القائمة الرئيسية

الصفحات

عند مفترق الطرق الحلقه السادسه (نوفيلا)

 عند مفترق الطرق الحلقه السادسه (نوفيلا)

 يا سيّد الثّقلينِ  عشتَ يتيما

واختاركَ الباري فكنتَ عظيما


يا من  تحبون النبي َّ محمداً

صلوا  عليه وسلموا  تسليما

عند مفترق الطرق الحلقه السادسه (نوفيلا)


الحلقة السادسة ..


قلبت حدقتيها في المكان من حولها كالغريب الضائع، غير مدركة كيف وصلت لتلك الشقة ضئيلة الحجم بغرفتيها، بعدما رافقها التيه طيلة الطريق بجوار ذلك الصامت الصائم عن حلاله، والذي لم تمّن عينيهُ تجاهها بأيّ نظرة لهفةٌ أو شوق، أو تحرك فمه بكلمة مباركة واحدة كانت متوقعة منه في ذلك الوقت الخاص بينهما ..

رمقته بطرف حدقتيها مهموما منتكس الرأس على أحد مقاعد الاستقبال المتواضعة أمامها، يبدوا على معالمه الشاردة بأنه مازال بعيدا كل البعد عن عالمها، كأن لديه الكثير من الخبايا التي تثقل صدره ويخشى الإفصاح عنها، اعتصر القلق قلبها وراح بنبضاته المتلاحقة يصم الأذن ويهجم على عقلها بكافة الهواجس اللعينة، ومع هذا لديها آمل واهن بأن ما وقعت به منذ وصولها هو مجرد دعابة سخيفة ستنقشع غمامتها من فوقهما عمّا قريب، أمل ترجو خفية تحقيقه حتى لا تأخذ كافة تصرفاته الغامضة على محمل الجد فتتصَلّب شرايينها ..


وجدته يرفع صفحته نحوها أخيرا وشفتيه تبحث بإرتباك عن حروفه الضائعة لطرح خباياه، مثله كان كمثل الذي يبحث عن المياه في جوف صحراء قحطاء، طال وضعه حتى نفذ صبرها وكادت تقلع كلماته من على شفتيه قلعا، متمنيةً أن تجد من بينهن عذرا مقبولا يفسر فعله القاتل ويهدأ من نيران حيراتها ولو بالقدر القليل، غير مدركة بأن ما سيقتلعه من جوفه سيسقط على فؤادها گ السواط المؤلم .. وهذا ماحدث حين تمتم على تباعد بأنفاسٍ مثقلة ..

- "بنان" .. أنا أسف .. حاسس حالي ندل وجبان مستهلش تقديرك ولا تقدير أهلك ليا.. طول ما أنا شايفك قدامي دلوقتي بفستانك الأبيض ده .. 


متحفزٌ بصفحته المهمومة يرجو الصفح والغفران مستطرد :

- بس عاوزك تعرفي وتتأكدي إنه غصب عني والله مش بأيدي ..


صفعة أسفهُ وطريقة نطقها كانت على روحها أكبر لغزًا غامضًا تتعرض له طيلة حياتها، جرفتها الحيرة جرفًا لشطأنها كي تتذكر ما الذي حدث بينهما ليستدعي نطقه من الأساس؟! 


لا شيء.. لا شيء بتاتًا.. فكل الأمور كانت على مايرام في تلك الشهور الماضية بينهما.. بل كانت على خير ما يرام.. إذا ما سبب هالة أسفه تلك؟!


أهتدت نفسها بأنه دون شك أحد مقالبه الساخرة لتلطيف الأجواء وقطع الخجل فيما بينهما من البداية كما كان معتاد منه طيلة مكالمتهما معا .. فلا تفسيرًا أخر لديها لطقوسه الصارمة في تلك اللحظة الأولى لزواجهما حديث العهد ..


ـ سامحيني أرجوكي.. دا اللي هفضل أطلبه منك لأخر يوم في عمري!


جزعها كلماته وحالته مجددًا، فتحشرجت من صمتها باستفسارها المتقطع ..

ـ اا..أهدى بس وقولي اسامحك ع.. على إيه؟!


فـ راح يحقن روحها بقسوة خباياه متلعثمٌ ..

- بـ..بنان بدون قصد ال..البنت .. اللي كنت بحبها زمان اتطلقت .. والصدفة جمعتنا أنا وهي من تاني ..


