القائمة الرئيسية

الصفحات

 البارت 54 من حصنك الغائب

----------------


لا تنخدع حبيبي في بريقُ المُقل. 

هي غالبًا زخاتُ دمعٍ عنكَ مخبئة. 

فلو أخبرتك يومًا أني بخير. 

لا تصدق! 

لو ضحكت لدعابتك وكذبت ثانيا. 

فضلا لا تصدق! 

أكثر وقتًا سأكون بحاجتك. 

حين أدعوك لتتركني وحدي

كذبني وقتها ولا تترك يدي. 

 فحتمًا لن أكون بخير! 

البارت 54 من حصنك الغائب


----------

حصنك الغائب 2

------------

تعانقها جوري وهي تدور بها صارخة بفرحة عارمة:  هبقى عمتو يا بشر.. هبقي عمتو.. 

تضحك زمزم وعابد لرد فعلها بينما تصيح كريمة:  براحة على مرات اخوكي يامجنونة وبلاش تلفي بيها كده عشان ربنا يسترها دي لسه في الأول.. 


_ فرحانة يا كيما.. هبقي عمتو يا ناااس.. 


_ أمتو.. 


قالها مهند مقلدا لها وهو يراقبها ثم مد يده لها كأنها يطالبها بحمله والدوران به مثل والدته زمزم فانحنت واحتضنته ونثرت على وجنتيه القبلات قائلة:  ياحبيب عمتو.. هبقي عمتو تاني ياهوندا.. وهايجي بيبي تلعب معاه بالكوره بتاعتك يا مسكر انت وهنقلب الجنينة ملاهي


_ أورة تاعتي أنا


ضحكت لكلماته المنقوصة:  ايوة ياعم عارفين ان الكورة بتاعتك والله.. بس هتلاقي حد يلاعبك بيها.. 

أدهم: ده انا هملي الجنينة كور وهلعب معاكم

‏كريمة: ومين عارف يمكن نجيب عرايس كمان لو زمزم جابت بنوتة..ساعتها انا اللي هلاعبها.. 

‏عابد مصفقا بمزاح: برافو ياجماعة استمروا في التخطيط المستقبلي لأشبالي القادمين ان شاء الله.. عايز كل واحد يحدد هيجيب ايه.. وعلي ما بنتي ولا ابني يتولدوا يكونوا اتكسوا وجت كل لوازمهم.. عيشوا بقى.  

جوري متخصرة:  امال انت هتجيب ايه لابنك يا ناصح؟؟


_ أنا جبته هو نفسه! 


احمرت وجنتي زمزم وضحكت كريمة بينما نكزه أدهم في مؤخرة رأسه وقال بتوبيخ خافت:  اتلم واختار كلامك ياغشيم عشان اختك.. 

مال عليه واجاب بنفس الخفوت المرح:  ما هي اللي  أسئلتها غبية يا بابا اعمل ايه.. 


ضيقت عينيها بتحذير وهي تشير له بإصبعها:  مين دي اللي غبية؟ ها؟ أنا غبية يابتاع زهور البرسيم ؟؟؟


وهمت بقذفه بالماء تحت مراقبة البقية وضحكاتهم، فلحقها وكبل يدها قائلا:  نفسي تتكلمي على قدك ياقصيرة..وبتاع البرسيم ده ممكن يعلقك على الشجرة اللي ورى بابا دي زي الفارة الهبلة


حررتها زمزم منه وهي تضحك وظلت جوري تتوعده بحنق والجميع مازال يضحك.. لينضم إليهم بعد قليل محمد وعبير.. 


_ صباح الخير ياجماعة.. ايه صوت ضحككم واصلنا من واحنا عند البوابة فرحونا معاكم.. 

أدهم:  محنا اتصلنا بيكم تيجوا عشان نفرحكم يامحمد..الفرحة تخصكم زينا.. 


اتسعت عين عبير وهي تفهم سريعا تلميحه وحادت تجاه ابنتها لتري الجواب جليا علي وجهها المبتسم.. ترقرقت مقلتيها وعانقتها بقوة عاجزة عن قول شيء.. ومحمد يطالعهم غائبًا عن إدراكه ما فطنته زوجته..ليربت على كتفه شقيقه الأكبر قائلا بطريقة عاطفية أثارها الحدث السعيد:  طول عمرك اخويا الصغير اللي كان نفسي يرجع يعيش وسطينا ونتشارك سوا ايام حلوة..والحمد لله امنيتي اتحققت بأكتر منها.. أنا وانت يامحمد هنكون جدود لبذرة واحدة من ولادنا..زمزم بنتنا حامل.. 


قالها وتلقفه بين ذراعيه محتويا مفاجئته التي جحظت لها عيناه بفرحة غامرة.. ابنته تبدأ كل شيء في حياتها من جديد.. وكأن القدر يعيد عليها كل لحظة قضتها بحزن..حين حملت بمهند لم تكن الفرحة كاملة..والحزن برحيل زوجها أطفأ فرحتهم ..أما الآن تبدلت الظروف.. قرة عينه تنتظر طفلا أخر لتقوي أواصر المحبة بينه وبين شقيقه الاكبر..تعهد داخله أن يقيم الليل يصلي حتى تئن قدمه شكرا لله ساجدا علي عطاياه الكثيرة.. 


_ مبروك يانور عيني.. ربنا يقومك بالسلامة


قالتها عبير اخيرا بعد ان وجدت الكلمات على لسانها، ليحين دور أبيها بعناق وتهنئة حارة لا تخلو من دمعات فرحة غالية.. لتصيح جوري عليهم: 


_ جري ايه يابشر انتو هتقلبوا الموضوع دراما ليه كده.. مش هنحتفل ولا نعمل اي منظر انهاردة؟ وبعدين لازم نتصل بيزيد ومحمود وبلقيس ونعرف الكل بالخبر ده..


زمزم وهي تجفف دموع فرحتها بتفاعل الكل مع حملها: 

ايوة فعلا هنكلمهم.. وبلقيس انا هتصل بيها لما ترجع من برة هي وجوزها، عشان ناخد راحتنا في الكلام.. 

عابد:  ويزيد انا هكلمه دلوقت

محمد:  وانا هتصل بمحمود اهو


جوري: طب على ماتخلصوا مكالمات وتتبادلو مشاعركم الجياشة سوا.. هروح اتصل بعطر تيجي.. ومهند معايا هلاعبوا بالكورة شوية..سلام. 

……………… 


" انت بتتكلم جد يا عبودي؟ زمزم حامل؟"


لمس فرحة شقيقه في صوته فأجاب:  اه والله يا يزيد عرفت امبارح بحملها.. هتبقي عمو رسمي يا زيزو


_ حبيب زيزو ألف مليون مبروك وربنا يقوم مراتك بالسلامة ويجعله ذرية صالحة.. طب هي فين اباركلها؟

_ هي تحت مع الكل بيكلمو محمود فيديو وانا انسحبت وقلت اكلمك هنا براحتي..

_ خلاص هبقي اكلمها انا اباركلها لها.. 


ثم تحدث بصوت بدى جديا أكثر: عابد..  عارف ان كلامي ده مش وقته.. او يمكن وقته مش عارف بس حبيت الفت نظرك لحاجة مهمة.. زمزم غصب عنها ومهما كانت ثقتها وحبها ليك هتترقب وتقارن دايما معاملتك مع مهند خصوصا لما يجي له أخ.. اوعي تكسر خاطرها وتقصر في حق الأمانة وتجرح الولد اليتيم.. اكيد ابنك من صلبك هيكون له معزة مختلفة و… .


_ ابدا.. 


لفظها قاطعة مواصلا:  مهند صحيح مش من صلبي بس هو ابني.. واللي جاي ده هيكون ابني التاني مش الأول.. مستحيل اتغير يا يزيد في معاملتي.. انا بحب مهند ومش ممكن اجرحه او اجرح زمزم.. 


_ انا عارف قلبك الابيض وحنيتك ياعابد.. لكن ممكن بدون ماتحس يحصل اي موقف يتفهم غلط فحبيت انبهك.. خليك بس حريص وربنا يفرحك ويسعدك دايما.. صدقني فرحتي انهاردة ماتتوصفش.. واعمل حسابك اول حاجة هيلبسها البيبي أنا اللي هجيبها.. لا ده انا هجيب كسوة سنة كاملة لحبيب عمو اللي جاي


عاد لمزاحه:  والله انا سايب كل ده لذوقك وضميرك.. المهم تهيص الواد واوعي تنسى تكثف البامبرز.. 

قهقهة له:  لا ماتقلقش هفاجئك وابهرك

_ عقبالك ياحبيبي ما افرح بيك انت والقردة عطر

_ احترم نفسك وبطل تقول قردة بدال ما اجيلك

_ والله هي واختك صعب اغير لقبهم بس اوعدك احاول.. المهم هستناك تيجي في الويك إند

_ هاجي بس علي كتب كتاب ياسين.. 

_ هو اشترى كل لوازمه؟

_ ايوة انا واحمد ظبطناه ماتقلقش.. 

_ على خيرة الله..مش هعطلك انا بقي وهنزل للجماعة عايز حاجة؟

_ شكرا يا عبودي.. وانا شوية وهتصل انا بزمزم اهنيها

_ براحتك ياغالي

_______________


فرحة الجميع بالأمس أورثتها فرحة طاغية لم تكن تتخيلها..وظلت تردد الحمد لله حتى غفت بين ذراعي زوجها.. والآن يجب ان تحادث بلقيس لتفرح معهم.. تمطت قليلا ثم تفقدت الصغير فوجدته مازال نائم.. فابتعدت بحرص خارج الغرفة وضغطت رقمها.. 


_ صباح الخير يا ملكة

_ صباح العسل.. عاملة ايه والكل عندك

_ الحمد لله ..بس عندي ليكي خبر حلو

واستطردت سريعا:  أنا حامل يابلي


شهقت بفرحة من المفاجأة: بتتكلمي بجد؟! مبروك يا زوما ألف مبروك يا حبيبتي.. والله كنت حاسة اني هسمع عنك خبر حلو انهارده

_ حبيبة قلبي عقبالك ، بس ليه توقعتي تسمعي خبر يخصني؟

_ حلمت بيكي حلم كده ساب جوايا اثر حلو اوي لما صحيت، وانا اعرف ان احساسنا بالحلم جزء كبير من تفسيره.. وقلت اكيد في حاجة جاية في السكة.. 

