا بتحفز لكشف الطناجر مرة أخرى لمرضات فضوله .. فظل الاندهاش رفيقه حينما وجد فيهم طعام بيتي عبقه الشهي تسابق لأنفه بإغراء .. فصاح جوفه برغبة عارمة كأنه لم يكن يلبي احتياجاته من الطعام قط .. متناسيًا تمامًا في حضرة وجوده ما أحضره من طعامٍ جاهز .. شرع دون صبر يتناول أحد المغارف الصغيرة ليأكل من الطناجر مباشرة بنهمٍ شديد وتلذذ اجتاح معالمه العابثة منذ قليل.. ليدرك بعد الانتهاء من مدى مهارتها في أعداده والأهم أنه في غربته بحاجة للقليل من ذاك الاهتمام والاعتناء گ تعويض عن مصاعب العمل اليومية ..
ببسمة شاردة عفوية ملأت محياه بعد اغتساله وجلوسه على فراشه طالع بابها بالكثير من الشكر والامتنان عن كون الأمر لديها لم يتفاقم للقصوى النافرة .. بل سيتم الانفصال بالكثير من الود والتحضر (الأخوية أهمها) .. الأخوية التي جعلته يطمع بأن يعيد على عقله التفكير في مطلب أصدقائه .. ذاك المأزق الذين وضعوه فيه بإحراج وتنساه هو عمدًا .. ولكنه بعد يومان مجبر على تذكره لإطلاعهم على الموعد المحدد لتناول أشهى الوصفات المصرية من يد زوجته ومحبوبته كما يظنون ويطمعون ..
تنهد بضيق يبحث عن بديل يستطيع أن يريح الأطراف جميعًا ولا يوضعه في موقف محرج معها بطلب غريب كهذا.. وعى من حالته المتكدرة على اصرار رنين هاتفه .. لينتبه على مكالمة فيديو واردة له من حبيبته على أحد مواقع التواصل الأجتماعي.. فأجاب عنها مبتسما بصوت خافت خشية وصول صوته لمن بالداخل ولكنه رغم حرصه فضح اشتياقه .. خاصة وهي تحتل الشاشة أمامه بصورتها المزينة وشعرها المتحرر..
ـ واحشاااني..
فقالت تطالعه مندهشة..
ـ غريبة.. 
ـ ليه غريبة!
ـ يعني حساك مش مالك بتاع اليومين اللي فاتوا خالص.. مالك العصبي المتوتر اللي بشعر إنه مش معايا وفرحان برجوعي ليه.. 
مواصلة بنظرة خاصة .. أكيد في حاجة جديدة حصلت غيرتك بالسرعة دي؟!
فقال متلعثما وهو يواجها أمامه بالصوت والصورة..
ـ أبدا هيكون في ايه.. يمكن كل الحكاية أن أطمنت أنها كلت أخيرا بدل ما يحصل لها حاجة واشيل ذنبها..
ودعت بسمتها على ذكرهِ لتلك المرأة التي باتت عائق بينهما في أوقاتهما الحميمية، فقالت بضجر ..
ـ ماهي لازم تاكل ولا هتسيب نفسها تموت من الجوع يعني .. 
مواصلة وعينيها تتفقد المحيط حوله بقدر المستطاع .. 
ـ آلا هي فين دلوقت ؟! 
ـ في أودتها..
قطعت تفحصها وهي ترمقه بشك مبطن ..
ـ معقول!
ـ ما أنا قايلك من أمبارح أنها حبسة نفسها جو في الأودة ومبشفهاش خالص .. حتى لما خرجت النهاردة كان في غيابي ولما رجعت لقتها في الأودة تاني ..
تنهدت بترقب ..
ـ يعني عاوز تقنعني أنك ماصدفتهاش ولا للحظة لمدة يومين كاملين رغم أنكم في مكان واحد ..
ـ وأنا هكذب عليكي ليه!
ـ يعني.. ممكن عشان مزعلش مثلا ..
تعجب قائلا..
ـ وأنتي تزعلي ليــ.. 
ثم قطع استفساره بصياح حذر.. 
ـ سارة أوعي تقوليلي أنك غيرانه من وجودها..
