القائمة الرئيسية

الصفحات

 البارت 56 من حصنك الغائب

-----------------------

لا تهتمي لحديث المرايا حبيبتي.. 

بدلي وجوهها المكسورة بعيني.. 

فيهما ستَرينَ كم أنتي جميلة.. 

لا تصدقي أفواهها القبيحة.. 

هي كاذبة وتحتال عليكي.. 


البارت 56 من حصنك الغائب



حصنك الغائب 2



منذ أن سجلت الأجهزة المتصلة بجسدها استجابتها الملحوظة يوم زيارة والدتها وشقيقتها الصغرى مع طفلتها رحمة.. ومؤشر احتمالية الإفاقة المرتقبة بين لحظة وأخرى يعلو.. وكم كان رهان زوجها رابح..فاستجابة تيماء الحقيقية أتت بعد زيارتهم مع صغيرتهما..استشعارها وجود الجميع حولها كفيل بجعلها تقاوم أصفاد عالمها لتتحرر من عزوفها عن الحياة بعد أن وجدت لروحها البائسة مآوى أخر..حبيبها هنا معها، تسمع صوته وتشعر بأنفاسه، والدتها الباكية النادمة وهي تهمس لها بما تمنت أن تسمعه طيلة السنوات الماضية.." ضي" شقيقتها البريئة التي تمنت يوما أن تحظى بمثل  نقائها.. وأخيرا والأهم طفلتها التي لقنها رائد كيف تكرر كلمة ماما لتُطرب أذانها..كيف لها أن تقاوم تلك الإغراءات كي تعود؟

ألم تعاني الوحدة من قبل؟

ألم تشتكي فقر الدفء وسط عائلة تحبها؟

ها هم ماكثين حولها ولا يتركوها.. 


وبخضم خواطرها التي تدور في ذهنها كان هو بالقرب  يحتوي كفها ويحدثها بصوت هاديء گ عادته

غزا همسه خلاياها بتأثير فاق العقار الذي يتدفق بوريدها.. 

صدرت حركة طفيفة من أهدابها ..ثم سكنت..وعادت ثانيا،

أهدابها تحاول الانفصال لتراه.. تقاوم باستماتة..شعاع نور ساطع هاجمها ما أن شرعت نافذة عينيها.. فأسبلتهما ثم عادت تحاول..وهو يراقبها بذهول..زوجته قررت إنهاء عزلتها.. عقلها وروحها أخيرا استجابوا لنداءه.. 

صاح ليدعمها: 


_ فتحي عيونك ياحبيبتي.. حبيبك رائد اهو معاكي.. خلاص مش هسيبك تاني ابدا.. فتحي عيونك النور مش هيآذيكي، الضلمة هي اللي هتتعبك وتسرق عمرك..لكن النور هيرجعك للحياة.. فتحي عيونك عشان تشوفي بنتنا رحمة.. عشان تشوفيني وتتأكدي اني معاكي..أنا ماسك ايدك.. حاسة بيا؟ عارف انك حاسة ومشتاقة ليا.. 


المعافرة مع كلماته المحفزة لعقلها أثمرت

بدا لها وجهه غائما.. مهتزا..

لكن كلما حاولت التأقلم على الضوء اتضحت ملامحه..

رائد حبيبها هنا

يحدثها

يلثم سائر وجهها ويبكي

يرفع رأسها ويقربه له

تستقبل عيناها أخيرا محياه الحبيب بوضوح

وهمستها الأولى رغم وهنها كانت أكثر من كافية

لتعيد لقلبه الخفقان.. 

كافية لترسم ابتسامة على شفتيه

سرعان ماتحولت لبكاء من الفرحة

تيماء تبصره الآن بمقلتيها السوداء

تهمس بأسمه

زوجته عادت للحياة

عادت ليكتمل بها نقصه.. 

لينتهي ضياعه وتعود روحه لجسده

عادت لتحبو على أرض قلبه من جديد

لتفرض وجودها بين جدران الروح

وتتربع على عرشه


عادت الغائبة! 

_____________


وقف يستمع للطبيب وهو يملي عليه نصائحه قبل أن يغادر بها: عايزك تفهم وتقدر كويس ان المدام بتاعتك ممكن تمر بحالة اكتئاب طويلة بسبب الحروق اللي في جسمها.. توقع انها تتعصب بشكل مبالغ فيه او تبكي فجأة او تنطوي على نفسها وتعتزل الناس.. لازم تكون مستعد گ زوج إنك تحتوي تقلبات حالتها النفسية لأن مش بإرادتها.. وطبعا متابعتها مع طبيب نفسي متخصص ده شيء مفروغ منه.. 


تلقي تعليماته بهدوء وداخله يعلم ماذا يفعل..زوجته لن تعاني اكتئاب كما يظن طبيبها..هو لن يترك لها فرصة لتسقط في هوة أخري تسحب البقية من العمر

الذي وهبها الله لها من جديد لتصلح ما أفسدته، وتستعد حقا للقائه وهي تائبة مكفرة عما اقترفته يداها.. وهو معاها.. كما شاطرها الذنب ، سيشاركها التكفير عنه.. ويثق ثقة تامة في ربه انه سيعينه.. 

-------------------


انقلبت حياتها رأسا علي عقب منذ عادت لمنزلها التي تركته يومًا محطمة الروح، الجميع يغدق عليها باهتمام وحنان ما تذوقته قبلا بهذا الكم.. والدتها التي مكثت معها وتعاملها گ طفلة صغيرة..تحتضنها ليلا وتقص لها قصصا قديما.. كأن بحكاياها تريد ان تعيد الزمن لعهد طفولتها، تخبرها مرارا انها تحبها.. كم ساحرة تلك الكلمة.. مجرد كلمة أذابت سدود الجفاء داخلها ورممت جدران روحها المشقوقة وزرعت ألف نبتة أمل في قلبها المعلول..


أما ابنتها لم تخفت ضحكتها وهمهمتها المحببة وهي تتلعثم في الكلمات المنقوصة وتنادي عليها ماما..وأقصى ما تستطيعه الآن ابتسامة، فمازالت مبعثرة.. خائفة.. لا تصدق انها حقا نجت.. وانها بينهم حية.. وزوجها الذي ظنته يبغضها يغرقها بحنانه واحتوائه كما لم يفعل..

يقبلها بنكهة شكر كل صباح.. يخبرها أنها جميلة

ويالا عجبها من تلك الكلمة الآن

كيف يراها جميلة؟ 

كيف وقد تشوه جمالها وصارت تخاف النظر في المرآة.. تخاف أن يرى من جسدها المحترق شيء فيشمئز منها ويزهدها.. 


_ صباح الخير يا تيمو.. 


قاطع بدخوله صوت تخاطر ذهنها الخفي، وتبعته حدقتيها وهو يدنو منها ثم عانقها مقبلا إياها.. 

لم يقبل شفتيها أو رأسها او حتى عيناها كما توقعت

قبلته نُقشت برفق شديد على جانب عنقها المشوة

فانتفضت مشمئزة له سلفا.. كيف يلثم هذا الجلد؟

ألا يستاء قبحها وهو كان صائد الجميلات؟

ألا ينفر منها؟ 

أم لم يبقي بينهما سوي الشفقة؟

لن تستعيد حبه أذا ولن تنال إلا شفقته

أغرورقت عيناها بتأثير خواطرها

لكن لم يخفي عليه طبيعة أفكارها

يعلم علتها ويعرف أين يكمن الترياق .. 


_تعالي معايا يا تيماء! 


نهضت معه بوهن ورأس مطرق وعين دامعة، فأوقفها أمام المرآة ومكث يطالعها برهة ثم غمغم بأذنيها: 

عارفة مين دول في صورتهم في المراية؟

دول مش رائد وتيماء اللي كانوا غرقانين في الوحل..

‏لأ.. دول اتنين تانين لسه هيبتدوا حياتهم سوا مع بنتهم .. دول اللي ربنا منحهم فرصة تاني.واتقبل توبتهم ومد لهم العون.. 


عاد يقبل كتفها المحترق فانتفضت ثانيا، ليعود ويهمس: التشوه الحقيقي والأصعب هو اللي كان في أرواحنا ياتيماء..اللي في جسمك ده في نظري هو جمالك الحقيقي.. ده دليلي انك ندمتي وحاولتي تتغيري..صحيح كانت خطوتك غلط بس ربنا نجاكي عشان لسه بيحبك.. 


_ بيحبني؟؟


ابتسم وهو يدير جسدها إليه قائلا: 

طبعا، ربنا بيحبنا اوي بس احنا اللي مش فاهمين ولا حاسين.. أنا وانتي كنا ممكن نفضل على ضلالنا وما نتغيرش.. لكن العكس حصلنا.. دي الرسالة اللي لازم تستوعبيها كويس.. ومن انهاردة.. من اللحظة دي مافيش يأس وحزن تاني.. في أمل.. في عزيمة نعوض بيها اللي فات.. فرصة اتولدت لينا عشان نملى صحيفتنا باللي يشفعلنا يوم القيامة.. وغير كل ده في عيلتنا الجديدة اللي كبرت ولسه هتكبر..العزوة اللي حلمتي بيها مش طول عمرك وانتي بتقاسي وحدتك؟ دلوقت خلاص.. أنا موجود مش هسيبك.. والدتك واختك ضي وبنتنا..حتى اخواتك التانين هساعدك تصلحي علاقتك بيهم.. صدقيني الجاي يستاهل انك تقفي على رجلك تاني وترمي اللي فات ورى ضهرك. 


غمس رأسها بصدره فبكت فرحا

الدنيا تفتح ذراعيها من جديد وتعانقها

تعيد لها كل ما سلبته منها قبلا

تعيد لها عمرا ظنته انقضى وفات قطاره

لكنه لم يفت بعد

مازالت هنا معهم تتلقي عطاياهم

وكل خلية بها تهمس شكر لله..

شكر تستشعره بكل ذرة فيها.. تتلذذ به..

يغمرها سلام نفسي بمداق عجيب وجديد على امرأة بتاريخها.. 


_ انهاردة هتفطري مع الكل.. هتلعبي مع رحمة..هتتكلمي مع أمك وضي.. اتفقنا يا تيمو؟


شملته بنظرة مغموسة بالعشق الذي يجتاحها نحوه ثم أومأت له بطاعة.. إن كان يمد لها طوقًا ينتشلها من الغرق.. فلن تُضيع محاولته هباءً منثورًا.. 