حدثت نفسها خفية بأن هزاره ازداد ثقلا غير مقبول ويجب عليه عدم التمادي أكثر من ذلك حتى لا يتوقف نبضها.. 


إلا أن أطراق رأسه عن معالمها بخزي وانكسار بعد جملته غصا حلقها وصدرها بذبحة خفية..


لم تعي أن شبة ابتسامة ميتة ارتسمت زوايا ثغرها وهي تطالعه بنظرة مطولةٌ صامتةٌ لا تتسم إلا بالصلابة والجفاء.. 


وهو يواصل بنحرها قائلا ..

- صدقيني عمري ما كنت اتصور أن احطك أو أحط أهلنا أو نفسي في موقف زي ده بس القدر وضعنا فيه غصب عننا .. والله يا "بنان" أنا بكنلك كل الإحترام والتقدير وهو وحده يعلم نيتي كانت أيه عشانك بس للآسف أنا من أسبوع بتعذب لأن لما 'سارة' رجعتلي لقيت مشاعري القديمة تجاهها خرجت للنور وبقت أقوى وأمتن من ارادتي ومقاومتي بأن أعيش حياة سعيدة أو على الأقل مستقرة بعيد عنها ..

وده اللي خلاني أرفض أغشك وقلت لازم اصارحك من البداية وما أظلمكيش عشان ماتعشيش معايا في حياة أكيد هتكون بالنسبالك أقرب للجحيم لما تعرفي مع الأيام بأن في واحده في قلب زوجك غيرك.. وكمان عشان.. عشان تلحقي تظبطي حياتك من جديد .. أنتي جميلة ومحترمة وألف مين يتمناكي ..


جديته وملامحه العابسة شق قلبها بنصلٍ حاد وهدرا روحها أرضا .. وأقسما لها بأنه لا يكذب .. لا يسخر .. لا يلقي عليها بنكتهُ المعتادة ولا بمواقفه الساخرة .. 


وياليته كان.. !


غزَ الهذيان عقلها وافترست عينيها عينيه بجمود غير مسبق، مرددة عليه بحديث أقرب للنفس .. 

- أي حياة تقصد اللي ألحق اظبطها! .. ويتمنوها الألف !


مستقيمة من جلستها أمامه بساقين مرتعدتين تواصل بنبرة أقرب للنحيب .. 

ـ دي اللي أنا فيها وبدأتها بفرحة أهلي وأهلك هناك ولسه مقلعتش فستانها الأبيض !! دي بوعودك في الخطوبة عن كمية الفرحة والآمان المستنظراني بمجرد كتب الكتاب .. دي اللي قلتلي فيها بأن مجرد ما أكون زوجتك على الورق هكون شريكة حياتك الوحيدة وهتنسى ماضيك تماما وتعاملني بما يرضي الله .. 


مواصلة بصخب أقرب للصراخ .. 

ـ أي حياة دي قولي بالله عليك.. ومين الألف اللي هيتمنوا ياخدوا واحدة مكسورة زيي بالشكل ده .. وضحلي عشان أنا احتار دليلي وقربت أتجنن بجد ؟!


انتكس رأسه بحزن ..

- بنان.. أنا ..


أختنق صوتها تقاطع عليه ..

- أنت إيه.. أنت إيه يا دكتور يا متعلم يا متربي .. أنت أيه يا أبن الأصول بعد اللي قولته ده كله.. دا عمرها ما حصلت ولا هتحصل أن عروسة في ليلة دخلتها يحصل لها دا كله.. مش هقولك بأنك ترضى كسرة الخاطر دي لأختك ولا الكلام ده .. أكتر ما هأقولك بدال لسه محتفظ بشعورك القديم تجاهها ليه دخلت بيوت الناس وعشمتهم بفرحة كدابة وبسند مش موجود.. ليه دبحت بناتهم وقتلت مستقبلهم بالشكل المهين ده .. ليه سكت وخليت المهزلة دي تستمر لغاية لما جيت هنا .. ليه ما اعلنتش رفضك وعدم قدرتك على الاستمرار لما كنت لسه هناك قاعدة في بيت والدي معززة مكرمة بدل الفضيحة وكسرة النفس اللي لحقت بسمعتي وعمرها ما هتتمسح مهما الأيام عدت وداوت .. 


عند جملتها الأخيرة استقام يواجها باستنكار ذاك الإتهام الشنيع ..

- والله يا بنان ما مقصودة ولا متخطط لها.. أنا دخلت بيتكم واحترمت اللي فيه بكل كياني والشهادة لله ما شعرتش من خلال مكالماتكم في الفترة اللي فاتت دي كلها بأي حاجة تخليني اتراجع لو للحظة .. بل بالعكس نيتي من أول ما خطبتك لغاية اسبوع واحد بس فات أن أزاي أكون أفضل زوج وأخ لوحده عرفت بعيوب قلبي وقبلتها وضحت أنها تسعدني رغم أنها متأكدة أن قلبي لسه مبقاش معها مية في المية .. أسبوع واحد بس صدقيني هو اللي فرق معايا .. يعني كان كتب الكتاب اتكتب وحجز الطيارة اتأكد ووقت التصليح عدى وفات .. وأكيد لو كنت اتكلمت وقتها وفلكشت الموضوع كان الناس جابت في سيرتك ومسكتتش ..


تطلعت إليه مندهشة بعينيها المتلألأتان بوميض الحزن، تسخر بمرارة .. 

- ويا ترى تفتكر .. لما ارجع لهم تاني يوم جوازي بنفس شنطة هدومي هيصونوا سيرتي ويحموها !


- أنا..


- أنت اناني مبتفكرش إلا في نفسك وبس.. فضلت ساكت لما تضمن حبيبتك وموقفها معاك .. ولما الأمر اتيسر قدامك وضمنتها جاي دلوقت تطلب السماح عشان تريح ضميرك ويقدر ينام بعد ما قتلتني بقناع النخوة والرجولة .. بس للآسف أنا مش هنولك اللي أنت مستنظره مني واسامحك عن موقف أنت اللي حطتنا فيه كلنا بأتقان ولا تستنظر مني أن رد فعلي عليه بأن أنزل على بلدي من تاني عشان افضي الجو قدامكم .. لأن من اللحظة دي لازم أفكر في مصلحتي وبس قبل مصلحتكم زي ما أنتم الاتنين فكرتم في مصحلتكم ونستوني .. نسيوتوا في حساباتكم بأني بنت والبنت دي بأنانيتكم ناوين تفضحوها وتعملوا سمعتها لبانه في بق مجتمع مابيرحمش اللي مغلوبين على أمرهم زيي!


أغمض عينيه حتى كاد يدميهما من قسوة ما رددته عليه وقالته في حقه.. فساد الصمت في الأجواء بعدما تحالف مع غليان صدورههما بشماتة حتى قطعه "مالك" بهمسه المرتجف..

- مع أنك ظلمتيني في تحليلك اللي فات ده كله بس ولا أنا هرضى صدقيني أن أي حد يعيب في حقك أو حقك والدك .. وكل اللي هيرد ويصون كرامتك هنفذهولك وأنا مغمض لأنك زي ما قلتي بنت وقبل ما تكوني زي أختي فأنتي مراتي وأنا عمري ما أرضى أن أكون سبب في اهانتها أو اهانة أي حد من أهلها ..


مفتحا عينيه وهو يواصل بنبرة مختنقة.. 

ــ ولولا أن خايف أظلمك وأعيشك معايا وقلبي ومشاعري مع غيرك عمري ما كنت هرضى أعمل فيكي كده لو الدنيا اتشقلبت عاليها واطيها ..


قالها وادار لها ظهرها بقلة حيلة والخزي يطوق عينيه مستطردًا بخفوت..

ـ وعشان اثبتلك أن مصلحتك تهمني قبل مصلحتي فأنتي تقدري تقعدي هنا المدة اللي تقدريها.. شهر.. شهرين.. تلاتة.. أي وقت شيفاه مناسب بأن يقنعهم ويقدر يخرس أي كلب ينهش في سيرتك.. وبعدها نبدأ نعرفهم أن متوفقناش مع بعض وعاوزين ننفصل ..


كانت تطمع بعد لباقته وتهذبه في البداية بأن يستدير ضاحكا لها ويشي بجملة تريح هيجان فؤادها ..

[لقد كذبت حبيبتي وزوجتي.. فأنا لكِ دائمًا كما أنتِ لي] 

إلا أن مع ذكر عرضه الأخير وعت بأنه ما زال يتحدث بمصداقية تامة ويصر على الانفصال.. 

الانفصال قبل الاتصال! 


يا لها من جملة قاتلة كادت دموع عينيها تفلت على أثارها أمامه ألا أنها مسكتها بيد من حديد، كي لا يكون قتلاً للروح واهدارًا للكرامة في ذات الوقت .. لهذا ردت بإباءة رغم ما يعتليها من ألم ..

- كتر خيرك.. فعلا حل كويس جدا في غربة واحدة قليلة الحيلة زيي .. 


ثم التفتت بعيدا عنه تداري دمعة لعينة فرّت عقب جملتها دون أرادة وهي تردد بنبرة ثابتة مُصنعة ..

- ممكن تقولي بعد إذنك أي أودة من دول أقدر أدخلها ..


استدار يرمقها بنظرة مشفقة لم يكن له حيلة في أطالتها .. حتى تمتم بخفوت ..

ـ من هنا..


مشيرا تجاه أحدى الغرفتين وهو ينوي في طريقه حمل حقيبتها معه ألا أنها سبقته وجذبتها منه دون احتكاك، هامسة بجمود ..

- متشكرة لكرم أخلاقك بس أظن أن أنا بقيت مسئولة عن نفسي من اللحظة دي .. والمفروض متعبكش معايا..


طأطأ رأسه صامتا بحزن على تلك المسافة الجدارية القاسية التي وضعت بينهما، مواصلا خطاه للغرفة المقصودة لتتبعه بوجوم تختفي خلف بابها المغلق في وجهه بأحكام، تاركه إياه خلفها يلعن الوقت والظرف الذي وضعه في موقف لن يسامح عليه نفسه بتاتا خاصة أنه مس رجولته وأخلاقه اللذان تربى عليهما منذ الصغر، لهذا استدار يفرغ جام غضبه في ركل خلفية أحد المقاعد أمامه بمقدمة قدمه، داعيا الله الخلاص الأمثل لتلك المعضلة دون خسائر نفسية للطرفين أو أهانة للكرامة أكثر من ذلك ..


-----------------------


على الجانب الأخر وخلف ذلك الباب الموصد تبدد كل الثبات والقوة التي كانت تتصنعها أمامه، وهي تحدث نفسها بجنون عن حقيقة تلك الساعة الماضية ..


هل كانت داخل كابوس بشع سحبها بأنيابه في احشائه أم كانت حقًا ساعة من الواقع المرير وحقيقة معترف بها لتغير مسار حياتها بالكامل .. حقيقة ألتفت حول جيدها تخنقها بلا أدنى شفقة أو رحمة..


عندما حاوطها أثاث الغرفة البسيط وسريرها الأوحد علمت بأنها كانت تتعايش في تلك الساعة مع الاثنان معًا، حينها تراخى ساقيها أرض تجهش بالبكاء وهي تكتم براحتها صوته وشهقاته بعناء ..


فلا بات لحزنها خصوصية في ظل وجوده بالخارج يفصل بينهما جدارٌ واحد وبابٌ واهن ينفذ منه الصوت دون جهد ..


وهي لا تكاد تستوعب بأن تلك هي النهاية المجيدة لقصة حبها بسنواتها الطويلة .. حبها الذي سار بعد حديثه رباط أنيق يلتف حول قلبها فيعصره حتى الموت ..


بعينين حمراوتين راحت تنهش الفراغ من حولها للبحث عن سند الأخت أو حضن الأمومة لروي احتياجها المتزايد لهما في ذلك الوقت ..


ولكنها لم تبصر إلا الفراغ.. الفراغ وفقط وبعض الأثاث القليل..

لهذا شعرت بحلقم الغربة ومرارة البعد متمنية لو دفعت كل ما تملكه لتصبح كل عائلتها حولها الآن كي تواسيها وتساندها على المجهول القادم .. ولكن ما باليد حيلة فكثرة البلاد والبحار والجبال صارت بينهما گ حصن قاسي لا يرحم ضعفها ولا يراعي مصابها الأليم .. 


يخبرها بقسوته أنها الآن في حرم الغربة يلتحفها غصة الفراق.. ويجب عليها مواجهة حربها القادم وحدها ..


إلا إذا أتخذت ربها خير رفيق لإبتلائها ..


ـــــــــــــــــــــــــــــــــ


"وصلت.."


وافدته تلك الرسالة على أحد تطبيقات الرسائل، فشرع يفتحها بعدما علم من مرسلها وهو يجيب.. 


ـ اها... نايمة جوا ..


ـ وإيه الأخبار.. كلمتها؟!


زفر بضجر ثم شرع يكتب جملته التالية بأعصاب مهزوزه ..

ـ كلمتها.. كلمتها وصارحتها بكل حاجة يا سارة ومش عاوزه أقولك قد إيه استحقرت نفسي وتربيتي بعدها وهي بتتهمنا بأن عملنا خطة منحطة عليها..


ـ طب وأنت ذنبك إيه.. أنت لا كنت تعرف بأني هطلق ولا أنا كمان كنت أعرف بأني هرجعلك وتسامحني .. غير أن أحنا الاتنين مظلومين زيها بالظبط من لحظة رفض بابا لارتباطنا وفرض على كل واحد مننا يعيش حياته مع شريك حياة مفروض عليه ..


ـ بس هي متفرضتش عليا يا سارة ولا حد غصبني عليها .. أنا اللي رحتلها برجليا.. أنا اللي طلبتها من جوز أختها وصاحبي وأصريت عليها رغم رفضه في البداية للموضوع من الأساس ..


ـ طب وليه الكلام ده وطريقتك دي دلوقت.. أنت ندمان على خطوة أرتباطك بيا ورجوعنا لبعض.. 


مع مواصلة صمته الهينة راحت تعاجلة برسالة أخرى دون صبر.. 

ـ على العموم يا مالك بدال أنت متأثر بالشكل ده أحنا لسه على البر وممكن نفركش بسهولة جدا وترجع تصلح للبرنسيسة الوضع لو صعبانة عليك قوي كده وأنا أخرج ما بينكم زي ما دخلت. 


ـ ياااااسارة أرجوكي أفهميني عشان أنا بجد تعبان ومخنوق ومش مستحمل طريقة زعلك دي دلوقت.. خليكي قريبة مني وقدري الوضع اللي أنا فيه..


ـ كل ده ومش مقدرة يا مالك.. واحده تنام معاك في شقتك لوحدكم ومش مقدره خالص في نظرك.. أنت مش حاسس بالنار اللي جوايا دلوقت ومحاولتي بأن مخرجهاش قدامك في كلامي وبرده تقولي مش مقدره..


ـ الموضوع ده مفروغ منه ومش ليلة والسلام .. لا دا لغاية مدة مناسبة تقدر تقنع الناس بأنه خلاف وإنفصال طبيعي.. ولازم تتعاملي مع الوضع بكده زي ما أنا اتعاملت مع وضع جوازك من غيري بكده خاصة لما كان كل يوم والتاني تنزلي ليكي صورة وانتي في حضنه ع الفيس ..


ـ تاني يا مالك هترجع تعاتبني تاني على حاجات أنا كنت فيها زوجة لشخص تاني غيرك.. وأنا اللي كنت بحسب وقت عتابك خلص وعدى في أول حوار بنا بعد الرجوع.. بس الظاهر كلامك عن كون نفتح صفحة جديد متنفذش لأن شكل العتاب عندك لسه منتهاش ..


ـ لا إنتهى يا سارة ومش عاوز اتذكره تاني لو سمحتي .. أنا بس حبيت أفكرك أن بقيت في نفس موقفك ده دلوقت.. وأن الست اللي بنتكلم عليها دلوقتي مراتي برده ولها حق عليا لغاية لحظة الطلاق ما تحصل بينا زي ما هو كان زوجك وليه عليكي في فترة زواجكم حقوق زي حقوقها ..


للمرة الأولى شعرت بأنه ليس بمالك حبيبها وهو يحادثها بتلك القسوة، لقد تغير كثير في تلك السنوات المنصرمة بينهما هل من واقع الفراق أم الغربة أم من الوقت العصيب الذي يمر عليهما الآن .. تشتت ذهنها فلم تعي إلا وهي تكتب بضجر..

ـ تصبح على خير يا مالك شكلك تعبان والكلام مالوش منه فايدة دلوقت .. بكره هكلمك تكون هديت ورقت شوية..


ما أن شاهد رسالتها حتى استسلم لغلق التطبيق بضيق ثم أطاح بالهاتف بعيدا عنه بإهمال وهو يستغفر ربه جهرًا لعل ضيق صدره يغادره ولو قليلا..


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


الله أكبر.. الله أكبر 

أشهد أن لا إله إلاّ الله.. أشهد أن محمد رسول اللّه 

حي على الصلاة.. حي على الفلاح 


انتشلت من غفوتها بصراعٍ وأنفاس لاهثة كأنها خرجت من مارثون للعدو المائة متر على قول المؤذن 

"الصلاة خير من النوم.. الصلاة خير من النوم"

فـ روضت عدوانية أنفاسها مستغفره كي تتحرر من براثن كابوسها المرير الذي لحقها توابعه أيضا في منامها.. 

عقب وهلة وعت لجلستها أرضا ورأسها الملقاه على طرف الفراش، والتي كانت أخر جلساتها قبل غفوتها وهي تنخرط بالبكاء على ما حدث لها وصدمها .. 


استقامت واهنة من تشجنج الجسد الغير مريح ترغب بنفض غبار الحزن عن كاهلها بالرغبة في الصلاة، ستلجأ لسندها وناصرها الأوحد وتخبره بوجعها وكافة ألامها الذي خلفها ذاك الغريب من خلفه، طمعا في فيض رحمته لمداواتها .. 


وعت بأنها مازالت بفستان العرس الذي لم يكتمل مراسمه، فأستجمعت قواها نحو حقيبتها الملقاه بجوارها لاستخراج أحدى العباءات المحتشمة من كومة قمصان النوم التي جلبتها معها بكثرة كما عرف جهاز الأعراس السائد بين الفتيات .. 

متيقنة بأن تلك العباءة وأمثالها القليلة جدا بحيازتها باتنّ اللباس الأمثل لها من الآن وصاعد بين أربع حوائط مع ما يدعو بزوجها..


بعد استبدال الفستان وهندمة ثوبها احكمت غطاء الرأس بإحكام على خصلات شعرها المتمردة للتحرر، ثم توجهت للباب وراحت تفتحه بحذر للتوجه نحو الطرقة الضئيلة بين الغرفتين للبحث عن دورة المياة والوضوء داخلها.. فتفاجأت به مسترخيا بجسده على الأريكة أمامها معتدلا بعجالة ما أن شعر بحركتها.. فتجاهلت وجوده وهي مستمرة في خطاها بلا مبالاة حتى عثرت على مرادها وانتهت منه وهمت عائدة فبغتت بسؤاله الخافت.. 

ـ بنان أنتي مكلتيش حاجة من لحظة وصولك.. في أكل هنا جاهز أنا كنت جايبه.. لو حبه


قطعت جملته بجمود وهي تواصل طريقها نحو الغرفة .. 

ـ متتعبش نفسك.. مليش نفس.. 


ثم همت تفتح الباب من مقبضه حتى ردد عليها ما جعلها تتسمر في مكانها..

ـ بس أنتي كده هتتعبي.. 


فاستدارت تجيبه متهكمة ..

ـ غريبة.. المفروض أنك تتبسط.. لأن لو فضلت على الوضع ده كتير هيريحكم مني قريب وافضلگم الجو.. 


ـ بنان ليه بـ...


بتر جملته بضيق دون استكمال واستقام يلتقط مفتاحه الخاص من أمامه ليهم مغادرا الشقة وهو يهتف بنبرة مختنقه: 

ـ أنا خارج أصلي الفجر في المسجد.. 


عندها هم الحزن يرتسم ملامحها دون مدارة وهي تقتفي أثره بعينيها الذابلتين من أثر الدمع، ثم مع سماع صوت غلق الباب خلفه استدارت تدخل الغرفة هي الأخرى للشروع في الصلاة، فاللجوء إلى الله سيهون عليها معضلتها حتمًا.. 


والتي بدأتها فور استعلامها عن جهة قبلتها من أحد التطبيقات الخاصة في تحديد ذلك، شارعة بالغوص في رحابها وبين جنبات موجها المسالم المطمئن لجرح قلبها.. 


وما أن أتمت ركوعها حتى خرت ساجدة تستغيث برحمة خالقها ببكاءٍ منهمر لا يقدر على ردعه مخلوق تطالبه بالقوة المطلوبة لمواجهة إبتلاءها بنفس راضية صابرة، ترجوه في علاه حلا لحزنها يليق بعظمته وتطيبٌ منه لجرحها بفيض رحمته حتى ختمت صلاتها وافترشت مصلاها نائمة أرضا بلا حول منها ولا قوة ..

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات