القائمة الرئيسية

الصفحات

عند مفترق الطرق الحلقه الحادية عشر (نوفيلا)

 عند مفترق الطرق الحلقه الحادية عشر (نوفيلا)

 لن يقتلنا الهيام بقدر تأنيب الضمير ..

حرب قاسية لا يخوضها إلا ناظفي القلوب ..

فهل لها من جبر .. هل لها من اطمئنان ؟!

لتختزل الأجوبة بتطيبٍ واحد ..

" ما على الله ببعيد "

عند مفترق الطرق الحلقه الحادية عشر (نوفيلا)


*********


الحلقة الحادية عشر ..


في العاشرة مساءً بتوقيت الكويت والتاسعة مساءً بتوقيت القاهرة اتخذ مبرره جسرًا لعزلتها .. ولا يعلم أهي حجّة لقطع البعد أم لإجراء المكالمة حقا .. لم يعر لاضغاث أفكاره وتشتته بالاً .. وهمَّا يطرق بابها الموصد منذ ربع الساعة ولكنه جاء إليه دون إجابه .. اغتاله القلق بعد أن شك متوجسا في سلامتها .. مجاهدًا لفتحه مرة أخرى ولكنه فشل كما المحاولات السابقة .. فهجم عليه بضربات كتفه الموالية حتى كاد يقلعه من قوة ضرباته .. فأنصت أخيرا لنبرتها الفزعة وهي تفتحه على مصرعيه بينهما ..

- في إيه .. اللي حصل لكل ده !


فوجد يد النوم تقبض على محياها بعزيمة وأصرار رغم بوادر فزعها .. حدقتاها المتراخيتان تقاوم الضوء بوهن يماثل برائة الأطفال .. وردية صفحتها هادئة شاحبة ترفرف روح من يبصرها وتذيب خلاياه .. فأعفى عمّا به بتنهيدة جليلة يعيد بها ثباته، مرددًا بإرتباك ..

- أنا خبطت كتير ومردتيش .. دي مش عادتك .. فقلت أفتحه بطريقتي 


أعادت ضبط حجابها المتزحزح قليلا هامسة بغير توازن ..

- محستش بحاجة .. كنت نايمة مرهقة ..


أومأ يتفحصها بتمعن مرة أخرى مرجحًا حالتها تلك بسبب ما قامت به اليوم من مجهود مضني دون أن يسكن جوفها الطعام حتى وقتهما هذا .. فلانت ملامحه شفقة عليها .. والهدوء يرافق جملته التالية وهو يشير إلى هاتفه بيده ..

- بصراحة أخويا من يومين كان .. كـ كان معرفني بأن أمي وأبويا عاوزين يكلمونا الجمعة .. عشان يعني يبــاركو..... 


لم يستطع استكمالها لوضعهما الحرج گأنه بات بين وهلة وضحاها أبكمٌ .. على أثر فعله زاد شحوب وجهها عندما فطنت جيدًا كلمته المبتورة .. مما تركت أطراف حجابها فزعة عائده لضبطه مجددًا .. وهي تهذي بعفوية ..

- ها.. ؟!


شعر بفزعتها من خبريته والأهم بضعف قواها البيّن .. لهذا امتص شعورها بنبرة هادئة مطمئنة ..

- على مهلك لسه في وقت قدمنا .. غسلي وشك وصلي المغرب والعشا .. وأنا مستنيكي ..


ثم ابتعد عقب إيماءه هادئة من جانبها نحو غرفة تحضير الطعام لتنفيذ فكرة طارئة لاحت على مخيلته خلال تلك المدة ..

بدأها بأخراج قطع السجق من البراد .. ولاحقها بتقطيع بعض ثمار الطماطم والفلفل .. ثم أخيرًا البصل الذي ترك معركته الطاحنة للنهاية ..

