القائمة الرئيسية

الصفحات

عند مفترق الطرق الحلقه العاشره (نوفيلا)

  عند مفترق الطرق الحلقه العاشره (نوفيلا)

كلنا في الحب مغلوبون على آمرنا ..

معصوبين دون هدي .. تائهين بلا خطى ..

مستمرين في الضلال .. 

حتى تتبدد الغمامة ويأتينَّ اليقين 


-------------------------- 

عند مفترق الطرق الحلقه العاشره (نوفيلا)


الحلقة العاشرة ..


صباحًا فاق مغيبًا على ما يدغدغ أنفه من رائحة نفاذه .. متفاديًا ألفتها بحركة رأسه المعترضة لكي يهنأ بغفوته .. بعد أن زاره النوم متأخرًا أثر تنفيذ وعده لمحبوبته سارة بين جنبات مكالمة مطولة .. متحفظة .. لا يشعر خلالها بالراحة .. ومع ذلك ظل يكابر !


لم يشعر عقبها لا بصلاة الفجر .. ولا بقيام تلك البنان ومواصلتها للعمل في تحضير الطعام منذ البكورة ..


الرائحة الشقية عادت تداعبه تلك المرة بأكثر قوة فحمتله على وهنِ وحالميةِ لذكرى طفولته .. مما فارقهُ النوم وقام منتصبًا يتتبعها بإرادة مسلوبة ويده تعبث في خصلات ذقنه النامية عن مكنونها المآلوف .. مرجحًا بأنها رائحة أكثر الأصناف التي يشتهيها منذ الصغر من يد والدته .. أكد على مقترحه بأصرار كلما ساقته ساقه نحو بؤرتها .. فهي أكثر الأشياء التي لم يخطأ بها مطلقا ويتمنى أن تكون أمامه في التو واللحظة حتى يغتالها .. برفق وتأني اقتحم محيط المطبخ عليها وهي منشغلة بفعل شيء ما وتعطيه اهتمامها .. فـ راح بحذر يشرف ببنيته عليها من الخلف ليجدها تحمر بها فعلا .. فهمَّ دون وعي يقترب منها .. يقترب جدًا .. حتى مد يده وتناول واحدة من أمامها ووضعها في فمه بنهم وتلذذ كما كان معتاد دائما عند صنعها .. بينما هي عقب احساسها به التفتت إليه جافلة .. مندهشة .. مُحرجة من قرب المسافة بينهما لهذا الحد .. والأهم مستغربةٌ فعله أو گونه هو من دون البشر يفعل ذلك .. ليدرك بفنطته هالة اندهاشها .. فهمّ يفسر فعله بإحراج وعينيه تغتال ثبات الأخريات بشهية جامة ..

- بصراحة كفتة الرز المحمرة مبقدرش أقاومها من صغري لما أمي كانت بتعملها ..


جُرأة تصريحه لم ترحم خجلها بل زادتها اضعافًا، لهذا ازدردت ريقها وابتعدت من أمامه هامسة ..

- كنت أنا وأخواتي كده برضه مع ماما ..


شاهدته لم يبالي لابتعادها وسببه وهو يقترب مغيبًا لتناول ما يستطيع تناوله بشهية مفرطة .. تشابه عليها حالته حينها بعفوية الأطفال ولهفتهم المتنامية نحو ما يحبونه خاصةً وهو مشعث الخصلات أثار النوم مازالت تظلل على عينيه بدلال .. 


- وااااو .. كنت دايما بقول مفيش حد يقدر يتخطى أمي فيها .. بس الشهادة لله أنتي أهو أثبتيلي العكس ..


فاقت من شاردتها على نغمة اعجابه ثم جملته عقبها مما طاقت عينيها عينيه في فعلٍ نادر .. تحاول أن تستشف منه حقيقة ما سمعته فربما خرجت منه گ مجاملةٌ عابرة .. فابصرها بالقوة المؤكدة وهو يهم بتناول المزيد ولا يكف .. حينها بلغ الخجل منها مبلغًا خبأته وراء جملتها الحازمة ونبرتها الصامدة ..