تأففت بضيق وهي تردف بكبرياء..
ـ متتوهمش كتير مين دي اللي أغير منها .. لا هي من مستويا ولا هي من تعليمي .. كل الحكاية أنك قاعد مع واحدة غريبة عنك في شقة لوحدكم ومقفول عليكم باب واحد .. معرفش تعاملكم إيه مع بعض ولأي درجة .. الأيام بنكم هتعدي أزاي أو هي بسكوتها الغريب ده بتخطط لأيه..
ذهل من رد فعلها الجاف ومع هذا ضبط انفعاله بحذر ..
ـ سارة متخليش دماغك توديكي لبعيد أنا صارحتها بكل حاجة وأظن دلوقت كل واحد عارف حدوده كويس .. غير أن البنت فعلا مصدومة وزعلانة بسبب اللي حصل لأنها حاجة مش هينة أنا نفسي ندمان أن كنت سبب فيها .. وحبستها دي حاجة طبيعية لما تتخطى صدمتها وتتقبل الواقع والحدود اللي اصبحت بينا بين يوم وليلة .. يعني مش بتتصنع ولا بتخطط لحاجة زي ما بتهيئلك ..
بتبرم صاحت..
ـ سيبك أنت ما تركزش مع كهن البنات ده بيكفي أن أنا عرفاه.. المهم أنت ملكش دعوة بيها وخليك في حالك لغاية لما الأيام الكئيبة دي تعدي على خير ويحصل الانفصال .. في المقابل هتكون أيام عدتي أنا كمان خلصت ونتجمع أخيرًا مع بعض من تاني لتحقيق حلم عمرنا ..
لا يعلم في قرارة نفسه لِمَ حمد ربه عن كونه لم يسرع بسرد ما حدث اليوم عليها أو ما يسعي لطلبه لتحقيق مطلب أصدقائه، مقتنعا بأنه يشتري راحته من ثورتها ما أن تعلم، لهذا راح بنبرة يأسه يجيبها..
ـ ماشي يا سارة ..
مستأنفًا بتساؤل .. بس تفتكري أن السنين اللي عدت قدرت إنها تغير رأي باباكي وتخليه يوافق على كده .. 
مواصلا بأهتمام.. 
ـ أنا الحمدلله زي ما قلتلك تمكنت ماليا وهقدر بأذن الله أحققله طلباته كلها زي ما هو عاوز ..
ـ من غير كل ده لازم يغير رأيه يا مالك مقدموش حل تاني غير كده .. لأن أنا معنتش البنت الخجولة السلبية اللي هتسيبه يتحكم في قرارتها المصيرية من تاني.. 
همس عليها بحميمة ..
ـ هتصدقيني لو قلتلك أن بحلم باليوم ده من ٩ سنين.. وخايف أدي لنفسي العشم زي المرة الأولى لقدر الله اليأس يصبني من تاني.. 
مسترسلا بيأس ..صدقيني لحظتها مش هقدر أقف على رجليا زي دلوقت ..
ـ متحبطش كده أكيد هيوافق لأننا معندناش صغيرين وعارفين قرارتنا ومشاعرنا كويس .. 
مواصلة بنبرة أنثوية مترقبة.. 
ـ وبعدين أفهم من كده أنك لسه محتفظ بنفس مقدار حبك ليا وبتحلم باليوم ده زي أول يوم وقعنا فيه في حب بعض ..
حدق بعنيها طويلا هامسا بشجن..
ـ أنتي شايفة إيه!
راحت تجيبه بدلال..
ـ امممم لو حذفت طريقتك في المكالمتين بتوع اليومين اللي فاتوا كنت أكدت للناس كلها ولنفسي قبلهم بأنك أعظم وأحن حبيب في الدنيا دي ..
حدجها بصدمة عاتبًا ..
ـ يااااه منستيش .. أو حتى عذرتيني بأن كنت متوتر وقلقان وقتها من الظرف الصعب اللي اتحطيت فيه ..
زفرت بضيق نافية ..
ـ لا منستش يا مالك ولا هنسى مهما كانت حجتك .. لأنك لازم تعرف بأني مبشلش طاقتك السلبية اللي ناتجه عن نطاق غيري ولا ذنبي أن اشيلها .. و زي ما بديك اهتمام فرضًا عليك أنت كمان تديني وإلا ..