_ وبلقيس! 


احتل وجه الأخيرة صفحة عقلها بغتة فسألته تترجى منه إجابة تُريحها، مواصلة بحزن: تفتكر في أمل تسامحنا لو حاولنا اننا نعتذر لها… .


_ لأ

حدجته بإحباط، ليواصل:  

معتقدش تسامحنا ابدا علي غلطتنا البشع في حقها..أحنا لو ظهرنا تاني في حياتها هنأذيها أكتر ونزود ذنبها في رقبتنا.. هي دلوقت غير مؤهلنا تتقبل مننا أسف..ده غير أنها استقرت وربنا حماها من شرنا وعوضها بحياة تانية.. مافيش اي معني اننا بخطوة مش محسوبة نروح لعندها ونقولها سامحينا ونتوقع بسذاجة شديدة انها تقولنا سامحتكم..أحنا دمرناها ياتيماء دمرناها وكنا هنضيعها ونقتل فيها كل حاجة..بلقيس مش هتنسى بالساهل.. مستحيل.. 


انعكست سحابة حزن وخزي بعيناها، فاستطرد وهو يربت على وجنتها:  لكن ده مش معناه اننا نيأس..  هنفضل نستغفر وندعي ربنا هو اللي يصنع جسر بنا وبينها في يوم من الايام..يمكن في وقت تاني تقدر تسامح.. المهم اننا ندمنا وأخلصنا في التوبة.. 

والباقي بعد كده سيبيه لربنا يدبره لينا وماتفكريش فيه.. فكري بس ازاي نبني حياتنا ونربي بنتنا صح مع اللي بيحبونا.. اتفقنا؟


ابتسمت وهي تتشرب ملامحه براحة وشوق:

اتفقنا.. المهم انت ماتسبنيش تاني يا رائد.. مهما حصل أوعي تبعد..

_ مستحيل.. أوعدك مش هتخلى عنك ابدا

_____________


_ نموسيتك كحلي.. كل ده نوم؟

تثائبت وقالت وهي تتمطى:  صباح تقل الدم..مش كنا سهرانين كلنا امبارح في فرح اخو عامر يابنتي! 

_ بس رجعنا "اتناشر" بالليل ومتفقة معاكي نتقابل في عمارتنا الساعة "عشرة" عشان نشوف اللي ورانا ونختار قماش وألوان الستاير وحاجات تانية؟


تثائبت ثانيا مع قولها:  خلاص بطلي ندب احنا لسه الضهر.. هقوم اخد حمام وافوق واجيلك.. ساعة زمن وابقي عندك.. 

_ماشي اما اشوف اخرتها مع مواعيدك دي ..


وأغلقت معها وقبل أن تغادر فراشها، صدح رنين أخر لترد سريعا:  صباح الخير يا عامر

_ صباح العسل يا جوجو.. لقيتك مش صبحتي زي عوايدك قلت اتصل اطمن عليكي.. 

_ معلش لسه صاحية علي مكالمة عطر واخدت دش تهزييء محترم منها عشان كنا المفروض نتقابل في شقتنا قبل الضهر بساعتين.. 

ابتسم وقال: معلش، ماهو اليوم بيعدي بسرعة ومحتاجين ننجز شوية عشان نحدد انا والغلبان اخوكي فرحنا ونتجوز.. 

_ ماهو اخويا مكهربها عشان تخلص بسرعة.. تقوم مدورة عليا أنا ومكهرباني.. للأسف ماليش شخصية خالص مع البت دي يا عموري.. 

قهقهة وقال:  لا ياروحي ما تقوليش كده علي نفسك انتي جميلة وطيوبة.. المهم طمنيني انبسطي في الفرح امبارح؟ كنت شايفك مندمجة مع اهلي وقربتي منهم اكتر

_ اه والله كانت فرصة اتعرف عليهم.. في ناس اول مرة اشوفها وتشوفني..وعلي فكرة مرات اخوك كانت زي القمر وكيوت اوي وفستاتها يهبل


_ عقبالنا يا روح قلبي اما نكون في الكوشة قولي امين

_ امين امين.. 

واستطردت: تعرف ياعامر ساعات بشطح باحلامي كده واتخيل نفسي في عصر تاني.. لما كانت العروسة تركب هودج ملكي وفخم كده فوق جمل ماشي بيها لحد ما توصل لعريسها.. 


_ هودج؟؟ انتي بتحلمي أحلام غريبة

_ بقولك بتخيل..هو انا قولتلك هاتلي جمل وزفني عليه؟

ثم شهقت بغتة وهي تقطع استرسالها معه: عامر الساعة عدت "اتناشر ونص" وانا وعدت المجنونة عطر نتقابل على الساعة "واحدة".. لو اتأخرت عليها تاني وربنا هي اللي هتنفخني.. انت ماتعرفهاش دي جبارة .


ضحك من قلبه وهو يتصور هيئتها المرتبكة وقال:  طب خلاص الحقي نفسك، وابقي طمنيني عليكي اول ماتفضي.. سلام ياقلبي

_ ماشي سلام ياعمور

____________


_ هعملك محشي! 


صاح بحماس:  واااو.. ده اول اختبار حقيقي لزوجتي المصون في المطبخ..مشتاق ادوقه من ايدك.. 


ابتسمت بطيف خجل لم تتحرر منه بعد:  بس يارب انستر قدامك ويعجبك.. بصراحة يعني انا ماليش في المطبخ، كنا بنسيب موضوع الاكل ده لماما الله يرحمها، بس لما حنين اتخطبت ابتدت ماما تضغط عليها تتعلم عشان تدوق خطيبها أكلها اما يزورها.. لكن انا فضلت مركونة على جنب في القصة دي.. 


غمرته الراحة لسلاستها معه في الحديث وهي تقص له بأرياحية مقتطفات من حياتها بين حين وأخر.. ليست مقتضبة معه گ السابق، خاصتًا بعد اعترافها الخاطف الرائع في الهاتف أنها تحبه ثم حفل عقد قرانهما وسهرتهما المميزة في الباخرة النيلية..لم تعد تخفي بريق فضيتيها عنه حين يلتقيا، أصبحت سخية نوعا ما في إظهار مشاعرها نحوه بقدر يروي القليل من ظمأ عاطفته التي تستفحل نحوها مع كل يوم جديد..بسمتها لم تعد شحيحة علي شفتيها..رسائلها الرقيقة صباحا الممتزجة بدعوات صادقة صار إدمانه وهي تختم رسالتها بكلمة " حبيبي"..إنجاز حصده معها في تلك المدة القصيرة من عمر قصتهما التي لم تبدأ بعد..هو يخبيء لها الكثير من الحب والسعادة..بسمته تستحق ما يدخره لها!


_ ياسين..انت معايا؟ بقولك عبد الرحمن كلمك؟

أفاق من شروده على صوتها:  معاكي اهو.. أيوة كلمني.. تقصدي يعني بخصوص عزومتهم لينا الأسبوع الجاي؟

_أيوة.. والده ووالدته عاملين عزومة لينا ولأهلك كمان معانا.. وهو قال هيتصل يعرفك..ثم تسائلت بتردد: هتيجوا؟ 

قال بحسم: وليه لأ؟! انتي عندك شك اننا نقبل عزومة عبد الرحمن؟

_ مش قصدي بس… 

_ بس ايه؟ أنا عرفت بابا وماما ورحبوا جدا.. بس عطر طبعا مش هتقدر تيجي، انتي عارفة هي وجوري نزلوا القاهرة بيحضروا الشقق بتاعتهم عشان فرحهم قرب

_ ربنا يتمملهم علي خير يارب.. 

واستطردت وهي تشرأب بعنقها تتفقد أحدهم: طيب معلش هسيبك دلوقت وهروح لياسين مختفي من قدامي بقالوا شوية عايزة اطمن عليه.. 

_ ماشي ياحبيبتي.. بوسيه على ما اجي بكرة، انا عامله مفاجأة هيحبها اوي.. 

_ مفاجئة ايه؟ 

ابتسم ضاحكا: الفضول صفة مشتركة فيكم يا معشر البنات الجميلات

ابتسمت وهي تتراجع عن فضولها العفوي:  خلاص بلاش نستني لبكره وهعرف ايه المفاجأة.. 

_ طيب مش عايزة تقوليلي حاجة قبل ما اقفل؟ 

_ عايزة اقولك ان كل يوم بدعيلك في صلاتي ان يحفظك ليا ويقدرني اسعدك

تنهد بصوت وصل إليها ثم تمتم برقة: أنا متأكد من كده.. بس انتي خبيثة ما قولتيش اللي كنت عايز اسمعه.. 


صمتت برهة تجمع شتاتها ولا تعرف لما يتجدد خجلها اللعين كلما أرادت قولها.. لكنها حسمت أمرها وهي تهمس: 

_ بحبك.. 

أغمض عيناه يرتشف اعترافها الذي لا يمله بروحه ثم فاض عليها بمثله:  وانا بحبك وبموت فيكي..

________________


_ حنين أنا خايفة الأكل يطلع وحش

_ يابنتي ايه هيطلعه وحش بس؟ اقسم بالله الريحة تهبل.. ماما الله يرحمها كانت دايما تقول الطبخة اللي ريحتها حلوة بيبقي طعمها كمان حلو.. المهم روحي بقي اجهزي جوزك علي وصول.. 

_ على أساس ان جوزك انتي كمان مش جاي معاه؟

_ انا مخطوبة من زمان ومريت بمواقف من دي كتير لسه انتي مش مريتي بيها.. يعني عبده داق أكلي وعزمناه كتير.. لكن بالنسبالك انتي أول مرة تعزمي ياسين وتدوقيه أكلك.. عشان كده أنتي وعريسك نجوم اليوم وانا عبده الكومبارس اللي هنخدم عليكم يا اختي ياحبيبتي.. 


_ ما شاء الله!  ايه العقل والحكمة والعمق ده كله ياحنة.. 

_ هعمل ايه لازم ابقي عاقلة انهاردة لأني بعتبر نفسي مكان ماما اللي… ..


أوقفتها غصة حزن ظهر مثلها على وجه بسمة، لكنها لفظتها قائلة:  حنين.. بلاش نفتح في العياط دلوقت.. الرجالة على وصول.. بدال مايجوا يلاقوا وشنا كئيب ونفسهم تتسد عن المحشي اللي انا تعبت فيه.. 


