القائمة الرئيسية

الصفحات

عند مفترق الطرق الحلقه السابعه (نوفيلا)

 عند مفترق الطرق الحلقه السابعه (نوفيلا)

 لا تآملي تنفيذ الوعود صغيرتي ..

فليس كل ما يلفظه الأفواه مقدسَا ..

حفنةٌ للكذب تارة تَميل .. وللخداع تارة تُحلقَا ..

وكل خفقات البائسات أمثالكِ عزيزتي من بينهما تترنحَا ..


عند مفترق الطرق الحلقه السابعه (نوفيلا)


الحلقة السابعة.. 


عند أول طواف لخيوط النهار حول بقعتها؛ عادت لواقعها متملّلة بإرهاق على عددة طرقات ظلت رغم وهنها تتلاحق .. لترافق نبرتهُ المتوسلة من خلف الباب.. 

ـ بنان.. أنا جهزتلك الفطار.. لو سمحتي كلي أي لقمة عشان متتعبيش.. أنتي مكلتيش أي حاجة من لحظة وصولك..


مسترسلاً ببحة مهمومة .. 

ـ صدقيني العناد في الأكل مش هفيد صحتك ولا هيساعدك على الانتقام مني بالقدر الكافي لو كنتي فاكرة أنه هيعمل كده .. غير أن أنا أصلا من غير حاجة بتعذب لوحدي ..

و..ولو على وجودي هو اللي مانعك ومش هيخليكي تأخدي راحتك.. فأنا أحب اطمنك بأني أغلب الوقت هكون في المستشفى .. 

مواصلا بغصة مريرة: كان المفروض الأسبوع ده كله ليا أجازة لكن .. أنا.. هواصل فيه عادي بحجة أن مبحبش القاعدة .. نبطشيتي هتبدأ من تمانية الصبح لتمانية بليل بينهم فاصل راحة من اتنين لأربعة عشان شدة الحرارة في الفترة دي .. بس عشان راحتك وحريتك أنا هضطر أرفض راحة الضهر وأواصل المدة على بعضها ومجيش إلا بليل وهستسمحك تستحمليني فيه لأن ماليش مكان تاني للنوم غير هنا.. 


عقب فترة صمت ثقيلة يأس خلالها من مجاوبتها في الحديث معه، تنهد بتحية الإسلام وهمّ مغادرًا الشقة ليتثنى أمامها الأنفراد بزواياها بكل حرية مطلقة، متيقنًا عن طيب خاطر بأنه أتخذ أصوب القرارات لراحتها هي فقط دونما هو إلى أن تنتهي تلك الشهور بينهما على خير ..


ريثما هي على الأجانب الأخر.. 

راحت تستند بذراعيها على صلابة الأرض لرفع جزعها الأعلى ببطء وحذر يتماشى مع تشنج جسدها من نومتها الغير سوية.. متخذة خطاها نحو الباب عمدًا لأجل التأكد من وعد مغادرته الذي دلى به دون طلبها .. گ إنما شعر برغبتها المكبوتة فأضطر لتحقيقها كي يكفر عن ذنبه كما يظن .. ولكن عن أي تكفيرًا يطمع وقد بلغ ذنبه عنان السماء! 


مع حركتها الحذرة لفتح الباب لمحت طيف مغادرته كما ادلى من باب الشقة الخارجي وغلقهِ خلفهُ .. ولكنها لم تآمنه .. فظلت محتفظة بمكانها لبرهة خشية عودته مرة ثانية.. إلا أنها مع مرور بضع دقائق في الترصد اكتسبت الثقة أخيرًا وتقدمت بخطواتها المبطئة إليه .. حتى وصلت ومدت ذراعها سريعا لغلق موصده بأحكام كي تضمن أمانها التام في بعده .. على أثر اطمئنانها راحت تتقهقر من موقعها للخلف بجسدٍ يآمل في تحقيق أولى احتياجاته الضرورية قبل عودته .. آلا وهو نيل استحمام هادئ يريح الجسد .. وينشيط خلاياه من حزن ليلتها السابقة وعناء السفر .. بل والأهم من درجة حرارة البلاد القاسية البالغة خمسون درجة مئوية ..بعد أن هونت جحيمها بعض الشيء أجهزة التبريد الإلكترونية.. فكانت وجهتها الشغوفة إلى حقيبتها مباشرة للبحث داخلها عن ثوب محتشم أخر يناسبها من كومة محتواياتها .. وما أن وجدت بعد عناء إحدى المنامات الوحيدة الفضفاضة في الطول والاتساع حتى قامت بسحبها معها رأسا نحو دورة المياة ..