- وإلا أيه؟!
قالها وبرزت ابتسامة تهكمية على محياه لا يستوعب غرضها المبطن في ندية مشاعرها تجاهه .. هل الحب الحقيقي هكذا .. أن تكيل معطياته بدقة وحرصه .. مُنهى عن التسامح أو الغفران بين جنباته .. إن لم تعطي لن تأخذ .. فرضًا كان أحد اطرافه في ظرف كظرفه ضائعًا تائهًا .. هل ينساه الأخر هكذا .. لا يقدر حزنه أو يساند مشاعره! 
كان مذهولا .. مصدومًا .. لهذا غربت عيناه عن وجهها وهو يسمعها تجيبه ..
- مالك متكبرش الموضوع .. أنت ذات نفسك لو فكرت فيها كويس أكيد مترضاش لأختك علاقة مرهقة تنزف من روحها وتعكنن عليها ..ولا أيه ..
لا يعلم لِمَا شرد بذهنه بعيدًا عنها وجال بخاطره حجم جرمه في حق تلك الفتاة بالداخل ورد فعلها عليه بعدم أخبار الأهل أو تفاقم العداوة فيما بينهما بقدر يليق بذاك الجرم .. عرفان أُرغم الآن على الإعتراف به وتقديره بمزيدٍ من الشكر مع علو قيمة صاحبته في عينيه كثيرًا .. عاد من شاردته يرد عليها بإيماءة ضعيفة وكلمات ضائعة ساخرة .. 
ـ عندك حق 
فتفاجأ بقولها المدلل.. 
ـ بدال عندي حق يلا مطلوب منك بدون نقاش تصالحني دلوقت..
اتحدثه بجدية .. عن أي مصالحة تطلب ! .. تعجب من مطلبها بسخرية مبطنة وهو يبادلها بأقتضاب ..
ـ أزاي بقى أن شاء الله؟!
ـ معرفش .. فكر أنت بقى..
متعالية مع جملتها بصخب ضحكة مجلجلة كانت كافية للتسرب عبر الباب والعبور إلى قاطنة الغرفة المظلمة بالجوار .. لتفطن بأنه وقت مكالمتهُ لمحبوبته وهذا ما أوضحه حرصهما الشديد على خفض اصواتهما من البداية خشية سماعها لهما .. ولكن صخب سعادتهما معا فضحهما.. لتنحدر عبراتها بصمت فوق وسادتها المتشبعة من أمثالها منذ وصولها لتلك البقعة المهلكة للنفس ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هجر النوم عينيها حتى تبدد ظلام الأرض بنور ربها .. فما رصدته وسمعته بأذنيها من وشوشات غرامية أوحى إليها بأنها حقا المتطفلة عليهما ولا مكان لها في حياته.. تلك الحقيقة رغم قسوتها على النفس لم تضعفها بل قوتها على مواجهة القادم وتحمل تلك الأيام بينهما على أحر من الجمر حتى يحين موعد الفراق.. 
فاتخاذ جانب الصبر والرضا ألحف قلبها وطمأن روعها بأن الله لن ينساها مطلقا وأن كل شيء حدث لحكمة عنده .. فلعل يكمن في الشر كل الخير.. هكذا خاطبت روحها العليلة بقدر إيمانها بالله.. 
ليملأ المحيط في ذات الوقت صيحات التكبير لأذان الفجر.. فتقرر الخروج من فراشها للوضوء وما شجعها على ذلك هو صمته الخانس بعد إنتهاء تلك المحادثة وحتمية نومه .. 
على باب الغرفة بعد فتحها رصدته بالفعل يغط في سبات عميق كما توقعت لهذا تدافعت أرجلها نحو خطاها المحدد دون تردد.. وما أن فرغت منه وعادت حتى كادت تنصدم بجسد بشري .. أكتشفت بعد ثوان إنها بنيته وأثار النوم يخالط معالمه .. فقال معتذرا وهو يبدو عليه التفاجئ مثلها ..
ـ أنا أسف مخدتش بالي إن في حد جوه..