لينجح بصعوبة في اجتيازه بالكثير من الدموع المنهمرة والرشفات المتوالية .. مضمدًا عينيه الملتهبة كل حين بقطع قطن مبللة بالماء .. وهو يدمج مكونات طبقه تدريجيًا فوق النار .. حتى نضج سريعًا .. وخرج به إليها مع بعض الخبز صائحًا وهو يتفحص موضعها ..

- بنان تعالي كلي ليكي لقمة قبل المكالمة ..


فخرجت عليه من غرفتها باسدال الصلاة .. يغطي ارتباكها ملامح دهشتها من خطوته المفاجأة ..

- أااانا .. مليش نفس ..


استقام يبصرها بتعجب فوجد الاضطراب والشحوب مازال عنوانها .. فجاهد يقنعها بجديته .. 

- لو مكلتيش هتقعي من طولك .. أنتي طول اليوم واقفه على رجلك والارهاق ظاهر عليكي .. 

كادت تعترض فراح يواصل عليها بإقناع .. طب بلاش عشانك .. خليها عشانهم على الأقل .. عشان ميلاحظوش عليكي أي حاجة لو كلمناهم ..

فباتت مترددة فعاجلها بحجته لبتر سبلها في الرفض ..

- يلا ما فيش وقت يدوب ناكل ونغير هدومنا .. أمي وأبويا بيناموا بدري وأحنا كده هنأخرهم ..


فاضطرت على مضض بالتقدم نحو الطعام مرغمة وهو يراوغها بمزحة خفيفة يستعيض بها عن سعادته في اقناعها ..

- أنا بصراحة مش شاطر في تحضير الأكل زيك .. ولولا أن تشويح السجق مع الخضار حاجة سهلة وسريعة تغني عن الأكل الجاهز اللي مابتحبهوش مكنتش فكرت أدخل المطبخ خالص وكنا قضناها عيش وجبنة ..


فانفرجت شفتيها بابتسامة باهتة متوترة وهي تحاول بالكذب أن تمضغ أي قدر من الطعام في ظل تشوش عقلها بالمستقبل القريب خاصة بين جنبات تلك المكالمة القادمة ..


-------------------- 


بعد انتهائهما واستبدال ملابسهما جاورته على نفس الأريكة بعباءة أنيقة تناسب حدثهما الجاثم .. الذي تسبب باضطرابها وانتشل النوم من عينيها دون رجعه .. فحماتها الحنون ورجلها المشيب اللذان لم تشهد منهما أي ضغينة قط على موعد أسري معهما بصفتها الكنة والابنة .. فأي حرفية تمثيلٌ ستجلب ببرائتها تلك .. والأدهى أن نجحت وتوفقت أمامهما هل سترضى عن تلك الخديعة ؟!


هي مرغمة .. مجبرة على جبر خاطرهما .. لا خيار أخر أمامها .. لا خيار والله وحده يعلم بهذا .. حين وضعت بين اختيارين لا ثالث لهما .. كلهما مُر !


حافظان بقربهما الودود المفتعل بألا يفصلهما إلا بضع سنتيمترات حتى تحتضنهما الكاميرا معا أمام أهله وعزوته ..


"مبروك يا ضنايا .. والله عشت وشفت اليوم اللي مراتك توازي بكتفها كتفك يا حبيبي بعد ما كنت فقدت الأمل .." 


تهافت عليهما لهفة والدته عقب فتح بثهم المباشر .. فرمق الجالسة جواره بابتسامة ودودة ولا يعلم لِمَا وهو يجيبها باهتمام .. 

" الله يبارك فيكي يا أمي .. طمنيني عليكي الأول .. أخبارك أيه وأخبار صحتك.." 


" في صحة وفضل من ربنا يابني طول ما أني شيفاك بخير وسرك هادي بعد كل السنين دي الله لا يعودها مطرح ما راحت .."

قالتها المسنة بحنين جارف نحو ولدها ختمتها بامتنان لزوجها المسن بجوارها ..

" ياااااه حسه من كتر ما أني مش مصدقه أني بحلم ياحاج حسنين والله .."

ليهمس لها بدوره مهمومًا ..

- والله ماقادر استوعب لغاية دلوقت أزاي وافقتك على كسرة النفس دي .. بقى أخر فرحتي والمتعلم الوحيد اللي في أولادي ودايما مشرفني ورافع راسي أشوف فرحته تعدي كده قدام عيوني زيها زي واليعوذ بالله الفضيحة اللي بنسترها ..


مع كلمات والده المتفاخرة بشخصه ومستواه العلمي كبله الخزي رغمًا عنه حين تذكر سره الغامض معها والذي سيأتي بأعناق والده حتمًا للحضيض .. لهذا وراى ندمه بحشرجة مبحوحة ..

- اللي حصل حصل يا حاج متشيلش نفسك فوق طاقتها .. 

مواصلا بأحراج وهو يرمق من جواره بنظرة خاطفة ..

- ومتنساش .. أننا .. وافقنا عليها أحنا كمان مش بس أمي .. المهم عندي دلوقت أنكم بخير .. وفوق راسنا أنا وأخواتي .. حسكم بحسنا دايما .. وأي حاجة بعد كده تهون وتتعوض ..


احتضنت حدقتا والده صورته باشتياق .. مردفًا ..

ـ ربنا يبارك فيك يا بني طول عمرك بتقدر بكلامك الحلو والموزون تتحكم في حزننا وتراضينا .. ربنا يفتحها عليك بعلمه ويديم برك علينا أني وأمك ويرزقنا اليوم اللي نشوف فيه خلفتكم على خير ..

همس بها الأب برضا متطلعًا لبنان بحنين جارف..

- مش كده ولا إيه يا عروستنا الحلوة ..


ألجمهما قسوة تضرعه على قلبيهما بالصمت التام والأحراج الشديد فيما بينهما .. فعاجلته المسنة تمتم على حديثه بابتسامة حابرة وهي تطالعها بإشتياق..

ـ يا رب يا حاج يسمع منك ويكون باب السما مفتوح .. ما هي غلاوتها خلاص بقت من غلاوة مالك وأكتر..


أمام طهر مشاعرهما اضطرت "بنان" أن تتخطى احراجها وحزنها الداخلي بابتسامة واهنة وهي تجيبهما بوقارٍ مبجل..

ـ ربنا يعز أصلكم يا بابا أنت وماما ويبارك في عمركم .. أنتم اللي معزتكم بقت في القلب زي والدي وولدتي وأكتر ..


بنظرة متمعنة نضبت من الأم نحو ولدها رصدت تحجر معالمه البين فهتفت بقلق ..

ـ أنت كويس يا بني .. فيك حاجة ؟!


فتلجلج مالك يراوغها بابتسامته المرتبكة..

ـ أحم .. هيكون مالي يا أمي .. ما أنا كويس قدامك أهو الحمدلله ..


ـ أمال حساك فيك حاجة ليه يا ضنايا.. أوعى تكون مبتاكلش وتشرب كويس يا مالك؟!


فهم يجيبها ليهدأ من روعها ولكنه تفاجأ بمن جواره تزيح عنه هم الإجابة بقولها الهاديء المرح..

ـ وبتقوليها في وشي كمان يا ماما.. امال لو مكنتش دوقتك أكلي في الخطوبة وشكرتي فيه.. غير أن عملتله النهاردة بالذات كفتة رز بالصلصة وخلص ليا على أكترها قبل ما تنطبخ..


هي إمرأة تتفهم جارفة الأمومة وقلقها وإن لم تتعايشها .. لهذا راحت بطريقة نسائية تفهمها العجوز ببث الطمأنينة التي تطمع إليها منذ البداية .. وبالفعل لمست نتائج تصرفها عقب رد حماتها المجلجل بالضحك والذي فاجأت به الجميع حين غادرها القلق وحل محله الراحة ...