ليتسابق رذاذ المياه الغامر على ردم نيران جسدها الملتهب .. وتسكين آنين جروحها الصاخبة ومن ثم ترويض شتات تفكيرها .. متمنية عدم انتهاء مفعول مُسكنها ذاك لسنواتٍ قادمة.. ولكن رطوبة المكان لم تجعلها تهنأ بالكثير حين أغلقت مقبض المياة على عجل لأجل إرتداء منامتها والإستغاثة ببرودة الأجهزة التبريدية بالخارج من شدة الحر من حولها .. 


دقائق وخرجت تلفح خصلات رأسها بمنشفة قطنية لتنفيذ مبتغاها إلا أن خطاها انقطع على باب المطبخ المجاور رغبةً في كشف محتوياه .. فحفزت قدماها على بدء انحرف مسارهما في داخله بعينين متمعنتين تنهش باركانه .. وجدته بعد اشعال ضوئه ذو مساحة ضئيلة نسبيًا يتسم محتواه العام بالاعتيادية.. به القليل من الأدوات المطبخية القليلة والضرورية لرجل أعزب يبدو أنه لا يعلم عن مهارة الطبخ شيء ويميل للأطعمة الجاهزة غالبًا.. وما يؤكد ذلك هو عدم امتداد أجهزة التبريد لمحيطه لهذا لم تطق الوقوف به كثيرًا وفرت هاربة نحو الصالة القريبة منهما.. والتي لم تنعم ببرودة أجهزتها كثيرًا حين تصلبت أمام تلك الأريكة التي شهدت على مقصلة إعدامهُ لها بالأمس ومبرره القاسي عليه .. تخطت بحر همومها بتنهيدة حارة وهي لا تصدق حتى الآن دراما الأفلام التي تعايشتها عن قرب.. جابت بنظراتها الممتلئة بالدمع فحواها عن كثب لرؤية ما لم تستطع التمعن به عند وصولها .. فوجدت حائطها به مكتبة كتب متواضعة لا بأس بها تشي عن مدى ثقافته وحبه للأطلاع .. يفترش البقعة أمامها أريكتين بسيطتين ومقعدين من ذات لونهما بينهم منضدة متوسطة يعلوها ذلك الأفطار الذي تحدث عنه منذ قليل.. تعجبت بأنه لم يلفت انتباهها من قبل .. بحجم طبقيه الذي كان بأحدهما ملفوفات خبزية محشية جاهزة والأخر بجواره مقسم لعدة أقسام صغيرة من التغميسات والصلصات المحببة .. إغراء مظهرهما وترتيبهما المنسق لم يقدر على نيل رضا شهيتها الضعيفة خاصةً مع فطنتها المشمئزة لخروجه المبكر لجلبه بيديه ..


كأنها بين يوم وليلةٌ باتت لا تشتهي تلك اليدان اللتان حاوطته وجلبته .. أو نقوده الذي قايضه بها .. ومن ثم سيرته، صورته، كل شيء يتعلق به .. حتى وإن كان سيترتب على ذلك قمع صرخات قلبها المكذبة .. أو جفاء جوفها من قلة الطعام .. 


أكملت تجول نظراتها بالصالة الروتينية وهي تبتسم بتهكم على أجواء عذوبيته الفاترة وطقوس وحدته المميتة .. إلا أنها ماتت على زاوية ثغرها سريعا عند رؤيتها لحقيبة ملابس تَفرض سطوتها على أحد الزوايا الجانبية بالمكان .. تعجبت من عدم لفت انتباهها لها هي أيضا بالأمس أو منذ قليل.. وجدت قدماها تقودها إليها بفضول لكشف محتواياتها.. وعقب نظرة عابرة على داخلها وجدتها تضم بعض من ملابسه الرجالية واحتياجاته .. اندهشت من وضعها الحالي في ظل وجود غرفة نوم أخرى داخل الشقة.. والتي راحت تتوجه إليها عمدًا دون تباطؤ .. فتفاجأت عقب فتحها وكشف مستورها أمام عينيها بأنها ليست غرفة نوم كما كانت تظن بل غرفة استقبال قَيِمةٌ للضيوف.. بها مجلس عربي ذو محيط واسع بالأضافة إلى تلفاز مسطح حديث الصنع وهاتفٌ أرضي وباب أخر خارجي لاستقبال الزوار بعيدا عن باب الشقة الرئيسي .. غرفة هادئة راقية تتسم بالذوق الخليجي تكاد تكون منعزله عن باقِ الشقة إلا عن طريق ذلك الباب الذي يربط بينهما .. عادت للخلف مشدوهة تستوعب حقيقة واحدة بأن للشقة غرفة نوم واحدة هو كان يستعمرها وتركها خصيصا لها بعد أن أفرغ ملابسه منها في تلك الحقيبة!


عن قصد تجاهلت مقدار فعله بالكثير من المبالاة عند عودتها لغرفة النوم .. شارعه بتشتيت عقلها عن التفكير فيما فعله بتمشيط شعرها الندي وضبط خصلاته في تجميعة محكمة للخلف.. ولكنها قبل أن تنتهي انتبهت على شيء هام تاه عن بالها في عز وجعها .. شيء سيكبح مؤشر خسارتها المادية من الارتفاع بعدما طال معنوياتها الخسارة الفادحة .. لهذا توجهت مسرعة تجاه هاتفها للرنين على حساب شقيقتها عبر الإنترنت.. يتملكها الترقب والقلق حتى سمعت الطرف الأخر يجيبها بمرح .. 

ـ نقول صبحية مباركة يا عروسة.. ولا نسلم الأول ونقول وحشتينا في الكام ساعة اللي فاتوا دول!


أغمضت عينيها بألم من نصل سكين شقيقتها الطائش بروحها.. جاهده سريعًا بتمضيد تلك الجروح بالقوة المناسبة حتى لا يعلم بني دمها بما ألما بها فيودعون راحة بالهم ويحزنون أضعافًا مضاعفة .. لهذا تخطت ببراعة تحسد عليها هموم سرها الغامض وهي تجيبها بنبرة تبرم مصنعة .. 

ـ وبعدين بقى هنبتدي تريقة واحراج من أولها كده...


فأتاها نبرة شقيقتها المتسلية بضحكة عالية..

ـ حاضر يا ستي من غير احراج ولا تريقة .. وحشتيني .. ينفع كده 


ضغطت على عينيها تهذبها بألا تدمع وهي تلون نبرتها بمرح ..

- ينفع قوي .. 


- طب نولي السماعة بقى لعريسنا لما أباركله كمان ..


جملة عفوية اربكتها وجعلت ضربات قلبها تصم أذنيها حتى وجدت نفسها تجيب بتقطع للهرب ..

ـ في الحمام .. بياخد شور .. أنت عرفة الكويت وحرها..


زفرت بإرتياح حين أختال على شقيقتها إدعائها وهي تتمتم..

ـ بصراحة يكون في عونكم ربنا دا أحنا هنا وبنعاني لما توصل لـ ٣٩° بس .. على العموم ملحوقه.. أحنا أصلا كنا ناويين نكلمكم كمان يومين تلاتة لما ترتاحوا وتزهقوا..


منتهية كلماتها بضحكة خبيثة قطعتها "بنان" بغيظ..

ـ تاني يا رخمة.. والله حسابك معايا زاد قوي ولازم اصفيه لما ربنا يكتبلي نصيب وأشوفك تاني ..


فأجابتها ماهيتاب بمشاكسة ..

ـ ها .. حليني بقى..


بنبرة مهمومة شاردة راحت بنان تغمغم ..

ـ متخفيش يمكن يكون قريب..


لقطت غمغمتها بلهفة ..

ـ أفهم من كده أنك أنتي ومالك خلاص أتفقتم على ميعاد أول زيارة ..


فاقت من غفوتها منصدمة على سؤالها تستوعب ما تمتمت به في غفلة منها .. فنفت بتوجس ..

ـ لا خالص .. أقصد يعني لسه محددناش بالشكل القاطع .. أنتي عارفة ظروف أي شغل وتقلباته .. 

ثم ازدردت ريقها مواصلة.. 

ـ ماهيتاب عاوزه اسألك على حاجة ضرورية..


فاجابتها دون تردد..

ـ اتفضلي يا حبيبتي سمعاكي..


ـ هو أنتي وماما اتفقتم تروحوا تفرشوا شقتي أمتى..


ـ يا سبحان الله لسه قبل مكالمتك كنت بتفق أنا وهي على الأسبوع الجاي.. كل يوم نروح نعملنا حاجة فيها كده على قد الوقت اللي فاضيين فيه ..


تجرعت مرارة حُلقها وهي تردد عليها باستحياء حزين ..

ـ طب ما تروحوش..وخلي الحاجة بكراتينها زي ماهي..


ـ ليه يا حبيبتي.. هو في حاجة حصلت لسمح الله؟!


فعاجلت ترد لهفتها بندم..

ـ لا أبدا مفيش بس أنتم هتفرشوها من هنا والتراب والخيام هيسكنوها من هنا وأنا حبه كل الحاجة تكون جديدة وبتلمع على نزولنا ..


ـ طب ماهي هتكون لسه جديد يا بنان هو يعني مين اللي هيستعملها.. أحنا هنبدأ بفرش الأساسيات والتشطيب في الأخر بعدها .. غير أن بابا كمان متفق مع مالك أن أول مدة بعد سفرك مطولش قوي وتكون الزيارة بتاعتكم بعد كام شهر بس من الفرح لغاية لما تتعودي على الغربة .. فيدوب نلحق نعملنا حاجة فيها من زن البنات و شغل ماما ..


إتقان رد شقيقتها المقنع لم يتوافق مع جم كبتها المشتعل بداخلها، مما جعل صوتها يهدر غضبا عن غير قصد..

ـ بس أنا قلتلك مش حباها تتفرش دلوقت يعني توافقي من غير مبررات ولا هو لازم المناقشة ومناهدة القلب دي وخلاص .. وبعدين كل الحكاية أسبوع واحد ممكن تخلصوا فيه الهيصة دي كلها .. ولو مش فاضيين سبوها خالص زي ما هيا لما أنزل ليها بنفسي ..


مرادفاتها الغليظة المستجدة بينهما في التعبير ثارت صدمة شقيقاتها ولكنها امتصت غضبها مرددة..

ـ خلاص يا بنان أهدي.. إيه اللي حصل لده كله .. أنا أول مرة اسمعك بتتكلمي كده؟!


كلماتها نجحت بالفعل في وأد انفعالها والتحفها بالندم بعدما استوعبت ما رددته .. لهذا حبست أنفاسها بعتاب ثم زفرت معتذرة..

ـ ماهيتاب أنا أسفة.. سامحيني مش قصدي والله .. 


ـ حبيبتي ولا يهمك أنا مقدره ظروف وضعك الجديد وغربتك عننا بين يوم وليلة.. أكيد كل دا مأثر عليكي 


على أثر جملتها انسالت دموعها بصمت وهي تؤيدها بإيماءات متلاحقة .. 

ـ فعلا.. هو كده.. 

ولكنها لم تستطع الصمود فأجهشت في البكاء بنبرة مسموعة وهي تواصل .. 

ـ أنتم وحشتوني قوي.. ماما وبابا وأنتي ونهال .. بيتنا وسريري .. كلكم .. كلكم وحشتوني ونفسي أترمي في حضنكم ومخرجش منه أبدا.. أبدا 


ـ حبيبتي يا بنان وأحنا كمان والله حالتنا من بعد ما ودعناكي لسه متحسنتش.. على العموم بكرة حنية مالك تعوضك عننا وتنسيكي مصر واللي فيها.. صدقيني أنا عرفاه من وهو في الكلية معايا وعرفة رقة قلبه الطيب.. 


مسحت دموعها براحتها وهي تجيبها بتهكم مبطن..

ـ فعلا.. أهي حنيته دي بالذات أنا جربتها أول لما وصلت من غير ما حد يقولي..


ـ شوفتي مش قلتلك.. ولسه كمان أنا عرفه ومتأكدة.. يلا ربنا يسعدكم دايما ويهدي سركم عشان ماما تطمن من ناحيتك..


امتصت حديثها المتوالي عنه وعن صفاته المجيدة بصمت .. فلا هي تستطيع البوح والشكوى أو حتى التكذيب على الأقل .. 

أكملت باقِ المكالمة معها وهي شاردة .. لا تدرك ردودها المقتضبة وذهاب وعيها فيما اقدمت عليه من قرار هام سيحفظ مال أبيها المستدان به لجلب جهازها حتى لو بالقدر القليل.. 