- طب بعد أذنك كفاية كده عشان ألاقي حاجة أطبخها في الغدا ..


لم يعيرها اهتمامًا بل استمر في تناول المزيد ليجاور أمثاله في فمه .. فهمت تجذب الوعاء منه بزفرة ضجر قائلة ..

- وبعدين بقى .. كده هنتحرج مع الناس لما يجوا في معادهم ..


فتوسلها بعطفه وهو ينوي على خطف واحدة أخرى ..

- أخر واحدة بس عشان خاطري .. وهسامحلك في الباقي تطبخيه ..


تعجبت من شيم اخلاقه وجود كرمه بخبريته الأخيرة فقالت متهكمة ..

- متشكره لكرمك .. وبرضه من غير الواحدة دي .. لأن الكمية محدودة ومعرفش هتكفي العدد اللي جاي ولا لا ..


قالتها بحزم و ولته ظهرها تخبئ كنزها بعيدًا عنه ليأتيها من الخلف متحايلاً وذراعه اليمنى تسبقه نحو الوعاء .. فتجنبت جهتها بشماتة ليراوغها بذراعه الأخرى من الجهة الثانية وينتشل واحدة تبهج فمه .. ضاحكًا بعجرفةٍ مازحة وهو يهم بالمغادرة ..

- نصيحة لوجه الله افرضي قوتك كويس قوي على باب المطبخ لأن احتمال يجوا مايلقوش حاجة ..


رغم غيظها من فعله شحب وجهها عند تهديده فاستدارت هادره بغضب ..

- عمرها ما تحصل وأنا موجودة .. وبكره أثبتلك ..


رفع حاجبه مهددًا بالرجوع مرة ثانية وهو يحايل عليها ..

- ماااابلاش ..


ارتعش جسدها للحظات وهي توالي تخبأة ما بين يديها بأكثر توجس وحذر .. فتفاجأت بقهقهته على فعلها ومغادرته عقبها نحو دورة المياة لبدء الاغتسال والوضوء لأجل الصلاة ..


فودعت طيفه بحنق اندمج بابتسامة حالمة خلقت من العدم .. لم يكتمل نضجها أثر تدحرج دمعة لعينة شاركتها الحدث .. تذكرها بألم بأنه ليس من حقها .. قلبه وصم بأنثى ثانية سحبت عقله في فضاءها .. وختمت على قلبه باسمها .. لهذا وجب عليها بكل استماتة نزعه من طيات قلبها گ رصاصة قاتلة في جسد يعافر لأجل الحياة من جديد!


ولكن كيف وهو جرحٌ غائر لن يتطهر بقاياه إلا بالموت ؟!


في الساعات المتتالية تجنبته عن قصد .. حتى رَغبته المقدمة للمساعدة خلالها رفضتها بشكلٍ قاطع بحجة انتهاءها .. ليغادرها متطيبًا بعباءته البيضاء المهندمة لتأدية صلاة الجمعة وحضور خطبتها عند أولى صيحات مؤذنها عاليًا .. لتودع توترها بقربه وتهم تنجز بعجالة ما تبقى من الطعام مع حرصها على تطيب مجلس استقبالهم ونظافته .. 


حضورهم جاء سريعًا بعد أداء الصلاة ليدخلهم من باب المجلس الخارجي ويأتي لها مستفسرًا ..

- الشباب جت .. ها كل حاجة خلصت ..


بعينين زائغتين عن محيطه توهمه بانشغالها بما بين يديها .. همت تجيبه بتحفظ ..

- افرش مفرش الأكل الأرضي وتعالى خد مني الأطباق ..


قالتها ومن ثم استدارت هاربة تكمل الأشراف على مظهر الأطباق الرئيسية المتراصة أمامها بإتقان ..


ليمضى بعض الوقت في تناول ما تعطيه إياه للخارج حتى جاء وقال لها مازحًا ..

- محشي بجميع أنواعه .. كفتة رز بالصلصة .. رقاق .. رز بشعرية .. فراخ وبط .. ملوخية .. شوربة لسان العصفور وسلطة كمان .. ها في حاجة تانية نسياها ولا خلاص ..


- لا الحمد لله معدش الا العيش والمخللات والمعالق وخلاص كده 

قالتها وهي تضعهم بين يديه متنهدة بإرتياح كبير مواصلة ..

- يا رب بس الأكل يعجبهم ..


فحدث نفسه ساخرًا وهو يهم بالمغادرة ..

- يعجبهم أيه دول مستنوش المعالق ..


بالرغم من بناء حصونها نحوه منذ الصباح لم تستطع الصمود أما دعابته تلك .. فراحت تستدير تروض الفوضى من حولها وهي تكمم نغمة ضحكتها بصعوبة بالغة .. لتجفل به خلفها من جديد قائلا بتوجس ..

- بنان .. هو لسه في محشي تاني؟!


فعاد لمحياها الجمود وهي تجيبه بحيرة .. 

- لسه في شوية هنا لغدانا .. ليه؟


رد عليها في تهكم ..

- هي دي محتاجة استفسار يعني ..


تفهمت مقصده فقالت عن طيب خاطر ..

- طب استنى أغرفهملك! 


فعجالها بقوله وهو يلتقط من أمامها الطنجرة كاملة ..

- هو أنتي لسه هتغرفي .. دول شوية وهيهجموا علينا ونروح شهدا ..


نضج حمرة وجهها من مقاومة الضحك أمامه .. مكتشفة من معاشرته اليوم خصيصا الجانب المرح الأخر من روحه والذي يكاد يوازي سحر رزانته .. 

وأنها لو لم تكن قطعت وعدًا بمحاولة نسيانه لتيقنت بعد الآن بأن حبها لروحه قد بلغ القمم !


--------------------------


بعد مغادرة الضيوف وانتهاء دورة الضيافة من مشروبات دافئة وباردة كان المطبخ في حالة يرثى لها .. والأهم كل أواني الطعام فارغة دون أن يتبقى لهما طعامًا قط !


فـ جمع الشباب لم يغادر إلا ببقايا الطعام كاملة معه وحجتهم المقنعة ..

"مراتك كل يوم معاك .. هتعملك اللي نفسك فيه .. إنما أحنا شباب غلابة مين اللي هيعملنا "


مضطرًا على مضض التزام الصمت أمامهم وجوفه يصرخ بتذوق أي قدر مما ينهبونه تحت رضوخه التام ..


أدرك واقعه عند بدء سماع حركتها في غسل الأواني وترتيب تلك الفوضى العارمة .. فهما بهدوء يخفف عنها حملها بتنظيف مجلس الاستقبال وتمشيطه بالمكنسة الكهربائية .. ليتبعها بمساعدتها في تشطيف وتجفيف الأطباق والأواني مهمهما بإحراج عقب وقتٍ قصير ..

- أاانا بجد .. بعتذر ..


توقفت يدها عن الجلي وهي تطالعه متعجبة ..

- ليه !


بأطراق همس ملعثما وهو يواصل التجفيف للهروب من عينيها ..

- يعني .. تعبتك طول النهار .. وفي الأخر الأكل خلص ومتغدناش ..


تفهمت غرضه بابتسامة مقتصدة وكلمات هادئة ..

- بألف هنا ليهم .. في حد يطول صدقة زي دي ..


فطالعها مندهشا باستفساره ..

- مش فاهم .. يعني أنتي بجد مش زعلانه! 


اجابته بجدية وهي تستأنف عملها دون توقف ..

- أزعل من أيه دول شباب مفتقدين وطنهم وأهلهم وحياتهم عشان لقمة العيش .. يعني مغصوبين يضحوا مش بكيفهم .. فمافيهاش حاجة لما اعوضهم بشوية تعب بساط عن الإحساس ده .. بالعكس فرحانة جدا ومحتسبه أجري على ربنا ..


تجمدت يديه كما ملامحه وهو يطالع جانب محياها بنظرة خاصة شاردة .. أجفل عن طول صمتها بحشرجته العفوية ..

- طب وأنا ؟


قطبت حاجبيها باستفسار 

- أنت إيه .. 


فعاجلها بهمسه ..

- لسه ماخدتيش أجرك فيا !! 

مع أن في غربة زيهم .. سايب ورايا كل اللي قولتيه .. والوحيد فيهم اللي مدقش المحشي ..


حدجته بقوة توازي خفقات قلبها .. فهمسه ذاك خطر .. توسله إليها بتلك الطريقة الناعمة كارثة .. تنبئها بأن منحنيات القادم عاصفة لا يستهان بها .. لهذا تخطت اندهاشها بالعودة لغسل الأواني مرة ثانية وهي صامتة متجهمة .. تجيب بإقتضاب يبين حدودهما ..

- عادي كمان يومين تلاتة .. هاتلي كرنب وأنا اعمله ..


انتشى محياه امتنانًا ثم بضيق عينيه ردد استفساره التالي ..

- طب وكفتة الرز !


تركت ما بيدها بنفاذ صبر وطالعته شاخصة ..

- مالها دي كمان ..


فأستجلب عاطفتها مرددًا ..

- هي كمان مدقتهاش وعليها صلصتها ..


فزمت شفتيها بضيق حتى أدمتها .. وهي تكاد تعلن رفضها بحزم .. ليس لإطعامه .. بقدر رجاء كلماته .. ووضعهما الراهن .. ترددت .. تلجلجت .. حتى انهار حصنها مع جملته التالية وهو يطالع ساعته في معصمه ..

- أخر مرة كلتها من أربع سنين وسبع شهور وستة وعشرين يوم وتسع ساعات واتنين وخمسين ثانية .. يعني من يوم ما ودعت أمي..


قاومت تأنيب الضمير وحنينها الجارف نحوه بعدم النظر إليه .. عائدة تكمل فعلها لاستحكام جمودها من جديد .. ولكنها فشلت .. فشلت بضراوة .. فشلت مرغمة لهذا رضخت هامسة ..

- حاضر .. هعملها كمان ..


اتسعت ابتسامته متمتمًا ..

- متشكر جدا ..


رغم نبرته المتلهفة التي هشمت روحها للفتات إلا أنها قابلتها عن قصد بقسوة لإعادة ترميم حصنها المنهار .. 

- على أيه ما أحنا أتفاقنا .. أنت تصرف وأنا أحلل لقمتي قصاد كده ..


نجحت بجملتها تلك في وضع حد لتلك المهزلة الودية التي تلوح فوقهما كما قصدت .. حين أجفلها صوت إرتطام الطبق الذي بيده في مغسل الأواني .. يتبعه لفحة انفاسه الغاضبة .. شعرت رغم انشغالها المزيف بأنه يرشق جانب وجهها بنظرة عدائية شرسة تكاد ترمي بها في الهاوية .. أتبعها برمي المنشفة بعنف ومغادرة بقعتها نحو الخارج .. 


ريثما هي ظلت تتصنع الثبات حتى أطمئنت من بعده التام .. ومن ثم راحت تترك ما بيديها مجهشةً بالبكاء تحارب براحة يدها صوت شهقاته من الإرتفاع .. وأثر كلماتها تنحر من روحها قبل أن تنحره .. ومع هذا ممتنة رغم ذلك لِمَ قالته حتى توضح حدودهما الذي صنعها بيده منذ يومها الأول بين جدران هذا البيت ..


متخذة الهروب للنوم انسب الحلول لها بعد إنتهاء مهامها .. حيث كما العادة بين جنباته تجد ترياق وجعها .. وغيبوبة نجاتها من ذاك الواقع المرير .. لهذا فرت إليه مستنجده .. متنازلة عن حيلة استحمامها من درجة الحرارة العالية لوجوده بالخارج .. وعن أي قدر من الطعام الذي يعيد نشاطها من جديد .. فقط الاستلقاء على الفراش هو أكثر ما تطمع إليه بعد ما تعايشته من مشاعر قاهرة استنزفت الكثير من قواها ..