_ تسلمي يا بلي والفرحة الكبيرة لما انتي كمان تبشريني حبيبتي

_ ان شاء الله يا زوما.. وعابد وطنط كريمة وعمو ادهم رد فعلهم كان ازاي احكيلي.. 

_ ياااااه مش قادرة اقولك على فرحتهم.. وبالذات طنط كريمة، وعابد طبعا منعني انزل المزرعة معاه واتعب نفسي في اي حاجة

_ طبيعي يابنتي حملك لسه جديد


_ مين اللي حامل؟؟


التفتت بلقيس لوالدة زوجها:  دي زمزم يا طنط، عرفت انها حامل واتصلت تعرفني

_ ما شاء الله، طب هاتي اباركلها

ألف مبروك يا بنتي.. ربنا يقومك بالسلامة ويتربي في عزكم ويجعله ذرية صالحة.. 

_ اللهم امين ياطنط..وعقبال بلي قريب بإذن الله 

_ يارب يا بنتي انا مستنية بفارغ الصبر اسمع الخبر ده ..المهم خدي بالك على نفسك، اول تلات شهور محتاجين تكوني حذرة كفاية وتهتمي بأكلك و… ..


شردت بلقيس عن باقي حديثهما بعد جملة والدة ظافر.. ربما هي مجرد تمني عفوي ومنطقي لأم تريد رؤية أول احفادها.. ورغم هذا ترك تلميحها أثرا سيء في نفسها لكنها  أخفته سريعا مع قدوم إيلاف تصيح من خلفها: 

_ إيه ياجماعة المباركات اللي سامعاها دي فرحوني

هدي:  أخت محمود خطيبك حامل

شهقت قائلة وهي تخطف الهاتف:  بجد.. مبروووك يا زومتي مبروك.. يعني هتجيبلنا ولد سكر زي هوندا

_ الله يبارك فيكي يا ايلي وعقبالك في بيتك.. وبعدين مش يمكن اجيب سكرة؟

_ مش هتفرق المهم انك هتجيبي كائن كده نلعب معاه ( واستطردت) طب بقولك ايه اتصلي فيديو وهاتي مهند اكلمه واحشني اوي اوي، محمود بيغيظني انه بيكلمه كل يوم وبيقوله خالو حبيبي.. 

ضحكت زمزم: خلاص يبقي تغظيه انتي كمان، هخلي مهند يدلعك ويقولك كلام حلو دلوقت.. اقفلي ثواني اصحيه واتصل بيكم فيديو.. 


وبعد قليل أجرت معهم مكالمة مرئية وتجلى الصغير عليهم بوجهه البريء الجذاب لتلقنه زمزم:  قول يامهند ازيكم

_ أيكم

_ طب قولهم وحشتوني كتير كتير

فأعاد الصغير جملتها بحياء:  وشتوني تير تير

_ قول تيتة هدى

_ تتة أودى


فصاحت عليه بحنان:  يا روح تيتة هدي انت

ايلاف بتبرم:  طب وانا.. خليه يكلمني

فعادت زمزم تلقنه: قول ياهوندا.. بحبك يا إيلاف

_ حبك لاف

صاحت إيلاف تدلله:  قلبي يا نااااس..عايزة ابوسك دلوقت اعمل بس.. هو ماينفعش تيجو القاهرة قريب يا زوما

_صعب دلوقت والله.. بس انا هخلي محمود يجيبك تقضي يوم كامل معانا.. وطنط هدى وبلي كمان يجوا ونتجمع مع الباقي هنا ويبقي يوم مميز.. إيه رأيك يا بلقيس؟؟؟


كانت مازالت بدائرة الشرود عن حديثهم، لكنها أجابت بوقت مناسب:  بإذن الله.. هشوف الأول ظروف ظافر ونبقى نزوركم كلنا.. 


وانتهت المكالمة ولم يلاحظ أحدا أي تغير طرأ على الأخيرة التي توارت بغرفتها وصدى جملة والدة زوجها تتردد بعقلها ونظرة الشوق بعينيها تجرحها بشكل ما.. فراحت تحدث نفسها بعين شاخصة:  أنا اتجوزت قبل زمزم ليه مش حملت انا كمان؟ وامونة اتجوزت بعدي باسبوع وهي كمان حملت على طول..يارب مايكون عندي مشاكل وترزقني عشان افرح حبيبي ومامته..ماما كمان نفسها تفرح بالخبر ده.. بحس هي وبابا منتظرينه بفارغ الصبر.. يارب فرحنا قريب.. 


ثم تحسست موضع بطنها وهي تنظر لتاريخ اليوم في لوحة معلقة علي الحائط :  يمكن قريب!

_______________



مضى أسبوع وهي تترقب حدوث روتينها الشهري بتوتر.. كل صباح تستكشف حالها فلا تجد شيء.. فقط ألام في أسفل الظهر والبطن وأمور أخرى غريبة على جسدها.. لم تريد محادثة أحد وتركت الأمر لبضعة أيام وبعدها ستأخذ خطوة حاسمة في هذا الشأن.. عل الفرحة قريبة اكثر مما تتصور..


في صباح يوم جديد بدت متعبة بشكل مريب أثار قلق وتساؤل والدها في الشركة حين بصر شحوبها إن كانت تشكوا من شيء، فضللته أنها بخير وهو بدوره خاف أن يتدخل أكثر معها فتظن انه يلمح لشيء ما..فأوصى ظافر بالهاتف عليها لينتبه لحالها دون إخبار والدتها..ولم يغيب عن ذهنه افتراض شيء سار وسعيد في الطريق.. صمت داعيًا أن ينعم عليه الله بما يتمني.. 

………… .

في المساء في جناحهما الخاص.. 


_ بلقيس.. انتي تعبانة؟؟ وشك دبلان كده ليه يا حبيبتي؟

ابتسمت وهي تميل على صدره فوق فراشهما:  اطمن ياحبيبي انا كويسة، بس مانمتش كويس امبارح عشان كده وشي تعبان.. 

عاتبها:  قولتلك بلاش تسهري كتير مع إيلاف وتتفرجوا علي اجنبي وفي الأخر مش بتشبعي نوم.. 

_ خلاص انا فعلا عرفتها اني مش هنزل انهاردة وهنام بدري..أنا فعلا مش قادرة افتح عيوني وجعانة نوم.. 


ضمها إليه وقبل وجنتيها برفق:  طب يلا أنا اللي هنيمك في حضني، ومش هتضحكي عليا وتنزلي بعد ما انام زي كل يوم.. ودثرها جواره بالغطاء ومع لمساته تحركت رغبته بها لكنها بطريقتها الغير مباشرة أوهمته بحاجتها الشديدة للنوم، هي تأخذ احتياطها تحسبا للأمر.. ربما هناك شيء مخبأ في أحشائها واجتماعهما يؤذيه.. وبهذا الخاطر أغمضت عينيها بالفعل فشدد هو في عناقها مكتفيا بهذا القرب بعد أن لمس عدم تجاوبها وتعبها الواضح.. 


بعد وقت لم يعلمه وهو غافي جوارها شعر بارتجافها بشكل غريب، أشرع عينيه ينظر لها قائلا بصوت واهن:  مالك ياحبيبتي بترتعشي كده ليه؟

همهمت ووعيها شبه غائب:  بردانة! 


احكم عليها الغطاء أكثر وضمها وهو يربت على ظهرها:  بلقيس انا حاسس ان فيكي حاجة غريب.. الجو طبيعي مايستاهلش شعورك بالبرد ده كله.. انتي تعبانة؟


_ بردانة أوي


قالتها وأسنانها تصطك ليزيد بضمها ويدفئها بحرارة جسده وبالفعل بعد قليل غطت بالنوم وهدأت ارتجافتها، فاعتدل ينظر لها بقلق.. زوجته ليست على مايرام..غدا سيضع حدا لتلك الهواجس ويذهبا للطبيب.. 

___________________


أشرقت الشمس وأغرقت الغرفة بضوئها وكانت هي من استيقظت قبله.. ألم شديد أسفل البطن أيقظها..ذهبت للمرحاض تقضي حاجتها ربما يهدأ الألم.. فانتظرتها مفاجئة لم تتوقعها..كانت تمنى نفسها اليوم بابتياع اختبار حمل بعد أن مضى أكثر من عشرة أيام على موعدها الشهري، فجسدها لا يخلف عاداته بهذا الشأن ابدا.. ظنت نفسها قريبة من إعلان خبرها السعيد على الجميع.. لكن تلك البقعة الحمراء نسفت ظنها ووئدت فرحتها المنتظرة.. 


اغرورقت عينيها وكادت تبكي في المرحاض لكنها تماسكت وأخذت حماما وخرجت لتجد زوجها مستيقظ وجالس نصف جلسة وما أن رآها حتي ابتسم هاتفا:  صباح الخير ياحبيبتي.. عاملة ايه دلوقت؟ 

اجابته بهدوء طامسة حزنها: صباح الخير يا ظافر.. الحمد لله كويسة

_ طب تعالي قربي 

اقتربت فعانقها بحنان هامسا:  اميرتي كانت تعبانة بالليل وبترتعش بشكل غريب..ايه رأيك نروح لدكتور يطمني عليكي


انتفضت بغتة وابتعدت تصيح:  وايه لازمته الدكتور ياظافر منا كويسة قدامك اهو

تعجب نفضتها وعصبيتها الغير مبررة، فقال بهدوء:  طيب انتي اتعصبتي كده بس؟ انتي بقالك كام يوم مش مظبوطة.. وبالليل كنتي غريبة وبردانة وحسيت انك تعبانة فقلت اطمن عليكي.. ده يزعلك في ايه؟

تنهدت وحاولت التحكم في موجة الكآبة التي تتشعب داخلها وتريد البكاء بشدة وقالت:  أسفة مش قصدي اتعصب.. عموما انا كويسة ماتقلقش.. وعشان تطمن مش هروح الشركة انهاردة عشان ارتاح


ابتسم برضا لاقتراحها:  ان كان كده موافق.. ثم عاتبها بحنان:  طيب مش هتصبحي عليا؟


ابتسمت رغما عنها وقد استفز عاطفتها نحوه فاقتربت وقبلته وعانقته هامسة:  معلش يا ظاظا اتعصبت عليك غصب عني.

_ ولا يهمك.. ايه رأيك اجي بدري انهاردة واخرجك انتي وإيلي ونروح الكورنيش اللي انبسطي فيه اخر مرة؟ او اي مكان تختاروه معنديش مانع.. 


نظرت إليه بتقدير لمحاولته التسرية عنها رغم مشاغله التي تعلمها جيدا، فربتت على جانب وجهه الحليق هاتفة:  مافيش داعي أنا عارفة انك مشغول ياحبيبي. 


قبل كفها المستكين على وجهه وقال بنبرة اخترقت روحها:  لو حاسس انك محتاجاني مافيش حاجة هتشغلني عنك وتكون اهم منك.


ترقرقت شمسيها ثانيا.. هذا الصباح دمعتها قريبة بشكل مبالغ فيه ، نفسيتها غير مستقرة على شيء.. تريد البكاء وفي ذات الوقت تريد ان تضحك.. لكنها حزينة.. جائعة جدا..تشعر بالبرد فجأة ثم تشعر بعدها بحرارة في جسدها.. الأفضل لها اليوم أن تعتزل الجميع حتى تمر تلك الحالة النفسية العجيبة على خير.. 


_ انتي بتعيطي؟؟؟


تسائل بدهشة حقيقية وهو يطالعها بريبة، فاغتصبت ابتسامة زائفة:  لا يا حبيبي ماتحطش في بالك، اتأثرت بحنيتك وكلامك الحلو.. ربنا يخليك ليا.. ثم جذبته من الفراش وقالت بمرح:  يلا قوم خد حمامك عشان ننزل نفطر مع طنط وإيلي.. وبخصوص الخروج خليه أخر الأسبوع في الويك اند.. 


خدعه مرحها الزائف فاستجاب وحصل على حمام دافيء ثم هبط معها لتناول الأفطار ومن بعدها غادر لعمله.. أما هي فاستأذنت بعد ذهابه وصعدت جناحها لتفعل الشيء الذي تكبته من الصباح.. البكاء..ظلت تبكي خيبة أملها بعد عشمها الكبير ان تكون حامل.. كانت ترى بعين خيالها فرحة زوجها ووالدته وإيلاف ووالديها.. كانت تعد السيناريوهات بكيفية إخبارهم.. لتموت فرحتها المرتقبة مع نزول تلك النقطة الحمراء.. ببساطة هي ليست حامل..لكن لماذا؟ من تزوجوا قلبها أعطاهم الله.. هل يمكن أن يكون لديها مشكلة ما؟ هل يمكن ألا تنول تلك النعمة؟ هل كما تسمع دائما لا احد يأخذ كل شيء.. هي جميلة بشطر ليس هين، ذات حسب ونسب ومستقبل واعد وزوج مخلص ناجح، هل يكون هذا فقط نصيبها من الدنيا وتحرم من الذرية؟.. مجرد افتراض الخاطر أثار دموعها فظلت تبكي وتبكي ومظاهر الاكتئاب تحاصرها مع عزلتها.. وبعد وقت كبير من البكاء لاحظت أن ألم بطنها هدأ قليلا وغفت لتعوض أرق الأيام الماضية، وظلت دموعها على وجهها ولم تشعر بشيء.. حتى جاء ظافر من عمله يحتله القلق لعدم ردها على الهاتف طيلة اليوم.. وما ان رآى والدته قال: 

_ السلام عليكم يا ماما عاملة ايه؟

_ الحمد لله ياحبيبي، جيت بدري انهاردة يعني

_ حسيت ان بلقيس مضايقة الصبح، قلت اجي اخرحها شوية ..هي فين يا ماما؟

_ والله يابني انا لقيتها بعد خروجك بنص ساعة بتستئذن تطلع تنام عشان سهرت بالليل.. مانزلتش من وقتها.. وانا قلت اسيبها براحتها يمكن هتنام شوية وتصحي تكلم والدتها ماحبتش اقلقها يعني.. لكن معرفش انها تعبانة. 


غمغم لها بكلمات مطمئنة:  ولا يهمك يا ماما.. هي فعلا مانامتش كويس امبارح.. عن اذنك هتطلعلها

_ ماشي ياحبيبي، ولو حابب تتغدا معاها لوحدكم مافيش مشكلة انا وايلاف هنتغدا لوحدنا عادي

_ لا ياحبيبتي هنتغدا معاكم بس هطلع اطمن عليها واجيبها وانزل.. 


صعد ليجد الغرفة مظلمة وغير مرتبة.. وهي راقدة متلحفة بالغطاء ولا يظهر منها سوى أطراف شعرها المتدلي على طرف الفراش.. تعجب ان تنام بهدا التوقيت، المغرب آذن وهو في طريقه إلى هنا.. دنى منها وحاول إيقاظها بربتات هادئة:  بلقيس..حبيبتي فوقي المغرب آذن ايه النوم ده كله


فتحت عينيها بصعوبة وشعرت بحرقة بها من أثر بكائها منذ ساعات، ليهتف بجزع:  مال عينيكي يابلقيس وارمة كده ليه كأنك كنتي بتعيطي؟


التفتت لترى وجهها في المرآة الجانبية وبصرت بالفعل انتفاخ عينيها وشعرها الغير مهذب وهيئتها الكلية بدت مزرية للغاية، فاعتدلت وهي تحاول تجنبه:  عادي من أثر النوم، هقوم اخد حمام وافوق.. 


همت بالنهوض، فأمسك رسغها وصاح بحزم:  بلقيس مالك؟ انتي شكلك مش طبيعي وكنتي بتعيطي.. وليه حبستي نفسك هنا طول اليوم وقاعدة في الكآبة دي.. وبعدين اتصلت بيكي كتير ماردتيش ولا مرة


بأعجوبة تماسكت عن الصراخ وقالت بهدوء:  أكيد ياظافر تليفوني فصل وانا نايمة.. ومافيش كآبة كل الحكاية اني كنت جعانة نوم.. وعيوني وارمة بسبب كده ومافيش حاجة تانية،  سبني بقي اقوم اخد حمام. 


لكنه ظل قابض على يدها عيناه تكذبها متسائل بصرامة:  انتي هتقولي مالك ولا لأ؟ في ايه انتي بقالك كام يوم مش مظبوطة فهميني مالك. 


_يا سيدي ما قولتلك مافيش حاجة سبني في حالي انا مش ناقصة.. هو استجواب؟!.. ايه المشكلة اني انام طول النهار مش فاهمة؟؟؟


أخيرا أطلقت العنان لصراخها وهي تصيح عليه غاضبة بصوت عالي لأول مرة منذ تزوجا.. فظل يرمقها بنظرة مبهمة وهو قاطب الجبين ثم ترك يدها ونهض وقال وهو يشير للمرحاض: اتفضلي خدي حمامك براحتك وانا هنزل تحت واطلع بعد شوية..  


قالها وغادرها وهي تراقبه بصمت وألم شديد في البطن ودوار يكتنف رأسها مع شعور بالغثيان رغم معدتها الفارغة تقريبا عدا وجبة إفطار صغيرة جدا معهم في الصباح الباكر.. 

زرفت عبرات صامتة على وجنتها وشعرت انها تغرق بكآبة غريبة.. لم عاملته هكذا؟ لما تستسلم لحالتها تلك؟..لما يغلف روحها اليأس بتلك الضراوة؟.. إن لم يحدث هذا الشهر ربما يحدث في القادم.. لما تتعامل كأنها لا سمح الله لن ترزق بأطفال؟ هل نظرة والدة زوجها السبب وتمنيها بسماع خبر الحمل منها؟ أليست هذه أمنية طبيعية؟ لم أخذتها بمحمل جارح وضخمت الأمر؟؟؟؟


بصرت هيئتها ثانيا في المرآة ووجدت كم هي بشعة..يجب ان تنفض عنها تلك الروح الكئيبة الدخيلة عليها وتستعيد حيويتها ومرحها مع زوجها.. لكن لو يهدأ هذا الألم والدوار اللعين لأصبحت أفضل!! 

……… 


انتهى حمامها الدافيء وخرجت وهي تجفف شعرها المبتل مستعيدة جمالها ورونقها لتراه جالس على الفراش ينتظرها..لمعت عينيها باعتذار واقتربت منه بخجل وهمست:  أنا أسفة


ظل يحاصرها بتلك النظرة الغامضة دون رد فواصلت:  حقك عليا لأني اتعصبت عليك.. ماتزعلش مني عشان خاطري والله غصب عني ماكنتش في وعيي.. 


_ ليه مش في وعيك؟ ايه مشكلتلك بالظبط؟ 


تنهدت وقالت:  مافيش ياظافر كنت تعبانة ودلوقت بقيت كويسة.. ثم اقتربت تقبل جبينه وهي تحوط وجهه براحتيها:  بالله عليك ماتزعل مني.. 


رائحتها.. وجهها الناعم.. شعرها المبتل بالقرب من وجهه.. جسدها الفواح حين ازدادت اقتربا جعله يحتضنها وهو يتشمم شعرها هامسا بخفوت:  مش زعلان بس عايز اعرف مالك.. 

لبثت صامتة مستكينة على صدره.. الآن لا تحتاح شيء اخر.. ليت الزمن يقف هنا.. ليت الكلمات تموت ولا يجبرها احدا ان تتحدث.. تريد تلك الجرعة الدافئة من احتوائه الصامت فقط.. 


ولأنه تؤام الروح أدرك حاجتها لهذا الاحتواء الحاني.. فدسها بصدره أكثر وتحلى بالصمت وهو يداعب خصلات شعرها وهي مسدلة جفنيها باسترخاء ممتع..اي نعيم أكثر مما هي فيه الآن..لن تفكر بشيء.. أي شيء.. 


كم مر من الوقت وكلا منهما يحتوي الأخر، لا يعلمان.. حتى تململت هي وقالت:  خلينا ننسى اللي حصل انهاردة ولو عايز نخرج انا وانت وإيلي موافقة.. 


لم يرضيه هروبها، فأجلسها على قدمه گ الطفلة وقال: لو انا في يوم خبيت عنك همي من غير ما اشاركك فيه مش هتزعلي؟! اكيد هتزعلي.. قولي مالك بقا وريحيني.. 


ظافر لن يتركها قبل أن تدلي بما لديها.. فزفرت لتواصل كذبها عله يتركها: مافيش! 


_ الأسطورة بتقول لو سئلت مراتك مالك وقالت مافيش.. يبقي غالبا في مصيبة. 

ضحكت رغما عنها لدعابته، وظل يرصدها منتظرا..فتنهدت ثانيا وقالت بتردد: هتفهمني صح؟

_ مش هرد عليكي! 


ابتسمت ابتسامة ضعيفة وبدأت تحرر أفكارها التي تسببت في مزاجها السيء اليوم معه:  

من اسبوع عرفت ان زمزم حامل.. والله ياظافر فرحتلها لأنها اختي مش بس بنت عمي..لكن غصب عني اتمنيت انا كمان اكون زيها خصوصا ومامتك بتقولها انها منتظرة هي كمان تسمع الخبر ده مني.. والدتك اتكلمت بشكل عفوي وماتتلامش عليه..بس معرفش ليه حسيت بحزن.. سألت نفسي ليه انا لسه مش حامل زي أمونة أو زمزم اللي اتجوزوا بعدي.. حسيت لحظتها باكتئاب انا نفسي مش فاهماه والشيطان صورلي سيناروهات سودة ان ممكن مش اكون أم ..ويبقي نصيبي من الدنيا اني مجرد بنت جميلة حبتين واهل كويسين وزوج حنين وناجح.. وان الإحساس ده مش هيكون من نصيبي.. فضل الشعور ده مسيطر عليا.. غير تعب جسمي الاسبوع اللي فات وحاجات غريبة عمرها ما حصلت معايا.. أنا عمر روتيني الشهري ما اتأخر يوم واحد.. المرة دي اتأخر اكتر من عشر أيام.. فرحت واتعشمت خير اني افرحك انت ومامتك وايلي وماما وبابا..بقيت طول الوقت في حالة ترقب، عمالة أتخيل ازاي هحكيلكم الخبر اللي متوقعاه.. ازاي انت هتفرح وتشيلني وتلف بيا وانت بتحمد ربنا انك هتكون أب.. ازاي طنط هتاخدني في حضنها وتقولي مبروك.. ازاي ايلاف هتصرخ وتقول هبقي عمتو.. وماما وبابا اللي منتظرين حفيدهم بفارغ الصبر.. كل افتراضاتي دي اتدمرت الصبح اما دخلت الحمام واكتشف إن…..


ولم تستطع ان تكمل وتحشرج صوتها المختنق من موجة بكائها الذي انفجرت به، فغمسها بصدره سريعا بعد ان تركها تفرغ ما بداخلها أمامه وراح يربت على ظهرها قائلا:  عبيطة وعايزة تتعاقبي.. 


ثم ابعدها عنه ليطالعها وشاكسها غامزا بإحدي عينيه:  بس عقاب حقيقي مش العقاب إياه.. 


ضحكت من وسط بكائها ثم عادت لصدره وعاد يربت عليها:  تفكيرك كله غلط في غلط.. احنا لسه مش كملنا سنة، ومافيش واحدة شبه التانية.. ده رزق من ربنا بيجي في وقته.. ليه توتري نفسك وتخلقي مشكلة من العدم؟؟


هتفت بصوت باكي: يعني انت مش نفسك يبقي عندك بيبي؟ 

اجابها بوضوح:  طبعا نفسي.. وماما وايلي نفسهم.. ومامتك وباباكي.. وكل اللي بيحبونا.. هبقي كداب لو قلت العكس.. بس كمان كل حاجة بأوانها.. أنا متأكد ان ربنا هيكرمنا والله.. وتعرفي كمان حاسس بايه؟

_ بأيه؟

_ حاسس اني هجيب منك بنوتة حلوة اوي..ويمكن تكون أول خلفتنا.. وساعتها مش عارف هشوف شغلي ازاي لان هفضل قاعد جمبها.. ورغم اني بقرف شوية بس احتمال اتعلم اغيرلها البامبرز بنفسي..ماهي هتكون بنتي بقا.. ولما شعرها يطول هعملها انا ضفيرتها الحلوة.. ولعلمك هحبها اكتر منك بكتير.. اياكي تغيري وتعمليلنا مشاكل.. 


تعلقت بعنقه بعد أن نجح بمزاحه الحاني التسرية عنها..حمقاء هي..كيف تحزن ومعها رجل مثله..كيف تغضبه لحظة واحدة؟؟  لثمت كتفه المستكينة عليه وهمست:  _بحبك يا ظاظا.. وحقك عليا لأني زودتها شوية وكنت نكدية معاك.. 

_ حبيبتي وايه الجديد دي الست المصرية الاصيلة. 

نكزت خاصرته عقابا لمزحته الثقيلة، فتحسس شعرها بحنان: المهم مش عايزك تفكري كده تاني ولا تخبي عني حاجة.. ويلا استعدي عشان هاخدك انتي وايلي وماما نتغدى ونسهر برة..ولا حابة تكوني معايا لوحدينا؟


_ بالعكس.. انا عايزة اعوض عزلتي انهاردة بيهم..خلاص انزل عرفهم يستعدوا وعلى ما تطلع هتلاقيني جاهزة


_ ماشي.. بس هاتي تصبيرة كده كفاية اني مش هعرف اعاقبك براحتي كام يوم.. 


ضحكت بدلال:  خمس أيام بس يا ظاظا

_ طبعا ياختي وانتي فارق معاكي ايه؟ ماتعرفيش اني هولع فيهم وانا بعاملك معاملة الأخوات.. 


ضحكت بانطلاق وراح يتأملها بسعادة جمة وقد عاد تألقها من جديد، ليقطع ضحكتها تلك صيحة ألم  مفاجأة وهي تتحسس أسفل بطنها، فقال بقلق:  مالك حصل ايه؟

هتفت بمعالم وجه متألمة:  عندي مغص جامد كل شوية يهجم عليا ودايخة شوية..أنا ببقي كده اول يومين.. 


تفهم حالتها فأجلسها وأمرها أن تظل مكانها وراح يعد لها مشروب مكون من تشكيلة اعشاب مدروسة يعرف تأثيرها جيدا وعاد وهو يقدم لها "مج" كبير قائلا:  خدي اشرب ده والمغص هيروح وتهدي.. 


اطاعته وما ان رشفت رشفة حتى تجعدت أنفها بضيق: ايه ده؟ طعمه وحش ومافيهوش سكر كمان! 


كتم ضحكته لتعبير وجهها وتذمرها الطفولي: لأن من غير سكر هيفيدك اكتر وتخفي بسرعة.. اشربي وبلاش دلع عيال بدال ما اشربهولك بالعافية..


اضطرت لمجراته ومع كل رشفة ترسم على وجهها تعبير امتعاض تلقائي اضحكه في أخر الأمر ثم أسند ظهرها على صدره ودلك سطح بطنها بشكل دائري هامسا: سلامتك ياروح قلبي.. 

نظرت لجانب وجهه وقالت بحب:  أنا بحبك اوي يا ظافر

تنهد مع قوله: ابقي قوليها تاني بعد خمس أيام.. 

ابتسمت وعادت تهمس: هقولها دلوقت وكل ساعة.. بجد شكرا انك احتويت غضبي ومزاجي السيء انهاردة ومازعلتش مني وخاصمتني.. 


_ انا مش بخاصم..انا بعاقب وبس! 


واقرن جملته الأخيرة باجتياح ناعم لشفتيها روي به ظمأ عاطفته ثم تركها لتكمل مشروبها وذهب ليخبر والدته وشقيقته ليستعدا للسهر في الخارج.. 

__________________


هبط الدرج وتوجه لوالدته فلمحها بالشرفة تسقي الورود المتخللة جانبي سياجها، فاقترب منها وقال:  

ماما ايه رأيك نخرج كلنا الليلة، هنتغدا ونكمل سهر برة. 


التفت إليه: بس انا ماليش في السهر ما انت عارف..  أخرج انت ومراتك وايلي.. وانا هستناكم ولو اتأخرتوا هنام

_ طب وليه يا ماما ماتيجي معانا وتغيري جو انتي مش بتخرجي كتير اصلا. 

_ ياحبيبي وهخرح اروح فين.. انا هكلم مرات عمك شوية وحماتك اطمن عليهم وبعدها هاقرأ شوية قرآن قبل ما انام.. عايزة اختمه زي كل شهر..


لثم كفها: ربنا يقويكي يا امي ويخليكي لينا 

ربتت عليه وهي تدعوا له ثم لاحظت عليه طيف التردد كأنه يريد قول شيء ما، فشجعته قائلة: مالك ياحبيبي، عايز تقولي حاجة؟؟

نظر لها بتمعن وهو يفكر.. يخاف ان يقول شيء يتسبب في مشكلة دون قصد، فعادت تقول:  قول ياحبيبي متخافش قلقان ليه طمني.. مراتك فيها حاجة؟ أنا حاساها كانت مش مظبوطة انهاردة بالذات


تشجع بحديثها وقال:  بصراحة. يا ماما انا فعلا عايز اقولك حاجة تخص بلقيس

_ اتفضل سامعاك. 


تنحنح وهو يرتب الكلمات المناسبة في عقله:  باختصار بلقيس بيلح عليها احساس الأمومة الأيام دي بعد ما زمزم بنت عمها حملت وهي متجوزة بعدها.. طبعا هي نفسها في حاجة زي كده وابتدت تقلق وتترقب ان ده يحصل.. 


صاحت بتفهم:  ماشي ياحبيبي وهي قلقانة ليه انتوا بقالكم شهور متجوزين مكملتوش سنة.. صحيح انا كل يوم بدعي ومتلهفة للخبر ده بس كله بأوانه اكيد ربنا هيجبر خاطركم قريب.. 

وواصلت بتوضيح:  وبعدين زمزم كانت مخلفة قبل كده، وده يفرق يابني لأن اللي بتحمل مرة بيكون حملها بعد كده أسرع غير اللي لسه مش حملت خالص

_ ماهي المشكلة انها بتقارن نفسها بأمونة اللي حملت على طول هي كمان يا ماما..وده اللي خلاها تحبط والشيطان لعب بدماغها.. 


_ يابني ده نصيب وكل واحدة غير التانية.. وعلي فكرة قلقها ده ممكن هو اللي يأخر الحمل عشان تكون فاهم. 


_ عارف والله وعرفتها ده وطمنتها وهي افضل فعلا دلوقت.. انا كل اللي طالبه منك تبقي حريصة بس في كلامك قصادها.. بلقيس بقيت حساسة شوية.. 


_  حاضر ياحبيبي هاخد بالي ولو اني اصلا عمري ما سألتها في حاجة تخص الموضوع ده.. اللي ما ارضهوش علي بنتي مش هرضاه عليها ياظافر.. 


ضمها بتقدير وراحة وقبل قمة رأسها وقال:  ربنا ما يحرمني منك يا ماما.. انا عارف انك مش كده وانك بتتقي الله وحنينة.. حبيت بس أحطك في الصورة عشان لو كان صدر من بلقيس اي تصرف غريب تكوني فهمته خلفيته كانت ايه.. 


_ اطمن ياغالي وماتشيلش هم.. ربنا يجبر خاطرك ويرزقك من حيث لا تحتسب ويبارك فيك انت واختك ومراتك

واستطردت بمزاح:  يلا بقي من غير مطرود خدهم واخرجوا وسيبوني اروح ارغي شوية في التليفون وبعدين امسك المصحف.. 

_ طيب مش عايزة اجيبلك حاجة وانا جاي؟ 

فاضت عليه بنظرة حانية گ نبرتها:  عايزاك سالم من كل شر يا قلب أمك.. 

………… .


راقبت مغادرته بعين شاخصة..طاف بذهنها يوم. مكالمة زمزم أمامها وكيف تبادلت معها التهاني وابدت امنيتها بعفوية لقدوم حفيد.. استرجعت نظرة بلقيس حينها.. ربما جرحتها بشكل ما؟ لكنها لم تقصد شيء.. دعوتها كانت عفوية.. 


تنهدت وهي تهز رأسها وتهمس بشرود:  لو دخلتي في السكة دي هتأذي نفسك من غير ماتحسي يا مرات ابني.. ربنا يصلح حالك ويهديكي وينولك مرادك ويرزقنا كلنا الفرحة قريب.. 

______________


اصطحبهما ظافر لنفس المكان هي وإيلاف..الجو رائع يغمر الروح بالسعادة والبهجة.. تذوقت هي وشقيقته بعض الأكلات باستمتاع ونهم غريب..هي لم تأكل طيلة اليوم وربما هذا كان سببا في الدوار.. لكنها الآن بخير.. تنظر لزوجها بحب وعاطفتها مشتعلة بشكل عجيب.. تريد عناقه برغبة جامحة.. يبدو ان الهرمونات لديها تتحكم بمشاعرها هذا اليوم، شتان بين الصباح والآن.. 


_ الشاورما دي تحفة يا بلي.. ولا ايه رأيك؟

_ فعلا ياحبيبتي جميلة.. من المرة اللي فاتت حبيتها

_ ياريت كنا اتصلنا بمحمود يجي معانا يا آبيه


"شبيك لبيك.. محمود خطيبك ملك ايديكي"


شهقت وهي تستدير علي صوته خلفها بينما ظافر وبلقيس يضحكان لرد فعلها والأول يقول:  شوفتي اخوكي حبيبك نفذ طلبك من قبل ما تطلبي ازاي؟.. 


شبت علي قدميها لتلثم خده بتلقائية: حبيب اخته بقا.. 


محمود بغيرة مختلطة بمزاحه:  طب وانا ماليش نصيب في فيضان الحب ده كله.. 


ابتسمت بوجه تخضب خجلا، ليهتف ظافر بتوبيخ:  اتلم يامحمود.. الفيضان ده ليا انا وبس.. انت اخرك ترد عليك السلام.. ثم غمز له: وبعدين منا اتصلت بيك اهو عشان تيجي وتسهر مع خطيبتك.. تنكر انها حركة جدعنة؟


_ بصراحة يا ابو نسب.. انت راجل أصيل. كمل جميلك بقا وسيبني مع خطيبتي نضرب شاورما سوا.. ولا ايه يابلي؟


بلقيس: انت لسه واخد بالك اني موجودة اصلا يا استاذ؟

ظافر:  وبعدين ماتقولهاش بلي بدال ما ارميك في النيل.. 

محمود: شايفة يا لولو اخوكي ومراته بيعاملوني ازاي.. تعالي نبعد عن الناس الوحشين دول.. 


ضحكت ليقاطعهم شاب يحمل لهم قراطيس بسكويت مقرمش معبأ به "أيس كريم" وهو يقول: 


_ ده تحية مني لشيفنا الكبير وضيوفه، أنا عامل كوكتيل بنكهات جديد وعايز اعرف رأيكم فيه.. يارب يعجبكم.. 


ابتسم ظافر وقال ممتنًا: تسلم ايدك يا رائف، الأيس كريم بتاعك شكله بيحكي لوحده.. 

_ بألف هنا يا شيف ومنتظر رأي حضرتك.. 


تركهم وغادر وابتعد محمود مع إيلاف ليتذوقونه بمفردهما بعد أن منحها ظافر نظرة سماح بالابتعاد قليلا وهما يقفان في دائرة بصره.. بينما ضوت حدقتي بلقيس فخرا بزوجها الذي يحصد اعجاب واحترام الجميع هنا..مفاجأتهم بحضوره مرة أخرى اورثتهم سعادة جلية وتقسم انهم سيحرصون على تقديم الأفضل مادام مثلهم الأعلى في المجال الذي يمتهنوه يأتيهم ويشاركهم ما يصنعون ولا يبخل عليهم بالنصيحة والدعم المعنوي.. 

…………… ..


_ وحشتيني يا إيلي.. 

ردت بخجل:  وانت كمان

وواصلت: وعلى فكرة عجبني أوي كلمات البوست اللي شيرته ليا امبارح.. انت بتلاقي الحاجات دي ازاي!  

مازحها: أنا انسان مرزق ورزقي في رجليا زي ما بيقولوا.. ثم تفحصها برهة وقال:  ليه مش لابسة اللينسز انهاردة؟

_ مش انت بتحب لون عيوني وقولت انه ساحر.. اديني بحاول اتعود اني مش احط لينسز

همس لها بحب:  ماهو عشان ساحر خايف يسحر غيري.. وانا مش معاكي ابقي حطي الينسز دايما..اخاف حد يبصلك وانا مش موجود.. 

ابتسمت تقول:  بتغير يعني ؟

_ أه بغير يعني.. بغير جدا كمان.. وعلى فكرة مبسوط اوي انك افتكرتيني واتمنيتي اكون معاكي هنا.. 

_ منا معرفش ان اخويا كلمك وعزمك.. 

_ فعلا أنا اتفاجئت انه باعت رسالة بيقولي ( محمود.. سيب اللي في ايدك وحصلنا على الكورنيش ..انا وايلي وبلقيس هناك) طبعا فرحت وجيت جري و جبتلك دي معايا.. ووجدته يعطيها حقيبة كرتونية ملونة، فنظرت داخلها بفضول لتجد حقيبة يد صغيرة بلوني الشيكولاتة فشهقت بإعجاب:  الله يامحمود تجنن.. رقيقة وصغنتوتة زي مابفضلها.. 

غمغم برضا:  الحمد لله ان عجبتك.. شوفتها اول امبارح وانا مع صاحبي واشتريتها.. فاضل اجيبلك معاها شوز بنفس اللون

_ لا لا ماتتعبش نفسك انا عندي شوز بني هيبقي تحفة عليها

_ خلاص تمام مبروك عليكي حبيبتي..( واستطرد) صحيح مش ناوية تيجي تشوفي المكتب بتاعي؟ 

_ هاجي في الافتتاح

_ لا عايزك تشوفيه قبلها وتقولي رأيك.. اعدي عليكي الخميس؟

_خلاص ماشي بس استأذن اخويا الاول.. 

_من غير ماتقولي هقوله طبعا.. بس لعلمك لما نكتب الكتاب مش هستأذن حد

شاكسته بأرياحية: لما بقا يا حودة.. 

_ قلب حودة من جوة وربنا.. 

______________


انتهت أمسيتهم وعادوا للبيت بعد ان تركت الأمسية أثرا ساحرا بها.. بددت كآبتها وأعادت لها حيوتها كاملة خاصتا بعد زوال الألم عقب مشروب ظافر الرائع رغم مراراة طعمه.. لكن يكفي انه صنعه لأجلها.. راحت تتأمله وهو يمشط شعره في المرآة بعد حمامه.. ابتسمت لأناقته، حتي وهو يهم للنوم.. دني منها تلك اللحظة ودثرها معه تحت الغطاء وهو يحتضنها قائلا:  أحسن دلوقت بعد ما راح المغص؟ 

_ طبعا احسن..المشروب بتاعك ده ساحر.. 

_ طب الحمد لله.. يلا ننام بقى احسن انا مش هقدر اسهر اكتر من كده، عندي يوم طويل بكرة وتسليم اوردارات مهمة جدا.. 


طافت عينيها عليه وهمست بخفوت والنوم يداعب أجفانها بقوة: ظافر..  هتفضل تحبني على طول؟

لم يجيبها فواصلت وصوتها يخفت أكثر وهو يتمعن بها ويراقبها بصمت:  وهتحتويني كده دايما مهما اتعصبت؟

مازال صامتا يطالعها وهي تكاد تسقط في غفوتها قائلة بنبرة أشد وهنًا:  أنت حنين اوي.. وانا.. بحبك..أوي


يجزم الآن انها لم تعد تدري لشيء حولها.. أسبلت جفنيها وبدأ صوت أنفاسها ينتظم مع حركة صدرها وهو يراقبها ثم انحني بحذر ولثم شفتيها برقة وقال:  وانا كمان بحبك ياملكة قلبي.. 


ثم استسلم هو الأخر لسلطان النوم بعد أن بلغ منه الإرهاق مبلغه.. لكنه مرتاح البال بعد أن أعاد لقارورته الهشة رونقها كما يجب ان تكون دائما ..

________


صباح اليوم التالي! 


_ خلاص يا ياسين فهمت، والله مش هنسيبها لوحدها زي ما وعدتك امبارح، انا ظبطت مع الكل وحتي هي هتتفاجيء بينا..

_ طب عايز منك خدمة كمان

_ طلباتك كترت ياسي سينو.. قول خدمة ايه؟


استمعت له ثم قالت بود:  من عنية، عايز حاجة تاني؟

_ متحرمش منك يا حبيبتي.. 

_ ولا منك يا حبيبي، سلام بقي عشان اجمع الكل واتصل ببسمة ونلحق وقتنا

…………


_ السلام عليكم يا بسومة، جاهزين ولا ايه؟

_ ايوة عطر ومنتظراكي

_ ماشي نص ساعة بالكتير واجيلك انا وجوجو وزمزم عشان نتسوق من بدري.. 

_ تيجو بألف سلامة حبيبتي.. 

_________


أعتراها التوتر بعد أن تفاجأت بقدوم والدة ياسين وخالته والعمة عبير..لم تكن تعلم بحضورهم، تتفهم جيدا محاولتهم التودد لها وتعويضها عن أهلها الراحلين وكم تمتن لذلك، لكن شيء ما يؤرقها، ربما عدم الاعتياد على تدفق كل هذه العلاقات التي اقتحمت حياتها بغتة..او ربما الحاجز المشيد داخلها انها من عالم غير عالمهم..أشياء كثيرة تعيث داخلها وتورثها هذا القلق والارتباك.. 


_ بسمة سرحانة في ايه، ركزي البنات بتكلمك..


انتبهت على همسة حنين بأذنيها ، فراحت تتبادل الحديث معهم حول ما سترديه وكيف تفضله، ليقاطعها نداء أخر من عطر التي كانت منزوية بعيد عنهم منشغلة بالهاتف:


_ ياجماعة، تعالو ضموا علي بعض عشان سينو عايز يكلمنا فيديو ويصبح علينا..رددت بسمة بصوت أفكارها الخفي( هذا ما كان ينقصني لتكتمل بعثرتي وسط الجميع) .


ياسين وهو يحاكيهم عبر الشاشة:  يا صباح الحلويات.. كل المزز دي في مكان واحد.. طب مش تقولولي كنت سبت شغلي وجيت معاكم..

ضحكت عبير: مالكش نصيب في الحفلة دي يا ياسين، بس بذمتك مش انا احلى واحدة فيهم؟

كريمة متدخلة بمزاح: وسعي شوية ياعبير، مافيش احلي من خالتو حبيبتوا ، صح ياسينو؟

ابتسم ضاحكا: انتو عايزين توقعوني وسطيكم ولا ايه أنا مش قدكم ياسيدات الحسن والجمال.. 

اقتحمت فدوى حيز رؤيته وقالت:  ولا انتي ولا هي.. مافيش احلي من أمه حبيبتوا.. 


ضحك وهو يمطرها بكلمات الغزل لتقاطعهم عطر : 

لا وسعوا كده ياجيل السمنة البلدي واركنو علي جنب.. الحلاوة كلها في خطيبته، حد عنده اعتراض؟؟؟


نكست بسمة رأسها والخجل يذيبها والجميع يطالعها، وازداد انصهارها وعطر تجذبها بعيدا قائلة لشقيقها:  خد ياعم صبح على خطيبتك بعيد عن الحموات الفاتنات اللي أكلوا الجو من البنية المكسوفة دي.. بس قبل ما اسيبك هفتن على البت جوري واقولك انها عمالة تتكلم وحش عليك قصاد بسمة ومسيحالك جامد.. 

_ أما اجي هقطع لسانها القصيرة دي.. 


جوري: تقطع لسان مين يا ابني اتكلم على قدك متخلنيش ابوظ برستيجك زيادة قدام بسمة.. 

_ ماشي يا أوزعة، بس اشوفك وهعرفك مقامك. 

عطر وهي تخطف الهاتف ثانيا وتعطيه لبسمة: كفاية رغي بقى خلينا نخلص.. خدي ياسوما كلمي خطيبك وانا وجوري وحنين وزمزم هنبص على الفساتين اللي هناك علي ما تيجي، وخدي راحتك الوقت معانا.. 

……… .


رصد حمرة وجهها فابتسم وقال:  ازيك يا بسمة عاملة ايه؟

_ الحمد لله بخير

شاكسها ليذيب خجلها:  أوعي تصدقي كلام اتنين في العيلة دي لو جابوا سيرتي.. المعتوهة جوري وعابد لانهم مجانين اساسا وبيفتروا عليا.. 


ابتسمت هاتفة برقة:  لا متخافش مش هصدق عنك حاجة وحشة

_ بجد؟ مهما سمعتي عني مش هتصدقي؟

_ أيوة.. أنا بثق فيك جدا.. 


صمت يتأملها بضعة ثواني وعيناه تتغزل بها دون أن بتفوه حرفا، ثم قال بخفوت:  وحشتيني اوي يا بسومة.. 

نظرت حولها بتوتر وقالت بعفوية:  ياسين الله يخليك بلاش تقولي حاجة تكسفني عشان حاسة ان كل الناس بتبصلي وانا مش ناقصة توتر وكسوف.  

ضحك وقال:  خلاص يا ستي عشان خاطرك بس.. طيب انتي مبسوطة ان ماما خالتو والكل جه معاكي؟

_ اقولك وماتزعلش؟

_ قولي

_ كنت حابة اكون انا واختي لوحدنا، وده مش معناه اني مضايقة منهم والله بالعكس انا متأثرة اوي باهتمامهم وانهم عايزين يحسسونا اننا أهل بس…. 

_ بس ايه؟

_ مش هتفهمني يا ياسين.. او انا مش هعرف اوضحلك قصدي

_ لا انا فاهم كويس جدا، بس صعب نتناقش دلوقت لكن اللي عايزك تفهميه يابسمة..إن اي تصرف هيحصل معاكي ولا هو مجاملة ولا شفقة ده حقك..انتي في عهد جديد له قوانينه ونظامه ولازم تتعودي عليه.. عموما انا هعذرك لأن كل حاجة جت بسرعة..بس مع الوقت هتعتادي حياتنا.. 


لم تمنحه ردا وهي تحلل كلماته التي تبدو منطقية لكنها حقا تحتاح وقتا للاعتياد..فعاد يتسأل:  أخبار اخوكي ايه بعد ما رجع يتكلم؟


تنهدت مع قولها:  رجع يتكلم بس مش زي ما كان يا ياسين، في حاجة ضايعة منه.. مش بيلعب ويتشاقى زي ما كان.. بيتكلم بسيط لما انا وحنين بنحاول نرغي معاه


_ المهم انه اتكلم يابسمة، أما انطوائه ده مع الوقت هينتهي، وأنا زي ما عرفتك هنعدي بس مناسبة كتب الكتاب وهاخده للدكتور النفسي، وبإذن الله خير. 


وواصل: انا مضطر اسيبك عشان تكملي تسوق مع البنات..وبالليل هتصل بيكي.. عايزة اي حاجة؟

_ لا يا ياسين شكرا.. ربنا يعينك

_ تسلمي يابسمتي.. 

__________________


جوري: ماتختاري ياحنين، معقولة كل ده مش عاجبك؟ 

_ لا والله عاجبني بس منتظرة بسمة اخد رأيها

اتت الأخيرة فقالت عطر:  تعالي يابسمة قولي رأيك وشوفي الطقم ده لأختك تحفة ازاي؟

قيمته بنظرة متمعنة وبالفعل أعجبها كثير لشقيقتها، فتناولته باحثة عن ثمنه دون أن تلاحظ الفتايات وكان غالي بعض الشيء، لكنه مازال في حيز قدرتها المادية وتستطع أن تبتاعه لها فقالت:  أنا شايفاه جميل ياحنين، لو عاجبك خلاص هشتريه

رمقتها حنين بنظرة ذات مغزي، ادركتها بسمة وهزت رأسها لتطمئنها انه في متناول يدها، فقالت براحة:  خلاص تمام هاخده مادام كله شايفه حلو.. 

جوري: تمام كده ظبطنا حنين، شوفي كده يابسمة اللي اختارناه ليا انا وعطر وزمزم وقولي رايك..تفحصت فساتينهن واعجبت بهم كثيرا وهتفت:  حلوين جدا ما شاء الله

عطر:  يعني كده في إجماع الحمد لله.. كده فاضل انتي ياعروستنا

_ أنا في دماغي حاجة معينة، ومش شايفاها هنا، هيجيبها من مكان تاني

عطر:  ليه مكان تاني؟ المول هنا مليان موديلات روعة وجديدة، أكيد هتلاقي طلبك.. قوليلي بس عايزاه ازاي..


_ عايزاه اسود بسيط خالص مافيهوش اي شغل و… 


قاطعتها جوري:  بس لازم طقمك يكون في اي حركة تميزه عن الكل يابسمة زي حنين كده.. انتي عروسة ياحبيبتي

همت بمجادلتها، فقاطعتها زمزم التي كانت تتابع بصمت:   طب يابنات ما تروحوا انتم تفرجوا ماما وطنط كريمة وطنط فدوى اللي اختارناه كله وسيبوني انا مع بسمة هختار معاها طقم مناسب.. 


تبادلت عطر معها نظرة ما ثم ابتعدت بصحبة جوري وحنين والصغير، بينما انضمت زمزم للأخري وقالت:  اديني وزعتهم اهو عشان تختاري براحتك خالص من غير توتر، لأن حساكي متلخبطة من الزحمة

_ لا ابدا بس مش متعودة علي كده..

_ فاهماكي، تعرفي عشان انا كنت وحيدة في أوكرانيا ومش ليا اصحاب كتير، لما جيت هنا ارتبكت شوية من الهيصة والهزار والألفة بين اهلي اللي كنت بعيدة عنهم.. لكن مع الوقت اتعودت واتمنيت لو كنت وسطيهم من زمان.. ياريت تندمجي معانا لأننا بقينا اهل يابسمة.. اما بالنسبة للطقم بتاعك انا عارفة ان من جواكي لسه فيه أثر الحداد.. لكن انا هقولك حاجة سمعتك بتقوليها لأخوكي الصغير.. والدك وولدتك شايفينك.. عايزينك فرحانة..ومش هترتاح روحهم ابدا وانتي حزينة وبتغرقي روحك بالكآبة في يوم مميز في عمرك مش هيرجع تاني.. بعد سنين هتتفرجي على صورك تاني وهيتجدد حزنك لأنك اختارتي تبرزيه في ملامحك أكتر من فرحتك نفسها، اعملي لنفسك ذكري حلوة تخبيها جواكي، واوعي ضميرك يأنبك لحظة، يمكن الليلة دي بالذات يزور منامك الغاليين ويشاركوكي سعادتك..الطيبين مش بيموتوا لأن روحهم موجودة مع أحبابهم..


خيط دموع تلألأ من عينيها بعد كلام زمزم، فعانقتها الأخيرة وهتفت برفق:  وبعدين بقى ياعروستنا بلاش تبكي..مش مسموحلك غير بالفرحة وبس.. واوعدك هنختار حاجة وبسيطة بس تميزك في نفس الوقت، اتفقنا؟ 


جففت بسمة باقي عبراتها وقالت: اتفقنا، ونسيت اقولك مبروك على الحمل ربنا يقومك بالسلامة

_ الله يبارك فيكي حبيبتي وعقبالك

_ تسلمي ( ثم حدجتها بنظرة أخرى وقالت) شكرا ليكي أنا مش هنسى ودك معايا أبدا، بصراحة كنت فاكراكي مش بتحبيني خالص.. 


وخزها ضميرها أكثر وهي تتذكر معاملتها الفظة لها يوم عقد قرانها بسبب غيرتها لأنها كانت الفتاة المرشحة من حماتها لتكون زوجة عابد.. رغما عنها غارت.. لكن الآن نضج تفكيرها وتغير.. لم تعد تغار منها.. بل تشعر بالخجل، وتوددها منها الآن ماهو إلا تكفير عن هذا الذنب، فقالت بعد أوقفت صوت أفكارها:  وايه هيخليني مش احبك، وحتي لو كنت مش قريبة منك في الأول دلوقت الوضع اتبدل.. احنا بقينا بنات عيلة واحدة..وياما هتجمعنا أفراح وأحزان.. اعتبري دي بداية علاقتنا الجديدة.. موافقة؟


ابتسمت بتهذيب:  ده يشرفني يا زمزم .. 


_تمام جدا، يلا بقا نبدأ رحلتنا ونختار حاجة مناسبة قبل ما تيجي البنات وتتوتري تاني..  

______________


انتزع كفه الصغير من كف عبير وهرول تجاه كريمة وهو يهتف برقة: تتة إيما


شهقت عبير بدهشة:  يانهار ابيض.. الولد سابني وجري عليكي يا كريمة شوفتي الندل؟؟


ضحكت بسعادة غامرة وهي تحمله وتلثم خده المكتنز بمتعه حانية وقالت: حبيب تتة أنت، هوندا مش ندل ده ولد مسكر وأصيل.. لعبي معاه كل يوم طمر فيه.. 


قالت الأخرى وهي تقبل رأسه: طب وانا ياهوندا قولي تيتة فدوى.. 

كريمة وهي تلقنه:  قول يا مهند ..تيتة فدوى

الصغير:  تتة فوة

قهقهت قائلة:  فوة فوة أهي تصبيرة لحد ما أسمي يكمل في بقك العسل ده.. 

كريمة: أنا هروح قسم الأطفال شوية وراجعة، ثم حدثت الصغير: كل مرة ابوك اللي يجيبلك هدومك، انا المرة دي اللي هشتريلك طقم تحضر به فرح عمو ياسين.. 


برقت عين عبير بسعادة طاغية لتعامل كريمة مع حفيدها، تبددت أخر قطرة داخلها من ان تعتبره مجرد طفل دخيل في حياة ولدها عابد خاصتا بعد حمل ابنتها..لم تتغير معاملتهم للصغير..الآن ارتاح قلبها وشكرت الله ان منح ابنتها هذه العائلة الجميلة وعوضها عن ما فات.


فدوى:  يبقى انا هجيب لياسو اخو بسمة ماهو زي حفيدي برضو.. لحد ما ابني ياسين يفرحني بخلفته ان شاء الله


سارعت حنين بالقول كذبا:  لا ياطنط احنا اشترينا لاخويا خلاص، شكرا ماتتعبيش نفسك. 

_ وماله ياحبيبتي نجيبله تاني، ولا هترفضي هديتي وتكسفيني؟

_ معاش اللي يكسفك ياطنط بس احنا خلاص اشترينا وهو عنده كل حاجة الحمد لله، حتي اسألي بسمة اختي لما تيجي.. 

_ أنا مش هسأل حد.. ولو اعترضتي تاني هزعل منك فعلا.. انا اكبر منك بلاش تجادليني.. 

التزمت الصمت على مضض، وتوجعت معدتها تحسبا من رد فعل بسمة حين تعلم، فلن يروقها هذا ابدا. 

………… 


انتهى التسوق للجميع بعد أن ابدوا اعجابهم بطقم بسمة الذي انتقته مع زمزم، وضمت الأخيرة اغراضها هي وحنين والصغير استعداد لتسديد ثمنهم، ففوجئت بكريمة تهتف:  اسمعوا كلكم الفرمان ده بالنيابة عن جوزي أدهم.. كل مشتراياتنا انهاردة انا اللي هحاسب عليها.. ودي هدية منه هو شخصيا وانا ماليش دعوة..ثم هتفت بتحذير باطنه المرح:  حد معترض وعنده استعداد يزعل جوزي؟؟؟ 


عبير:  لا على ايه، بالعكس ابقوا تعالو كل يوم.. 

فدوي:  طب مش كنتي تقولي كنت افتريت شوية واشتريت حاجات اكتر

عطر:  ياخسارة، كان في أربع بلوزات يجننوا لو اعرف بموضوع الفرمان العسل ده كنت اشتريتهم وافتريت زي ماما


وبينما هم يمزحون تبادلت بسمة وحنين نظرة رفض واضحة لما توقعته مسبقًا، هي تعلم أن المقصود من الفرمان المزعوم هذا هي واخوتها، هاهم يعاملونها گ فقيرة يحسنون عليها ولن تقبل هذا الإحسان من أحد وبهذه الخواطر  صاحت بحسم ونبرة قوية: أنا أسفة ياطنط مع احترامي لحضرتك وأدهم بيه، بس انا اللي هحاسب على اللي اشتريته انا واخواتي..الحمد لله معايا فلوس كفاية.. 


تبادلت كريمة النظر مع فدوى سريعا ثم قالت بهدوء: يعني بالبساطة دي بتكسفيني يابسمة؟

_ أنا ما اقدرش اكسفك ياطنط ده انتي على راسي، بس معلش خليني براحتي..اللي اشتريته هحاسب عليه.. 


عطر:  طب ما كلنا وافقنا اهو يابسمة، هل ده معناه ان مش معانا فلوس نحاسب علي لوازمنا؟ دي هدية من عمو أدهم.. مافيهاش حاجة لو قبلتيها ياحبيبتي..انتي تعترضي لو قالت هتدفع ليكي لوحدك، لكن طنط هتعمل كده مع الكل.. 


همت بمواصلة اعتراضها بقوة، لتقاطعها فدوى وهي تجذب منها حقيبة مشترايتها قائلة: خدي ياكريمة حاسبي انتي وابقي اسبقي مع الباقيين زي ما اتفقنا وانا هحصلكم، ثم نظرت للأخرى مواصلة: وانا هتكلم شوية مع بسمة..

…………… ..


أخذتها لتجلس بإحدى الكافيهات الملحقة بالمول وقالت برفق بعد أن استقر أمامهما كاستين لعصير الليمون: اسمعيني كويس يابسمة واستوعبي اللي هقوله، مش صح ابدا تكسفي حد اكبر منك.. خصوصا ان الحد ده مش غريب، كريمة وجوزها بيعملوا الواجب الطبيعي مش اكتر.. وزي ما قالت عطر كلنا بما فيهم انتي معانا فلوس ونقدر ندفع تمن اللي اشتريناه الحمد لله.. بس في حديث مآخوذ عن حبيبنا النبي صل الله عليه وسلم بيقول «تهادَوْا تحابُّوا»..عارفة معناه ايه؟ معناه إن الهدية بتألف بين قلوب الناس مسلمين أو غير مسلمين..بتفرح اي حد.. كبير وصغير.. والنبي صل الله عليه وسلم كان بيفرح بيها وبيهادي أحبابه..الهدية مهما كانت قيمتها بتزيد الروابط اللي بين الناس وتغلفها بمحبة وغلاوة..  انهاردة كريمة عملت معاكي واجب.. انتي بكره هترديه بالمثل بطريقتك وإمكانياتك.. لكن انك ترفضي وتصممي وتجادلي.. هتدخلي في دايرة مش حلوة.. اختي هتزعل وده أكيد هيزعلني أنا وياسين والكل.. دي تبقي ام ياسين التانية.. يعني بالبلدي كده حماتك التانية برضو.. لازم تتعاملي معاها على الاساس ده، ونصيحة من ست كبيرة اتعودي تكسبي الناس وماتخسريش حد..الأيام بتدور وكلنا هنرد لبعض الطيبة بالأحسن منها..ياترى فهمتيني واقتنعتي ولا لسه؟؟


تلجمت بسمة بضع ثوان ومنطقها القوي وهيبتها تسيطر عليها ما بين رهبة واحترام، فقالت: فهمت ياطنط.. وارجوكي ماتزعليش مني انا ما اقصدتش اكون فظة والله.. لكن ما اتعودتش انا او اخواتي ناخد حاجة من حد.. اتربينا على كده.. راس مالنا الوحيد كرامتنا وعزتنا بنفسنا.. 


ابتسمت فدوى بإعجاب حقيقي لها..أخلاقها وتربيتها الحسنة تغنيها وتثريها في نظرها.. لم تتمني لولدها زوجة افضل منها.. فربتت على وجنتها برفق:  فاهماكي ومش زعلانة..خلاص انسي.. اعتبري ده اول درس تتعلمي مني.. ويلا بقي نحصلهم عشان كلنا هنروح نتغدا في النادي ونكمل يومنا هناك واخر النهار عابد وزمزم هيوصلوكي انتي واخواتك للبيت.. 


كادت أن تعترض رغبة منها في العودة لمنزلها لكن خافت أن تغضبها مرة أخرى، فالتزمت الصمت مكتفية بأيماءة موافقة ونهضت معها متوجهين حيث ينتظرهم الجميع. 

__________________


أخيرا عادوا لمنزلهم بعد يوم طويل بدأ بابتياع فساتين عقد قرانهما وانتهي في النادي مع عائلة ياسين..تشعر بحالة من البعثرة مما حدث.. ابتاعوا لها كل شيء بنقودهم ولم تتكفل حتى ملابس حنين والصغير..طبيعتها لا تتقبل صياغة الأمر وان كانت تأثرت بحديث زمزم ووالدة خطيبها لكن يظل طيف الرفض لهذا الفعل يؤرقها.. 


_ بسمة ياسين نام خلاص.. انتي هتنامي ولا هتسهري شوية اقعد معاكي؟

_ نامي انتي ياحنين انا هصلي العشا وهفضل في البلكونة شوية.. 

رمقتها بنظرة متمعنة قليلا ثم جلست جوارها وربتت على كفها قائلة:  عارفة انك ماكنتيش حابة حد يدفعلنا حاجة.. ولا انا كنت عايزة كده..بس يمكن اللي مرر الموضوع جوايا ان طنط كريمة دفعت للكل مش احنا بس.. يعني مجاملة للجميع يابسمة وطبيعي انتي فرد جديد في عيلتهم عايزين يعملوا معاكي الواجب.. ماتقفيش عند النقطة دي كتير عشان ماتتعبيش ياحبيبتي وتضيعي فرحتك.. 


ثم تنهدت بحيرة مستطردة:  اللي المفروض تحمل هم هي أنا مش انتي! 

_ اشمعنى؟!

_ لأن انتي مهما كان مرات ابنهم باعتبار اللي هيحصل بعد ايام.. لكن أنا؟..عبده لو عرف ان فستاني هما اللي دفعوا تمنوا هيضايق ويمكن يتخانق معايا.. انتي عارفة عزة نفسه. 


_ ومين هيعرفه؟ مش كل حاجة تعرفيها لعبد الرحمن..

_ منا مش بمزاجي هخبي..لازم فعلا اتجنب مشكلة معاه مش هتعدي لو عرف.. 

_ شوفتي بقي ليه كنت مضايقة من فكرة انهم يكونوا معانا.. عموما خلاص اللي حصل حصل.. ثم لاطفتها لتخرجها من حالتها:  وعلى فكرة الطقم بتاعك يجنن.. عبده هيتهبل لما يشوفك


ابتسمت لإطراءها وردته بالمثل:  وانتي كمان اختارتي حاجة رقيقة جدا وتناسبك.. ربنا يسعدك يا اختي.. 

_ وانتي كمان ياحنة.. يلا روحي نامي وانا هصلي وانام بعد شوية.. 

_ ماشي تصبحي علي خير

………… ..


أدت الصلاة وظلت تدعوا الله بما تريده حتى صدح رنين هاتفها للمرة الثانية فنهضت لتبصر أسمه.. 

_ السلام عليكم..

_ عليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. ايه كنتي نايمة؟ رنيت قبل كده ما ردتيش

_ لا مانمتش بس كنت بصلي العشا ولسه خاتمة الصلاة

_ حرما يا حبيبتي


اقشعرت برجفة خفيفة من تأثير كلمته العفوية " حبيبتي"..وابتلعت ريقها لتقول بهدوء:  جمعًا إن شاء الله

_ طمنيني اشتريتي كل لوازمك انتي واخواتك ومش ناقصكم حاجة؟

سمع تنهيدة مع غمغمتها:  أيوة. 

_ مال صوتك يابسمة كأن في حاجة مضايقاكي.. في حد ضايقك وانتم في المول او النادي


هتفت سريعا بإنصاف:  بالعكس يا ياسين.. انتو ناس بتفهم في الاصول زيادة عن اللزوم وبشكل غريب عليا وبحاول أتأقلم معاه.. 


ابتسم لمدحها عائلته وتسائل:  واتأقلمتي؟

_ لأ.. 

صمت لتكمل بعد نفيها القاطع، فواصلت:  أنا اسفة بس.. 

وترددت فشجعها وقال: اتكلمي انا سامعك متخافيش.. 

_ياسين.. مامتك كلمتني كلام جميل وقوي واقنعتني ان اللي عملته طنط كريمة بتكفلها تمن كل اللي اشتريناه ده مجرد مجاملة هتترد في يوم.. بس انا مش متعودة على كده..وبعدين لو  تقبلت انهم يجاملوني انا عشان خطيبتك.. طب حنين.. تفتكر لو قالت لخطيبها ان فستانها انتو اللي اشتريتوا هيقبل؟ والله ما استبعد انه يمنعها تلبسه من الأساس.. انا عارفة دماغه كويس.. 


_ ومين هيعرفه؟ 


ابتسمت بتلقائية لتطابق رده العفوي معها منذ قليل، فواصل: أسمعيني يا بسمة لأن ده كلام مهم من أولها.. انتي خلاص بقيتي تخصيني ومحسوبة عليا وبالتالي محسوبة علي عيلتي.. واحنا زي ما لاحظتي عيلة مترابطة الحمد لله مافيش بينا تكلف ولا احقاد ولا عقد..  وبنفرح لبعض من القلب..أرجوكي تقبلي بسرعة وضعك معانا..وارد جدع أي حد يهاديكي بصرف النظر الهدية غالية او لأ.. لأن كله بيترد وانا مش قليل عشان ارد هدايا مراتي بالاحسن منها.. أما حنين وياسين كمان هداياهم في نطاق المحبة والتودد والموقف بتاع انهاردة اللي اتحكم في ده.. انتم كلكم كنتوا سوا بما فيكم اختي وامي وبنت خالتي و الباقيين.. فالهدية شملتكم بشكل مايجرحش.. بلاش تاخدي الأمر بحساسية..تمام؟


لم تجد اي حجة في منطقه لتجادله فقالت:  ماشي يا ياسين.. طيب هو في نقطة كمان مهمة كنت عايزة اكلمك فيها واحددها معاك.. 

_ ايه هي؟

_ شغلي.. هتسمحلي اكمله؟ او حتى اشوف بديله في القاهرة بما اننا هنعيش هناك ولا هتمنعني اشتغل؟؟


_ لو قولتلك مش حابب تشتغلي هتخالفيني؟


_ انت هتكون جوزي وماينفعش اخالف أمرك..بس مش هكون مبسوطة..انا لسه عندي اخويا ياسين محتاح كتير وكمان حنين اللي ظروفها مع جوزها مش هتكون مرتاحة ماديا في الأول ولازم اساعدها لأن مالهاش حد غيري..اللي كانت ممكن تميل عليهم وقت الضيق راحوا..وانا لازم املى مكانهم.. وده كله مش هينفع من فلوسك..مش هقبلها على كرامة اختي ولا هي طبعا هتقبل.. فأرجوك اسمحلي اشتغل واوعدك مش هقصر معاك في حاجة والله.. 


صمت بانبهار وكل لحظة يكتشف روعة من أحبها

 متسائل داخله وقلبه يخفق

كيف تمتلك كل هذا القدر من الحنان والمسؤلية معا؟

تريد تعويض شقيقتها أبويها الراحلان

تريد أن تمنحها سندا صامدا أمام عثرات الزمن

تريد أن تكون أمًا لشقيقها الصغير لتعوضه اليتم

لقد منحه القدر ماسة كلما مر الوقت ازداد بريقها وقيمتها.. منحه بسمة ناعمة كتلك التي ترتسم على شفتيه الآن..


همس لها: بسمة.. ممكن تبطلي تبهريني أكتر من كده لأن معتقدش هقدر احبك اكتر لأن انا فعلا حبي ليكي فاق الحد والمعقول.. وعموم ياحبيبتي اطمني مش ممكن امنعك من حاجة نفسك فيها.. وصدقيني احترمتك اكتر وفخور بتفكيرك وكبرتي في عيني..وربنا يصبرني لحد ما نجتمع سوا طول العمر..


ابتسمت براحة وقلبها يرقص لكلماته في حقها وحمدت الله داخلها علي مرونته وتفهمه لها، أما هو فواصل ليوضح لها الأهم:  في اقتراح كنت عايز اقولهولك واتمني تنفذيه بدون جدال..زي ما قلت انتي مش هيكون عندك مشاكل مادية الحمد لله ربنا ساترها معانا..وحسب كلامك شايف ان اختك حنين هي الأولي انك تأمني ليها أي حاجة بالفلوس اللي معاكي بدون ما عبد الرحمن يحس انك بتساعديهم..

_ ازاي؟؟

_ انتي قولتي تقريبا اغلب جهازها نجى من الحريق..وفاضل ليها لوازمها بسيطة هتشتربها بمبلغ بسيط.. هيتبقى معاكي مبلغ كويس جدا يجيب حتتين دهب محترمين ينفعوها ويبقي اسمه قرش خاص بيها لوحدها..وبما أن عبده لسه بيقول ياهادي أكيد هيقعوا في عثرات مادية كتير.. عشان كده هي أولى بكل قرش معاكي دلوقت..وصدقيني ده هيصب في مصلحتها عارفة ليه؟

وواصل: لأنك غلطانة لو فاكرة ان حنين ممكن تلجأ ليكي بعدين بسهولة حتى لو هتساعديها من شغلك وفلوسك الخاصة..في حاجز طبيعي هيمنعها تظهر إن جوزها مقصر معاها غصب عنه.. بنت الأصول هتعمل كده وانتم بنات أصول..يبقي اما توفري ليها حتتين دهب ممكن تبيعهم وقت ماتحتاج وهي حافظة كرامتها وسرها قصادك.. تبقي عملتي معاها الصح وانتي نفسك هتطمني عليها ان معاها اللي يسندها.. قلت ايه؟ 


صمتت وقبل أن تقيم اقتراحه وتزنه بعقلها..

اجتاحها شعور أخر سيطر عليها تجاهه..

لقد خبئت لها الأيام فارس يرقى لأمير في رواية أسطورية..كيف لديه كل هذا الحنان والرفق والرجولة والفروسية التي يؤكدها لها كل يوم؟


أمصباح علاء الدين هو؟

يلبي أحلامها دون أن تلمس أناملها جداره! 

يفيض عليها بكل جميل تمنته في خيالها

وهي مازالت معه گ القمر المظلم 

تحجب عنه نورها ومشاعرها الجارفة

مكبلة بقيود لا تحصى 

لما في تلك اللحظة لا تخرج عن المألوف

وتخالف العادات وتحطم أصفاد الخجل؟

تريد العزف علي أوتار البوح بما تكن له

فحبيبها أكثر من مشتاق لسماع عزفها هذا.. 


_ بسمة ساكتة ليه مش مقتنعة  بكلامي؟ طيب ناقشيني لو غلطان.. سمعيني كلامك مش سكاتك.. 


وهل يليق بمثله مجرد كلمات؟

هي كلمة واحدة ستمنحها له

 لتختزل فيها كل لغات العالم

كلمة ستقولها ثم تتوارى خلف جدار الجبن وتهرب..

فلن تجد بعدها شجاعة لقول شيء أخر. 


_ بسمة؟!!!


_ بحبك. 


هل اعجبك الموضوع :

تعليقات