بعد إنهاء المكالمة من الطرفين غمرت نفسها هاربة بين طيات الفراش في سبات عميق منهك ممزوج بالعبرات .. ترجوا من طوافه أن يمتعها بغيبوبة تنسيها أشواك حزنها المفجعة ولو لقليل ..


ــــــــــــــــــــــــــ


أما عنه وهو بين حدود عمله تهافت عليه جميع اصدقائه من الأطباء والصيادلة والعاملين بالمشفى لأجل المباركة، عاتبين عليه بالمواصلة في العمل في تلك المناسبة الخاصة، وأمام مبرراته قدموا المغتربين منهم اقتراحهم إليه دون اتاحة الفرصة له للمناقشة، عن كون كافة نبشياطه القادمة لمدة ثلاث أسابيع هي بالنهار وفقط وهم سيتحملون عنه فتراته المخصصة للمبيت..

فقال مستنكرا..

ـ ازاي بس يا جماعة.. دا تعب ليكم بجانب نبشيطكم.. وأنا بصراحة رافض كده..


فرد عليه أحدهم غامزا بأحدى عينيه ..

ـ يا عم أنت مالك هو أنت اللي هتتعب ولا أحنا وبعدين ادعيلنا نخلص فترة عذوبيتنا على خير وترد لينا كل اللي بنعمله معاك .. 


ليرد الأخر عليهم ضاحكا..

ـ وأنا يا عم المتجوز الوحيد اللي فيهم وبقولك مراتي لسه زيارتها لمصر مخلصتش وقاعد لوحدي في السكن بأزأز لب فمش فارق معايا صبح من ليل وأن اساعد الشباب يخدموك في اسبوع مهم زي ده..


على أثر جملته الأخيرة انطلق صخب ضحكاتهم معا فاضطر مالك أن يشارك فعلهم بخجل حتى لا يفضح أمره.. 

ولكنه قطعها بخضه على قول رابعهم..

ـ سبوه يا جماعة هو شكله بيقطع علينا عزومة المحشي من مراته للمغتربين الغلابة اللي زينا ...


فراح يتخطى صدمته معترضا بشدة.. فقطعه أحدهم صائحا بوجوم وكأنه قرأ نيته ..

ـ لا كله إلا المحشي يا مالك ربنا يسعدك.. دا أنا ورب الكعبة بطني قربت تزرع من أخر عزومة عملتها لينا مرات يحيي قبل زيارتها لأهلها في مصر ..


ليبكمه الأخر بقوله المتتالي ..

ـ عيب يا جماعة أنتم بتقولوا أيه .. دا مالك مثال للكرم والجدعنة طول السنين اللي عاشرناه فيها ومش هيهون عليه نفضل نقضيها دليفيري ومراته موجودة لو حتى على الأقل عزومة كل شهرين تلاتة ..


فأجابهم مالك بارتباك ..

ـ دا شيء مفروغ منه طبعا يا جماعة ولو عليا زي ما أنتم قلتوا عمري ما اتأخر وهعملهلكم كل اسبوع مش بس شهرين تلاتة .. بس بصراحة دلوقت وفي الظروف دي صعب .. مقدرش أفرض على مراتي في الوقت دا حاجة زي كده خاصة وهي عروسة يعني وكده .. 

مواصلا بعرض أخر لتحفيزهم ونسيان عرضهم هذا تحديدا ..

- بس عندي استعاد تام اعملها دلوقت حالا في أفخم مطعم أنتم تحددوه ..


فأتاه امتعاض وجوههم وأحدهم يقول باستنكار ..

- بنقولك أكل بيتي .. يعني المحشي وروايح مصر الطيبة .. وأنت تقولنا مطاعم تاني .. لا ياعم الله الغني


ليهتف أحدهم غامزا لباقِ صُحبته وهو يربت على كتف صديقه "يحيي"..

ـ سبوه يا جماعة على راحته خلاص وقت ما يحب.. ومش تفتكروا أنه لازم عليه يعملها لينا في سابع يوم جوازه زي بطلنا يحيي ..


ليمتزج الباقون معه في الحديث باستياء..

ـ على رأيك.. ما أحنا لو مكناش عذاب وبطننا صعبت عليه من رمرمة الشوارع مكنش اتحكم فينا كده أو حتى خلانا ننطقها ليه من الأساس..


فاضطر يحيي أن يقطع عليهم وصلتهم باصرار قبل أن تتفاقم وهو يرمي بنظراته لمالك بملامة ..

ـ ما خلاص يا جماعة أنتوا هتقلبوها مناحة .. أدوا الراجل يومين تلاتة بالكتير وهيثبت لكم بعزومته البيتي أنه غلب عزومتي بكتير.. مش صح يا أبو المماليك ولا عندك رأي تاني ..


قال جملته الأخيرة وربت على كتفه بثقة مما شعر مالك بأنه حُصر بلباقة في قاع الهاوية .. فهزّ رأسه بالموافقة بعدما شرد بمعالمه المهمومة بعيدا عن مكانهم .. بعيدا جدا .. شرد إليها هناك ورد فعلها المتوقع على مقترحهم الجنوني هذا الذي لم يكن بالحسبان خاصة بعد ما فعله بها..


فاق على شخوص عينيه وعنفونية أنفاسه لمجرد تهيئ المشهد.. لهذا أمر أخبارها بات درب من دروب المستحيل لديه .. متضرعا لربه بحل جيد لتلك المعضلة التي وضع بين دفتي اشواكها ..


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


بعد وقت غير معلوم امرغت معالمها في وسادتها ببطء حتى قامت فزعة تتفقد شعرها المطروح بجوارها ومقدمة منامتها وعينيها تنهش الأجواء من حولها.. ظنا منها أنها غفوت بتلك الهيئة لكثير من الوقت حتى موعد قدومه ورؤيته لها هكذا .. فرصدت سلامتها وهدوء المكان المميت من حولها فاسرعت تتفحص ساعة هاتفها المستكين بجوارها فوجدتها تشير للواحدة ظهرا فقط .. فزفرت بضجر فكل تلك الساعات في النوم والاستحمام ومحادثة شقيقتها ولم ينتهي اليوم بعد.. تركت الهاتف على أثر ثورة أحشائها التي راحت تناضل في ذلك الوقت لأجل القليل من الطعام الذي يعينها على العيش .. ولكنها قمعتها بوحشية بالانشغال في ترتيب احتياجاتها.. ليغمرها مرارة الألم مرة ثانية وهي تشاهد ملابس العروس الليلية بين راحتيها.. مرارة نجحت في محو متطلبات معدتها وانغماسها في الحزن والنوم لليوم الثاني على التوالي.. 


فاقت من غيبوبتها وجفاف خطى الدموع يشق وجنتيها بقسوة.. لا تعلم عن تلك الساعات الماضية شيء كأنها كانت هاربة بعالم أخر غير ذاك العالم المؤلم.. تفقدت مؤشر ساعة هاتفها الخلوي مرة أخرى فتفاجأت بأنها تشير إلى العاشرة صباحا.. إذا هو حتما أتى بالأمس وخرج مجددا.. وضع هدأ من توترها قليلا لهذا قامت تتفقد المكان بالخارج بالكثير من الحظر.. فوجدت إحدى الأريكتين منفرده في هيئة فراش مؤقت للنوم وعليها غطاء غير مرتب وملابسه تشاركه الوضع ..


وحى إليها من الصورة العامة بأنه قام اليوم متأخرًا على العمل لهذا لم يرتب أغراضه كما توجب عليه في اليوم السابق.. تنهدت بلا مبالاة وكادت تتخطى الوضع نحو دورة المياة إلا أنه تفاجأت بوجود حقيبة طعام ضئيلة الحجم على أحد المقاعد جهة الباب.. بخطوات هادئة راحت تكشف سترها لتجدها ملفوفات جاهزة مثل الأمس ولكنها طازجة من صنع اليوم.. فتفهمت عودته مرة ثانية لجلبها إليها رغم تأخره على أمل تناول إياها اليوم.. تركتها كما هي دون اهتمام لأجل الاغتسال والصلاة ومن ثم اللجوء لفراشها مرة أخرى.. شاردة مهمومة .. يسحبها الحزن لمشهد وصولها تارة وصاعقة كلماته.. وتارة يأكلها الشوق للوطن والأهل.. كل ذلك وهي تقاوم تيبس معدتها لليوم الثالث بكل كبرياء .. ولكنها بعد الكثير من الساعات وقيامها لأجل صلاة الظهر خار قواها على الفراش وبدأ الضعف يعرف مسلكه لبنيتها.. لهذا اسقطت قدميها بتردد نحو الخارج .. بالأخص تجاه الطعام المتروك منذ الصباح.. اضطرت للتخلي عن مبادئها أمام وهن حالتها بالنهش في بعض اللفائف منهم على مضض لأجل اسكات صخب معدتها الجائعة.. ولكنها قبل أن تشبعها بالكامل تذكرت بأنها لن تتناول الطعام الذي يجلبه من نقوده هكذا دوما في ظل عدم وجود أي صفة لها في حياته .. حتما كبريائها سيمنعها من المواصلة أو الاستمرار على ذلك المنوال خلال تلك الأشهر التي ستقضيها في كنفه .. ولكنها في ذات الوقت تذكرت بإحباط قلة حيلتها في ذلك .. وأنها لم تملك النقود الكافية التي تعينها على الانفصال عنه في الطعام .. فما العمل؟! .. استفسار محير ظل يراودها بإلحاح خاصة وأن معدتها بعد عدة ساعات قليلة ستواصل عليها بالثورات والاحتجاجات مجددًا !


عقب مرور الكثير من الساعات في التفكير وخاصة مع عدم رتابة الوضع من حولها وتكسح الوقت توصلت بأنها بالإضافة لما سبق لن تستطع مواكبة تلك الوحدة المملة أيضا بعد أن كان يومها يقاسمه العمل ومشاغل البيت والاعتناء ببنات الشقيقة .. لهذا قررت بأنها ستقوم بمهام التنظيف والطبخ لهما بدل من وجباته السريعة الضارة الغير معتادة عليها .. وذلك كضرائب يومية تدفعها له مقابل لقيمات غذائها الحياتية التي تتناولها من حر ماله .. 


بحزم ويقين تأكدت عن اقتناع بأنها تلك أنسب وسيلة لتعففها وحفظ كبريائها أمام ذلك الغريب الذي بات عليها التعود على عدم وجوده في حياتها ومشاعرها من الآن . 


قامت على عجلة تشرع في مهامها الجديد الذي فرضته على نفسها وذلك بتنظيف المنضدة من بقايا وجبتها التي تناولتها توًّا.. متوجهة بها نحو المطبخ لأجل فحص محتوايات البراد للوقوف على مكونات وجبة الغذاء الأتية لاشغال باقِ يومها..


الخامسة والنصف عصرا كانت قد انتهت من طبق الأرز بالشعرية مع طنجرة مرقة وقطع دجاج محمرة بعد أن وجدت مكونات تلك الوجبة البسيطة فقط أمامها .. حامدة الله بأنه به شيء من التعقل لترك أغراض كتلك بشقته لأجل الظروف العارضة.. والأكثر حمدًا بأنها أتمت تلك الوجبة على خير في وسط قسوة الحرارة القاتلة بالمطبخ وذلك بعد أن تخلت عن منامتها والأكتفاء بقميص مخفف لا يحمل ثقلا على جسدها .. ليس هذا وفقط بل وقد أتمت كل فروض صلاتها على أكمل وجه والنهار ما زال يعبء بصحوته الفراغ من حولها بممل لا يعد له مثيل .. 


دخلت متكدرة إلى مجلس الضيوف لاشعال التلفاز والتنزهة بين قنواته.. ولكنها ليست من مغرميه لهذا وجدت التنزة كئيب من بدايته .. فشرعت بأغلاقه هاربه لتصفح هاتفها ومستجدات حساباتها في التواصل الاجتماعي.. ساعة ونصف الأخرى بين طياته وقد ملّت أيضا .. تأففت بضيق حتى كادت تحدث نفسها والحوائط من زحف الوقت السلحفي في الغربة .. فشرعت ناهضة تشغل باقِ وقتها في أعداد أحد أنواع العصائر المثلجة لترتوي منه في ذلك الحر مع ترك الباقي له بالبراد..


عند دقات الساعة السابعة وثلاث وأربعون دقيقة وعقب انتهائها من تناول حصتها في الطعام الذي يكفي سباتها الليلي بعيدا عنه.. اسرعت بغسل الأطباق التي خلفتها ومن ثم التواري في غرفتها سريعا قبل وصوله..


بترقب ودقائق مملة شعرت بحركات عفوية في الخارج تخبرها عن حضوره في الوقت المحدد، لهذا اختارت أن تدفس رأسها في النوم گ حل أمثل للهروب من ارتباكها وقت وجوده حتى وأن كان يفصلهما بابٌ مغلق بإحكام..

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

Health and beauty category