فهمست مطرقة بجفاء وهي تستعد للمغادرة..
ـ حصل خير..
ثم ولته ظهرها ليصله صوت غلق الباب بعدها .. فتنهد ويده تعيث في خصلاته بغير هدي عائدا بوعيه لسبب إفاقته في ذلك الموعد اليومي لصلاة الفجر .. فشرع يتوجه للوضوء ومن ثم المغادرة نحو المسجد القريب لتأدية سنتها وحق فرضها كما عادته دائما ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في موعد الخروج المحدد لعمله انتهى من هندمة ملابسه عليه وهو يراقب بين الفينة والأخرى باب الغرفة، فتحضيرها للطعام جعله يطمع بخروجها واختلاطها معه بـ صفة الأخوات .. ولكن هذا لم يتحقق مطلقًا مما أُرغم على المغادرة .. عائدًا مرة ثانية بالأفطار اليومي وتركه على تلك المنضدة ليفر بعدها مهرولاً للحاق بموعده..
ريثما هي شعرت بعينيها المملؤة بالنعاس بخروجه وعودته ومن ثم خروجه النهائي فواصلت النوم دون انقطاع بعدما غلبها النعاس متأخرًا عن موعده ..
لتشعر بواقعها على مشارف عقارب الحادية عشر صباحا وهي جائعة.. فتحركت نحو الخارج تبحث عن ما يسد رمقها.. فوقع بصرها على حقيبته الكرتونية المعتادة فشرعت تفتحها وتتناول ما بها على مضض.. فهي ليست من محبي الطعام الجاهز و ذو وعي باضراره ولكنها مرغمة.. لفت نظرها وهي تمضغ أحدى اللقيمات ورقة مطوية بجوار الحقيبة فدنت تجلبها لتقرأ محتواها .. 
" شكرا على الغدا.. 
بصراحة حسيت أن زرت أمي وكلت من أيديها بعد كل سنين الغربة دي "
ورقة من خط يداه تركها لها ! كانت بكلماتها الناعمة تدغدغ حواسها نحوه .. لهذا طوت الورقة أمام صدرها وحنينًا كاد يجرفها للشفقة عليه.. إلا أنها فاقت من غفلتها سريعا وتقنصت جفائها مرة ثانية مقنعة ذاتها بأنه فهم فعلها على النحو الخاطئ.. فما فعلته.. ما هو إلا لسداد المستحق عليها مقابل السكن والطعام..
شرعت بوجه متخشب تزيح الورقة عن صدرها في أحد سلات القمامة بالجوار ومن ثم البدء بالتنظيف اليومي وتحضير الطعام المتواضع من بعض المواد الضئيلة المتواجدة..
عقب انتهائها وقرب قدومه رأت يدها تتحرك لترك له ملحوظة گ ملحوظته في الصباح تخبره فيها بجفاء ..
" يا ريت متجبش أكل تاني الصبح لأن مبحبش أكل بره.. وتهتم شوية بمتطلبات مطبخك "
ليبصرها فور عودته ويهم بقرأتها مبتسمًا بعدما فهم بسوء ظنه بأنها ستواصل تحضير الطعام يوميًا لإجل اشتياقه لطعام الوالدة .. وهذا ما حفزه على استشارتها في مطلب زملائه في البناية والعمل.. 
ولكن ذلك بعد البحث المترقب من جانبه أولا على ما قامت بتحضيره لليوم .. عقب دخوله للمطبخ وكشف الطنجر بشهية مفرطة وجد رائحة أكثر الاصناف المحببة إليه تقابله بإغراء كما الأمس "ملوخية" ففطن بأنها وجدت أحدى مبعوثات والدته إليه مع المسافرين تجاهه وهي تستكين البراد دون فائدة لهذا جلبتها واستخدمتها لطبق اليوم .. شرع يتناول الخبز بالجوار ليغمس منها بتلذذ رغم إنها خالية من أي نوع لحم معروفة به كما العادة.. 
ما أن انتهى واستحم راح يغدوا ويروح بحيرة أمام بابها لأجل محادثتها لتوضيح احتياجات المطبخ كما أرادت وأيضا لمشورتها فيما يحتاجه اصدقائه كما العرف السائد للمغتربين.. 
ولكنه لم يمتلك الشجاعة الكافية للوصول لبابها وطرقه لهذا راح يغادر الشقة بارتباك لأجل البعد الذي يصون كبريائه .. منتويًا السهر مع اصدقائه المغتربين بالأسفل في أحد شقق البناية التابعة لإدارة عمله.. 
في ذات الوقت بالداخل قطعت قراءتها للقرآن بعدما شعرت بصوت غلق الباب الخارجي.. متعجبه من أمر خروجه المستجد في هذا التوقيت .. ولكن لم يطل حال تعجبها كثيرا حين هدأ تشنج جسدها من عدم وجوده بالخارج .. لهذا استرخت وشرعت تكمل قراءتها بصوت هادئ متقن يبث الطمأنينة لقلبها .. 
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ يا أهلا بعريسنا الغالي .. تصدق قربنا ننسى أنك واخد الشقة اللي فوقينا..
قالها يحيي ساخرا وهو يحفزه على الدخول لمشاركة تجمع الشباب الليلي بالداخل وذلك طيلة فترة غياب زوجته في زيارتها السنوية للقاهرة..
فاستجاب له مالك مازحا..
ـ والله حاسسها بتريقة معرفش ليه..
ـ أنت بتقول فيها.. ما هي فعلا تريقة.. بقى يا راجل في عريس يطفش من عروسته ويجي لقعدة البؤساء دول وهو لسه متجوز .. أنت عاوزهم ياخدوا سمعة زفت على الجواز والمتجوزين .. طب احمي ضهرنا وارفع رقابينا لو بالغصب..
ابعده من طريقه وهو يهم للدخول قائلا بلامبالاة..
ـ بقولك إيه يا عم يحيي أنا فعلا وصلت لدرجة أن معدش فارق معايا حاجة خالص فيقولوا اللي يقولوه بقى ..
ربت يحيي على كتفه وهو يهم بالدخول معه ..
ـ طب أدخل يا أخويا عشان تنول نصيبك من تريقتهم لما يشوفك راجع لقعدتهم بعد تالت يوم من جوازتك..
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
على مشارف منتصف الليل قلقت من طول مدة غيابه خاصةً وأن هاتفه المحمول تركه بالخارج ولم يتوانى عن الرنين.. إلا أنها تغاضت عن كل ما يدور حولها بانتهاز تلك الفرصة لدخول دورة المياه قبل عودته.. لهذا راحت تنفذ رغبتها بعجالة .. وعقب انتهائها شرعت تهرول نحو غرفتها لمواصلة عزلتها من جديد.. ولكن صوت فتح الباب الرئيسي وغلقه أعاق نيتها حين جاءها نداءه المتلهف من خلفها .. 
ـ بنان.. 
طاف الندم وجهها ولعنت غباءها على الخروج في ذلك الوقت ولكنها بذات اللحظة ممتنة لحرصها على إرتداء ما يصون جسدها وخصلات شعرها قبل خروجها من باب الغرفة .. عادت من دوامة شرودها  تجلي ارتباكها بنبرة مخشنة وهي تهم بالدخول .. 
ـ محتاجه أنام.. 
فعجالها برجا وصوته يقترب من خلفها عن ذي قبل.. 
ـ مجرد دقايق بسيطة مش هطول عليكي.. 
وقفت مترددة لبعض من الثوانٍ حتى همست وهي تستدير على مضض .. 
ـ اتفضل.. 
فقال وعينيه تقتحم تفاصيلها.. 
ـ كده وأحنا واقفين.. 
فرصد تزمجر محياها البادئ فقال مسرعا.. 
ـ خلاص مش مشكلة.. كنت بس حابب نكون مستريحين وأحنا بنتكلم..
فاجابته بنفاذ صبر.. 
ـ يا ريت تعرفني باللي عاوز تقوله من غير مقدمات.. 
وعى لجفائها ورغم عذرها في ذلك لا يعلم لِمَ ضايقه، متمتما .. 
ـ حاضر بعتذر عن كده .. أنا أولا متشكر جدا لكرم أخلاقك وتربيتك بأنك مخلتيش الأمر بينا يوصل للأهل أو للعدائية .. ثانيا بعتذر عن الأكل الجاهز اللي جبته وأنا معرفش أنك مش مياله له .. 
حستهُ بنظراتها المحفزة على المواصلة لهذا راح يستأنف حديثه قائلا.. 
ـ من بكره بأذن الله هشوف على قد معرفتي اللي ناقص المطبخ وأجيبه .. بس.. في حاجة.. كنت عاوز أعرفك بيها.. ودا طبعا بعد أذنك.. يعني لو وافقتي أو موفقتيش مش يهمك لأنه راجع لراحتك ولرغبتك أولا وأخيرا.. هو لولا هما بس اللي أحرجوني.. صدقيني عمري ما كنت هوافق عليها.. وأنا فعلا رفضت.. بس هما ..
فرمقته بحاجبين مقطبين لمدى مغزى كلامه فعاد يوضح لها بارتباك.. 
ـ بصراحة كده الشباب المصرية اللي معايا في شغلي وسكنين معنا في العمارة هنا متعودين لما مرات واحد فينا توصل يتعملهم منها عزومة على أصناف مصرية من اللي افتقدوها في الغربة.. گ حنين لأهلهم ولوطنهم يعني ..وأنا.. وأنا بصراحة كنت ناسي النقطة دي وأتفاجأت بأنهم دبسوني فيها غصبًا عني.. 
وصلها غرضه فساد الصمت والترقب بينهما لدقائق طوال حتى قال مطأطأً.. 
ــ خلاص فهمت..  أنا بعتذر ليكي.. هحاول أبلغهم بأي عذر وخلاص.. وأنتي متشغليش بالك..
ختمها بنبرته اليائسة ينوي الاستدارة والبعد فتفاجأ بطلقتها الصاعقة 
ـ أمتى..؟! 
رفع عينيه من أطراقه مندهشا يكاد يكذب أذنيه وهو يردد متشككًا .. 
ـ أمتى أيه! 
فأجابته بأصرار.. 
ـ أمتى الميعاد اللي أتفقتم عليه.. 
فقال بحبور بعد تأكده مما سمع .. 
ـ بصراحة لسه متفقتش معاهم على يوم.. كنت شبه متأكد أنك هترفضي.. متوقعتش أنك توافقي.. بس أنتي فاجئتيني.. 
إلا أنه أدرك مهاترة حديثه فقال موضحا .. 
ـ أنا.. أنا .. قصدي هتفق معاهم على اليوم اللي أنتي تحدديه بنفسك.. ومتشكر جدا والله عمري ما هنسى ليكي الموقف ده وإنقاذي منه .. 
رمقته بنظرة جانبية جافة متمتمة ..
ـ دا مش جميل لشخصك أكتر من كونه واجب تجاه الإنسان الغريب اللي بيصرف عليا في فترة وجودي هنا.. 
حدة تصريحها سلب أنفاسه تماما گ نزع شوكةٌ مؤلمة من بين اللحم والأظافر مما أغمض عينيه بعتاب.. 
ـ ليه تاخديها كده.. وأنا اللي كنت بقول أنك أخيرا سامحتيني وهنبقى على الأقل أخوات .. 
لمعت حدقتيها بالدمع من وصفه الجديد لعلاقتهما بالرغم من تلك الوثيقة بينهما .. ألا أنها حدثته بشموخ صبغ مشاعرها ..
ـ لازم أخدها بالمعنى ده لأن ملهاش معنى تاني عندي غير كده.. أنا واحدة غريبة عنك كرامتي متسمحليش بأنك تصرف عليا .. ومقابل مصاريف الأكل والشرب.. الشقة وتنضفها وتحضير الأكل من مسئوليتي بالأضافة طبعا لعزومتك الطارئة .. 
مستديرة لفتح الباب للمواره خلفه إلا أنها عادت تواصل بنصف إلتفاتة .. 
ـ حاجة أخيرة.. نقطة المسامحة دي متطلعش ليها كتير لأن صعب قوي تتحقق بعد اللي أنت عملته.. 
ــــــــــــــــــــــــــــــ

عصفورًا ضل طريقه بين أزقات غربته ..

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

Health and beauty category