----------------


بينما هو بالخارج كان يضيق ذرعًا منها .. فبعد فعلتها المُشرفة في حقه أمام الشباب المغبط عليه بامتلاك حرفية طعام مثلها .. ختمتها بقولها الغليظ الذي كظم غيظه أمامه بصعوبة بالغة .. لِمَ مصرة كل فينة وأخرى على تذكره بجرمه وندالته في حقها .. ألم يقسم لها بأنه كان جاديًا نحوها .. صامدًا للمواصلة نحو بيت يحوفهما معا .. لم يقصد شخصها في إيذائه .. وأنه ضعف وتنازل عن مبادئه فقط أمام الحب ووسوسة شيطانه .. والأهم اتخذ معها من البداية الصراحة والوضوح فضلا عن الخداع .. لم لا تقدر كل ذلك وتمحي خفقاته وتتخذه على الأقل أخٌ وصديق بديلاً عن تذكره بذاك الخذي بينهما دائما .. استفسارات توالت عليه من عقله المتقد لم تشفع لحالته المشحونة .. اخرجه منها كعادته رنين هاتفه .. فتنهد مستغفرا يستعيد بها ثباته ويطرد بها سلبيته بقوله الجدي عند فتح الاتصال ..

- رجعتي من مشوارك ؟


- اها يا حبيبي .. كان شوبنج مهم محتاجاه .. والحمدلله لقيت كل اللي رايحاله .. ها أحكيلي أنت كمان عملت أيه في أجازتك ..


صمت قليلا ثم همس باستياء.. 

- عادي .. هكون بعمل إيه مع الشباب طول الوقت ..


- وهي ..


- هي مين ؟!


- البنت اللي عندك ..


عند وصفها بذاك الاسلوب المُهين لم يعلم لِم تضايق وراح يصر عليها بتوضيحه ..

- قصدك بنان .. 


- مش يعنيني أعرف اسمها يا مالك .. يهمني بس أنها تكون بعيدة عنك وخلاص ..


اجابها متبرمًا بسخريته ..

- ما تخفيش هي بعيدة قوي .. بعيدة فوق ما تتصوري وحريصة كل الحرص على تنفيذ ده .. موقفي دابحها .. مش بيخليها تفكر أنها تقرب أصلا ..


- برررافو متعرفش بكلامك ريحتني ده قد إيه .. بعد ما كنت بجد بقضي يومي في شكوك وخوف ملهوش أخر ..


تنهد بضيق ليس له مبرر ..

- وهو احنا هنقضي كل المكالمة عليها ولا إيه يا سارة ..


استعادت دلالها بنشاط قائلة.. 

- لا يا حبيبي طبعا .. ثواني افرجك على اللي جبته ..


ثم همت بفتح الكاميرا لتتواثب عليه مشاهد مشترياتها واحدًا تلو الأخر حتى قطعها مستفسرًا بشرود كأن عقله لم يكن معها ..

- سارة هو أنتي بتعرفي تعملي كفتة رز أو محشي ..


فالتفتت تطالع الشاشة وصورته باندهاش ..

- وليه السؤال دا دلوقت؟!


- أبدا سؤال خطر على بالي بدون سبب .. أنا فرضًا بموت في كفتة الرز والمحشي فنفسي لما نتجوز مراتي تعملهملي .. 


جاءه صمتها وتأففها المستتر فستأنف لها بترقب "مجاوبتنيش يعني .."


فهدر صوتها مشحونًا ..

- هجاوبك واقول إيه أنت عارف أن عمري ما دخلت المطبخ ولما دخلته بعد جوازي المشئوم بهدلت الدنيا ..


صمت يستوعب ردها..متمتما بعشم متفاقم..

- بس المرادي حاجة مختلفة .. المرادي مش فيه جوازك المشئوم .. ولا فيه راجل مغصوب عليكي .. المرادي فيه أنا .. مالك.. حبيب عمرك اللي بيطلبها .. فياترى هتيجي على نفسك وتعمليله حاجة نفسه فيها وهتفرق معاه بجد؟!


فأجابته بضجر غير متوقع بتاتًا ..

- المطاعم كتير يا مالك مضيعش حياتي في حاجات فارغة.. وبعدين كون المرادي "مالك" زي ما بتقول الأمر فعلا لازم يختلف بأنه يخاف على مراته ويغنيها عن شغل المطبخ ومخاطره .. بأنه يتنازل عن حاجات بيحبها لمجرد أنهم بقوا مع بعض أخيرًا بعد كل السنين دي .. ولا إيه رأيك ؟!


تخطى صدمته بشفتي متهكمة ولسانٍ من الداخل يداعب خده ..

- عندك حق .. 

مواصلا بشرود عقب تنهيدة جليلة .. النهاردة مرات حد من المصريين اللي هنا في العمارة عزمت الشباب وطبختلهم كل اللي نفسهم فيه لمجرد انها تعوضهم عن غربتهم وتشوفهم مبسوطين مع أنها متعرفهمش .. مستعدة تعمل نفس الأصناف تاني بنفس المجهود بعد يومين تلاته لواحد ندل أنا نفسي شايفه ميستهلش .. طالما هو كمان في غربته ..


مطت شفتيها بحيرة..

- إيه الالغاز دي يا مالك مش فاهمة حاجة .. وبعدين ليه الأفورة دي كلها وتخلي نفسها يعني سوري خدامة عشان مجرد شباب مسافرين مايقربوش ليها .. عادي لو قضوا غربتهم كلها دليفري.. ولا لازم يعني من الحركات البلدي ودقات الفلاحين دي ..


لم يجيبها ألا بالصمت التام لقليلٍ من الوقت مرددًا بنفس عميق ..

- الأصل الطيب والمودة والرحمة افتقدناهم يوم ماعملنا فرق الطبقات ده بينا وبين بعضينا وترجمناهم لشغل خدم وفلاحين .. يوم ما بقينا نمشي ورا الإتيكيت والمظاهر ونسينا أصل أجدودنا وأبهتنا .. يوم ما قلوبنا فضيت واتملت قسوة وتكبر .. يوم ما خدنا طباع الغرب ونسينا وصايا الدين والرسول .. 

مستطردًا بحزن عميق بعد وصلة صمت قصيرة ..

- سارة .. أنا حاسس حالي تعبان .. عااااوز لأول مرة أقفل وأنام .. أنام كتيير 


رددها بألم ثم أغلق المكالمة دون حرفًا زائد أو دون أن ينتظر أغلاقها أولا كما كان يفعل معها دائما طيلة عشر سنوات كاملة .. فترة أسره المديدة في حبها .. أغلق وهو مشتت .. مشحون .. مهموم .. عقله يأتي عليه بومضات نورٌ مشوشة .. تنير خطى ظلامه القاتم .. ومع ذلك تألمه وتسلب روحه ..ولا ترحمه .. ليتبعه أنين قلبه الصاخب .. حين وضح الأمر أمامهما من زاوية انقشع عنها الحجاب كثيرًا ..


----------------


اغلاقه المفاجئ هكذا وكلماته الغامضة كما حالته اليوم اوشى إلى قلبها بأن مالك به خطبًا ما .. شيء لم يكن به قبلا وبات يسكنه .. قلب الأنثى كما يقولون .. ليزورها الحيرة والضيق عن ماهية اسبابه .. زفرت في ضجر تجمع اثوابها الجديدة في رمية اهمال بعيدة عن مكانها .. فجاءها الباب مطرقًا بتفاوت ..

ظنت صاحبتها خادمة بيت والدها فهدرت بعصبيتها المفرطة ..

- نعم .. عاوزة ايه ..


فطل عليها مشيب بملامح صارمة حازمة بنظرة قوية دون حديث .. فراحت تعدل من نبرتها متفاجئة ..

- بابا .. 


تقدم بخطواته الشامخة مردفًا.. 

- اعملي حسابك بكرة في ضيف مهم جاي على العشا يا ريت ما تطلعيش ليا بحججك وقتها ..


فسألته متعجبة ..

- مين ؟


فهما يغادرها كما جاءها بكلمته المقتضبة.. 

- بكره هتعرفي ..


---------------------------

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات