القائمة الرئيسية

الصفحات

البارت 59 من حصنك الغائب. 

--------------------
آثم حين أظهرت أمامك ضعفي
آثم حين أخرست مخاوف عقلي 
آثم لقول "نعم" راضخًا لقلبي
آثم لأن كلمة "لا" لم تكن قولي
آثم وأستحق جحيمُ العقاب
ولو حصدت مُرِ الصعاب

_________
ترفع وجهها بندم صوب وجهه وعسل عيناها يقطر أسفا له، نظرتها تنصر خوفه عليها بعد أن هزمتها حماقتها وكادت تفقد جنينها المنتظر، يديها تمتد تتشبث به معقوصة حول عنقه، تستجدي بقربها صفحه، وهو حازم الملامح ينحني ليجذبها من مقعد السيارة صارم النظرات لا يطالعها رغم أنها گ الهرة الصغيرة بين ذرعيه، عبر بها للداخل فوجدت نفسها تنغمس فيه بقوة تكاد تنفذ لضلوعه، تعلم أنها ستشتاق عناقه هذا كثيرًا وسحابة هجره تلوح في سمائها گ الغيمة السوداء.. ترقرقت حدقتيها وشبح ابتعاده گ الجاثوم على صدرها وهو يضعها فوق فراشها وهي تتشبث به أكثر گ الطفلة لا تريد فراقه، فقابلها جموده من جديد وهو ينسل عنها محرر إياها من "حصنه"..لم تعد تعانقه..لم تعد قريبة لأنفاسه..لم تعد تسمع دقات قلبه، ابتعد عنها في نفس لحظة دخول والدته الغرفة تصيح مفزوعة: 
_ ايه ده في يا ابني.. مالها مراتك؟ 
_ تعبت شوية وداخت وهي في شغلها الصبح.. 
واستطرد وهو يغادر: دقيقة وجاي يا ماما.. 
ابتعد وهي تشيعه بنظرة عطف يرميها بمثلها، فلم تحصد سوي عزوف عيناه عنها وهو يغيب عن ناظريها ثم عاد بعد دقائق محدثا والدته: 
لو سمحت يا امي دي الأدوية والفيتامينات والمثبت، يتاخدوا في معادهم بالظبط.. ولازم. تفضل نايمة علي ضهرها زي ما الدكتور قال.. 
_ ماتشلش هم ياحبيبي.. مراتك في عيوني هراعيها بنفسي.. 
_ تسلم عيونك يا ماما.. طيب انا خارج لو في جديد عرفيني..
دنت منها بعد مغادرته: سلامتك يا بلقيس ألف سلامة.. معلش الدوخة والتعب ده طبيعي في الأول.. 

ثم حدثتها ببعض اللوم: 

انا ماكنتش عايزاكي تروحي شغلك دلوقت خالص واستغربت ان ظافر سابك لأنه كان قايلي انك هتنزلي بعد الولادة..لازم يابنتي نحافظ علي النعمة عشان ربنا يبارك..شغلك مع والدك كان هيفضل محفوظ ومنتظرك أي وقت.. لكن حتة اللحمة الحمرة في بطنك ماتتحملش مجهود..دي أمانة ورزق لازم نصونه.. 
نكست رأسها بحزن مطبقة الشفاة تتذكر عنادها معه وتصميمها الغبي أن تواصل عملها..وكيف داهمها دوار لعين في الصباح حاولت تجاهله وهي تتناقش مع العميل على صفقة تصدير فواكه أورجنك ضخمة والحماس يملأها ممنية روحها بنظرة فخر من أبيها بعد إبرامها..وبعد انتهاء النقاش نهضت بعفوية تودع الرجل وبمجرد أن وقفت وتقدمت بضع خطوات ازدادت قبضة الدوار عليها لينتهي الأمر بسقوطها. 
_ يلا كله نصيب المهم انك بخير يا بنتي..وانا اللي هاخد بالي منك لحد ماتبقي كويسة.. هسيبك واعملك بأيدي شوربة تغذيكي بدال وشك التعبان ده..
ثم مزحت معها: عشان حفيدي يجي شديد.. 
ابتسمت لها بلقيس بمجاملة وانتظرت خروجها ثم اطلقت العنان لبكائها المكتوم وهي تلوم نفسها وعنادها.. 
__________
"ضغط المدام واطي جدا وده خطر على حملها خصوصا انها لسه في تاني شهر..وموضوع الدوخة هيتكرر كتير فلأزم تاخد راحة في البيت وتهتم بنفسها وعلاجها وتكون حذرة قد ما تقدر.. سيدات كتير بتفقد جنينها بسبب سقوط مش محسوب، عموما مع ملاحظتها الساعات اللي فاتت احب اطمنك ان الضغط ارتفع للمعدل الطبيعي.. بس قبل ما تاخدها البيت بكرر تحذيري يا سيد ظافر.. المدام لازم ترتاح وتنام علي ظهرها على الأقل عشر أيام "
صدي كلمات الطبيب تطوف بخلايا عقله وهو يقف قرب ضفة النيل الهاديء عكس غليان روحه وهو مستند بمرفقيه على حافة سياجه شارد بصفحة مياهه المعتمة والغضب يفيض من حدقتيه القاتمة..ماذا لو تأذت هي أو طفله الذي يموت شوقًا له ويحصي الأيام لقدومه؟ ما كان يجب عليه الرضوخ والسماح لها بالعمل..كم يبغض الآن ضعفه أمامها وطيلة حيات لم يكن طائعا لأحد حتى والدته.. دائما عقله وبصيرته مقياسه وبوصلته، كاد ان يحصد خسارة لن يحتملها..ليست فقد جنينهما وحسب.. بل الأكثر خطورة ويُسعر جحيمًا في صدره ظنونه التي اشتعلت لافتراض صوره عقله بقوة..
زوجته الفاتنة كانت مفردها مع ذاك العميل لحظة سقوطها في أضعف حالتها وغائبة عن الوعي، مسلوبة الإردة لا تملك له صدا لو استغل الرجل وضعها وتحكمت به شهوته وهو يبصر جميلة مثلها بين يديه دون رقيب أو رادع، ماذ لو استحل لمسها أو... .من يوقفه حينها لو فعل؟
ومن يضمن له الآن أنه لم يفعل شيء بها؟ 
يجيب أن يفعل أمرا ما ليطفيء جحيم هذا الشك والعذاب المُضرم داخله.. 
تنهد كأنه يخرج من صدره ألسنة نيران وليست مجرد زفرات واستدار قاصدا سيارته ليغادر فلمح وجه رجل ما يقف على بعد خطوات ليست بعيدة عنه..شارد يتأمل ظلمة النيل كما كان هو منذ قليل.. لفت نظره شيء.. اقترب ليتأكد ضاقت حدقتاه وملامحه تتضح له أكثر فتساءل ظافر وهو يحاصره بنظرة قوية : مش انت اللي كنت في سويسرا..؟
التفت إليه لتتحول نظرات الأخر لذهول وبلحظة تجسد لعين خياله شبح حقيقته..
حقيقة كم هو ضئيل في حضرة ذاك الرجل الذي تجمعهما الآن صدفة شديدة الغرابة وغير مفهومة..
وقد وتعشم بمجيئه هنا أن يلتقي الرجل الطيب الذي حدثه هنا ذات يوم وكان بالنسبة له طوق نجاة بعد أن اقترب من الموت كافرا..
ليخبيء له القدر في نفس المكان مفاجأة.. 
لقاء عجيب مع أخر من يتمنى رؤيته.. 
زوج بلقيس! 
___________________
_ بلقيس عاملة ايه دلوقت يا إيلي؟
_ الحمد لله يامحمود انا هروح اشوفها بعد ما اكلمك
_ طب سلمي عليها وبإذن الله هزورها بكره
_ تنور إن شاء الله، بيني وبينك يامحمود ماما كانت مضايقة جدا من نزولها الشغل بس مقدرتش تتكلم لما لقيت آبيه سمحلها.. اول الحمل ده بيكون كله دوخة وغثيان وتعب كان واجب على مرات اخويا من نفسها ترفض نزول الشغل.. دي ماصدقت ربنا كرمها، وشكل اخويا مضايق جدا لأن ماما قالتلي خرج بعد ما جابها ولسه مش رجع البيت.. 
_ظافر معذور أكيد خاف عليها طبعا ، وكلامك منطقي في جزئية ان بلقيس كانت لازم ترتاح بس احنا مانعرفش ظروف كل واحد، المهم انها بخير دلوقت.. 
واستطرد: بس ده معناه بقي ان بلقيس مش هتحضر افتتاح مكتبي أخر الاسبوع بعد يومين؟
_ معتقدش يامحمود، الدكتور مأكد أنها تنام على ضهرها أسبوع او أكتر وتتحرك للضرورة القصوى.. 
_ معلش سلامتها أهم..هو هيكون افتتاح بسيط على كل حال.. المهم انتي هتيجي صح؟
ابتسمت بحنان: وانا اقدر اتأخر عليك ياحوده
_ حبيبة قلبي، وبعدها هستأذن ظافر ونتعشي انا وانتي بره..
_ لو وافق معنديش مشكلة.. طب على كده والدك ووالدتك هيحضروا؟ 
_ للأسف لأ.. زمزم اختي في اواخر الحمل وتعبانة وماما مش هتقدر تنزل القاهرة وتسيبها، وبابا عنده شغله هناك ..وانا مش مضايق كفاية عمو عاصم هنا ومراته وانتم واصحابي هتكونوا معايا.. المهم ربنا ييسر واشتغل كويس بعدها.. 
_ بإذن الله ربنا هيوفقك.. معلش هقفل معاك عشان اروح اشوف بلي لو صاحية اطمن عليها
_ تمام ولو ينفع خليني أكلمها
_ ماشي حاضر 
____________
_ أيوة أنا.. 
قالها رائد وهو يتجرع ريقه بتوتر ويتأمله بحذر.. 
فقال ظافر: سبحان الله الدنيا فعلا ضيقة جدا.. 
ظل الأول يطالعه مأخوذا تلجمه المفاجأة، فواصل الأخير: 
انا رجعت بمراتي بعد ما الحيوانات اللي خطفوها أخدوا جزائهم واتسجنوا.. وعرفت كمان بعد ما جيت هنا من المحقق المسؤل، ان واحد فيهم مات في السجن.. تعرف الخبر ده؟
أومأ له رائد بإجاب ومازال ينظر له بقلق..
عجبا..
هذا الرجل لم يعرف من يكون
لو علم ماهيته ما تركه حيًا الآن.. 
اذا بلقيس أخفت حقيقته هو وتيماء..
_ زوجتك عاملة ايه دلوقت..بخير؟
_ لأ.. 
قالها بخفوت فتسائل ظافر: مالها؟ 
تمتم وهو يرصد رد فعله: للأسف مراتي اتعرضت لحريق شديد سببلها تشوه كبير أثر عليها نفسيا و جسديا.. 
تمتم بأسف: لا حول ولا قوة إلا بالله.. وده حصلها ازاي؟ 
_ ماس كهربا لما كانت في شقتنا لوحدها.. 
_ قدر الله وما شاء فعل، معلش في ميزان حسناتها إن شاء الله.. أي ألم بنتعرضله تكفير لذنوبنا انت عارف محدش فينا خالي.. 
غامت حدقتاه وهو يجيبه بهمس شارد: عارف.. 
_ وبعدين دلوقت الأمور دي بتتعالج بطب تجميلي بمنتهي السهولة..( ثم تحكمت به شهامته وقال) على فكرة لو محتاج مساعدة مادية انا تحت أمرك، انا مخصص جزء من ريع شغلي للمواقف دي.. 
واستطرد مبتسما: وماتستغربش عرضي عشان مفيش بنا معرفة حقيقية، بس كفاية إن القدر جمعنا في نفس الجبهة في يوم من الأيام واحنا بندافع ع شرفنا..ولا ايه؟
"عمر جبهتنا ما كانت واحدة.. وشرفي أنا اللي لوثته"
كاد يحرر الجملة من قيد عقله ويبوح بها، لكنه فضل الصمت مكتفيا بإيماءة ورتوش الحزن منقوشة بجلاء على وجهه، فسرها ظافر انها لأجل زوجته وهم بقول شيء أخر فقاطعه رنين هاتفه، كانت هي.. ملكته العنيدة..استعاد سريعا مشاعر السخط عليها وتغبر وجهه بالضيق وضغط على الشاشة رافضا المكالمة، ثم نظر للأخر: 
_ على كل حال اتشرفت بيك.. وألف سلامة على المدام..وزي ما قلت لو احتاجت مساعدة انا موجود، يمكن ربنا خلانا نتقابل هنا صدفة عشان كده، محدش عارف يا....معلش متشرفتش باسمك؟
طالت منه نظرة وداخله تتصارع أطراف الخوف مع رغبة في المجزافة، والسؤال يُطرح في عقله
ماذا لو كشف له عن اسمه؟! هل سيعرفه؟
حسم أمره وغمغم بحذر: اسمي رائد.. 
قالها وظل يرمقه بتوجس وألاف الاحتمالات تتوالي بذهنه، بينما هتف الأول ببساطة: أهلا بيك.. وأنا اسمي ظافر..ظافر الشباسي..!
_ الشيف.. 
ابتسم ولم يتعجب أن هذا الشخص يعرف مهنته، فربما تابعه في حلقات المسابقة التي كانت تذاع او بعض لقائته التليفزيونية القصيرة بعد الفوز حينها باللقب..
_ أيوة، وعشان شوية الشهرة اللي عندي العصابة اللي هناك عرفت خط سيري وخطفت مراتي.. 
ثم باغته بسؤال أخر: صحيح كنت عايز اسألك، انت عرفت ازاي ان مراتك اتخطفت وازاي وصلتلها قبلي؟
تلجم وهو يبحث عن كذبة مقنغة يقولها.. 
_ جالي اتصال عشان ادفع فدية.. 
زوى حاجبيه: غريبة.. بس انا محدش كلمني عشان يطلب فلوس، لولا عرفت اوصلها عن طريق موقع تليفونها.. وتنهد وذكرى هذه الأيام تؤلمه مع قوله: عموما الحمد لله اننا قدرنا ننقذهم..
وواصل: ومرة تانية اتشرفت بالصدفة دي.. 
نظر لكف الرجل الممدودة ليصافحه
هل يعقل أن تنعقد كفوفهما بمصافحة؟ 
مد كفه أخيرًا مصافحا ثم قال له رائد: 
_ ممكن اطلب من حضرتك طلب؟ 
_ أكيد اتفضل.. 
_ أنا مراتي تعبانة جدا زي ما قولت وحالتها صعبة بعد الحريق.. قول للمدام بتاعتك تدعيلها.. قولها انها كانت في الجحيم ولسه بتدفع تمنه من نفسيتها وحياتها اللي مش قادرة تعيشها زي ما كانت، حتى بنتنا رحمة مش قادرة تراعيها.. قولها انها مسكينة عشان خسرت حاجات كتير ومحتاجة دعوة سماح من القلب..هي ست زيها وعرفت يعني ايه تتخطف وتتعرض للانتهاك..قولها ان الدنيا دارت وماسابتش حق مظلوم إلا ونصفته بقصاص ربنا العادل..وعاقبت الظالم علي ظلمه ولسه بيقاسي ويل أثامه ومنتظر السماح من أصحابه لو يقدروا يسامحوا.. 
ضيق ظافر مقلتيه بحيرة لحديث الرجل الغريب و الموجع للقلب وشعر بشيء لا يفهمه..كأنه يمرر رسالة ما لم يدركها عقله..ماذا يقصد؟
جاءت الإجابة مع قول رائد: 
ماتستغربش من طلبي ده..حضرتك عرضت عليا تساعدني بفلوس..وانا الحمد لله مستور واقدر اعالجها كويس وفعلا هتبتدي تعمل اول عملية قريب وده سبب وجودي هنا.. لكن المساعدة الحقيقية اللي محتاجها ولا تقدر بتمن..هي دعواتكم..ياما مهالك ربنا نجانا منها بدعوة اتقبلت من قلب صادق فيها.. عشان كده وصيتك تقول كده للمدام عشان تفهم وهي بتدعيلها انها محتاجة دعوتها ودعوة أي حد..مش يمكن انا وانت اتقابلنا هنا عشان السبب ده؟؟؟
ظل ظافر يرمقه مستشعرا فيه غموض ما
مازال يشعر انه يمرر رسالة ما لا يفهمها.. 
_ تعرف إن في مكان زي ده حاولت انتحر وانهي حياتي؟
استطاع لفت نظر ظافر ولهيه عن حيرته وهو يتساءل باهتمام: يا ساتر! ليه كده؟
انتفخ صدره بالهواء وهو يزفره بوجع مع قوله: 
تقدر تقول كنت يائس من الدنيا، حسيت اني ماليش فيها مكان ولا أمل من كتر ذنوبي..قام ربنا بعتلي شخص كأنه ملاك أنقذني وبث فيا الأمل تاني بكلامه عن رحمة ربنا وإننا ماينفعش نسيب نفسنا للقنوط.. غير نظرتي للدنيا بكام كلمة..ومن وقتها بتمنى اشوفه تاني عشان اشكره واقوله ان نصايحه ما راحتش هدر..
ثم عاد يلتفت لظافر مستطردا بنظرة غامضة: 
بس النصيب خلاني اجي هنا واقابلك..وأنا اتعلمت إن مافيش حاجة بتحصل معانا بدون سبب..يمكن ربنا مخبيلي عندك أنت ومراتك دعوة يجوز تستجاب.. صح ولا لأ؟
صمت برهة يطالعه وبعض المنطق يغلف ما يقول الرجل ثم تمتم: يجوز.. مافيش حاجة بعيدة.. عموما أوعدك ندعيلها.. وربنا يشفيها ويشفي كل مريض.. 
هز رأسه بامتنان حقيقي: شكرا..
مكث رائد يراقب رحيله بعين غائمة وهو يهمس لذاته: أنا فهمت الرسالة يارب ووصلتها.. واتمنى توصلها هي كمان تفهمها وتسامح.. 
___________
أهكذا آلت الأمور بينهما؟
تهاتفه، يرفض الرد عليها؟ 
زحفت دموعها وهي داخلها تقدر غضبه لكن لا تتقبل قسوته..تريد استعادة مكانتها بين حصن ذراعيه كي تطمئن.. تود استنشاق عبقه عن قرب كي تشعر أنها على قيد الحياة.. هي تختنق لفراقه القصير وكم تخاف أن يطول بعاده فتهلك.. 
سمعت طرقتين ثم أطلت إيلاف بوجهها البشوش: 
صاحية يابلي؟
_أيوة حبيبتي تعالي 
تقدمت ووضعت كاستين من العصير:
قلت اطمن عليكي عاملة ايه دلوقت.. 
_ الحمد لله يا حبيبتي
_ محمود عايز يطمن عليكي، لحظة هخليكي تكلميه
هاتفته وتركتهما يتحدثان بعض الوقت ثم انتهت المكالمة وقالت إيلاف وهي تتناول منها الهاتف: 
كان عايز يجي بس انا قولتله انك نايمة اغلب الوقت على ضهرك..بعد الافتتاح تكوني احسن ويجي يشوفك
_ فيه الخير، مفيش داعي يتعب نفسه ومبروك مقدما علي الافتتاح.. 
_ تسلمي يابلي.. كان نفسي تحضريه والله.. بس معلش كله يهون عشان البيبي حبيب عمتو يبقي كويس.. (واقتربت من بطنها تتحدث برقة)
يلا بقى يا صاحبي اكبر في بطن ماما وانزل بالسلامة عايزة العب معاك.. 
منحتها ابتسامة باهتة: إن شاء الله. 
نظرت لهاتفها وصاحت: ايه ده آبيه ظافر بيرن عليا.. ثواني يا بلي هرد عليه.. 
سكين نغز قلبها ألمًا وهي تراه يهاتف شقيقته بعد تجاهله الرد عليها منذ قليل.. ترقبت أن يسأل عنها ويطلب الحديث معها، فصُدمت بإيلاف تنهي المكالمة وهي تقول: آبيه كان بيقولي هيتأخر على ما يرجع ومحدش يستناه.. 
حاولت التماسك عن البكاء بأعجوبة وهي تهز رأسها مطبقة الشفتين يظلل مقلتيها حزن شديد أدركته الأخري وهي تربت على يدها قائلة: ماتزعليش يا بلي..كويس انه هيفضل برة لحد ما يهدى شوية وبعدين هيرجع يكلمك.. هو في النهاية خاف عليكي. 
ثم ناولتها كاسة العصير: يلا بقى اشربي العصير الفريش ده احسن ده توصية ماما.. وانا هشرب معاكي اهو.. 
حاولت مجاراتها وهي ترتشف بعضه رغما عنها ثم فاجأها غثيان شديد فنهضت سريعا تتقيأ في المرحاض وإيلاف خلفها تسندها حتى لا تقع.. ثم عادت للفراش والدوار يكتنف رأسها بشدة وعيناها ترتخي بقوة.. 
_ سلامتك حبيبتي معلش هو الحمل كده في أوله متعب..حاولي تنامي وانا هجيلك تاني في صلاة الفجر وأكيد هيكون أخويا جه عشان ياخد باله منك.
دثرتها جيدا وتركتها، لتشرع بلقيس عيناها قليلا وتحرر دمعة زحفت فوق وجنتها ارتشفتها الوسادة ثم غطت في النوم دون أن تشعر ومحياه الغاضب منها يحتل صفحة عقلها الغائب.. 
___________
ركن سيارته وكاد أن يغادرها فأوقفه رنين هاتفه! 
_ السلام عليكم.. ازيك ياظافر
_ عليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. معلش ياعمي محتاج اشوفك دلوقت ضروري. 
عقد حاجبيه بقلق: خير يا ابني في ايه قلقتني
_ اطمن بس قابلني في الشركة بتاعة حضرتك
_ ده انا مشيت وخلاص كنت داخل بيتي
_ عارف وعشان كده بكلمك ترجع تاني..
_ حاضر يابني هلف وارجع تاني وربنا يسلم.. 
____________
_ مالك يا رائد من وقت ما رجعت من السفر ساكت.. 
غارق في طيات شروده ولم ينتبه لها، فدنت قليلا وربتت على كتفه فانتفض قائلا: في ايه؟
رمقته بحنان: اهدي مافيش حاجة، شايفاك ساكت حتى ماسألتش على رحمة.. 
_ معلش كنت سرحان شوية.. هي نامت؟
قالت بمسحة حزن: أيوة، بالعافية بعد ما فضلت تنادي علي ضي وتيتة.. مفتفداهم وطول اليوم تدور عليهم في كل مكان.. 
أخذها على صدره: معلش بكره تتعود.. 
ثم همس وهو يرفع وجهها بأنامله: وانتي يا رودي؟ افتقديهم؟
عادت تدس رأسها في عنقه ملتزمة الصمت، عاجزة عن تحديد شعورها..أحزينة لفراقهم بعد ان اعتادت دفء وجودهما حولها.. أم غاضبة لأن والدتها تركتها ثانيا.. لم تهتم لاستجداء عيناها الصامت وهي تناجيها المكوث..تجاهلتها كما فعلت من قبل..الأفضل لها ألا تعتاد أحد غير زوجها وطفلتها.. هما الابقى ولن يتركوها يوما.. 
_ تبقي غلطانة لو فاكرة ان مامتك اتخلت عنك.. 
لم يري ابتسامتها لسهولة إدراكه ما يدور بعقلها، أصبح قريب لروحها بشكل يضخ بها القوة كلما هزمها الوهن.. وشددت على ضمه لها هامسة: أنا أهم حاجة انت ماتتخلاش عني وتفضل معايا انت وبنتنا.. انتوا اللي فاضلين ليا في الدنيا.. 
لثم رأسها مع قوله: ومامتك واخواتك.. 
عاد وجهها يتغبر بالحزن وقالت لتصرفه عن النبش فيما يؤلمها: ما قولتليش، ليه جيت من برة سرحان يا رائد.. في حاجة حصلت معاك وانت بتتفق مع الدكتور؟ 
غامت عيناه في الفراغ أمامه وهو يغمغم: في! 
ابتعدت عنه متسائلة: خير؟
_ معرفش خير ولا لأ.. يمكن يكون خير.. 
_ قلقتني.. حصل ايه؟
نظر لسواد مقلتيها بقوة وقال: أنا شوفت جوز بلقيس. 
انتفاضة أصابت جسدها بغتة وزاغت حدقتاها برعب وهي تصيح: عرفك؟ اتخانق معاك.. 
ثم تفحصته سريعا وهي تعود لتهتف: أذاك؟ 
احتوى رجفتها بضمة اخري محاولا تهدئتها: اهدي محصلش حاجة من اللي قولتيها.. 
ثم عادت مرآة عينه تغيم مبصرا الأفق الساطع من النافذة: بالعكس يا تيماء.. هتصدقي لو قولتلك ان دار بينا حديث هادي وعاقل وانتهى كلامنا بمصافحة عادية كأننا اصحاب من زمن..عمري ما تخيلت ان ده ممكن يحصل.. أنا بعتبر اللقاء ده معجزة لوحده ربنا دبرها لينا ورحمة من عنده عشان اوصل رسالتي بأغرب وسيلة وعن طريق أخر شخص كان ممكن افكر انه يوصلها ليها.. 
مشطت وجهه بحيرة وخوف: انا مش فاهمة كلامك يا رائد.. أرجوك طمني..
_ هحكيلك.. 
_____________
_كل ده حصل مع بنتي وانا معرفش.. وديني عندها بسرعة لازم اشوفها.. 
_ أهدى ياعمي لو سمحت.. بلقيس دلوقت بخير.. السكرتيرة ساعتها كلمتني لأن حضرتك ماكنتش في الشركة وكنت بتمر على مصنع التعليب.. وخافت تقلقك.. ده غير اني من الأساس موصيها لو حصل حاجة تكلمني انا الأول.. 
_ طب هي عاملة ايه دلوقت انا لازم اشوفها. 
_ إيلاف بعتتلي رسالة انها نامت من شوية وكويسة، المهم واللي طلبت اشوفك عشانه حاجة مهمة بالنسبالي
_ حاجة ايه؟ 
_ الكاميرات. 
_ مش فاهم، مالها؟
_ عايز اشوف الكاميرة بتاعة مكتب بلقيس بالذات في التوقيت اللي كان العميل معاها في الغرفة.. 
ضيق عينيه بتساؤل، فاستطرد ظافر: 
عمي.. بلقيس داخت وهي في غرفة مقفولة مع راجل 
لوحدهم.. 
_ بس ده عميل يا ابني
صاح بحزم: بس راجل.. ايه يضمنلي انه ما استغلش الوضع وحاول انه..... 
لم يكمل جملته، وعاصم يوميء له باستيعاب وتفهم: 
خلاص يا ظافر.. هنشوف الكاميرات عشان تهدى وترتاح.. مش هقدر الومك في خوفك..
......... ..
عيناه ترصد كل حركة تصدر منها وهي تتحدث برصانة مع الرجل الذي بدا مهذبا وهو يناقشها مرتشفا رشفة من فنجان قهوته بين حين وأخر.. لوهلة خانه شوقه وهو يشرد بجمال وجهها وقلبه يسبح لله..نظرتها تنضح ثقة وعسل مقلتها يتألق كما يعهدها..حاجباها الرفيعة، أنفها الصغير، شفتيها الملساء..وفجأة وجدها تقف خلف مكتبها تتأهب لوداع العميل وهي تبتسم ابتسامتها الجذابة الرصينة.. ثم خطت خطوات قليلة حول المكتب.. لتبدأ تترنح وهي تضع يدها على رأسها وعيناها تُسبل.. وبرد فعل سريع تلقفها الرجل من خصرها قبل أن تسقط أرضًا ووضعها فوق الأريكة وهرول للخارج يستنجد بالسكرتيرة.. 
التفت عاصم لظافر فوجد عيناه تحولت لجمرة متقدة فصاح يهدئه: الموضوع مافيهوش أي سوء نية.. هي داخت فجأة والعميل اتعامل بعفوية ولحقها قبل ما تقع.. ماحسيتش منه بأي تصرف مشين أو غير لائق..مانقدرش نقول الراجل غلطان.. 
صمت يراقبه بتوجس قبل أن يهتف الأخير بغموض: الغلط من عندي وعارف ازاي هصلحه.. 
_____________
ربط لها حزام الأمان وهي تجاوره في مقعد الطائرة ثم لثم كفها ودسه بفراغ ذراعه وهو يقول: زعلانة اننا قطعنا شهر العسل؟
_ بالعكس يا زيدو.. احنا الحمد لله قضينا عشرين يوم مفيش فيهم يوم متكرر، زورنا أجمل الأماكن هناك واتبسطنا..واللي فاضل من الشهر ده هنقضيه مع خالتو وماما وبابا وكل أهلنا في المنصورة عشان هما كمان يشبعوا مننا قبل ما ننزل ونستقر في القاهرة.. 
ابتسم لها: يسلملي العاقل.. 
تدللت وهي تميل عليه: بس اوعي تاخد على كده
_ لا عارف ان في هفوات جنان كده ومأقلم نفسي. 
قرصت وجنته الحليقة: حبيبي الشطور.. 
طل رأس جوري من فراغ مابين المقعدين خلفهما وهي تصيح: نبطل سهوكة بقي واحنا في الطيارة.. أحسن تنسوا نفسكم ولا حاجة.. 
دفعتها عطر في أنفها: خليكي في حالك يا زئردة.. كل واحد يخليه في جوزه يا اسماعيل بيه.. 
ضحك يزيد وعامر قائلا: ماتبقاش جوجو مراتي لو سكتت من غير ما تنكش حد حتى نفسها.. 
رمقته بسخط: بقى كده؟ بتتفق معاها عليا؟
أمسك أنفها بمشاكسة: لا يا روحي مقدرش ده انتي كبدي وطحالي وكلاويا.. 
حكت أنفها بضيق: أوعى كده ماتكلمنيش.. 
_ خلاص حقك عليا بهزر.. 
صاح يزيد من أمامها: ماتزعليش يا جوجو بيهزروا معاكي..
_ طب هترجعوا امتى من المنصورة يا آبيه. 
_ أخر الشهر بإذن الله.. 
قالت بحنان: ماشي.. ربنا يسعدكم.. ماما طايرة من الفرحة انكم راجعين عندها.. 
عطر: محنا وعدناها من قبل الفرح..
لاحظ عامر مسحة الحزن بصوتها ونظرتها ويعلم أنها كانت تود منه العودة معهم لكنه تجاهل عمدا.. يجب أن يحد من تعلقها الزائد بأهلها وتعتاده هو أكثر..لم تعد صغيرتهم.. أصبحت تنتمي له هو.. غير أن باقي عائلته لم يباركوا لهما في منزلهما..فرصة لتختلط بهم وتتهيأ لحياتهما سويًا..
تمت الرحلة علي خير وهبطت الطائرة في مطار القاهرة الدولي.. واصطحب كل رجل عروسه وتماسكت جوري عن البكاء وأخيها وعطر يغادران، بينما عادت هي وعامر لمنزل الزوجية.. 
___________
بعد أيام! 
تذوقت بعضا من سائل الحساء ثم قالت مستحسنة لمذاقه: الله يا بنت يا جوجو.. الطعم يجنن وعموري هينبهر بأكلي اما يجي..اروح بقي اكلم البت عطر.. 
........ 
_ السلام عليكم، ازيك يا زئردة.. 
_ وعليكم السلام.. اهلا يا اختي..طبعا مزقططة هناك وسايباني لوحدي هنا..
_يا بنتي ما هو جوزك قال قرايبه لسه هيزوره اما يرجع وكمان عشان شغله.. انما يزيد من الاول مقرر نقضي اخر أيام شهر العسل مع خالتو زي ما وعدها.. كنتي ممكن تفضلي في تركيا تكملي شهر العسل بتاعك.. 
_ لا ياعطر ما كنتش هتبسط من غيرك انتي ويزيد..يلا تتعوض بقى.. ماهو لازم اتعود اني بقيت لوحدي.. 
قالت بحنان: لوحدك ليه بس يا حبيبتي ربنا يخليلك جوزك.. انتي مش مبسوطة مع عامر ولا ايه؟
_ بالعكس والله ده طلع حنين اوي فوق توقعي ومراعي مزاجي المتقلب بعد ما رجعنا.. 
_ هو لحق مزاجك يتقلب؟ شكلك ناوية تنكدي علي الراجل بدري.. 
_ يابنتي مش كده بس في تركيا انتي واخويا كنتم معايا فاحساس الغربة كان تقريبا مش موجود.. انما لما رجعت بيتي وفجأة لقيتني زوجة مسؤلة وبتستقبل ضيوف كتير في بيتها..واغلبهم ماتعرفش عنهم حاجة ارتبكت او يمكن اتخضيت.. المهم حسيت اني لوحدي..
صمتت لحظات تتفهم مشاعر رفيقتها ثم قالت بحنان مع لمحة عقل: اسمعي يا جوجو..احنا خلاص ياحبيبتي في مرحلة مختلفة بمسؤلياتها وقوانينها.. بقي ليكي راجل مسؤل منك ومسؤلة منه، ليكي عالم تاني لازم تتأقلمي معاه خصوصا ان جوزك بيحبك وبيراعيكي وعمل كل اللي قدر عليه عشان يطولك.. يبقي في المقابل ماينفعش يحس منك انك زهقانة ولا حاسة معاه بالغربة..كده هتتسببي في حزنه لأنه هيفتكرك مش بتحبيه أو ندمانة مثلا.. 
_ معقولة؟! بس انا بحبه.. أنا بموت فيه ياعطر ومقدرش استغني عنه والله.. 
قالتها ثم ومض بذهنها حديثه العاتبة ليلة أمس ( انتي خلاص مش مبسوطة معايا يا جوري؟ فين هزارك ودلعك؟ من وقت ما رجعنا وكأنك واحدة تانية ، تايهة ومخضوضة.. إنتي عايزة تروحي لأهلك؟) 
اغرورقت عيناها وهتفت كأنها تحاكيه هو: لأ مش عايزة اروح لأهلي..( جففت دمعتها وعادت تهتف) عندك حق ياعطر انا فعلا زودتها.. عامر لمحلي باللي قولتيه ده امبارح.. حتى عشان اراضيه واحسسه اني مبسوطة قولتله اني هطبخله بإيدي انهاردة.. ثم صرخت بغتة: يانهار ابيض.. الأكل شكله اتحرق.. 
وقذفت الهاتف وهي تهرول لتتأكد من فساد ما قامت بطهوه لأجله.. عادت تحدثها بنحيب: ياخسارة تعبك يا لوزة.. الطاجن اتحرق في الفرن وبقي فحمة والرز شاط.. حتى الخضار اتلسع مني.. شوفتي خيبة بنت خالتك ياعطر؟
_ حبيبتي ده العادي بتاعك.. طول عمرك مسطولة. 
_ بطلي طولة لسان وقوليلي اعمل ايه؟ جوزي علي وصول وجاي متحمس يدوق أكلي وانا نفخت نفسي وقولتله هتاكل صوابعك من حلاوة طبيخي.. 
راحت تفكر بهمهمة عالية ثم صاحت: 
عندي فكرة هتخلصك من الموقف وتقلبه لصالحك.. 
_ قوليها بسرعة
_ مرة شوفت بوست كوميدي علي النت لموقف مشابه.. انتي ممكن تتصرفي زي الست اللي شوفت تعليقها.. هتقفلي معايا وتتصلي بجوزك تكلميه، وافضلي اتسهوكي وادلعي معاه.. بحبك ياعموري ووحشتني والكلام الفاضي ده.. وهوبا في نص الكلام قوليله يانهاري.. الأكل شاط ياعمري وانا بكلمك عشان سرحت معاك ونسيته علي النار.. اعمل ايه مقدرتش اصبر لما تيجي لأنك وحشتني يا حبي.. طبعا جوزك هينشكح علي الأخر ويحس انه "ميل جيبسون" في نفسه كده وهيقولك..( وقلدته عطر ) ولا يهمك يا عمري فداكي ياجوجو.. هجيب معايا وجبتين من المطعم.. 
انطلقت جوري تقهقه: يخربيت دماغك السو.. ده انتي طلعتي جبارة ومية من تحت تبن.. عيني عليك يا اخويا هيروح فيكي فين ياقردة.. 
_ أحترمي نفسك، ده بدال ما تشكريني ياهبلة؟
_ لا بصراحة تستحقي ارفعلك القبعة أقسم بالله. 
_ لا ماترفعيش قبعات وروحي بقي كلمي جوزك قبل ما يطب عليكي ويبقي شكلك وحش.. عشان يدوب أنا ويزيد هنقابل زمزم وعابد وماما وخالتو في النادي
صرخت عليها: أنتي بتغيظيني يابت انتي؟ متجمعين من غيري وبتقوليها في وشي..؟!
ضحكت عليها: والله ابدا انتي اللي ضميرك مش نضيف، وقولنا هتتعوض ماتوجعيش دماغنا.. يلا هسيبك واكلمك بالليل تحكيلي بالتفصيل رد فعل المحروس ابو الشباب جوزك.. 
_ ابو الشباب غصب عنك، المهم ماتنسيش تسلمي علي الكل وبوسيلي هوندا.. وياريت لو كلمتيني فيديو وانتم هناك.. 
_ يابنتي فيديو ايه روحي اجهزي لجوزك اللي طول النهار برة وعوضيه نكد امبارح يا عبيطة وفرفشيه كده.. 
_ حاضر يا أبلة عطر.. 
_______________
دست قطعة لحم في فمه وهي تقول: يعني ماقولتش مراتي خايبة وحرقت الأكل.. 
التقط يدها التي اطعمته بها ولثمها قائلا بمحبة: 
طبعا لأ، مراتي احسن واحدة في الدنيا. 
ابتسمت وهي تقترب وتقبل خده: ربنا يخليك ليا ياحبيبي.. بس برضوا المرة الجاية هبهرك بأكلي .
_ متأكد من كده
لاك بعض الطعام ثم قال: تحبي نخرج نسهر في فين؟
رمقته بتقدير وهي تعلم كم يود إسعادها.. رغم الإرهاق الذي يبدو عليه بعد يوم عمل كامل لا يهمل في راحتها.. فتحت فمها تستقبل من يده شيء من الطعام وهو يقول: شكلك بتفكري في المكان اللي عايزة تسهري فيه، عموما انا مستعد ..
_ فعلا في مكان حلو اوي نفسي انا وانت نسهر فيه لوحدنا
_ فين ده؟
أشارت بعيناها لوجهة ما: هناك.. 
نظر للشرفة القريبة متعجبا: هناك فين؟ في البلكونة؟
_ بالظبط كده.. احنا ولا مرة قعدنا وسهرنا فيها رغم اني ظبطتها بالورود والذرع عشان تكون قعدتنا المفضلة ساعة المغربية، حاجة كده من ريحة بتنا في المنصورة.. 
صمت برهة يستوعب انها بالفعل تستأثر المكوث بالمنزل على التنزه خارجه.. هل لاحظت إجهاده وتريد إعفاءه من نزهة إضافية؟ رمقها بحب ثم جذبها لتجلس فوق قدميه وقبلها بحنان مغمغما: بجد مش عايزة تخرجي يا جوجو؟ كنت فاكرك زهقانة.. 
أحاطت عنقه: لا طبعا بالعكس.. حابة انا وانت نشرب الشاي سوا مع قالب الكيك الجميل اللي انت جبته.. زي ما بابا وماما بيعملوا.. كان لازم ليهم وقت خاص بيهم، وانا كنت دايما اغلس عليهم واقعد معاهم واجنن ماما وادلع بابا..
داعب أنفها: من هنا ورايح هتجنني حبيبك وبس
_ ومش هترجع تشتكي وتقولي اعقلي؟ 
تبسم وهو يتحسس نعومة وجنتها: لأ.. اعملي اللي انتي عايزاه بس اوعي احس انك زعلانة او مفتقدة حد أو...... 
وضعت أناملها فوق شفتيه، فأطبقها وهو يتشرب وجهها القريب وهي تهمس: أنا أسفة ياعامر.. عارفة انك زعلت مني امبارح وافتكرتني مش مبسوطة معاك..بس والله انت أغلى إنسان علي قلبي ومقدرش ابعد عنك، كل الحكاية اني لسه بتعود على فراق اهلي واني بقى ليا بيت بعيد عنهم.. بقيت مسؤلة عن راحة زوج وسعادته..بقيت مسؤلة اشرفك قصاد أهلك وضيوفك وانا بفكر ف كل كلمة بقولها قصادهم..ارتبكت من وضعي الجديد بس بعترف اني زودتها شوية..
واستطردت وهي توجه العتاب لذاتها أمامه: ومش هسامح نفسي ابدا اني وصلتلك إحساس اني مش مبسوطة معاك وخليتك تقول... 
ابتلع بقية الكلمات بين شفتيه بقبلة خاطفة ثم همس لها: أنا متفهم كويس اللي حسيتي به وعارف انك بتحبيني..كل الحكاية إني حبيت اطمنك انك. مابعدتيش عن أهلك وأي وقت هتحتاجي تشوفيهم هوديكي لحد عندهم.. 
مالت برأسها على صدره محيطة خصره بذراعيها: 
ربنا يخليك ليا ياعامر.. 
اكتفى بضمها إليه أكثر وساد بينهما بعض الصمت قبل أن ينهض بها حاملا إياها بين ذراعيه قائلا: هو انتي كام كيلو.. 
_ ستة وخمسين كيلو 
_ لا عايزين عليهم عشرة كمان
شهقت وقد ولج بها الغرفة: لا ده كتير اوي ياعموري. 
وضعها فوق الفراش برفق:مش كتير، نسيتي اني طلبت منك تتخني شوية.. 
تنهدت وهي تتخدر لقربه: يعني مصمم
_ أيوة
_ وافرض تخنت كتير وبقي جسمي وحش
_ مش هفرض..مهما حصل هتفضلي في عيني جميلة
غذى أنوثتها بإطراءه ورسخ فيها أنها ستظل فتاته الجميلة مهما تغيرت، ومع لمساته اشتعلت عاطفتها لتغيب معه في لحظات لعالم تتلاحم فيه الروح و الجسد..
__________
في الشرفة
_ تعرفي ديكور الشرفة دي يشبهك يا جوجو
قالت وهي تصب له قدح الشاي الساخن: بجد؟ ازاي؟
_ مبهجة ومريحة وتدخل القلب زيك.. عجباني اوي.. 
تفاقمت سعادتها بعد حديثه عنها: ياسيدي على الكلام الحلو، الحمد لله ياحبيبي انك حبيت ذوقي.. عطر كمان عاملة في شقتها شغل رائع، خليت البيت بتاع اخويا حتة من الجنة.. 
لثمها سريعا مع غمزة عين: أنا بقي معايا الجنة كلها.. 
ضحكت وأغدقت عليه بالدلال: حبيب قلبي ياناس.. لسانك بينقط عسل وربنا.. 
ضحك معها وارتشف بعض مشروبه وقال: صحيح في حاجة نفسي اسألك عنها وكل مرة انسى
_ ايه هي ياحبيبي؟
قضم قطعة كيك وابتلعها ثم واصل: انتي ليه أجرتي فستان فرحنا؟ مش انا قولتلك اشتريه؟
_ أولا لأن حبيت اوفرلك شوية من تمنه لأني عارفة انك صرفت كتير عشان تنفذلي كل احلامي في شقتي.. وثانيا لأنه غالي جدا ومش هستفيد منه غير ليلة واحدة في عمري كله، غير لما اصرف في ديكور لبيتي ولا ستاير فخمة ولا تحف قيمة كل ده تمنه هيفضل فيه.. انما الفستان هيتركن في دولابي..فقلت اجيبه إيجار ويكون أول لبسه من نصيبي يعني كأنه جديد بالظبط.. وبدال ما أدفع تلاتين ألف جنية.. دفعت خمسة بس.. ايه رأيك بقي؟.. 
وجدته ينظر لها بإعجاب شديد وعانقها مع قوله: كل يوم بكتشف فيكي حاجة تخليني احبك أكتر..ومعرفش امتي هتخليني ابطل انبهر بيكي يا جوري.. 
اكتفت بوضع قبله فوق نابضه ثم عانقته والابتسامة تعلو محياها..فهتف وهو يعبث بشعرها: وعشان اكافئك هتبرع في صندوق المطعم بمبلغ على أسمك عشا ثوابه يروح ليكي.. 
رفعت رأسها بحماس: بجد؟ موافقة ياعموري.. 
بس عندي اقتراح
_ قولي ياعمري
_ الناس مش كل مشاكلها أكل ولا وجبة تتقدملها مجاني.. في مشاكل أكبر، يعني ممكن بنت تكون ناقصها تلاجة ولا بوتاجاز ولا شاب عايز يعمل نقاشة ولا اي حاجة في شقته وممكن جوازة كاملة تقف على أمور زي دي..ليه ما نعملش كشف ببنات وشباب محتاجين مساعدة بحاجات رمزية عشان نغطي أكبر عدد منهم.. 
نظر لها وعلا ملامحه الدهشة.. كيف لم يفكر بشيء گ هذا هو وظافر..فصاح وهو يصفق لها: شابوه اقسم بالله انتي ملاك بجد ودماغك زي الفل.. وانا هطبق كلامك ده وثواب الفكرة ليكي معانا، أحنا أصلا بيدخلنا تبرعات معقولة من الزباين المرتاحين ماديا.. 
هللت قائلة: بجد هتاخد بفكرتي؟
_ ليه لأ.. الفلوس دي مش تخصنا لوحدنا.. وبعيدة عن ميزانية الكافية والمطعم.. دي زي ما قلت مساهمات من الزباين ومننا طبعا.. 
_ يبقي سيب عليا انا تجهيز الكشف وكل أسم هكتبلك جنبه ناقصه ايه
_ وهتعرفي تعملي الحصر ده ازاي؟
_ والله ياعامر كأن ربنا بيشجعنا عشان نكون وسيلة لرزق لغيرنا.. عارف جه علي بالي مين دلوقت عشان يساعدني؟ مش هتصدق! 
_شوقتيني يابنتي مين؟؟
_ حنين. 
_ مين حنين؟
_ عارف بسمة خطيبة ياسين ابن خالتي؟ 
_ أه افتكرتها منا حضرت كتب كتابها هي واختها.. 
_ بالظبط.. زي ما انت عارف يعني انهم من منطقة شعبية في المنصورة، وفكرت في حنين لأن بسمة هتنتقل وتعيش في القاهرة انما اختها هتفضل هناك.. وهي تقدر تعرف من اللي حواليها مين محتاج مساعدة.. ده بخصوص بلدنا.. في القاهرة أمونة ممكن تساعدني..ايه رأيك.. 
_ طبعا موافق مادام التبرعات هتروح للي يستحق
_ على خيرة الله، تعالي بقي نتصل بماما واخواتي فيديو ونحقد عليهم شوية.. أصلهم متجمعين في النادي.. 
_ طب وانا هحقد معاكي؟ 
_ لا انت هتتفرج بس يا روحي.. 
________________
يلتف الجميع حول طاولة يعلوها بعض المشروبات وفدوى وكريمة وعبير يتثامرون بأحاديث متنوعة بينما عابد ويزيد يلاعبان مهند كرة القدم وعين زمزم وعطر ترصدهما بسعادة، الأولي ممتنة وفخورة بزوجها وابن العم لاهتمامهما بالصغير، أما عطر تتأمل يزيد بحب وحنين الأمومة بدأ يداعبها وهي تتخيله يلهو مع طفلهما هكذا..
_ عقبالك يا حبيبتي
_ تسلمي يا زمزم، وربنا يقومك بالسلامة، شكلك قربتي
_ فعلا، ادعيلي احسن تعبانة أغلب الوقت ومبقيتش بنام من كتر التقل اللي انا فيه.. 
_ معلش هانت وتولدي علي خير
_ يارب، انبسطتي في تركيا انتي وجوجو؟
_ جداااا، بس جوري هبلت عامر.. عمري ما شوفت عروسة هي اللي بتعمل مقالب في جوزها.. 
ضحكت عبير ملتقطة طرف الحديث: العروسة الفرفوشة رزق
_ أه والله ياطنط، بس ضيفي انها عروسة هبلة كمان
كريمة بتحذير مازح: وبعدين يا قردة..جوجو دي ست البنات كلهم.. 
عطر: بس برضو هبلة ياخالتو
ضحكت فدوي: والله لو كانت هنا كانت بهدلتك
عبير وهي تغمزها: بس احنا احلوينا أوي بعد الجواز ياعطر.. 
ضحكت لها: دي عيونك الحلوة يا طنط..
كريمة: كان نفسي جوري تيجي هي كمان بجوزها
_ معلش ياخالتو تتعوض..جالها ضيوف كتير يباركوا.. بعد كده هنظبطها وهنكون كلنا معاكم.. 
فدوى رابتة على ظهرها: ربنا مايحرمنا منكم ياحبيبتي وتملوا الدنيا علينا ولاد.. 
أمن الجميع على دعائها.. ثم صاحت عطر: 
_ ياريتنا افتكرنا عشرين جنية.. أهي زئردة هانم بتتصل فيديو
كريمة بلهفة: هاتي اكلمها انا الأول.. 
_ اجمدي ياخالتو وسيبيني اخنقها شوية.. 
لم تمهلها وهي تجذب منها الهاتف وتحدث ابنتها وزوجها، لينضم الجميع بمحادثة جماعية لم تخلو من مرح جوري وعطر وعابد.. وملاطفة يزيد وكريمة والبقية..اكتملت سهرتهم واستأذن عابد بالعودة لجناحه بعد أن لاحظ تعب زمزم وشعر بالقلق عليها..
وتمسكت عبير بمهند ومبيته معها هي وزوجها.. 
__________
حاولت إثناءه عما يفعل وفشلت وهي تراه يجثو أمام قدميها المتورمة يطالعها بأسف واضعا عليها كمادات دافئة كما أوصى الطبيب، فقالت بخجل تستكثر فعلته: ياعابد قولتلك مفيش داعي كده هتضايقني أكتر ومايصحش.
_ انتي مش شايفة نفسك تعبانة ازاي؟ 
قالت والكمادات بدأت تخدرها براحة تسربت إليها: أه والله ياعابد تعبانة اوي..عايزة اولد واخلص وفي نفس الوقت خايفة من الولادة القيصري.. 
هتف بحنان: متخافيش يا زمزم انتي بيتابعك افضل دكتور في المنصورة..هو مضطر يولدك قيصري عشان وضع الجنين مايسمحش بولادة طبيعية.. 
_ عارفة بس برضو خايفة
نهض جوارها وضم رأسها لصدره وقبلها: متخافيش.. ربنا معاكي وأنا مش هسيبك لحظة.. 
تشبثت بخصره أكثر وساد بعض الصمت قطعته بهمهمة خافتة: لو حصلي حاجة وأنا بولد خد بالك من ولادي وبالذات مهند.. 
ابتعد عنها منتفضا بغضب هادرا: أنا غلطان اني قاعد معاكي عشان اسمع تخريفك ده.. 
وتركها متجاهلا نداءها الواهن عليه
لم تشأ أبدا إغضابه أو تقصد إثارة خوفه
ولا تعرف سبب تلك الهواجس التي تطوف برأسها منذ أيام.. وخيالها يجسد لها شبح الموت طيلة الوقت.. 
لو حدث وجاء أجلها من سيعتني بمهند والصغار؟
وهل سيظل مهند محتفظا بمكانته أم فطرة أبوته لتؤأمه ستغلبه؟ تساؤلات تراودها دون سيطرة.. 
تنهدت وراحت تذكر الله في نفسها ليهديء روع روحها ويشرح صدرها ويزيل تلك الأفكار السوداء من عقلها، ومكثت تنتظر صعوده إليها لتراضيه.. 
_______________
لمحه يسير في الحديقة وملامحه لا تبشر بالخير، فدلف لغرفته وهو يقول: أنا هنزل شوية اكلم عابد واطلع ياعطر
_ ماشي ياحبيبي وانا هكلم ماما اطمن عليها لحد ما تطلع
......... .
_ عابد. 
استدار له ملبيا: أهلا يا كبير..سايب عروستك ليه
_ لمحتك من فوق وقلت انزل اكلمك شوية واطلع.. عامل ايه؟
_ الحمد لله
رصد شحوب وجهه وبين قسماته ينضح الحزن. 
_ شكلك مش عاجبني. مالك؟ 
_ مفيش.. 
نكز كتفه: اخلص وقول مالك
تنهد مع قوله: خايف علي زمزم يا يزيد.. بقت تعبانة اوي ورجليها بتورم وبتخض عليها.. وبعدين بقت تخرف في الكلام لدرجة نزلت وسبتها عشان امسك نفسي من الغضب
ربت علي كتفه: طب اهدى وصلي على النبي ومتخافش
_ عليه الصلاة والسلام
_ هي قالت ايه زعلك
_ لو جرالي حاجة خد بالك من ابني والكلام الماسخ اللي انت عارفه ده.. 
_ بعد الشر عليها.. ماتزعلش منها واعذرها، احنا كده أي شوية تعب نحس بيهم، تلبسنا روح الكآبة.. أكيد مش قصدها تزعلك. 
_ أنا مش زعلان أنا خوفت عليها وكلامها وجعني واحتارت اخدها في حضني ولا اسيبها.. غلبني الغضب ونزلت وسبتها
_ غلطان، المفروض كنت تطمنها وتاخدها في حضنك وتقولها متخافيش.. 
_ ومين يطمني أنا يا يزيد..أنت ماتعرفش ازاي مرعوب عليها..زمزم كل حياتي ومقدرش اتخيل يحصلها حاجة. 
أشفق عليه من خوفه الزائد، فعانقه وهو يربت بقوة علي ظهره ثم مازحه: انشف ياض شوية مالك..هي اول ست بتولد؟ دي أوهام شيطان مالهاش أساس.. مراتك هتقوم بالسلامة وهتفرح بابنك أن شاء الله.. 
ثم ابتعد عنه مواصلا مزاحه: وبعدين مين اللي هيجي عشان يقرف عمو "اللي هو أنا" في عشته؟ مش ابنك؟؟؟
ضحك عابد رغما عنه وهو يجاريه: أمال فاكر هجيبلكم واد كيوت ولطيف ونايتي؟ 
_ أكيد لا طبعا..مايبقاش ابنك.. يلا اطلع لمراتك راضيها هتلاقيها زعلانة انك سبتها ونزلت..
_ ماشي يا كبير
ثم مال عليه بغتة: طب طمني أخبار الجواز معاك ايه..مظبط الدنيا ورافع راسنا ولا عايز النصايح اياها من اخوك اللي سبقك..
هرول بعيد وهو يضحك متفادى لكمات يزيد الذي هم بالتقاط "خُفه" من قدمه مغمغما بسخط:
واد قليل الأدب ومش محترم..
...... ..
عبر لغرفته حيث تركها..
وجدها تنظر أمامها بشرود حزين.. فالتاع قلبه عليها
واقترب ودسها بقوة بين ذراعيه، فبكت كأنها كانت تنتظر صدره لتزرف دموعها عليه، فهمس وهو يربت عليها بحنان: خلاص ماتزعليش، بس كلامك ضايقني يا زمزم.. 
قالت من بين نحيبها: ماكنتش اقصد. 
_ عارف.. 
ومازحها: وبعدين النكد ده في دمكم يابنتي معذورة. 
ضحكت وهي تدفع صدره بيدها: الله يسامحك
_ هيسامحني ويدخلني الجنة كمان إن شاء الله
طالعته بحب وتقدير: مافيش سجدة غير وبدعيلك بالجنة والخير في الدنيا..
شاكسها: المهم وانتي بتدعي ركزي على الحور العين.. 
رفعت حاجبيها: مافيش غيري عجبك ولا مش عاجبك؟
ضحك وعاد يعانقها: حبيبتي المجنونة.. 
ساد الصمت برهة ثم قالت: عبودي
_ نعم
_ زعلان مني؟
_ لأ
_ عبودي
_ نعم
_ بحبك
ابتسم وقبل رأسها وظل معانقا إياها حتي غفت دون أن تشعر..فبصر شحوب وجهها الواضح ولثم شفتيها برفق شديد ثم حملها وأرقدها علي الفراش ودثرها جيدا.. وراح يصلي ركعتين قيام لله ويدعو لها بالنجاة وبقدوم طفله على خير..
________
يلا تعالى ياعبده انت وحنة عملتلكم سندوتشات طعمية وبتنحان مقلي متحبش بالدقة مع حبة شاي..ثم صاحت تنادي شقيقها: ياسو.. يلا حبيبي عشان تفطر معانا.. 
غسل عبد الرحمن يديه من أثار الطلاء وجلس قائلا: بس ايه رأيكم يابنات، بذمتكم مش تبان كأنها شغل نقاش محترف..
بسمة: ما شاء الله.. فعلا طلعت ممتازة وتجنن.. 
حنين بمرح: بس اوعو تنكروا اختياري وذوقي في الألوان اللي نورت الشقة أكتر..؟
غازلها زوجها: الشقة هتنور بيك أنت ياجميل.. 
ضحكت بلمحة خجل، بينما شاغبتهم بسمة: طب راعوا اني قاعدة وسطيكم ياعم عبده.. وواصلت بدعاء: ربنا يسعدكم يارب.. عبده.. للمرة المليون بوصيك على اختي، حطها في عيونك..أوعي يوم تيجي عليها.. 
طبطبت حنين علي ذراعها بتقدير وحب، بينما قال الأخر: 
عيب يا بسمة، انتي ماتعرفيش غلاوتها عندي؟
_ عارفة والله وبوصيها هي كمان عليك ربنا عالم.. 
ثم عاد إليها حماسها: المهم كده خلاص النقاشة خلصت، ومن بكره هنبتدي نرص حاجة المطبخ ونظبط الدنيا..ونستلم الستاير ونعلقها و ..
_ لا استني بس اما الشقة تتهوى شوية عشان الحيط ينشف وريحة الدهان تروح..وأكون استلمت خشب المطبخ وغرفة النوم، بإذن الله الاسبوع اللي بعد الجاي ابدؤا.. واختي سلوي وماما هيساعدوكم في كل حاجة.. 
_ مفيش مشكلة، خلاص يبقي انا هكمل بقيت لوزم حنين الناقصة عشان وقت الفرش يبقي كله تمام.. 
ياسين: هي اختي حنين خلاص مش هتفضل معانا؟
تسمر بصر الجميع فور تساؤل الصغير، واغرورقت عين حنين وضمته لها بينما حجمت بسمة حزنها الدفين..أيام معدودة وتفترق عن شقيقتها وتؤامها.. ستنتمي لرجل أخر وحياة أخري.. ستتولد بينهما حواجز كثيرة.. ربما مهما ازدادت صعوبة ان تشكوا لها گ السابق.. برق بعقلها كلمات زوجها ياسين وقوله( تبقي غلطانة لو فاكرة ان حنين هتفضل زي ما هي وتلجألك في مشاكلها.. هتتكسف منك وتداري على جوزها وعثراته المادية عشان تستره زي اي بنت أصول) كلماته "قوت" عزمها على تنفيذ نصيحته..
_ جري ايه ياجماعة قلبتوها غم ليه كده.. وبعدين يا ياسين مين قال اختك هتبعد؟ لا ياحبيبي هنتقابل دايما وانت هتقعد معانا كمان و... 
_ لا طبعا.. 
قاطعته بسمة مستطردة: اخويا هايعيش معايا ياعبد الرحمن.. منين ما أكون هيكون في حضني.. 
جادلها: وليه مايكونش معانا؟ ولا فاكرة اني... .
قاطعته ثانيا: قبل ماتكمل أنا عارفة معدنك وان لو اخويا عاش معاك هتشيله على راسك.. بس انا اختهم الكبيرة.. وبعتبر نفسي مكان ماما وبابا.. واللي كان هيحصل في وجودهم هيحصل عن طريقي.. 
لم يستطع إلا منحها نظرة تقدير: 
بصي انا مش هجادلك لأن ده حقك.. كل اللي عايزك تعرفيه ان بيتي ده بيتك انتي وياسين.. بيت اخوكي يابسمة..أوعي تنسي ده ابدا.. 
رمقته حنين بفخر وإعجاب بينما ابتسمت شقيقتها وقالت: مش غريبة عليك الرجولة يا جوز اختي.. ربنا يبارك فيك. 
اهتز هاتفها فغمزتها حنين: حبيب القلب عايز يصبح عليكي يابسوم.. 
رمقتها بسخط: أحترمي نفسك يابت انتي..
صاح عبد الرحمن وهي تبتعد: سلميلنا عليه يابسمة
_ماشي يوصل..
_ طب خدي الشاي معاكي احسن هيبرد.. 
_ هاتي ياحنة.. 
..........
همست برقة وخفوت: صباح الخير يا ياسين.. 
_ صباح الحنية كلها، وحشتيني ياسمسمة
ابتسمت بدلال: ماترسى على أسم دلع.. أنا بسمتك ولا سمسمة؟
_ انتي قلبي من جوة
_ يسلملي قلبك يارب
_ تسلمي..ايه الأخبار خلصتوا النقاشة؟
_ اه خلاص، عبده كان في أخر جزء من الصالة. فاضل بس وش الباب من برة والحيط اللي حواليه..وشكله نسيهم بس انا هفكره.. 
_ على خيرة الله، ربنا يتمملهم بخير.. ويقربنا انا وانتي.. قد ما فرحان لأختك.. مبسوط اننا هنتجوز بعدها بأسبوع..يعني هتكوني في حضني وهفتح عيوني عليكي.. 
تسربت إليها حمرة الخجل واشتعلت وجنتيها، فواصل ببعض الجدية: نسيت أسألك عن حاجة مهمة.. 
_ ايه هي؟
_ هو كده شقة اختك هتكون كاملة؟ كل الغرف مفروشة يعني ولا ناقص حاجة؟
_ هو عبده متفق علي غرفة نوم وهيجيبها الأسبوع الجاي، والسراير والدولاب اللي انت كنت جايبهم هنفرش بيهم غرفة الاطفال.. والمطبخ كامل الحمد لله.. مش ناقص غير ركنة او أنترية صغير في الصالة.. بس جوزها قال هيجيبه بعدين لأن في لوزام أهم لسه محتاجها.. 
_ فهمت..طيب انتوا هتبدؤا فرش الشقة امتي؟
بعد أسبوعين يكون ريحة الدهان خفت والحيط نشف، والنجار يسلمنا غرفة النوم وخشب المطبخ.. 
_ تمام.. أنا بقي عايز منك خدمة
_ تحت أمرك.. 
_ خدي حنين واتفرجوا علي انتريهات أو ركنة زي مابتحب.. واعرفيلي منها أختارت ايه.. 
عقدت حاجبيها بتساؤل: ليه؟
_ اعملي اللي بقوله يابسمة.. واخر الاسبوع هاخدك ونخرج وهبقي افهمك.. 
_ خلاص ماشي حاضر.. 
_ هاتي بقي عبده وياسين واختك اسلم عليهم.. 
_ ماشي لحظة
خرجت إليهم ليتبادل مع الجميع حديث قصير، وظلت هي تفكر في طلبه..وأدركت قصده لكن خاطر ما أستوقف عقلها أكثر.. 
هل سيوافق عبد الرحمن؟؟؟
_______________
أسبوع كامل وهو يهجرها.. 
لا يحاكيها بحرف منذ ما حدث..
يغيب كل يوم ولا يعود إلا وهي غافية
والأقسى من كل هذا نومه على الأريكة بعيدا عنها
لا تشم عبقه القريب وهو يضمها إليه.. 
وكم إشتاقت عناقه وتشعر بالاختناق.. 
من أين أتته تلك القسوة والقوة ليهجرها هكذا
وكيف تتحمل وإلى متى؟
نظرت لساعة الحائط
الوقت مازال مبكرا لعودته
أرخت ظهرها وغاصت رأسها فوق الوسادة 
والحنين يأكلها.. 
تفاجأت به يلج إليها فاعتدلت سريعا على أمل ان تفتح معه حوار يلطف الأجواء بينهما فقالت: 
_ظافر أنا... 
_ حضري شنطتك عشان والدك مستنيكي تحت! 
ثم طالعها بقوة وعيناه قاتمة جامدة وهو يواصل: 
هترجعي معاه الليلة..!
__________
البارت 59 من حصنك الغائب.
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

تعليق واحد
إرسال تعليق

إرسال تعليق