ضحكت وهي تمسح دمعة خائنة وهتفت: لا ماتقلقيش، يلا ظبطي نفسك وانا هشوف اخوكي واجهزه قبل ما حد منهم يجي.. 

……… .

وصل الضيفان ورحبت بهما بسمة وحنين ثم

تفاجؤا بتابلت أحضره ياسين لشقيقهم الذي تفاعل مع هديته المميزة بفرحة واضحة والأول يستعرض له الألعاب التي تناسب من في عمره.. وظل ثلاثتهم يتشاركون اللعب..بينما الفتاتان يقومان بتجهيز مائدة الطعام.. 


بعد وقت قصير التف جميعهم حول طاولة طعام صغيرة ابتاعتها بسمة.. فصاح عبد الرحمن مشاكسا: 

بما إن دي أول مرة عروستنا تطبخ فأنا هقول رأيي بصراحة وبدون زعل؟

حنين:  هتنبهر ياعبده

_ المهم ياسين اللي ينبهر.. لأن المسكين اللي هيدبس لو أكل أختك طلع وحش.. 

رفعت بسمة حاجبيها كأنها تتوعده:  بقي كده؟؟ ماشي اتريق عليا عشان اول مرة اطبخ.. 


ياسين مدافعا:  أنا متأكد ان الأكل حلو.. ريحته باينة.. 

صاحت تشكره بمسحة مزاح:  الله يجبر خاطرك يا أصيل.. 

بدأ الجميع تناول الطعام بعد أن تأكدت بسمة أن الأصناف كافية ومكتملة أمام كل فرد..ولم تتذوق شيء مترقبة رد فعلا ياسين الذي راح يلوك أصبع محشي ساخن بتعبير حيرها..فأطرقت رأسها تنظر لطبقها وهي تستعد نفسيا لقوله ان طعامها لم يروقه..فصاح زوج شقيقتها:  ياسين.. هتقول الحقيقة ولا هتجامل مراتك؟.. انا عن نفسي ماعنديش استعداد اكدب.. 

حنين وهي تجز على أسنانها وتنظر له بتوعد مبطن بينما الأخرى غرقت ملامحها بإحباط حقيقي مستنبضة رأيه، فصاح عبد الرحمن لحنين ردا لنظرتها الزاجرة: 

_ لا مش بتهدد على فكرة.. الأكل بتاع أختك


_ تحفة! 


"أنصفها" ياسين بمدحه مقاطعا الأخر مواصلا تحت أنظارها التي تترصده بلهفة: 

بجد أكلك تحفة.. محشي مشطشط زي ما بحبوا.. والفراخ المشوية طعمها يجنن والرقاق مقرمش زي ما بفضله بالظبط..


ثم نهض من مقعد ليتم ثنائه ويكافأها أما الجميع بقبلة رقيقة في جبهتها وهو يقول:  تسلم ايدك ياحبيبتي! 


نيران من الخجل أُضرمت بها واشتعلت وجنتيها حمرة ناكسة رأسها لا تدري ماذا تقول بعد فعلته أمام شقيقتها وزوجها، ليطلق الأخير صفير مشجع ومشاغب وحنين تصفق معه صائحة:  يعيش ياسين يعيش جوز اختي.. ثم نكزت كتف عبد الرحمن بخفة قائلة: فضلت تغيظها وياسين اهو نصفها والأكل عجبه بالعند فيك.. 

قال بمزاح: طب وهو المسكين يقدر يقول غير كده ولا يعترض؟ لازم يتعلم يجامل مراته عشان سلامته.. 

_ لا يا ذكي انا فعلا عجبني أكل مراتي، اطلع انت منها.. 

عبده: بس أنا معجبنيش ومعترض ان حنين مش طبخت انهاردة.. 


عادت تنكز كتفه:  بطل تغلس على اختي بقي.. مش شايفها مكسوفة ازاي يا رخم؟

_ يعني أكدب واروح النار عشان تتبسطي يا حنين هانم؟ 

_ طب بذمتك الأكل مش عجبك؟؟


صمت ونظر لبسمة قاصد اللعب بأعصابها ثم قال: 

طب أقسم بالله الأكل تحفة.. وأحلى من أكل اختك.. 


شهقت حنين من تبدل موقفه ونقدها هي..وضحكت بسمة هاتفة:  مافيش فايدة ياعبد الرحمن. ولازم توقع نفسك مع واحدة فينا..


أما حنين وبخته قائلة:  يخربيت العك.. يعني اكلي وحش دلوقت يا استاذ؟ طب ماشي.. ماتلومنيش بقى على اللي هعمله فيك! 

_ أوعي تتهوري وتحطي شطة في القهوة وتاخدي بنصيحة اختي الهبلة.. عليا النعمة هتحول معاكي.. 

_ طب ابقي وريني هتعمل ايه لما تتحول يا عنتر..


تابع ياسين وبسمة جدالهم الممتع ومازالت الأولى يعتريها الخجل من أثر قبلته فوق الحبين، فربت على كفها وهو يغمزها بعينيه، فضحكت بخفوت، فقال عبد الرحمن:  اتفضلي ياستي.. انا وانتي بنتخانق والبيه عمال يهزر ما اختك ولا كأننا موجودين.. 

حنين بنفاذ صبر:  بقولك ايه ياعبده.. انت شبعت ولا لسه؟

_ لأ لسه.. ليه؟


جذبته من ذراعه بعد أن أعدت له طبق يحوي كل الأصناف وقالت: طب تعالى ياعمري كمل أكلك في البلكونة خلي اختي وخطيبها يعرفوا ياكلوا اللقمة براحتهم.. 


وتبعها مستسلما وهو يبرطم بكلمات مازحة، فهتف ياسين:  ماكنتش اعرف انهم مجانين كده.. 

_ انت لسه شوفت حاجة.. اختي كانت مجنناه اساسا ومش بيبطلوا نقار.. وكل اسبوع كان لازم عبده يصالحها بخروجة ترجع منها ماسكة وردة في ايدها وهي بتقول فيه شعر.. ويومين بالعدد وتبتدي موجة جنان وخصام جديدة بينهم.. 


_ ربنا يسعدهم.. ورى كل نقارهم ده حب كبير واضح جدا جدا.. 

_ اللهم امين.. فعلا حبهم مميز..

واستطردت وهي تشير بعينيها:  يلا كمل أكلك بقى


شرع بتمزيق قطعة من لحم الدجاج ثم وجهها لفمها هي، فتناولتها على استحياء وهو يواصل: يبقي تاكلي معايا.. أنا مراقبك. وتقريبا ما دوقتيش حاجة خالص من الأكل


قالت بعد مضغ الطعام وابتلاعه:  بصراحة كنت قلقانة ومستنية اعرف رأيك في الأكل..هو بجد عجبك يا ياسين ولا بتجاملني؟ 

حاول توجيه قطعة لحم أخرى لفمها، فأسرعت هي تدسها في فمه قائلة:  انت هتفضل تأكلني ومش هتاكل؟ أنا هاكل معاك اهو.. 


لم تنتبه أن يدها مازالت قابضة على كفه الممسك بالشوكة الفضية، فلثمها لتسحبها هي سريعا هامسة:  ياسين..خد بالك حد يشوفنا هتكسف والله.. 

_متخافيش، أختك وخطيبها قصدوا يسيبونا لوحدنا


نظرت تجاه الشرفة لتطمئن ان لا أحدا يراهما ثم فاجأته وهي تلتقط إصبع محشي وتدسه في فمه مثلما فعل معها لترد له لفتته الحانية ..فليته يعلم أن فعلته البسيطة تلك تركت في نفسها أثرا عظيم الأثر..حلق سعيدا لتجاوبها معه وقال:  قريب أوي هنكون في بيتنا لوحدينا ومش هتخافي حد يشوفك.. وبخصوص اني بجاملك والله ما بكدب.. الأكل جميل وشهي جدا.. تسلم ايدك يا بسمتي.. 

ابتسمت برضا:  بألف هنا علّ قلبك..

……………… 


عادت حنين للشرفة بعد أن تفقدت أخيها بغرفته! 


_ يعني مافيش غير البلكونة نقعد فيها؟ كل ده عشان تسيبي اختك وخطيبها براحتهم واتحرق أنا ومعرفش امسك حتى ايدك زي الناس..


ضحكت بدلال:  معلش بقى ياعبده..أنا وانت أخدنا فرص كتير نعبر فيها لبعض عن مشاعرنا.. انما بسمة وياسين كل حاجة تمت معاهم بسرعة.. من حقهم نبديهم علينا انهاردة عشان ياخدوا على بعض أكتر.. 


ابتسم وهو يتأملها بحب ثم ضغط على يدها وغمغم: بس أنا مش بشبع من إعلان مشاعري ابدا.. عايز طول الوقت اقولك اني بحبك ياحنين.. مش مصدق اننا خلاص كتبنا الكتاب وبقيتي حلالي..فاكرة لما كنت عايز ده يحصل اول خطوبتنا وانتي رفضتي.. 


بررت قائلة: كنت خايفة يا عبده اتسرع في الخطوة دي واندم بعدها.. قلت لازم اعرفك اكتر ومش كفاية انك زميلي في الجامعة.. خوفت انخدع فيك وتكون عكس ما انت ظاهر..

_ ودلوقت؟


قالها هامسا لتغمغم: دلوقت انا عمالة افتش عن الحلو اللي عملته في حياتي عشان يرزقني بيك يا عبد الرحمن.. وبندم على كل مرة خاصمتك ونيمتك فيها زعلان مني عشان أسباب تافهة.. دلوقتي عرفت انك كنز شاله ليا الزمن وظهرلي في وقت العوزة لما انكسر ضهري بموت ماما وبابا..لولا دراعك سندني بعد ربنا انا واخواتي كنا بقينا ضايعين.. ضللت عليا وطمنتيني حسستني اني مش لوحدي في الدنيا..ربنا يخليك ليا ويقدرني اسعدك.. 


أحمق لو لم يرد على فيضها بما يليق به.. 

فتراجع للوراء قليلا حيث تنسدل ستارة الشرفة ليجذبها سريعا ويكتسحها بعناق تأرجح بمزيج عجيب من قوته وحنانه وهو يهمس لها:  بحبك ياحنة..بحبك أوي.. 

_______________


_ طنط هو ظافر قالك كلنا نستناه برة ليه؟

_ والله يا بنتي ما فاهمة حاجة، هو اتصل بيا من ساعة وقالي يا ماما اجهزوا للخروج بعد ساعة واني الغي الغدا.. وهيرن تاني نطلعله برة فورا.. 

إيلاف: يجوز عازمنا على الغدا مثلا؟ وما قالش عشان ماما مش بترضى تخرج؟!


مطت بلقيس شفتيها:  يجوز..

_طب ليه مش سألتيه اما كلمك وخلاكي ترجعي من الشركة؟

_سألته ما ريحنيش في الكلام خالص.. 


قاطعتهم والدته: ابني جه اهو، تعالو نركب معاه ونشوف في ايه.. يجوز مجرد عزومة غدى زي ما إيلي قالت.. 

…… ..… 


_ يا ابني ما تقول واخدنا على فين

_ خاطفكم يا ماما عندك مانع؟

إيلاف:  أنا شخصيا معنديش مانع اتخطف عادي يا آبيه.. بينما قالت بلقيس والفضول يلتهمها:  يا ظافر بالله عليك تقولي رايحين فين.. 

_ أصبري وهتعرفي.. 


صمتت مرغمة بعد قوله المقتضب، فلمحت بعد برهة غمزة إيلاف له في المرآة الأمامية بإشارة خفية تشي بتواطؤ مريب بينهما، لتصيح عليهما بغيظ:  لا بقولكم ايه أنا شامة ريحة اتفاقات من ورايا.. بتغمزيله ليه يا ست أيلاف؟ أوعي تنكري أنا شوفتك.. 


ثم تحدثت لوالدتها:  شايفة ياطنط ولادك بيتفقوا علينا ومش راضين يعرفونا رايحين فين.. 

ضحكت لها: اعملي نفسك مش واخدة بالك زي حماتك! 

_ لا ياطنط انا لازم اعرف.. ثم نظرت للأخرى تستعطفها:  كده يا إيلي بتخبي عني؟ مش احنا أصحاب وكلهم بيناموا ويسيبوكي وانا بلي حبيبتك اللي بتسهر معاكي رغم اني بصحي لشغلي بدري؟ يعني مالكيش غيري..يلا ياروحي قولي احنا رايحين فين؟. 


نظرت لشقيقها تطلب منه العون فابتسم والتزم الصمت متابعا هو ووالدته ما يحدث بتسلية. واستمتاع، لتقر أخيرا: بصي انا كل اللي اعرفه إن آبيه جه أوضتي الفجر عشان يصحيني للصلاة معاكم، وقالي احضر لكل واحدة فيكم من وراها شنطة هدوم تكفي تلات أيام.. لكن هنروح فين؟  أقسم بالله ما قالي حاجة، واهو قدامكم اسألوه.. 


عادت بلقيس ترمقه بكَمَد وعيناها تضيق بشكل مضحك، فقال بجدية مقاوم قهقهته:  انسي اقولك كلمة. 

_ يابنتي ريحي نفسك مستحيل تعرفي منه حاجة مش عايز يقولها..ده ابني وعارفاه..خلينا نستني مفاجأته في وقتها وخلاص.. 


زفرت بحنق واستكانت جواره لحظات على ظهر مقعدها عابسة زامة الشفتين ثم قالت لتستفزه:  طب انا عايزة اشرب عصير او اكل حتة شيكولاتة عشان اعدل مزاجي.. وماتقوليش مش هعرف اقف بالعربية هنا اتصرف ماليش دعوة.. 


رماها بنظرة جانبية ثم أشار بعينه لدرج السيارة الأمامي ، شرعته لتتفاجأ بمغلفات من الشيكولاتة والشيبس.. فصاحت تحدث والدته وهي تلتقطهم:  والله ابنك ده ابن حلال ياطنط.. لحق نفسه بالشيكولاتة قبل ما اشيط جمبه من الغيظ.. 


مازحتها وهي تقول:  أصلي دايما ادعي لابني إن ربنا ينجيه من المهالك يابنتي.. 

ضحكت إيلاف وبلقيس لمزحتها، واكتفى ظافر بابتسامة منتشية بالألفة التي تجمع قاروراته الثلاث والأغلى على قلبه ثم قال:  ادي ماما الشيكولاته الدارك يابلقيس.. 

_ حاضر من غير ماتقول عارفة ان طنط بتحبها

_ بلاش يابنتي أحسن اتعب منها

_ كلي حتة بسيطة ياطنط مش هيحصل حاجة.. 

وقبل أن تأكل بلقيس من مغلفها قضمت قطعة ودستها في فم ظافر، فابتسم لها بحنان وقال بعد أن ذابت في فمه:  تسلم ايدك يا بلي..  


حدجتهما والدته بنظرة رضا بينما هتفت إيلاف: بلي انتي نسيتيني؟ هاتي كيس شيبس من عندك عشان اكله قبل الشيكولاتة

_ مافيش.. عشان تحرمي تتفقي مع اخوكي وتخبي عني تاني.. 

_ خلاص مش هخبي تاني.. خلي قلبك كبير بقي وهاتي الشيبس..قوليلها يا ماما.. 


نظرت لها هدى وكأنها تقول ( هتكسري كلامي؟)

لتصيح بلقيس وهي تلتقطه وتعطيه لها: دخلتي الغالية بنا ومقدرش اتكلم.. بس إياكي تداري عني حاجة تاني. مفهوم؟

_ مفهوم.. هاتي بقي يا ساتر عليكي.. بعد كده هركب انا قدام مع اخويا عشان اتحكم انا في درح المفاجأت اللي عندك ده.. 

شاكسها ظافر:  المرة الجاية هخبيلك سرنجات

_ بقي كده برضو؟ أنا تجيبلي سرنجات ومراتك شيكولاتة؟ ماشي خليك فاكر يا كبير. 

_ بطلي رغي بقي بحب اتفرج على الطريق بهدوء، شغل حاجة لام كلثوم ياحبيبي

_ ام كلثوم ايه بس يا ماما.. شوف اغنية لشرين يا آبيه.. 

_ عندك تليفونك وسماعتك اسمعي فيه اللي يعجبك..لأن هشغل اللي ماما طلبته.. 

_ ماشي ماشي..اضطهدوني كلكم براحتكم..مخصماكم.. 


ضحكت والدتها وضمتها بحنان وقبلت رأسها الذي استكان بدلال على صدرها وراحت تأكل بتلذذ وهي في عالمها تسمع أغنية ما..وساد صمتهم ثم راحت إيلاف تتفقد هاتفها متعجبة عدم رد محمود على رسالتها إلى الآن، فما ان غادرها ظافر واخبرها فجرا بما قال، حتي بعثت له رساله بالامر وانها ستخبره بمكانها فور علمها.. لكنه مازال أوفلاين..ولم تجد فرصة لتتصل عليه بمكالمة عادية.. حسنًا حين تصل وتعلم وجهتها ستهاتفه! 

…………

بعد وقت بدأ يظهر معالم الطريق.. انهم يتوجهون لمنتجع سياحي في العين السخنة.. تلك المنطقة الساحلية المعروفة والقريبة نوعا ما من القاهرة أكثر من غيرها..


شهقت إيلاف:  الله يا آبيه..المكان يجنن بقالي فترة مش جيت هنا.. انتي جيتي السخنة قبل كده يا بلي؟ 

قالت وهي تتابع الطريق بسعادة وترقب:  لأ.. دي اول مرة.. ومنحت زوجها نظرة شكر صامتة.. هي تعلم انه نظم تلك الرحلة لأجل حالتها النفسية في الايام الأخيرة.. 

……… .

وصلو للفندق الذي أتم به الحجز سابقا.. وأوصل والدته وإيلاف لغرفتهما ثم توجه بزوجته لغرفتهما الخاصة.. وما أن اختلى بها حتى جذب خصرها إليه هاتفا:  ايه رأيك في المفاجأة دي؟

دنت لتقبل وجنته ثم عانقته بقوة:  احلي مفاجأة، كنت محتاجاها فعلا ياحبيبي..والجميل ان مامتك وإيلي معانا.. بس… .

_ بس ايه يابلي؟


ودت لو والديها معها لتكتمل فرحتها، لكنها  لم تبوح بذلك من أفكارها كيلا يظن زوجها أن مفاجأته ناقصة، فقالت:  مافيش ياحبيبي.. هننزل امتي بقى؟

نظر لساعته وغمغم: لسه فاضل وقت خلينا ناخد شاور ونريح شوية وبعدين هننزل كلنا.. 

_ ماشي ياحبيبي عشان كمان ترتاح من السواقة

وابتعدت لتُفرغ حقيبتها.. فجذبها محكما ذراعيه حولها هامسا بنبرة تعلم مغزاها وخطورتها: مش عشان ارتاح من السواقة.. ثم نظر لشفتيها وتمتم:  عشان حاجة تانية خالص يا ملكة..ولا مش هتكافئ حبيبك؟


برقت شمسيها بعاطفة ثم دنت تلاطفه: لا ياشيف.. الحق حق.. بعد المفاجأة الحلوة دي تستحق إني.. 

_ إنك ايه؟


تساءل وهو يعانقها، فجاء ردها بأكثر مما يتوقع وهي تذوب معه وتقف الحروف على أعتاب الشفاه..لتفسح لهما المجال لحديث أخر أكثر حميمية، واستقبل جود عشقها بالمثل ليحظى معها بأول ذكرى مميزة في هذا المكان.. 

---------------------

لم تنتهي مفاجأت ظافر بعد..عُقب نيل الجميع قسط قصير من النوم، استعدوا للهبوط كما أخبرهم وتوجه بهم للشاطيء المقسم لطاولات من الخوص يفصلها من كل جوانب مثل التعريشة تمتد لتُظلل عليهم من الأعلى فتقيهم لفحة أشعة الشمس.. وبمجرد أن اقتربت بلقيس حتي وقفت تشهق محدقة في والديها اللذان يجلسان حول إحدى الطاولات..هرولت إليهم تعانقهم مهللة گ الطفلة:  ماما وبابا..أنا مش مصدقة انكم هنا معايا..بجد هو ده اللي كان ناقصني واتكسفت احسس ظافر ان مفاجأته مش كاملة فسكت.. 