ـ هو عملها معاكي.. حبيب قلبي من وهو صغير بيحبها أكتر من اسمه.. لدرجة أن بقيت أعمل حسابي في مقدار قد اللي بطبخه مرتين تلاته عشان اعوض اللي كان بيسرقه من ورايا وفاكرني مش عرفه بيه ..


ـ أمي!


خرجت منه بحزم علي غفلة والإحراج يخالط صفحته فبغت بمن جواره تجيبه بتودد صنعته بينهما توًّا بحرفية تغبط عليها ..

ـ بتحذرها ليه يا مالك ما أنا عشت الواقع معاك النهاردة خلاص وشفت بنفسي محدش قالي..


حينها رغمًا عنه ألتفت إليها .. يأسر بعسليته عينيها في نظرة مبهمة دافئة لا لغة لها ولا ترجمة.. نقلت لها الإرتباك والإحراج مع خفقات قلبها المستمر .. فتحررت منها هاربة وهي تواصل لوالدته بمشاكسة ..

ـ تتصوري يا ماما بقى يتحايل عليا زي الطفل الصغير عشان خاطر أديله واحدة بس.. ومسكتش الا لما خبتها بعيد عنه وخرجته بره المطبخ. 


لتبادلها والدته بضحكةٍ رنانة ..

ـ والله كويس أن حد جه وقدر عليك يا مالك أخيرا ولحق صحته بدري بدري بعد ما ضيعت شبابي في عجينها . 


فقال مالك بنفاذ صبر وهو يستغيث بوالده..

ـ ما تحضرنا ياحاج .. مش كده أمال..


فتفاجأ به بذات نوبة ضحكهما.. مرددا

ـ كسفتنا يا مالك وضيعت هيبة رجالتنا قدام الحريم عشان صابعين كفتة محمرين ..


لتستكمل الأم الحديث متمتمة بعد أن هدأت نوبة ضحكها.. 

ـ الله يحظكم يا أولاد .. فكرتوني باللي نسيته.. ورجعتوني لأيام كنت بعزها قوي.. وخلتوني أضحك من قلبي تاني زي زمان ..

مطالعة بنان برجا ولمعة الدموع تطوف بعينيها في حالة قُلبت للنقيض ..

ـ خلي بالك منه يا بنان .. افتكري دايما وأنتي معاه أن ليه هنا أم ملمستوش من أربع سنين .. بتدعي ربنا كل يوم يطول في عمرها لما تخده بين ايديها وفي حضنها من تاني .. فتتقي ربنا فيه وتعوضيه لغاية لما خالقنا يأمر باللقاء ..


فعاجلها مالك بشجن عقب رؤية دموعها تتساقط بحال غير حالها السابق تمامًا..

- ليه الكلام ده طيب يا أمي دلوقت ما أحنا كنا كويسين .. ربنا يديكي طولة العمر وأنزلك بالسلامة قريب وتشفوني إن شاء الله على خير ..


عقب همسه ذاك شعر والده بالمنحنيات القادمة للمكالمة من بكاء وحنين فعاجل مسرعًا.. 

ـ أنت عارف أمك وعوايدها يا مالك يا بني أني وأخواتك الصبيان معاها متخفش .. فوق أنت لنفسك و لعروستك واتهنوا مع بعض عشان دايما نسمع عنكم كل خير .. يلا نسيبكم في رعاية الله وحفظه .. 


مع تأثرها بمشاعر المسنة ورصدها لانتهاء المكالمة راحت مهمومة هي الأخرى تنسحب نحو عزلتها بغربة تامة ودموع متساقطة .. فعن أي ذنب تمادت لتقع في ذلك الإبتلاء .. فآلا يكفيها تبدد حبها للأبد ليأتيها ذنب تلك المرأة وما أقترفته في حقها .. استغفرت ربها بتوالي لإقتناعها التام بأن من يحبه ربه يبتليه .. يطهره .. يصطفيه .. هي فقط نواها أن تجبر بخاطرها ولكنها الآن باتت نادمة جدًا بعد محادثتهما .. تشعر بالذنب والضياع .. 

ساقتها ساقيها الرخوة نحو غرفتها وهي تجلد روحها بسياطٍ مؤلم .. مما أوشت إليه حالتها الهشة المتكورة وهو يطالعها بصمت بأنها لم تكن هي من تحدثت معه ومع عائلته بتلك الأريحية منذ قليل .. بل عادت المرأة المتقوقعة التي تسكن تلك الغرفة المنعزلة من جديد .. فهمس يقطع خطاها بحشرجته الهادئة ونبرته الممنونة ..

- متشكر قوي على اللي عملتيه مع أمي ..


مع مولاة ظهرها له تصلبت خطواتها والصمت حليفها .. وما أن اعادت ضبط تهدج أنفاسها حتى استدارت تبث إليه أقتضاب كلماتها ..

- ماقدرش اشوف حد قدامي سعادته وجبر خاطره بين ايديا ومقدمهاش .. بس بعد اللي حصل دلوقت اقتنعت أن بشارك في كذبة وضيعة ساعدتك على تنفيذها .. وللأسف مجبره أن امشي فيها للأخر مع أمي وأبويا المريض كمان .. 

مواصلة وهي ترجمهُ بحمرة عينيها وزخات دموعها .. عارف ليه؟ .. عشان أهلنا ملهمش ذنب في اللي وصلنا ليه! 


ثم غادرته تائهة حزينة الجمود لها شريعة .. ليقتفي أثرها بعينين ساهمتين وكل حرف من حروفها كاد يجلده ويسحق ثباته دون رحمة .. ساخرًا في خبيئة نفسه من ترجمة طريقتها الناعمة الودودة معه ومع الأهل بالخطأ .. حيث كان يظن بأن عاصفة روحها هدأت قليلا وصارت ترغب في ترميم ما خلفته كوارث الأيام بينهما .. 


وما خرج ظنه أمامه الآن إلا دربًا من دروب السراب !


ــــــــــــــــــــــــــــــــــ


صدق حدسها حين توالت عليهما مكالمات والديها وأسرة شقيقتها هي الأخرى بعد نصف الساعة لأجل المباركة .. ليتم بثها بكثيرٍ من الود والمرح المتصنع من جانبه هو وهي كما حدث مع والديه .. لتبتعد عقب الإنتهاء بذات المشاعر الحزينة تواصل الجفاء بين جنبات صومعتها حتى الصباح .. يسمع شهقاتها ونبرة بكائها الملكومة طوال الليل .. عاجزًا على إيجاد حل يرضي كل الأطراف ولا يدخله مرة ثانية في ذلك الخداع كما تصفه.. 


إلا إنه لم يجد ..


لتتم مغادرته للعمل بكثير من التراخي والحيرة بعد أن جفاهُ النوم طوال الليل .. و تخليه في أثناء ذلك الوقت عن اتصال الإنترنت بهاتفه بعد مكالمتان الأهل .. غير راغبًا للمرة الأولى بمحادثة سارة الليلية المعتادة في حدث مستجد على قلبه .. ولا يعي سببًا أو تفسيرًا يخفف عليه تشتته ذاك .. كل ما يعلمه أن داخله جبهات متناقضة بين سارة وبينها اقتدته نارًا وحيرة .. مما عكست حالته الشاردة عليه طوال فترة عمله الصباحية .. يميل برغبة خفية نحو ساكنة منزلهُ ويعتدل عاتبًا نحو ساكنة قلبه .. مكذبًا شعوره الحاني والجديد نحو تلك البنان رغم اليقين بخيوط صدقه .. 

حقًا كان في حالة يرثى لها .. فكيف لا؟!.. وصورتها لم تغادره إلا لمامًا بعدما اكتسحت المنافسة .. وصارت تتراقص بدلال في مقلتيه .. فـ يوارده ابتسامتها النادرة گ نسائم السحر الهادئة .. تغافله .. تخدره .. تسحره .. تَمن على شفتيه المتيبسة بابتسامة هادئة غير مدركًا بها .. مما شغلت وحدة عمله الراكدة گ رفيقٍ عزيز يحاكي اسراره .. وآنست روحه گ طبيبٍ حكيم يُطيب جراحه .. 


ظل هكذا هائمًا .. تائهًا .. مترنحًا في حلو ذكراها إلى أن عصفه رياح ردودها الهوجاء عليه بالأمس فأبدلت كل شعوره للنقيض .. ردود مستفزة استرقت سلامه النفسي .. أخلفته من بعدها متقلب المزاج .. سيء التركيز ..


ومن بين هذا وذاك كان متعجبًا من كل تقلباته الجنونية التي غزته على حين غفلة ما أن جاوره وجودها !


----------------


بالقاهرة كانت سارة في اليوم التالي تتهادى بخطواتها نحو غرفة الاستقبال لكشف شخصية ضيف والدها القادم .. ومع أولى طرقاتها الخفيفة على الباب وولوجها من فورها تسمرت قدميها مع اهتزاز رأسها بالرفض وهي تهذي بجنون ..

- مستحيل ..


-------------------- 


تزاوت بفراشها هاربة شاردة في عالم أخر يخاصم عالمها الحقيقي .. تحاول جاهدة أن تجد تفسيرا مقنعًا لِمَا لم تستطع عليه صبرًا .. سمفونية نحيب فتياتها الثلاث أبت أن تقلعها من بين جدران حالتها تلك إلى أن خرج رجلها من دورة المياة وقال مندهشًا ..

- ماهيتاب فيكي أيه؟ .. البنات بتعيط بقالها وقت .. وأنتي ولا أنتي هنا! 


جدية نبرته القريبة منها والحازمة ذهبت بطقوس العزلة بعيدًا، فعادت إليه تلتقط أطراف جملته باستفسار متعجب ..

- مين؟ .. البنات! .. من أمتى؟!


ثم همت من فوق الفراش بلهفة صامتة نحو غرفتهم دون انتظار إجابة، ليتبع خطاها مسترآفًا ..

- مالك .. مش عوايدك؟!


فأجابته نافية وهي تشرع بتغير حفاضتهن واحدة تلو الأخرى ..

- أبدا يا راشد .. عادي سرحت زي أي حد ما بيسرح وفعلا مأخدتش بالي ..


بوادر حزنها وارتباكها جعلاه يلين لحالها ومن ثم راح يقترب لبدء مساعدتها، وهو يتمتم حائرًا ..

- ما أنا عشان كده بقولك مالك ..


عند حصارها بكلماته زفرت بضيق تاركة ما تفعله ومن ثم التفتت تطالعه وهي تجيبه بنفاذ صبر .. 

- راشد هو أنت خال عليك تصرفات صاحبك بجد ..


مع بوادر صدمته الصامتة راحت تستأنف بعجالة.. 

- أقصد مصدق أن الاتنين اللي كانوا قدمنا دول متجوزين زي أي راجل ومراته فعلا ..


طالعها من تحت كثب حاجبيه مندهشًا فبالرغم من مدارة شكوكه إلا أنها جاءت ولعبت على وتر حساس جاهد لأخفائه .. وذلك بعد رؤية صديقه المفترض المتزوج حديثا يسكن الاتصال المباشر لمواقع التواصل الإجتماعية طيلة ساعات الليل لأسبوع عرسهما المنصرم .. ليزيده حيرة جمود مكالمتهما بالأمس .. 

إلا أنه فاق من شاردته يتصنع أمامها الغباء بسؤاله المستنكر ..

- أي تصرفات؟ .. انا مش لاحظت حاجة! 


جزت بخفة على أنيابها وهي تجيبه ..

- بقى مش ملاحظ تحفظهم مع بعض .. بنان مركزه معايا وهو مركز معاك .. مفيش أي رابط بينهم خالص .. أكننا في مكالمتين منفصلتين .. حتى لما حاولت أجمع بينا أحنا الأربعة في الكلام هي هربت واتقصدت تنفرد معايا ومعاك .. وشها دبلان وحزين مهما حاولت تضحك في وشنا .. غير من قبلها تقولي متفرشيش حاجتي وسيبي كل حاجة في كراتينها مع أنها كانت منبه عليا قبل سفرها بأن افرش لها حاجة شقتها ع رواقة من لحظة سفرها ومستناش لقرب نزولها ..


يعي بأن حديثها صادق .. وأن شكوكها لا يستهان بها .. ولكنه جاهل مثلها سرهما الغامض .. ولن يظل هكذا في حيرة وعجز دون سببًا جازم .. لهذا حاول أن يأخذ الظن الحسن بديلا حتى يثبت لهما يقينا العكس .. فضحك وهمّا يترك ما بيده وهو يحتضنها من الخلف مشاكسًا ..

- يا ساتر يا شيخة على شكوك اللي ما بتخلصش .. الراجل ومراته لازم يظهروا قدامنا كده من كسوفهم زي أي عريسين جداد .. وبجد ملاحظتش حاجة غير مألوفة تستدعي حالتك القلوقه دي .. 

ثم راح يتركها وهو يواصل حمل أحد أطفاله الثلاث متمتما ..

- سيبك أنتي من خيالاتك دي واستعجلي بالرضعات أنا مستني بره عشان اساعدك قبل ما أنزل الصيدلية ..


خرج عقبها هاربا من حيزها بابتسامة مزيفة تبث إليها الإطمئنان ولا تعكس دعائه الخفي لربه عن جعل الأمر كما قال لها بالفعل ..


------------------


رفقاء العمل لم يغب عن ناظريهم تقلبات وجهه ولا حالته التائهة .. مندهشين من استجداءه الذي ليس بهيئة عريس حديثًا مطلقًا .. لهذا عاجله أحدهم قائلا ..

- مالك ما تقوم تريح نفسك النهاردة مش لازم تطبق الوردية كاملة زي كل يوم .. أنت شكلك مرهق قوي وده هيضر المرضى قبل ما هيضرك في شغلك ..


طالعه حائرًا من شاردته .. مستفسرًا 

- ليه بتقول كده! .. ما أنا شغال كويس أهو الحمدلله ومفيش تقصير حصل ..


- يا مالك ما تكابرش شغلنا ده بالذات عاوز تركيز لأن أرواح البشر بين أيدينا .. وأنت فعلا مش مركز .. ومش هتكون مبسوط لما نستنى بعد الشر يحصل حاجة ..

مواصلا وهو يربت على كتفه بهدوء ..

- قوم .. قوم روح نام لك شوية عالج أرهاقك ده وأنا هطبق مكانك في الوردية التانية ..


فتمتم عليه مالك معترضا، فعاجله رفيقه باقتناع ..

- متقولش لا .. وأقولك أبقى عوضهالي يا عم بعدين .. مع أن أحنا ولاد بلد واحدة وفرض علينا نشيل بعض من غير جمايل ..


عرضه المغري بالفعل كان يحتاجه بشدة گ علاج لحالته التواقة للاسترخاء ولكنه كان يكابر .. لهذا قبله دون جدال متمتما ..

- تسلملي يا منصور .. دا العشم برضه ..


ثم همَّ يسلمه بعد الملاحظات مغادرًا عقبها رأسًا نحو شقته .. 


------------


- مستحيل ..


تفاجأت .. واندهشت .. ثم تراجعت متقهقرة حتى استدارت وصعدت الدرج ثانيا .. ونداءات والدها من خلفها تتلاحق .. ولكنها تجاهلتها عن قصد ولم ترد .. لهذا تبعها في الحال .. حتى دخل غرفتها خلفها وقال لها بجدية مفرطة ..

- إيه اللي عملتيه دا أنتي اتجننتي ..


استدارت تؤكد مقولته بهجوم ..

- ايوه اتجننت يا بابا .. لأن مش هقابله يعني مش هقابله ..


فحذرها بسبابته وعينيه تقتنص وجهها بقوة ..

- اسمعيني كويس يا سارة .. لأن شكلك بعد العمر دا كله لسه مفهمتنيش ..

اوعي تفتكري أن عشان متكلمتش ونقاشتك في موضوع طلاقك يبقى أن موافق عليه أو على الأقل هسكت على الوضع الراهن دا .. يبقى بتحلمي .. أنا ساكت بس طول الشهر اللي فات عشان اسيبك تفكري وتعقلي وتخرجي بالقرار السليم لحياتك ..


فاجابته بتهكم وهي تعقد ساعديها أمام صدرها ..

- ويا ترى رجوعي لـ "جلال" طليقي هو دا القرار السليم لحياتي من وجهة نظرك ..


فهدر صوته بغضب ..

- أمال هيكون مين .. الواد اللي منعرفش اصله من فصله وبيتجربع في الغربة عشان شوية ملاليم .. وحتى لو كبر واتغندر عمره ما هيحط راسه براسنا ..


- باااابا ..


- متفتكريش أن نايم على حالي ومعرفش ايه اللي بيحصل من ورا ضهري .. أنا بس سايبك بمزاجي عشان عارف أن اللي عاوزه هو اللي هيتنفذ في الأخر .. 


احتقن وجهها بالدماء وهي تجيبه في ضيق ..

- وأنا معنتش البنت الساذجة السلبية قدامك .. اللي هتسمح بكده 


فراقبته يتجاهلها وهو يغادر بضحكة متهكمة دون حديث .. فقالت مستأنفة من خلفه بعلو صوتها ..

- سامعني يا بااابا عمري ما هسمح بكده تاني ..



-------------------- 


مع أولى حركته لفتح الباب كان محني الرأس غائب التركيز .. ومع ذلك عند ولوجه للداخل محى الأرهاق جنبًا ونظر لباب غرفتها بلهفة وشوق .. ليتملكه اليأس والحزن عقبها من مواصلة غلقه .. 


ألقى بنفسه على أقرب مقعد أمامه مهموما متمنيا رؤيتها توًّا .. ولا يعلم لِمَ .. لكنه شعورًا بات يحبو لتحقيقه .. لتجود عليه ذاكرته في الحال بومضات خطوبتهما المتحفظة .. كلماتهما المستحية .. هماستهما الناعمة .. وحديثهما العام .. 


عند هاجسه الأخير زفر بضجر يحرر أزر قميصه لأجل نيل حمام يرطب حرارة العقل اللافحة من تفكيره الغزير بها لا من حرارة الجو اللاذعة .. نزعه بعيدًا عنه قائمًا لجلب منشفته معه نحو دورة المياة .. فسمع حركة هادئة .. دقق بسمعه في ذبذباتها الخافتة .. فتعجب بأنها لم تخرج من المكان الوحيد المحتمل أن تخرج منه .. بل من جهة أخرى تمامًا .. جهة مغايرة عن صومعتها .. حينها رصد مصدر الصوت المتزايد بعينين جاحظتين وقلب استكان نبضاته عندما وعى لوقت عودته المخالف لإتفاقهما ..


وبالفعل أدرك شناعة تصرفه عند خروجها عليه بعد نعيم حمامها بمنامة قصيرة حملاتها واهنة المنشفة تطوق خصلاتها الندية من فوقها ..

ليكون لها ذات صدمته .. شخوصه وتوقف الأنفاس .. صراخات قلوبهما الواجفة .. وهما يواجهان بعضهما البعض بذات حالتهما المتجمدة .. 


-------------------

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

Health and beauty category