_ بس جوزك حبيبك عرف يكمل فرحتك من غير ما تقولي.

هدى مرحبة بحفاوة: والله يا جماعة لمتنا عمرها ما كانت هتكمل غير بيكم..دي أحلى مفاجأة عملها ظافر انه جمعنا كلنا هنا.. 

دره:  تسلمي يا ست الكل .. والله أنا عاصم جابني من غير ما افهم في ايه.. لقيته الصبح بيقولي حضري شنطة عشان هنروح مكان نغير جو.. ومخلانيش حتى اتصل ببنتي اعرفها .

عاصم:  طبعا ماكانش ينفع واحدة فيكم تكلم التانية وإلا المفاجأة كانت اتكشفت.. 

لثمت بلقيس خده بدلال وصاحت: حبيبي ياعصومي.. 

ضحك واحتضنها بحنان ثم نظر لإيلاف وقال:  بقولك ايه يا لولو.. مامتك هتبقي مع دره.. وبلقيس مع جوزها..ومش هيفضل غيرنا، موافقة تصاحبي عمك العجوز ده؟


ضحكت له وداخلها تدري انه يحاول منحها قبسا من حنانه الأبوي كما يفعل مع ابنته.. كم تحب هذا الرجل وتُوقره گ أبيها.. 

_ موافقة ياعمو بس في مشكلة صغيرة

_ ايه هي؟

_ البنات هتعاكسك وانت ماشي معايا وهتخانق كتير.. ولا ايه ياطنط؟

دره وهي تشمر عن ساعديها بمزاح : ساعتها ابقي ناديلي وانا هتصرف معاهم يا روح طنط.. 

قهقهوا وقالت بلقيس بفخر:  تعرفي يا إيلي ان مامتي الكيوت العسل دي بتعرف تلعب "جودو " وهي اللي معلماني؟

إيلاف بانبهار حقيقي: بجد ياطنط؟ وكمان علمتي بلي؟ دي معلومات جديدة عليا

ظافر مازحا: أيوة يا إيلاف.. امال اخوكي بينفذلها كل طلباتها ومش بيزعلها ليه؟ ماهو عشان المعلومة الخطيرة دي..هو أنا مستغني عن عمري!! 

قهقهة عاصم وجاراه في مزاحه: عاقل وعارف مصلحتك زي عمك تمام..أنا مشيت مع دره بمبدأ "أقصر الشر وغنيله" 


صاح ضيفهم الجديد بمزاح والذي أتاهم لتوه: 

عين العقل يا عصومي.. 


لتكن المفاجأة تلك المرة من نصيب إيلاف وهي تستدير سريعا وتري محمود ينضم إليهم..منحها نظرة دافئة وهو يشاهد فرحتها لمجيئه، فقالت: يعني اتعمدت مش ترد عليا صح؟ (أومأ لها)  أيوة.. حبيت اعملك مفاجأة.. 

ابتسمت مكتفية بنظرة مفعمة بسعادتها لحضوره، ثم

رحب به الكل ليكتمل تجمعهم المميز ويُشرعون بالاستمتاع به كما نظمه لهم ظافر.. 

وبقيت مفاجأته الأخيرة! 

……………… .

في المساء! 


بلقيس: إيلاف خدي البسي التاج الصغنون ده فوق حجابك، هيبقي تحفة عليكي. 

_ تسلمي يا بلي بس مش شايفة انه مش مناسب لسهرتنا العادية، ده بيتلبس في مناسبة بس.. 

_ بالعكس احنا هنتعشي في مطعم الفندق، وانتي شايفاه ازاي فخم وشيك ومش غريبة تلبسيه وانتي نازلة هناك.. يلا بقي انا اشتريته عشانك وحابة اشوفه عليكي.. 

لم. تريد إحراجها رغم عدم اقتناعها انه يناسب جلسة عشاء عائلية وقالت بإزعان:  خلاص ياحبيبتي مش هزعلك..هعتبره احتفال بمناسبة ان محمود جه معانا

_ للدرجة دي فرحانة انه جه

_ جدا يابلقيس..حاسة ان كل الناس اللي بحبهم حواليا، وأكيد لو محمود غاب عن التجمع ده كنت هضايق.. 


ثبتت لها التاج الفضي الصغير فوق حجابها وقبلت خدها وقالت:  ربنا يسعدك ياحبيبتي ومايحرمكيش منه.. 

وواصلت بمرح:  ولا يحرمني من اخوكي.. 

قهقهت وهي تقول:  أمين.. ولا يحرمنا كلنا منه


……………… .

صاحبتها بلقيس لمطعم الفندق، وما أن عبرت بها حتى صدحت موسيقى عيد الميلاد المعروفة، فصاحت إيلاف: شكل في حد بيحتفل بعيد ميلاده يا بلي

_ شوفتي اهو التاج طلع مش علي الفاضي.. تعالي نشوف كده التورتة ومين صاحب العيد ميلاد.. 


دنت بفضول متناسية التساؤل عن موضع جلوس العائلة، لتحتل وجهها دهشة حقيقية وهي تري شقيقها ووالدتها ومحمود والعم عاصم وزوجته يحوطون طاولة عليها قالب تورته مميزة..وخلفهما بوستر كبير بصورتها وتهنئة بيوم مولدها.. شهقت وهي تنظر للجميع.. إذا الاحتفال بها هي.. نظرت لبقيس وأدركت سبب إصرارها ارتداء التاج.. الحبيبة زوجة أخيها كانت تعدها للحفل دون ان تعلم..

…….. 

شاركهم الاحتفال رواد المطعم حين دعاهم ظافر للمشاركة معهم، وقدم لها الجميع هداياه، وبعد أن انتهوا من ضخب احتفالهم ذهبوا ليكملوا سهرتهم على الشاطيء، وبينما الجميع يثرثر نهضت ودنت من شقيقها وعانقته بشدة وهي تهتف وعيناها تلمع:  بجد يا آبيه هتطير من الفرحة..والله كنت ناسياه خالص.. 

قرص وجنتها برفق: بس مش ممكن انسي عيد ميلاد اختي حبيبتي.. 

_ ربنا يخليك ليا يارب..(ثم غمغمت بجملة بدت غريبة عليه)  شكرا يا آبيه انك ماتغيرتش! 

عقد حاجبيه:  وايه هيغيرني يا إيلي؟

_ لا مش قصدي يا آبيه بس… 

_ بس ايه اتكلمي براحتك.. 


تردد قليلا وهي تنظر حولها ثم تشجعت وقالت: 

ليا أصحاب كانوا بيشتكوا دايما ان الأخ اما بيتجوز بيهتم بمراته وبس، وبيتغير مع أهله..وأقلمت نفسي انك هتنساه وقلت لنفسي مش هزعل.. بس لأني محظوظة.. اخويا حبيبي لسه بيحبني وبيهتم بيا..حتى بلقيس كمان بتحبني.. حاولت تخليني اظهر بشكل مناسب لأنها فرحانة عشاني ويهمها مظهري.. أنا بحبكم أوي يا آبيه.. 

قالت جملتها الأخيرة ثم تعلقت في عنقه تحتصنه.. 

فترقرقت عين والدتهما ودره وعاصم وبلقيس بشدة، بينما "ود" محمود لو احتضن حبيبته الرقيقة بتلك اللحظة وبثها حبه واحتوائه.. 


أما ظافر حدثها بعتاب ومازال يغمسها بصدره: أياكي يا إيلاف اسمع منك الهبل ده تاني.. مافيش حاجة ولا حد في الدنيا ينافس معزتك انتي او ماما في قلبي ولا يغيرني عليكم..حتى اما تتجوزي وتجيبي ولاد.. هتفضلي اختي الصغيرة وبنتي اللي هدلعها طول منا عايش.. 


دمعت حدقتي بلقيس للموقف بأكمله..وتمنت في نفسها أن تحظي بعلاقة أخوية گ التي بين ظافر وشقيقته..تذكرت شقيقاها الذي توفاهما الله غرقا.. ماذا لو كُتب لهما النجاة وساندوها في الحياة وذاقت طعم احتوائهم وخوفهم عليها..سبحان الله.. لا يحظي احد بكل شيء..وماعاذ الله أن تكون ساخطة.. فقط خاطر جال بعقلها تأثرا بما شاهدته.. تنهدت وجددت حمدها لله على ما نالته من كرمه وجوده..


وگ عهده صاح محمود بمرح ليبدد دراما الموقف:  طب وانا هفضل مستني دوري كتير ولا ايه.. يعني انا موقعي ايه في الليلة البيضا دي؟


مازحه عاصم:  أنت تتفرج وانت ساكت.. 

قهقهوا ثم واصلوا سهرتهم، وبعد وقت تسائلت دره: 

علي فكرة التورتة كانت حلوة اوي ياظافر..انت اللي قلت لمطعم الفندق يزينها بحروف محمود وايلي ودبلة وخاتم؟


_ لا ياطنط.. أنا اللي عملت التورتة لأختي بنفسي.. 


تعجبت بلقيس وهي تبادر بقولها:  امتي عملتها؟ انت ماسبتنيش طول الوقت! 


ابتسم وهو يوضح:  مش انا روحت مطعمي الصبح؟ عملتها في الفترث دي وشحنتها على هنا باتفاق مسبق بيني وببن إدارة الفندق عسان تستلمها.. ورجعت أخدتكم علي الضهر وسافرنا..

والدته:  يعني كنت مظبط الرحلة دي عشان عيد ميلاد لولو

_ والله يا ماما أنا نظمتها لكذا سبب وكلهم بنفس درجة الأهمية عندي..حضرتك بقالك فترة طويلة مش بتغيري جو تقريبا من وقت جوازي.. وعيد ميلاد إيلي كان قرب وحبيت يبقي مختلف لأنها المرة دي مخطوبة، عشان كده زينت القالب بدبلة وخاتم.. ثم شاكس محمود وواصل:  نعمل ايه.. عريسك كروتنا في الفاتحة ولبسك الدبل وما لحقناش نعملك حاجة.. 

رمقه محمود بتعبير في وجهه أثار ضحك الجميع.. ثم واصل وهو ينظر لزوجته قائلا بحب جاهر به دون تردد:  والسبب الأخير إن أميرتي الحلوة كان مزاجها مش حلو الفترة اللي فاتت.. واكتر حاجة تعدل مزاجها ان هي ومامتها وباباها يكونوا سوا.. وده اللي عملته..رغم انشغالي الشديد فضيت نفسي يومين وجمعتكم هنا..


لمعت حدقتي بلقيس بعشق وهي تربت علي كفه هاتفة: 

ربنا مايحرمني منك ياحبيبي ودايما تراعينا وتفرحنا.. 

بينما فاضت والدته عليه بحنان طاغي ودعت له: ربنا يبارك فيك ويريح قلبك وتفضل سندي انا واختك ومراتك بعد ربنا.. وبالمثل أثنى عليه عاصم ودره..


ثم قال محمود: والله يا شيخ انت شمعة تحترق من أجل الأخرين.. 

رد ظافر بمثل مزاحه:  بكرة تبقى شمعة انت كمان يا اخويا وتحترق برضو.. 

_ منا عارف والله.. أساسًا احنا اللي بنشيل المرار الطافح كله في الأخر.. 

گ عادته أثار ضحكهم الشديد.. وامتدت أمسيتهم لوقت أطول متجاذبين أحاديث شتي.. ثم استئذن محمود وأخذ خطيبته ليحظى بفرصة تقديم هديته بخصوصية.. 

‏__________


صاحت بإعجاب: الله على جماله.. بجد حلق رقيق ويجنن.. تسلملي يامحمود.. 

_ ويسلم قلبك يا إيلي.. الحمد لله انه عجبك..

_ عجبني جدا جدا.. يعني انت كنت عارف كل حاجة من الأول.. 

_ طبعا، ظافر كلمني وعرفني الموضوع كله واتفقنا اني هحصلكم لوحدي، وامبارح روحت اشتريت الحلق ده عشانك.. ثم قال بتلميح اخجلها:  ولو اني كان نفسي اشوفه عليكي وانتي فاردة شعرك اللي نفسي اشوفه.. 


تخضبت وجنتيها وهمست:  بعد كتب الكتاب.. 

تنهد بما يحيش بصدره من شوق: عارف وربنا يصبرني..هانت وتتخرجي وانا هكون بدأت شغلي وربنا ييسر والدنيا تمشي معايا.. 

_ ربنا يوفقك يا حودة.. 

_ عيون حودة.. بموت فيكي اما تقولي كده

_ بعد الشر عليك.. ماتقولش كلمة موت دي مابحبهاش. 

_ تزعلي لو فقدتيني.. 


انقبض قلبها بشكل تلقائي، وتعكر مزاجها بالخوف والضيق منه فقالت:  لو اعرف انك هتتكلم كده كنت فضلت معاهم على الأقل كان كلامهم جميل.. مش اللي انت بتقوله ده.. 


لعن غباء حديثه وقال سريعا:  خلاص حقك عليا مش قصدي والله

_ أمال قصدك يا محمود؟ ده كلام تقوله معايا؟ أنا قولتلك بخاف من الكلمة دي.. عارفة انه حق علينا لكن قلبي بينقبض، تقوم حضرتك تزودها بسؤالك؟  

_ أنا قصدت اخليكي تقولي كلام حلو انك بتخافي عليا.. بس عملتها بغباء سامحيني يا لولو.. 


لانت ملامحها:  خلاص.. بس بعد كده خد بالك.. 

اكتفي بابتسامته الجذابة وهو يتأملها.. فاستطردت بنبرة حانية: ولو عايز تعرف أهميتك عندي يامحمود، هقولك إن فرحتي انهاردة عمرها ما كانت هتكمل من غيرك..حضورك كمل النقص اللي كان جوايا..


كل ما جال بخاطره ليفعله ردًا على سخاءها العاطفي الرائع هذا لم يناسب خطبتهما.. ليتها حلاله الآن.. 

تنهد وفاض عليها بنظرة أشبعتها من كل أبدجية العالم من كثرة ما غمرتها بحنان وعشق واضح.. ثم همس لها:  أنا بحبك أوي يا أيلاف.. ربنا يجمعني بيكي عن قريب.. 

_______


صباح يوم جديد.!


رايحة فين يا دره؟ 

_ هقول لبلقيس ماتنزلش البحر ياعاصم.. بنتي مابتعرفش تعوم.. 

_ دره..تفتكري جوزها مش عارف؟ سيبيهم براحتهم اكيد هو قادر ياخد باله منها كويس..بلاش ندخل فيهم.. 

_ بس يا عاصم

قاطعها:  مافيش بس..ماتخليش الراجل يضايق ويحس انك بتشككي في قدرته انه يحافظ على مراته..خليهم يتبسطوا بعيد عن خوفك.. امال لو ما كنتش محذرك؟!


صمتت مقتنعة بوجهة نظره واستكانت في مقعدها لكن وعيناها لا تحيد عن ابنتها وطيف غرق تؤامها الأول لا يغادر دهاليز عقلها قط، خاصتا وان بلقيس تعرضت هي الأخرى لحادث مشابهة لولا عناية الله انقذتها وسخرت لها السائق راغب حينها.. 


وعلي ذكره في خاطرها تسائلت:  هو أخبار راغب ايه ياعاصم؟ حالته اتحسنت عن الأول؟

_ للأسف زي ما هو قعيد كرسيه المتحرك.. بس ماتقلقيش انا وأدهم مش مقصرين معاه.. مش ناقصه حاجة ولا هينقصه طول محنا عايش.. انتي عارفة غلاوته عندي..ده لولاه بعد الله ماكنتش عرفت بنتي فين.. 


_ ربنا يبارك فيك انت وأدهم، ويكافئكم بالخير كله..ثم أشارت مع قولها:  إيلاف ومامتها جايين اهو..انا سبتهم يصحوا براحتهم..بصراحة ماكنتش اقدر افوت منظر الشروق علي البحر معاك.. 


ربت على كتفها وقال:  والله انا طلعت الرحلة دي عشان عيونك قبل عيون بلقيس.. 

انتعشت روحها بدلاله الذي يغدقه عليها دائما، فقالت بمحبة: تسلم عيونك وقلبك يا عاصم..( وواصلت) منكرش اني كنت محتاجاها..قلقي على بنتي الفترة اللي فاتت ضغط عليا..نفسي اطمن عليها لما ربنا يكرمها وبالحمل.. 


_ بلقيس بخير وربنا هيراضيها بأذن الله..كله بآوانه يا دره، وبعدين انتي مش شايفة جوزها بيحبها ازاي وطاير بيها؟ ده عمل الرحلة دي مخصوص عشان يبسطها.. ويبسط اخته وامه كمان.. 

_ وده اللي عاجبني في ظافر ومطمني لو ربنا اخد أمانته انها هتكون بخير معاه..البار باهله يستحق الثقة.. 


_ صباح الخير يا ياجماعة..ليه مش صحتونا كنا نزلنا معاكم من بدري.. 

بعد أن رد عاصم وزوجته تحيتها قالت الأخيرة:  والله خوفت اقلقك انتي وايلي.. وانا كنت حابة احضر الشروق هنا.. ونزلت لقيت العصافير ولادنا سابقين وقاعدين علي الشط.. 


قالت وهي ترمق ابنها وزوجته بحنان: 

_ خير ماعملوا خليهم يتبسطوا.. وبالعكس انا كمان احب اشوفه معاكم.. 

_ خلاص بكرة هرن عليكي وننزل كلنا سوا.. ثم نظرت جوارها وقالت: صباح الرقة يا لولو.. عاملة ايه؟

قالت بعد أن تتثائبت:  صباح الجمال يا طنط انتي وعمو


لكزت هدى رأسها بخفه مؤنبة:  بطلي تتاوبي هتنيمينا، عشان تسمعي الكلام، قولتلك كفاية سهر وكلام تليفونات انتي وخطيبك ونامي شوية.. مافيش فايدة


اعترضت بطفولة:  وربنا ظالماني ماكانش جايلي نوم اساسا.. 

ابتسم عاصم وقال: مهما قلنا مش بيسمعوا النصيحة..بس دلوقت اخوها ياخدها يرميها في المية زي السمكة.. 

دره:  انتي بتعرفي تعومي يا لولو؟

هدي بالنيابة عنها: ولادي الاتنين سباحين ممتازين.. بالذات ظافر.. كان واخد ميدالية بونزية في السباحة في بطولة تبع النادي الأجتماعي أيام الدراسة.. 

______


_ بتعرفي تعومي؟

رمقت صفحة المياة بشخوص وقالت: لأ.. 

_ يبقي هعلمك.. 

قالها وهو يتملك خصرها وقدميها تعبث بمياة الشاطيء، وهمهمت ومازالت تنظر للبحر بلمحة حزن: بس أنا زعلانة من البحر.. ليا معاه ذكرايات وحشة.. 


_ هغيرها.. 


تمتم كلمته بحسم فحدجته بحب:  أنا متأكدة ان اي حاجة كرهتها في يوم.. معاك هحبها من تاني، عارف ليه؟

احتواها بنظرة دافئة دون قول شيء فاستطردت:  لأني هشوفها بعيونك.. أنت بتحلي كل حاجة في حياتي بسحر غريب يا ظافر..

_ ياريتني سألتك السؤال ده في أوضتنا.. 

ابتسمت لمقصده، فواصل:  بس ما قولتليش.. ليه زعلانة من البحر؟

_أولًا لأنه سرق مني اخواتي.. كتير بتخيل لو كانو عايشين كنا هنبقي ازاي..تعرف ان ماما جواها حزن مابيروحش ابدا.. صورتها وهما صغيرين مش بتفارقها.. كل يوم لازم تقرأ قرآن على روحهم.. هي مش بتجيب سيرتهم قدامنا عشان مانزعلش.. بس انا بحس بيها.. 

_ الله يرحمهم.. ده كان رزقهم في الدنيا..

قبل رأسها بحنان وقال: ايه مزعلك تاني من البحر؟


هنا تعرج علي صفحة عقلها ذكري يوم احتالت عليها تيماء بعيد ميلادها المزعوم..أصعب محنة مرت عليها بدأت بخرير البحر ورائحته..تذكرت فرحتها الوهمية وهي تعتقد انها حصدت فرصة ثمينة لتجربة خاصة بها بعيدا عن قيود خوف والديها.. تنهدت ثم قررت ألا تنجرف لتيار ذكراها السوداء..ستسخقها ببن دهاليز العقل.. لن تلوث سعادتها الآن.. 

_ الملكة سرحانة في ايه؟


قاطعها صوته فنظر إليه وقالت:  انسي.. مش حاجة مهمة..ودلوقت وريني ازاي هتصالحني على البحر.. 


اشتد ذراعه حوله خصرها ثم جذبها برفق ليغوص جسديهما في طيات الأنواج المتلاحقة.. لتبدأ مواجهتها الأولي مع شيء كانت في الماض القريب تبغضه..

والآن هي متلحفة بأمانه، قابعة في حصن قلبه المنيع.. حصنه الذي تدعوه ليل نهار ألا يغيب عنها ابدا.. 

_________


_ كده ياعامر.. من تاني يوم فرح اخوك وانت ولا عبرتني باتصال يتيم.. طب حتى تعالي شقتنا تابع اللي بعمله فيها وقول رأيك وشاركني ماهي شقتك انت كمان، حسسني انك مهتم يا أخي.. وانا اللي كنت فاكرة هشوفك كل يوم لما انزل القاهرة.. 


جاء صوته فاتر وحديثه مقتضب: مش فاضي.. 


لم يرضيها اقتضابه الغريب وفتوره.. كما لم يعدها بمجيئه ليعوضها غيابه، فهتفت بتسرع لا يخلو من تهكم:  الله يعينك، بس حتى اتصال دقيقة تطمن عليا ماكانش هيعطلك عن شغلك ولا…… 


_ وبعدين معاكي قولت مش فاضي ولا رايق لدلعك وزنك ده على الصبح! 


صدمها بطريقته وقسوة صياحه الغاضب.. فابتلعت غصتها وقالت بتماسك زائف: ماشي..لما تكون فاضي كلمني، سلام! 

_ استني! 


صاح سريعا قبل أن تغلق معه المكالمة، فهتفت بجمود:  نعم.. 

وصلها زفرة قوية قبل ان يهمس:  أسف.. 


لم يريحها أسفه.. فقط أرادت أن تبكي وحدها لتفرغ طاقة الحزن التي سيطرت عليها، فقالت لتنهي الامر سريعا:  حصل خير.. معلش لازم اقفل، الصنابعية هيبدؤا شغلهم وانا وعطر خارجين نجيب حاجات مهمة! 


_ ماما في المستشفى. 


فاجأها بتصريحه الغير متوقع، فصاحت بجزع وملامحها اكتست بالصدمة:  أنت بتقول ايه؟ أنا سمعتك صح؟! مامتك في المستشفى يا عامر؟ 

_ أيوة

_ ليه؟ ومن امتى؟

_من يومين.. لاحظت قبلها انها بتشتكي من صداع شديد وألم في رقبتها ودوخة وعدم اتزان.. قولتلها اخدك للدكتور قالت لأ ده بس من إجهاد فرح اخويا وقلة نومها ولما ترتاح هتكون افضل.. سكت وانا ناوي لو مش اتحسنت هاخدها غصب عنها اكشف عليها.. لكن اتفاجئت بيها بتنزف دم من أنفها، جريت بيها على مستشفى (… ) اللي قريبة من بيتي..عرفت بعدها ان ضغطها كان عالي جدا وهو السبب في حالتها..


ثم تنهد بإرهاق واضح: المهم الحمد لله وقفوا النزيف وظبطوا مستوي الضغط وعملوا اللازم واهي تحت الملاحظة..

_ في حد معاك؟

_حد مين ياجوري، بابا في البيت وصحته زي ما انتي عارفة وبالعافية هديته وطمنته انها بخير واني معاها لكن المشكلة إن بابا نفسه محتاج رعاية وادوية بتتاخد في معاد. واخويا في شهر العسل حرام اقلقه و انكد عليه لأنه أكيد هايجي بعروسته لو عرف.. واختي للحظ هي كمان بتحضر فرح لأهل جوزها في محافظة تانية وهتتبهدل لو جت بعيالها.. 


( استاذ عامر دكتور "… ." عايزك) 


وصل لسمعها صوت ممرضة على الأغلب تحدثه، ثم وجدته يقول:  معلش ياجوري هسيبك عشان الدكتور عايزني ولما افضي هكلمك.. ثم همس لها بحنان رغم ما يمر به:  وماتزعليش مني اني اتعصبت عليكي..

_______________


_ شوفتي وشك نور ازاي يا ماما؟ الدكاترة بيعاكسوكي ولو بابا عرف هيرتكب جريمة.. 


ابتسمت لدعابته وقالت:  ربنا يرضى عليك ياحبيبي، تعبتك معايا اوي.. وغلاوتي عندك ترجع البيت عشان ابوك.. واهو تنام وتريح جسمك شوية وتاكل حاجة.. انت وشك بقي مطفي من السهر جمبي يا عامر.. 


_ اسيبك عشان الدكاترة يستفردوا بيكي ويفضلوا يعاكسوكي وانا مش موجود..( ثم لثم كفها المجعد ثم قال) ماتحمليش همي انا كويس طول ما انتي بخير.. وبابا انا بروحله.. وجارتنا كتر خيرها بتدخل هي وبنتها تعطيه الدوا في معاده ماتقلقيش.. 


" السلام عليكم"


التفت ليجد يزيد وجوري يقفان على عتبة الباب الموارب لغرفة والدته، فنهض سريعا مرحبا بهم:  يا أهلا يا يزيد انت وجوري اتفضلوا.. 


يزيد بعتاب:  انا ماليش كلام معاك على فكرة.. انا جاي للست الطيبة دي.. وحسابي معاك بعدين! 


تفهم عامر عتابه وقدره لأنه لم يخبره ثم نظر لجوري فقرأ بعيناها مزيج عجيب ما بين عتاب وقلق وحزن وحنان وشفقة عليه.. استشعر كل تلك المشاعر بنظرتها.. لكن غلب على صوتها العتاب وهي تقول:  ألف سلامة علي والدتك ياعامر. 

_ الله يسلمك ياجوري.. تعبتي نفسك انتي ويزيد

منحته نظرة محبطة.. وبعد أن مضي وقت وهما يتحدثان مع والدته التي رحبت بهم.. استأذن يزيد تاركا جوري معه..

…………… ..

صممت أن تطعمها هي وبعد ان أخذت جرعة علاج جديدة غطت والدته في نوم عميق..كانت تجلس بالقرب منها وهو يقابلها في الطرف الأخر.. لاحظ انها تتجنب النظر إليه.. فبادر بقوله:  انتي لسه زعلانة عشان اتعصبت عليكي في التليفون؟


رفعت حاجبيها بدهشة حقيقية..

هل هذا ما يظن بها؟

مجرد طفلة تغضب لسبب تافهة دون عقل بالمقارنة بما حدث معه

ألم يفهم هذا الأحمق أين خطئه؟

لقد عزلها تماما عن أزمته وكأنها غريبة

لم يلجأ لها وهي أولى من غيرها لتتحمل معه عبء موقف گ هذا..كأنه حقا يراها طفله وغير اهل لذلك،

نعم هي تتدلل عليه وتمزح. ولكنها ليست عديمة المسؤلية والتصرف..يجب ان يفهم انها الأقرب له خاصتا في الأزمات.. 


تغاضت عن الرد عليه وقالت: تقدر ترجع البيت ترتاح وتشوف والدك.. وانا موجودة وهبات معاها.. عرفت يزيد بكده قبل ما يمشي.. 


جاء دوره الآن ليتعجب من تصرفها الذي فاجأه رغم منطقيته.. لم يضع في حسبانه ان تتصرف هكذا.. هل حقا  بخسها قدرها ولهذا غاضبة وتعاتبه بعينيها؟

ياله من غبي.. بالطبع غاضبة لذلك

حتى يزيد عاتبه انه لم يتصل ويخبره ليكون جواره

وأنهم صاروا أهلا وليسوا أغراب.. 


هدأت ملامحه بعد أن وضع يده على سبب ضيقها وقال بهدوء:  طيب تعالي معايا برة شوية.. عايز اكلمك في حاجة مهمة. 

_ بعدين ياعامر.. روح لوالدك دلوقت طمنه وخد بالك منه ونام وتعالي الصبح..


نهض من جوار والدته واتجه إليها وقبض على كفها بتملك وجذبها إليه هامسا: ما كنتش عايز اقلقك.. أو يجوز مافكرتش صح..خوفي على ماما وقف عقلي.. 


نزعت يدها من كفه بهدوء قائلة:  لا يا عامر انت استقليت بيا.. انت فاكرني بنت تافهة ماليش في المسؤلية والمواقف الصعبة.. بس احب اقولك غلطان.. هزاري حاجة.. والأصول اللي اتربيت عليها دي حاجة تاني..


ثم علت وتيرة صوتها بغضب  دون ان تشعر: 

والأصول بتقول ياعامر ان اما تحصل حاجة زي كده مع مامتك كنت لازم تعرفني.. مش تجنبني عن مشاكلك كأني غريبة..خليتني جاهلة بمشكلتك الحقيقية.. احب افكرك اني في حكم مراتك.. وده حق والدتك عليا.. ومش هينفع تعاملني اني طفلة او غبية او… 

_ أشششش..


قالها وهو يضع كفه على ثغرها هاتفا بتحذير: وطي صوتك العالي ده ماما هتصحى.. تعالي نتكلم برة..

_____________


ذهب بها لكافيه قريب وجلس منتظرا أن يضع النادل مشروب النسكافيه والشاي كما طلب.. 


_ معاكي حق انتي ويزيد تزعلوا بس مخي كان وقف والله يا جوري..ثم التقط أناملها بين راحتيه: خلاص ياجوجو بقى ماتزعليش، أنا فهمت ايه زعلك..يلا اشربي النسكافيه بتاعك عشان اوصلك وارجع قبل ما ماما تصحى..


_توصلني فين؟! انت اللي زي الشاطر وبدون نقاش هترجع البيت تطمن على عمو وتاخد شاور محترم وتنام كام ساعة وتيجي الصبح.. وانا هفضل مع طنط وهبات معاها.. 


رفع حاجبيه باستنكار:  نعم؟؟ ازاي يعني؟

_ زي ما قولت كده.. وبص بقى انت جبت اخرك معايا ولسه مفروسة منك..لم الموضوع وخليك كيوت واسمع الكلام احسلك.. مفهوم؟؟؟


اعتدل على ظهر مقعده ونظر لها مليا ثم بدأت ابتسامة إعجاب تتسرب لشفتيه وهو يطالعها وعيناه تلتهمها.. عصفورته الرقيقة كل يوم تفاجئه بشخصيتها الآسرة..ورغم اشتعالها خجلا من نظرته، أخفت توترها مسدلة قناع الجدية علي ملامحها وهي تقول: يلا خلص الشاي عشان كل واحد يروح يشوف اللي وراه.. 

_ طب لسه زعلانة؟

_ أيوة ومش طايقة اكلمك


تلفت حوله بيأس قائلا: لو صالحتك دلوقت هنتمسك أداب..للأسف مش هينفع هنا.. 


كتمت ضحكتها بأعجوبة وهي تقطب جبهتها: ولا هينفع هناك.. يلا اتفضل وصلني

_ طب ابتسمي

_ لأ

_ طب قوليلي كلمة حلوة

_ لأ

_ بحبك


تلجمت ونكست رأسها ولم تعد تستطع مقاومة ابتسامتها ولتلك الكلمة هيبة وتأثير لا يضيع مهما تعددت المواقف.. 

عادت تنظر إليه فوجدته يستجدي عفوها.. فلان قلبها وقالت بدلال محبب:  هتخبي عليا حاجة تاني؟ 

_ لأ

_خلاص مش زعلانة.. 

_ طب بجد هتقدري تكوني لوحدك مع ماما.. هترتاحي وتعرفي تنامي؟

_ هو انا في فندق ياعامر؟ ده ظرف طاريء وهعرف اتصرف متخافش.. المهم انت لازم ترجع البيت وترتاح.. أنا اول مرة اشوف وشك شاحب كده

تنهد وقال:  اعمل ايه.. خوفت عليها اوي ياجوري لما نزفت دم من أنفها.. اتخضيت.. 

ربتت على كفه بتعاطف: معلش أزمة وعدت خلاص.. ربنا يحفظهالك

_ ويخليكي ليا يا جوجو ومايحرمنيش منك

_ ولا منك ياعموري.. يلا بقى نمشي قبل ما طنط تصحي

_ ماشي ياقلبي

_____________


تقارب صنعته الظروف بين جوري ووالدة زوجها، كانت ترهبها بعض الشيء لكن بالثرثرة معها وجدتها شديدة الطيبة.. قصت لها أشياء كثيرة عن طفولة عامر.. ضحكت في بعضها. وذُهلت في مواقف أخري وكأنها تتحدث عن شخص لا تعرفه، هل حقًا حين يجمعها بزوجها منزل وحياة واحدة ستراه بشكل أخر؟ ربما.. 


ظلت جوري تتبادل الاحاديث مع والدته حتى غفت الأخيرة.. نظرت حولها للمكان..لم تجرب ابدا النوم على أحد أسرة المشفى..ربما ستعاني كثير ليعانق أهدابها النوم.. لكن لايهم يهون كل شيء وتسلم والدة حبيبها.. ذاك الأحمق الذي أخفى عنها الأمر أيام.. ابتسمت وهي تتذكر كيف حاول أن يراضيها مغدقا عليها بحبه.. كم تعشق التدلل عليه ليسكب عليها من فيض حنانه الذي لا ترتوي منه ابدا.. 


" لسه صاحية؟"


ليتها ذكرت بخاطرها عشرة جنيهات

ضحكت بخفوت وصوت أفكارها يتهكم عند رؤية رسالته بنفس لحظة تفكيرها به.. 


"أيوة صاحية.. مامتك نامت من شوية"

"أكيد مش عارفة تنامي.. قولتلك بلاش ماسمعتيش كلامي"

" يابني والله عادي انا مش جايلي نوم، المهم ايه مصحيك؟ انت تعبان ومحتاج ترتاح"

" كنت قاعد مع بابا بسليه شوية وبعدها نمت ساعتين وصحيت اطمن عليكي"

" اطمن يا حبيبي انا بخير.. تعرف ياعامر انا مبسوطة اوي بالفرصة اللي جمعتني بمامتك.. حاسة اني قربت منها اوي.. وحكيت حاجات كتير عنك..( ثم مازحته) كل سيدهاتك بقيت عندي يا باشا "


أرسل لها بخبث: 

" أدي اللي كنت عامل حسابه..يعني حكيتلك كمان على البنات اللي كنت اعرفها؟ 


كتبت له سريعا

"ليلتك مش فايتة ياعامر.. بتقول بنات؟ 

أرسل إيموشن ضاحك، ثم رن عليها ولم تجيبه، فأعاد اتصاله حتى ردت بحنق بعد أن تنحت للشرفة:  عايز ايه يا بتاع البنات! 

_ حبيبتي كنت بهزر معاكي

_ هزارك بارد

_ الله يسامحك.. قوليلي أكلتي حاجة؟

_ لأ..ماكنتش جعانة، شربت عصير

_ طيب بجد مش مضايقة؟

_ على فكرة كده هتزعلني تاني والله

تنهد وصمت قليلا لم تسمع سوي صوت أنفاسه ثم همس بعد برهة:  موقفك ده كبرك في نظري اوي يا جوري.. أنا فخور ان قلبي عرف يختار.. ربنا يقدرني واسعدك يابنت الأصول.. 


وكأنه قال لها ألف كلمة أحبك وهو يمدحها بتلك الطريقة.. ألا يعرف كم تحبه.. وما يؤلمه يشق قلبها مثله؟.. سلامة والدته غايتها.. وفرصة شيدت بينهما جسرا من الود والألفة كانت تخاف ألا تجده.. أجابته بعد صمتها القصير:  عامر انت جوزي ووالدتك بقيت في مقام امي، واللي بعمله معاها ده مش منة ولا واجب تقيل.. لأ.. أنا ماما علمتني ان كل حاجة بتترد بنفس صداها.. لما بنعمل خير أو صح بيعود علينا.. وانا يهمني اكسب مامتك لأنها أهم شخص عندك.. وأكيد عندي انا كمان..  


_ بحبك.. مش لاقي كلمة تانية ارد عليكي بيها

_ ودي تكفيني وبتسعدني فوق ماتتصور، أوعى ياعامر تبطل تقولهالي..حبني دايما.. ماتجيش في يوم تهملني وكأني مش موجودة في حياتك..

_ هسيب الأيام الجاية ترد عليكي.. بس انتي انجزي اللي فاضل في شقتنا.. محتاج نتجمع في اقرب وقت

_ ربنا يقرب البعيد..ممكن بقى تروح تنام عشان تيجي الصبح بدري

_ طب وانتي هتنامي؟

_ أيوة هنام ماتقلقش

_ ماشي.. تصبحي على قلبي.. 

_ وانت من أهل الخير ياحبيبي.. 

……… 

أشرقت الشمس وذهبت جوري للمرحاض، بينما صدح رنين هاتف والدة عامر، فأجابت:  صباح الخير يا حاج

_ صباح الخير يا حاجة.. طمنيني عليكي عاملة ايه البيت مالوش حس من غيرك والله

_ خلاص هانت وهخرج انهاردة.. أزمة وعدت

_ ويارب مايعيدها تاني

_ يارب.. بس تعرف يا حاج.. خطيبة عامر دي طلعت بنت أصول اوي وشخصيتها جميلة ودمها خفيف.. والأهم من كل ده عاقلة جدا.. ( وواصلت) بالليل وانا بتقلب سمعتها بالصدفة بتكلم ابني وبتقوله كلام عني ريح قلبي من ناحيتها..أنا متهيئلي ما كانش هينفع ابننا غيرها.. بتعرف ازاي تتعامل معاه صح..

_ ده من دعانا له هو واخواته.. عامر بالذات كنت بقول مين هتتحمل طباعه بالذات اما يتعصب بيبقي مجنون.. 


_ صدقت يا حاج..وشكله بيحبها اوي.. وهي كمان بتحبه وبتحترمه وتخاف عليه وده اللي عجبني فيها..ربنا يهنيهم

_ اللهم امين.. المهم انك هتنوري البيت انهاردة.. ربنا مايحرمني منك يا غالية

_ ولا يحرمني من حسك في الدنيا.. 

_______________


_ كان نفسي اوصل طنط معاك ياعامر واشوف والدك زي ما طلب مني في التليفون.. بس والله عطر أكدت عليا اني لازم اروح اشتري معاها حاجات لشقتنا ولازم اختارها بنفسي..

_ ياحبيبتي عارف ولا يهمك، كفاية وجودك مع ماما 

طول الليل واهتمامك بيها.. ولما تفضي هاخدك عندنا تقضي يوم مع باب وماما.. المهم يا جوري تنجزي شقتنا.. عايز نحدد فرحنا لأن بجد صبري نفذ محتاج استقر.. 

_ هانت باحبيبي والله،  يمكن الأسبوع الجاي نظبط معاد الفرح انا وعطر ماتقلقش.. 

_ يامسهل.. يلا عشان اوصلك وارجع اخد ماما. و

______________


الفكرة تضوي في عقله منذ أيام..لا يعرف هل سيكتمل الأمر كما يريد أم لا.. لكنه سيحاول.. فرحة وسعادة فواحته تساوي الكثير.. ويعرف كم ستروقها المفاجأة التي يعدها لحفل زفافهما..لقد وعدها أن ليلتهما لن تُنسى..


التقط هاتف مكتبه وحدث سكرتيرته وقال: 

سيرين عايزك تجيبي رقم "… ." ضروري..منتظرك. 


أغلق الهاتف منتظرا أن يتواصل مع هذا الشخص، فلن يدع له مجالا للرفض، وهو كفيل بكل ما يطلبه، المهم تنفيذ رغبته.. 


دقائق وصدح الرنين فأجاب سريعا:  ها يا سيرين عملتي ايه؟

_ جبت رقمه يا باشمهندس وهوصل حضرتك به حالا


وأخيرا وصل صوته لمسامع يزيد فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. أنا أسف جدا للإزعاج بس محتاج منك خدمة واتمنى ما ترفضش طلبي

_ اتفضل تحت أمرك

_ الأمر لله وحده.. أنا عايز منك…… ..


وراح يسرد عليه طلبه والأخر يستمع دون مقاطعة.. وبعد انتهاء يزيد من حديثه قال الشخص الأخر..!!! 


فلندع معرفة رد الشخص وماهيته للحلقة القادمة! 

_____________

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

Health and beauty category