القائمة الرئيسية

الصفحات

 البارت 53 من حصنك الغائب

يا عظيم الرحمة قدمت قرباني ألا تقبل؟

ياغافر الذلات ابديت ندمي 

ساجدا ذاكر باكيًا ألا تقبل؟

بحق ما جعلت نيران إبراهيم بردًا وسلامًا 

بحق ما شققت البحر بعصا موسى ونجى بقومه

بحق ما عصمت يوسف من امرأة العزيز

وملكته عرش مِصرَ خزائنها

أجعل لحبيبتي من الجحيم مخرج..

واخلق لي سبيلا إليها.. 

البارت 53 من حصنك الغائب


حصنك الغائب2


لا شك أن للموت هيبة

والاحتراق جحيم لا يُحتمل 

حتى لو أقدمنا عليه طواعيةً

ظل يصرخ عليها بلوعة وعجز

ليته سامحها وعاد إليها..

ليته ما تركها لتلتهمها أفواه اليأس..

ليته مد لها يد العون بدلًا من الخذلان

ليته كان جوارها وحال بينها وبين الموت.

كيف سيعيش بهذا الذنب؟

والأهم كيف سيتحمل خسارتها؟

الآن..

الآن فقط أدرك قيمتها في حياته

أدرك مشاعره وأنه بالفعل يُحبها 

يُحبها رغم كل شيء فعلته

رغم تاريخهما الأسود 

خسارتها ستظل ندبته الغائرة

التي لن تطيب ابدا

لن تطيب!! 

______


" تيمااااااء" 


صرخته زلزت سكون محيطه وهو يفيق هادرًا بأسمها فزعًا من نومه، جبينه متعرق بقطرات زحفت على سائر وجهه.. كان حُلمًا..لا.. بل كابوس..كابوس لعين.. الحمد لله انه مجرد كابوس..زوجته بخير.. لم تحترق.. لم تمت أمامه بالبشاعة التي رآها..تيماء لم تمت.. مر كفيه على وجهه مستعيذا من الشيطان الرچيم مستغفرا الله لعل اثر ما رآه يزول في نفسه ويهدأ.. أنفاسه بدأت تنتظم نوعًا ما داخل صدره لكن مازالت تلك القبضة الغامضة في قلبه تؤلمه..هناك أمر سيء يلوح في سماءه يراه ببصيرته..


هل تحتاجه وتأخر عنها؟

هل فات الوقت ليصلح ما مضى بينهما؟

أم  مازالت هناك فرصة لتشيد أوصر جديدة؟

بالطبع هناك فرصة

مازال الأمل معقودا

‏وهي بخير لم تحترق أو تموت

أما هو 

‏ألم يعفه الله من الخطيئة بين جنبات ذاك الملهى؟

ألم يُجنبه الانزلاق في هذا البئر مرة أخري؟ 

ألم يبعث إليه ذاك الرجل الطيب ليبث فيه الأمل ويحسه على التوبة ونفض غبار اليأس والقنوط عنه؟

ألم يرسل لأذنيه صوت الطفلة لتلفت انتباهه قبل أن يسقط؟ وقبل كل هذا.

ألن يمنحه رحمة؟

صغيرته الحبيبة دافعه الأكبر للتغير والصمود

لأجلهاسيعافر..

ولأجل تيماء.. زوجته.. قدره.. 

لن يتخلى عنها..

مثلما استقوى بالله واستعصم به

سيقويها ويحميها من اليأس

مثلما شاطرها الذنب 

سيشاطرها طريق التوبة

‏ 

‏الفرصة سانحة ولم يفت القطار بعد

ولن يتركه يغادر قبل أن يضمهما بين جنباته

ليعقد معها ميثاق مختلف بعد أن رمم القليل من نفسه، ربما الآن أصبح لديه قوة وطاقة كي يؤازرها

نعم الآن أخذ قراره..لن يتركها..كابوسه لم يزوره عبثا

‏هو إنذار إن لم يدركه خسر كل شيء وهلك

‏وهو تعلم أن يفهم رسائل القدر التي يرسلها الله له..

‏مهما كانت ذنوبهما هناك باب توبة يمكن طرقه في أي لحظة.. الله لا يوصد أبواب غفرانه..ينتظر عباده ليتضرعوا ويندموا على أعتابه ليمنحهم رحمته التي تسع كل شيء..كل شيء. 

الآن سيذهب ويحضرها مع الصغيرة.. 

سيقول لها انه سامحها لأنه ليس أفضل منها..

هو كان الشيطان الأكبر كما نعتته قبلا

هو من علمها البغاء وفنون المعصية

وهو من سيعصمها بقوته ويحميها من قنوطها النهلك


بتلك الومضات الإيمانية التي تشعب روحه بضوئها  أزاح غطائه ونهض ليستعد لتنفيذ قراره وهو يهمس( يارب ساعدني..خايف وعايزك تطمني.. يارب ما يحصل لمراتي وبنتي حاجة وحشة) 


رنين الهاتف اجفله بقوة..!

لتنقر مطارق مؤلمة في قلبه بذات اللحظة

بيد مرتعشة التقط هاتفه وبصر رقم منزلها..

رد سريعا فإن كانت تيماء سيقول لها

يقول ماذا؟

ليست هي من تحدث! 

ليست هي

بل الصغيرة "ضي" هي من تصيح باكية

لتزداد القبضة.. ولوهلة تدور به الأرض قبل أن يتماسك ثانيًا مستمعا لاستغاثة شقيقتها: 


"ألحقني يا عمو رائد.. اختي رودي مش موجودة في أوضتها.. هي قالتلي نيمي رحمة معاكي.. رحمة كانت بتعيط وهي مش راضية تاخدها.. قالتلي خديها عندك واتعلمي تسكتيها.. بس..  بس.."


وصمتت الصغيرة تلتقط انفاسها الهاربة ثم واصلت حديثها بنفس البعثرة وكلماتها متقطعة( أختي.. اختي مش هنا..سابت جواب لحضرتك عليه أسمك.. معرفش مكتوب فيه ايه..خايفة اصحي ماما عشان تقراه.. أنا خايفة ياعمو.. أنا حاسة ان اختي مش هترجع تاني.. كان كلامها غريب معايا.. كانت سامعة رحمة بتعيط ومش راضية تسكتها..ورحمة لسه بتعيط سامعها؟ أرجوك تعالى بسرعة ياعمو قبل ما ماما تصحي.. أرجوك تعالى!! )


لم ينتظر أن ليكتمل ندائها..

كابوسه لم يكن عبثا..

كابوسه المخيف انبثقت مخالبه القاتلة

وطلت من نافذة واقعه تلوح له ساخرة..

تيماء مازالت في دائرة القنوط واليأس

هو من دفعها للموت..ودفعها للجحيم

إن فقدها لن يسامح نفسه ما بقي له من عمر.. 


هبط الدرج وشق طريقه گ الصاعقة الهاتف مازال علي أذنيه، فقال وهو يلهث:  ضي.. متخافيش انا جاي، حاول تسكتي رحمة وانا دقايق وهكون عندك..وهرول يسابق الريح حتى وصل إليها.. وبعد طرقات متلاحقة قوية شُرع الباب امامه ليجد " ضي" تحمل صغرته الباكية، فتمزق قلبه وحملها سريعا وراح يهدهدها حتى انقطع بكائها على صدره، فأعادها لضي والتقط منها الجواب..


بدأ يقرأه  وكلما طاف على حروفها شحب وجهه حد الزُرقة القاتمة وارتجفت يده هلعا مما يطالع!! 


" رائد.. أنا بكتبلك وصوت بكاء بنتي سكاكين بتقطع قلبي.. بس خلاص أنا مبقاش عندي حاجة تنفعها..هسيبها لضي لحد ما انت ترجع تاخدها.. ومتخافش مش هكون موجودة.. هريحك مني.. هريح كل العالم من لعنة تيماء..مش هأذي حد.. ولا حد هيأذيني..عارفة إن اللي بعمله ده حرام وانتحاري هيكون اكبر خسايري لأني هموت كافرة.. بس هو انا عملت ايه ينجيني ويشفعلي عند ربنا؟ أنا بكره نفسي اوي يا رائد.. كان نفسي اكون واحدة تاني.. كان نفسي من الأول ابقى رودي الطيبة الملاك اللي حبتك وانت حبيتها.. بس انا مش هكدب على نفسي أنا عارفة من جوايا اني تيماء مش رودي.. بس صدقني سواء كنت دي او دي أنا حبيتك..قولتلك اننا شبه بعض بس انت ماقدرتش تصدق وتفهم.. كان نفسي حبي الكبير ليك يشفعلي عندك وتتقبلني في حياتك بكل عيوبي وتبدأ معايا صفحة جديدة..قولتلك إني ضعيفة  فوق ما تتخيل من غيرك.. كان نفسي تساعدني زي ما ساعدتك زمان وانت فاقد الذاكرة.. لكن انت اتخليت عني وعن بنتنا..عاقبتها ببعدك عنها زي ما عاقبتني وهي مالهاش ذنب..رحمة كانت طوق نجاتنا الوحيد..يمكن لو كنت قررت تفضل معانا وربيناها سوا كان بقى فيه امل..بس انت روحت تدور على الامل بعيد عني يا رائد.. قولتلك لو سبتني هموت.. واديني اهو بموت من حزني ووحدتي..بموت كل اما ابص في المراية لأن بشوف مخلوقة مشوهة.. بشوف خقيقتي في عيونك وعيون الناس، خلاص مبقاش ليا مكان في الدنيا ولا حياة.. انت كنت حياتي نفسها.. يمكن اكون حبيتك غلط..وخدعتك وضللتك عشان احافظ عليك..بس هو ده حبي.. 

على فكرة أنا عندي ليك اعتراف اخير قبل ما اختم رسالتي..ما انت كده كده بتكرهني.. انا كنت كل يوم بدوبلك في العصير علاج يأخر عودة ذاكرتك..كنت خايفة لو رجعت وافتكرتني تكرهني وتسيبني.. طبعا مش هطللب منك تسامح ولا تفهم.. انت خلاص سبتني..رائد.. دموعي بتزيد ومباقتش شايفة اكتبلك.. بنتي عمالة تعيط.. نفس اروح احضنها.. بس لو عملت كده مش هقدر اسيبها.. وانا لازم ابعد عشان تعيش.. رائد..هتزعل عليا؟ هتدعيلي؟ معتقدش..عموما كل اللي طالباه منك تربي بنتنا كويس ..قولها اني كنت بحبها.. قولها ماما كانت بتحبك اوي..أكدب عليها وقولها ماما كانت طيبة ونضيفة..علمها اللي انا وانت كان لازم نتعلمه في الدنيا..استثمر فيها باقي حياتك وأوعي تتخلى عنها يا رائد..اوعي تخليها تيماء تانية وتتجوز وتنساها..شبعها بحنانك ورعايتك..ودلوقت خلاص مافيش حاجة باقية عشان اقولها تاني..وأكيد لحظة لما تقرا الجواب ده هكون وسط الجحيم بموت

ده القربان اللي هينجي بنتي..

لعنتي هتنتهي في نفس المكان

اللي بدئت فيه خطيئتي الأولى..

‏مش هيفضل مني غير رماد

‏ محدش هيشوفه..

‏ولا هيحس به.."


نفس الكلمات اللعينة التي قالتها في كابوسه

أهذا كل شيء؟!

انتهت تيماء ولن يراها ثانيا؟

أين هي لينقذها من جحيمها المستعر

أين يجد حمقائه ليغمسها بين ضلوعه

ويؤدبها على صدره

كيف السبيل إليها الآن؟

أي طريق يسلك ليعيدها؟


جعد الرسالة بقبضته حتى تكومت بعشوائية وقذفها بعيد وهو يدور حول نفسه گ المختل معتصرا عقله عله يعلم مكانها..أين يجدها.. أين.. أين؟؟؟؟


وبينما هو يدور منفعلا يحدث نفسه تتابعه الصغيرة " ضي" بهدوء تام وگأنها تفسح له مجال التفكير وداخلها تدعو أن تعود شقيقتها، لتُجفَل بغتة علي وقفته المفاجئة وقد اتسعه عيناه بشدة والتقط سريعا رسالتها التي قذفها منذ دقائق..وراح يفك تجاعيدها ومرر عينه سريعا على أخر سطر كُتب فيها ( لعنتي هتنتهي في نفس المكان اللي بدأت فيه خطيئتي الأولى.. )


المكان اللي بدأت فيه؟؟؟؟


وهنا وثب گ الليث يركض متوجها حيث ظن بنسبة تفوق التسعين بالمئة أنها هناك..استقل السيارة وقادها بسرعة جنونية ثم برق بعقله خاطر ما نفذه علي الفور وهو يلتقط هاتفه ويضغط عدة أرقام.. 


لا يدري ما فعله سيفيد أم لا.. لكنها محاولة.. فإن صدق حدسه انها هناك، ربما تصل سيارة الشرطة او المطافي قبله وتنقذها إحداهما.. أما لو لم تكن هناك فسيكون عليه أن يستعد لرثائها الأخير بعد فقدها للأبد..وهلاكه المؤگد.. وبشفاعة كل ركعة وكل ذكر عكف عليه الفترة الماضية راح يدعو أن يجدها وتكون بخير.. وإلا لن ينتظره سوى الهلاك.. 

______


بمنتصف الغرفة تقف ونظراتها جامدة گ المواتى.. فاقدة للحياة.. تنظر لفراشهما معا..الفراش الذي شهد عل أول هزائمها..يوم فقدت كرامتها قبل عذريتها التي منحتها له باعتقاد عقيم انها بهذا تكسب قلبه.. منحته اغلى شيء لأنه كان الأغلى..لكنها الآن أيقنت كم كانت مخطئة..لم تكسب حب رائد بل حصدت احتقاره لها..  لم تكن في عينه سوى غانية.. لم تنال احترامه فضلا عن حبه..

رهانها عليه كان خاسر.. خاسر.. خاسر.. 


بسطت على الفراش قميص نومها المدنس جوار كنزته السوداء بلون تلك الليلة الحالكة والأخيرة لها في هذا العالم..وگ المغيبة صارت ترص قطع ملابسهما أرضا..انتهت ووقفت تتأمل ما صنعت..لقد صنعت بملابسهما قلبًا..ضحكت بهستريا.. بجنون.. وهي تهذي ( قلبي اهو يا رائد على الأرض.. هيتحرق معايا.. وانا وانت هنتحرق جواه.. هنتبخر.. بس هنرجع تاني.. روحنا خلاص هتنضف.. هنحب بعض بس مش علي الأرض.. أرواحنا هتتلاقى في السما) 


وبهدوء غريب راحت تنثر قطرات سائل مقيت الرائحة حولها..صنعت بيديها بوابتها الأسرع للجحيم..جزاءً وِفاقًا لما اقترفته..بعد قليل ستبتلعها النيران علها تمحي أثار خطيئتها الأولى وكل خطاياها..خائفة؟ لا.. أو ربما تشعر بالخوف وترتجف وهي تُشعل عود الثقاب.. لهيبه يتراقص بعينيها ويصنع ظلال مخيفة على وجهها.. لو رآها أحدا سيصيبه الرعب..أغمضت عينيها وراحت تهمس بكلمات خافتة غير مسموعة.. ثم شرعتهما وبنظرة ثابتة قذفت عود الثقاب على الفراش فالتهمت النيران ملابسها فوقه، والقلب الذي رسمته بقمصان لياليها المشينة..النيران تزحف بسرعة البرق تجاهها.. وهي لا تتحرك.. لا تبتعد..صامدة تنتظر مصيرها الذي اختارته..ومضات خاطفة من حياتها تتابع لذهنها.. ومضة مع أبيها.. وثانية مع والدتها.. ومثلها مع رائد..وأخرى مع بلقيس..وأخيرا ابنتها  


بدأ حبينها يتعرق مع جسدها وهي تنظر لجحيمها بخوف..كأنها لم تعي لحالها إلا الآن.. 


_ ماما..


لا تعرف كيف انبثق جسد صغيرتها من وسط النيران وهي تبكي وتمد يدها الصغيرة نحوها.. لتصرخ تيماء بلوعة (حاسبي يا رحمة.. أبعدي عن النار.. ابعدي يابنتي.. إلا انتي.. إلا انتي.. أنا حرقت نفسي عشانك.. عشان ماتتحاسبيش بذنبي.. انا خسرت نفسي وخسرت ابوكي بس مقدرش اخسرك.. ابعدي يا رحمة عن النار ..اهربي يا رحمة.. أهربي يابنتي) 


واختفت الصغيرة من فوق الفراش المحترق 

لكن انبثقت من بقعة أخرى وهي تنادي وتمد يدها


_ ماما


لتعود تيماء وتصرخ عليها..(جيتي تاني ليه يا بنتي..  أبعدي عن النار .. اهربي.. ده مصيري لوحدي بلاش يكون مصيرك يابنتي..ابعدي.. اهربي)   


أوهامها تجسد لها ابنتها تحترق أمامها وهي تطالعها بلوم كأنها تخبرها أنها تؤذيها ومخطئة بقرارها.. وستحترق معها.. 


بدأت النيران تزحف إليها گ وحش كاسر

لا يُردع تقدمه شيء..

تصرخ

تدور حول نفسها بجنون والنيران تلتهم ملابسها..

تحرق قدميها..

وتعلو لتنال من جسدها الأكثر

جانب ظهرها

ذراعها

كتفها

وهي تصرخ

ومازالت رحمة تقف وسط النيران تناظرها بلوم 

دموعها تزحف ولم تعد تصرخ

تحترق بصمت

ثم تلاشت بغتة! 

هل نجت ابنتها؟ 

هل أتي رائد وأنقذها؟

نعم

هو هنا

رائد يحطم الباب ويبصرها

هو أيضًا ينادي عليها

لكن هل رآي الصغيرة خلف الباب؟

وهل سينقذها مثلها؟

لا تعرف

ربما لا

بل أكيد لن يفعل

هو يكرهها ولن يحزن لأجلها

سيعيش بعدها ويتقلب على صدور النساء گ عهده


بدأت تختنق وألام الاحتراق تنال من قوتها

لكنها تعافر.. تريد الاطمئنان علي الصغيرة

رحمة، مازالت تبكي بصمت.. تعاتبها

كلما حاولت الاقتراب منها

طالت المسافة بينهما ثم تتلاشى


وفجأة سقط الباب بدفعة قوية

شلال من المياة الباردة بدأ يمطر حولها

لا تعرف مصدره لكن النيران بدأ لهيبها يخبت بخزلان 

بعد أن كان متغول عليها منذ لحظات

وجسد الصغيرة يبتعد رويدا رويدا

ورائد يقترب.. 

لكنها تسقط في اللا وعي

تنادي عليه دون صوت

شفتيها لا تتحرك

عيناها تُسدل على صورته

الكون يدور بها

يدور بشراسة

روحها تنسحب منها

قدميها تتهاوى

ثم توقف كل شيء

وأخر ما شعرت به

ذراع قوية تتلقفها وصاحبها يصرخ


تيمااااء


أسدلت جفنيها وانقطع تواصلها بهدا العالم

من ضمن الاحياء هي! 

أو أصبحت بين عداد الموتى؟

لا تدري! 

فلم تعد تشعر أو تسمع شيء!! 

______


"ازاي عرفت ان مراتك هتحرق نفسها في المكان ده؟"


أجاب وهو شارد تحت تأثير ما شاهده: عرفت منها هي! 

المحقق:  أزاي.. وضح أكتر 


( لعنتي هتنتهي في نفس المكان اللي بدأت فيه خطيئتي الأولى.. )


عاد صدى جملتها الأخيرة يتردد بدهاليز عقله وهو يستعيد في مخيلته لحظة وصوله إليها بالتزامن مع سيارة المطافيء بينما تخلفت الشرطة عنهما گ عادتها دائما لا تصل إلا متأخر.. ما أن وصل حتى وجد النيران ينعكس ضوئها علي النافذة.. نافذة الغرفة التي كان يلتقيها بها..في ذات المنزل الذي يتوسط منطقة شبه مهجورة.. منزل من طابق واحد إرثا من أبيه له هو وشقيقه.. شيد قبل وفاته عمدانه الأولى.. كان ينوي تأسيسه لبناية كبيرة، لكنه توفى بعد اكتمال أول طابق.. وظلت الجدران بعده كئيبة بسطحها القاسِ ولونها الرمادي.. وإضاءتها الباهتة..فتركت والدته الحال على ما هو عليه إلي أن يواصل هو وأخيه بنائها لهما ولعائلتيهما مستقبلا.. لكن لم تعلم انه أختار هذا الطابق المنعزل وكرا لقذارته دون أن تدري.. دنسه مصطحبا تيماء معه أول مرة حين أدرك رغبتها فيه دون حدود أو حواجز، جاء بها إلى هنا..اختار مكان لم يعرفه رفاقه.. لم يُحضر فيه فتاة سواها..لا يعرف حين خصها بتلك الميزة الفريدة بمقابلتها بعيدا عن أيادي رفاقه كان يميزها أم لا.. هل امتلكت تيماء جزءً من قلبه دون أن يشعر أم لا.. ربما كانت تمتلكه وفقدته مع أو لحظة تسليم منها له..نزلت من عينه وتساوت بمن مثلها من الغانيات.. لكنه رغم ذلك ظل يلتقيها هناك بعيدا عن ذئابه الذي كان هو زعيمهم الأكثر قذارة منهم.. 


ولم يكن صعب عليه تخمين مكانها بعد جملتها الأخيرة.. تيماء أختارت أن تموت في نفس المكان الذي فقدت فيه كل شيء..


نفذ صبر المحقق وهو يعيد سؤاله:  بقولك عرفت ازاي ان مراتك هناك وقررت تحرق نفسها وتنتحر؟؟


_ أحنا لما بنتخانق بتروح هناك، ولما سابتلي رسالة بتقول انها ناوية تنتحر عرفت مكانها عشان كده اتصلت بالمطافي وبيكم بسرعة عشان حد يلحقها لو ماقدرتش اوصل قبلكم.. 


حدجه المحقق بقوة يحلل تعبيرات وجهه الشاردة فبدا له شخص ضائع..مصدوم .. خائف.. يكاد يجزم انه غير مستقر نفسيا..واضح انه يحب زوجته هذه كثيرا.. تهكم بصوت ضميره ( لما بتحبها كده زعلتها ليه) 


_ عموما كده مافيش قضية أصلا.. مراتك حاولت تنتحر بس الحمد لله المطافي وصلت قبلنا وقدرت تنقذها.. والحروق اللي اتعرضت ليها أعتقد مهما كانت فداحتها ممكن تتعالج بعمليات تجميل فيما بعد.. ثم ختم قوله بشكل روتيني بارد:  امضي على أقولك عشان نقفل المحضر واتفضل مع السلامة..

………… .


غادر متجها حيث تقبع هي..

وصل ليجد جسدها يرقد بسلام نالته أخيرا..

وأنبوبات طبية تتصل بها بعضها يمنحها أنفاس صناعية والأخرى لتزودها بالغذاء

غائبة عن الوعي كما أرادت

وقف يطالعها والحروق احتلت الكثير من ذراعها وكتفها وجانبها الأيمن.. 

هل ما حدث لها هو القربان الذي اقدمت به لتتطهر؟

كما حاول هو لولا أنقذه ذاك الرجل الطيب.. 

هل حين تفيق وتبصر ما أصابها ستتحمل؟


لمعت عينه بنظرة قوية وهو يردد لنفسه بعزم

"ستتحمل" هو معها لن يتركها تعاني وحدها.. 

سيُقبل بشفتيه جلدها المحترق هذا كل يوم.. كل ساعة..سيعلمها كيف تحب نفسها  وتحب الحياة من جديد.. خسارة جلدها الناعم ربما هو ربحها الأعظم.. هو أخر ما تبقى من قناع وجهها القاسي

سينبت لها جلد جديد.. نظيف.. طاهر

حينها ستكون أجمل بمقلتيه

ستعود رودي كما عادت تيماء 

سيجتمعان ومعهما ابنتهم رحمة

ولن يفترقا بعد الآن..

لن يفترقا..!

____


راح يفرك عينيه وأثر النوم يكحلها، بصر توقيته المتأخر نوعا ما وتعجب، لينتفض قلبه ما أن علم ماهية المتصل، بدأ المكالمة وقبل أن يتفوه بحرف، اندفعت هي تصيح بصوت متهدج وجمل متسارعة: 


ياسين.. أخويا اتكلم.. اخويا خلاص خف.. قرأ لبابا الفاتحة ، أنا مش مصدقة، لو تشوف ازاي قرأها زي طفل لسه بيتعلم الكلام.. وفضل ماسك الخاتم بتاعه لحد ما نام كأنه شاف بابا فيه.. أنا فرحانة اوي يا ياسين لدرجة خايفة انام اكتشف ان ده حلم.. أنا كنت حزينة علشانه أنا واختي وفرحتنا كانت ناقصة..بس ربنا أستجاب لدعانا.. أخويا رجع يتكلم..انت متخيل.. اخويا حبيبي اتكلم. 


ألقت كلماتها دون ان تلتقط أنفاسها من كثرة انفاعلها، أما هو استمع لحديثها المنفعل والمفعم بالفرح وروحه تحلق في وادٍ أخر..اتصالها التلقائي عليه لتتشارك معه فرحتها هو أكثر غنائمه معها إلى الآن..احتياجها له دون غيره لتصب في أذنيه مشاعرها دون حسابات لا يعني سوي أنه اصبح يحتل في قلبها مكانة تفوق كثيرا ما تظهرها امامه، أرتجف قلبه واشتعلت به الرغبات التي لم تتحرك يوما لسواها، فعلتها العفوية تزن في نظره أقوى تصريح للحب تمناه..عصفورته طارت بجناحيها وأختارت أن ترسو على غصنه.. أدركت أنه سندها.. وسارعت تقص له موقف شقيقها، صوتها الباكي فرحا ربما أعذب لحن سمعه..ليته هناك في المنصورة حتما كان سيذهب إليها ليراها.. 


_ مبروك ياحبيبتي..مبروك.. 


همس بكلماته وهو يهنئها بنبرة كأنها غُمست في نهر جاري من حنانه وفرحته لأجلها، وهي الظمئ لقطراته كي يروي جوف روحها المتشقق..وبعد برهة فاقت على إدراك اندفاعها، شعرت بحرارة تنبع من داخلها، نظرت للساعة لتصطدم انها تعدت الثانية بعد منتصف الليل..اتسعت عيناها دهشة وخجل.. هل كانت مغيبة وهي تتصل به في هذا الوقت؟ كيف فعلتها..؟ كيف تجرأت هكذا وتخلت عن رزانتها وتحفظها..توترت وتحشرج صوتها وهي تحاول الحديث وفشلت، فأدرك حالها واستيقاظ طبيعتها الخجولة معه، ابتسم هامسا: لو تعرفي تصرفك العفوي ده فرحني قد ايه يا بسمة؟ لو قولتلك إني روحي طايرة في السما يمكن ماتصدقيش..انتي من غير ماتحسي محيتي كل المسافات والحدود بنا وسلمتي الدفة لسلطان قلبك يمشيها..كبيرة عندي أوي يابسمة إني اكون اول واحد تفكري تشاركيه فرحتك، ده يساوي عندي ألف كلمة بحبك نفسي اسمعها منك..


صمتت تستوعب مافعلت وما قاله..لم تخطط لشيء وأكثر منه تصيبها الدهشة..كل ما وعته بمجرد أن انتهى احتفالهما وسهرتهما مع الصغير، خلت بنفسها داخل جدران غرفتها وهاتفته وهي تصرخ بمشاعرها، في تلك اللحظة لم تجد أقرب منه.. هذا ما وعته جيدا.. ياسين أميرها.. فارسها ..رجلها.. سندها بعد الله.. صارت له تلك المكانة حتي قبل أن تكتشفها هي، دمعت عيناها لما تحياه بعد محنتها..عوضها الله بمثله وازداد سخاءه بشفاء أخيها.. كيف تشكره علي كل هذه النعم.. 


_ بسمة.


مازالت صامتة، لن تقدر على الحديث وتلبية ندائه والخجل يقتلها..لكنه لم يصمت والفرصة أتته گ أجمل ما يكون ليهمس لها باعترافه الأول.. اعتراف فتت بقايا تماسكها وأسقط دموعها العالقة بطرف أهدابها،خط باعترافه عنوان اسطورتهما معا

أسطورة هذا الزمان "الأمير والسندريلا "


_ بحبك.. 


أهكذا مذاق اعترافه رغم البعد؟

ماذا لو ضمها وتشبعت بحروفه أذنيها؟

ماذا لو ولفحتها أنفاسه الدافئة وهو يهمسها قريبًا؟

ماذا لو غمرتها عينيه بنظرة زاخرة بعشقه؟


أغمضت عينيها بقوة تحبس تلك اللحظة داخلها كي لا تهرب..الآن فقط علمت أين مآواها.. 

مآواها ليست جدران.. مآواها قلبه.. 

قلب غدى عالمها..ووحده يكفيها.. 

______


قال وهو يرتشف بعضا من فنجان قهوته: 

_ شوفتي حكمة ربك يا كريمة، كنتي بتخططي عابد ياخد بسمة، أهي طلعت من نصيب ابن أختك

_ أديك قلت حكمة ربنا ومشيئته، وأنا خلاص رضيت وبحمده على كل حال، مدام ابني مبسوط خلاص، هو انا عايزة ايه غير كده، وبسمة راحت لابني التاني وماراحتش بعيد.. 

_ ربنا يسعده ويطمنا على الكل

_ اللهم امين.. بالمناسبة كام يوم كده وهروح انا وعبير مع فدوى عشان نتسوق مع بسمة والبنات ونشتري لوازم كتب الكتاب.. 

_ وماله، ابقي خدي معاكي فلوس بزيادة واعملي والواجب مش هوصيكي طبعا ( واستطرد) والله البنتين دول صعبانين عليا، بقوا أيتام ومالهمش حد

_ ماهو عشان كده رايحة معاهم انا وعبير، لولا كده ماكنتش اتحركنا وكان كفاية البنات معاهم، بس عشان نحسسهم ان ليهم عزوة.. ياسين ده ابني مش ابن اختي وفرحانة عشانه فوق ماتتصور.. 


ربت علي كتفها: ما انتي اللي ربتيه يا كريمة. 

وواصل بسرد مشاعره: ياسين غالي عليا أنا كمان هو وناجي، طول عمره أخ لينا مش بس زوج اختك.. 


ابتسمت وهي داخلها راضية بتدبير الله كل الرضا، من يعلم ربما لو تم ما أرادت وتزوج عابد بسمة، ما وجد راحته كما نالها مع ابنة عمه..رب العالمين دبر الأفضل للجميع..هذا يقينها الآن.. 

_____


ألقي بجسده فوق وفراشه والنوم يداعبه بقوة، لكنه تذكر انه لم يحدثها منذ بضعة أيام وهي بالمثل ويجزم انها غاضبة، فامسك. هاتفه واعتدل قليلا وضغط رقمها وانتظر صوتها: 


_ السلام عليكم

‏_ وعليكم السلام يا حبيبة قلبي.. وحشتيني

‏هتفت ببرود:  شكرا

‏_ نعم؟! شكرا؟ ده رد برضو؟؟؟

صمتت وتيقن من ضيقها فقال بنبرة لينة:  ملاكي زعلان مني ولا ايه؟

_ وهزعل ليه وانت عملت حاجة تزعل؟

تنهد وهو يعتدل ليسترخي أكثر علي فراشة وغمغم:  والله ياجوجو غصب عني مش لاقي وقت مشغول جدا الفترة دي بسبب ضغط الشغل..   


وجدها صامتة فواصل:  طب هو انا بعمل كل ده لمين ؟ مش عشانك وعشان مستقبلنا؟


_ ربنا يعينك ياعامر

_ عامر بس؟ مافيش حبيبي ولا عموري حتى؟

طب افتحي الكاميرا ياجوري عايز اشوفك

_ لأ معلش عايزة انام، بكره اكلمك

_ جوري..بقولك افتحي الكاميرا.. 

تنهدت وبعد برهة قالت: اقفل دقيقتين وهتصل بيك


اغلقت ونظرت لهيئتها البسيطة في المرآة وهي ترتدي طقم بيتي برسومات مبهجة، وتقسم شعرها على شكل جديلتين.. همت بتحريرهما ثم توقفت وقالت: والله ما هفك ضفايري.. وان كان عاجبه استاذ مشغول ده


ثم اتصلت به وما ان رآها حتى ابتسم وراقه طفولتها وقرر أن يشاغبها قائلا:  أنا عايز جوري خطيبتي لو سمحتي يا أمورة، روحي ناديها

_ ماعندناش غير اللي قدامك دي

_ بس انتي عيلة أنا خطيبتي كبيرة ومزة تملى العين

_ برضو مافيش غيري

غمزها بإحدي عيناه: طب هاتي بوسة كبيرة لعمو.. 

كتمت ضحكتها بأعجوبة وقالت:  لأ.. 

_ مش عيب بنوتة مؤدبة زيك تكسف واحد زي باباها؟ 

هتفت بعبوس مزيف وداخلها مستمتعة بمزاحه معها: 

_ ومش عيب تبقي كبير كده وتطلب بوسة من عيلة صغيرة؟

_ عندك حق.. المفروض اطلب من خطيبتي حبيبتي

_ مش لما تصالحها الأول

_ انصحيني اصالحها ازاي؟ اصلي مقدرش على زعلها

_وهتنفذ طلبها مهما كان ومش هترجع في كلامك؟ 


تردد لحظات ثم رمقها بحنان وشوق حقيقي وقال بنبرة دافئة:  عايزة ايه يا جوري وانا هعمله


نفذت نبرته الحانية لقلبها..لكنها لن تتنازل عن طلبها فقالت: تيجي بكرة الجمعة تقضيه معايا ونروح النادي مع اخويا ومراته ونتبسط سوا..بقالنا كتير مش اتقابلنا ياعامر وانت مشغول عني خالص حتى مش بتتصل.. عايزة احس اني مخطوبة واني بوحشك.. 


صمت يطالعها وهو يفكر في اقتراحها بجدية، وقته لا يسمح قط بتلك العطلة الآن، هو وظافر يستعدان لافتتاح مطعم جديد، هذا غير القاعة التي يتم تجهيزها لإقامة حفل عقد قران شقيقته إيلاف ومفاجأة بلقيس زوجته في ذات الوقت..أما اعباء الأداراة وتنظيم مواعيد الأوردارات الهامة فهي قصة أخرى..وقته مشحون لأخره..


_ خلاص ياعامر واضح انك مش فاضي فعلا، نتقابل لما تفضي.. ودلوقت تصبح على خير عشان عايزة انام والله.. 


قلبه لا يطاوعه أن تغلق محبطة، لكن ماذا بيديه، صعب ذهابه الآن.. 

_ عامر بقولك خلاص ومتخافش مش زعلانة 

قال بامتنان: شكرا ياحبيبتي انك قدرتي ظروفي.. وهعوضك قريب جدا

_ ماشي منتظراك.. تصبح على خير 

_ مش هتقوليلي كلمة حلوة

_ خد بالك من نفسك وربنا يعينك

_ يعني مستخسرة تقوليلي بحبك وهتوحشني


لم تتجاوب معه وهي تقول متجاهلة استجدائه العاطفي لها:  معلش مش فايقة والله، تصبح على خير يا عامر، انت اكيد تعبان ومحتاج ترتاح، بكرة كلمني لما ترجع من شغلك..

___


اليوم التالي في النادي! 


_ زمزم، تيجي تتمشي معايا؟

_ لا ياجوجو بلاش، مانمتش كويس وحاسة بكسل كبير وجسمي مكسر، حابة اقعد مع طنط وماما وبابا جايين بعد شوية، وكمان عشان اخد بالي من مهند اللي شقاوته زادت الايام دي، مش عايزة اغفل عنه

_ ماشي يا زوما براحتك، شوية وراجعة(  ثم حدثت والدتها) عايزة حاجة يا ماما؟

_ لا ياحبيبتي، بس ما تتأخريش كتير ، شوية وعابد يجي مع ابوكي وعمك ومراته عشان نتغدى كلنا.. 

_ حاضر مش هتأخر.. 

…… .

تسائلت كريمة. بعد ذهابها:  هي جوري مالها يا زمزم؟ شكلها مش عاجبني من الصبح. 

_ والله ما اعرف يا طنط، مش قالتلي حاجة خالص، بس ولا يهمك بطريقتي هخليها تحكيلي مالها، اطمني

_ ربنا يطمني عليكم كلكم يا بنتي. 

_____


تسير شاردة وعيناها تتجول على ما تمر به دون. تركيز.. كانت تتمنى حضوره رغم مشاغله..داخلها تمني أن يأتي لأجلها ويثبت لهفته عليها..خاصتا انها تفتقده بشدة..لكن على ما يبدو لم يشتاق إليها.. لو كان كذلك لوجد وقتا لها مهما كانت أعبائه..تنهدت زافرة بما يعتمل بقلبها وجلست على الحشائش الخضراء بعد أن توجعت قدميها من السير الطويل، وأهتز هاتفها وبصرت رقمه فردت بلهفة:  عامر انت جاي صح؟ ثم تداركت أمرها: قصدي عامل ايه؟

_ الحمد لله ياحبيبتي، أنا بكلمك من شغلي وقلت اصبح عليكي

قالت بلمحة احباط بصوتهع لم تُخفى عليه:  ربنا يقويك ياعامر وصباحك ورد..


_لو "ورد"  شبه اللي في البلوزة بتاعتك اللي انتي لابساها دلوقت يبقى ضمنت إن يومي جميل.. 


جحظت عيناها بذهول وهي تتلفت حولها لتصطدم به يقف خلفها مبتسما ووسامته تتألق بجاذبية جمة، ترقرقت عينيها فرحة لقدومة، فجثى وجلس جوارها وهمس بنبرة دافئة: رغم تعبي معرفتش أنام طول الليل لأنك زعلانة، وانا ما يهونش عليا زعلك يا ملاكي.. وحشتيني اوي.. وانهاردة هقضيه كله معاكي..


ثم قبل ظهر كفها وغمغم:  مبسوطة؟

همست وقلبها يرفرف لمفاجأته التي جبرت بخاطرها وأعلمتها كم هي غالية عنده:  مبسوطة اوي انك جيت وماهونتش عليك..انت كمان وحشتني، وحشتني بجد يا عامر.. 


منحها نظرة مفعمة بحبه مكتفيا بالصمت، لتبادله مثلها وأكثر واعدة نفسها بيوم مميز بصحبة حبيبها الذي أتاها رغم انشغاله..


وبعد تواصل بصريهما بحالمية مشاعرهما قال: 

انا عديت على اخوكي ووالدم والكل سلمت عليهم وعرفتهم انك هتكوني معايا باقي اليوم وهرجعك بالليل وانزل القاهرة بعدها..أظن كده هبقي صالحتك ومالكيش حجة تزعلي..


اندفعت تقول:  بحبك ياعموري.. 

فاقترب هامسا بأذنيها:  يابنت اللذينا نفسي تقولي الكلمة دي في حتث فاضية عشان اعرف ارد بطريقتي. و


ضحكت بانطلاق:

أنا كده احب الهيصة والأماكن الزحمة ياعمري.. 

……………


مضى الوقت متجولا معها في شتى الأماكن التي اختارتها بين أرجاء النادي وتشبعا أحاديثا وشوقًا انضما لعائلتها، وانقضى اليوم بأجمل مما تمنته..رغم انه بدأ بحزن، انتهى بحصيلة ذكرات رائعة ستضاف لرصيد لحظاتهما معا.. 

____


أنهت المكالمة وجلست جوار شقيقتها تغمغم: 


_ سلوي بتأكد علينا عزومتهم لينا بكرة، وعلى فكرة هي مش راضية تيجي معانا واحنا بنجيب فساتين كتب الكتاب الأسبوع الجاي لما عرفت ان نسايبك جايين يا بسمة، حاولت اقنعها اننا هنكون بنات مع بعض مافيش فايدة..


لم يبدو عليها أنها سمعتها مع شرودها في ذات الأمر، لم تشأ أن يذهب معهم أحد من أهل ياسين.. هي وشقيقتها يرتادو أماكن متواضعة لشراء لوازمهما بأسعار مناسبة، هل يناسب جوري أو عطر وزمزم ما يناسبهم؟ بالطبع لا.. لما إذا يضعوها بهذا المأزق؟


_ مالك يابسمة مابترديش عليا ليه وشكلك مضايق؟


امتلأ صدرها بالهواء ثم زفرته: مش عاجبني حد يجي معانا ياحنين.. انا وانتي هنروح نجيب لوازمنا من اماكن معينة، واكيد مش هتناسبهم.. 

_ ياستي لو لقيناهم هيروحوا اماكن غالية، نستأذن منهم ونروح نجيب من مكان مايعجبنا..سهلة يعني.. وبعدين  انا ببصلها من زاوية تانية خالص، واضح انهم عايزين يلغوا المسافات بنا ويحسسونا انهم مش اغراب عننا.. الناس دي بجد محترمة اوي يابسمة وتصرفاتهم نابعة من أخلاق عالية..


_ وانا معاكي في كل كلمة.. بس مش عايزة حد يكون له فضل علينا زي ما اتربينا.. احنا لينا ظروفنا اللي لازم نقتصد عشانها..انتي ناقصك حاجات كتير لأزم تتجاب في جهازك، وياسين عايز كسوة صيف وشتا كاملين..فأنا هجيب حاجات مناسبة ومش غالية، لكن وهما معانا هتأيد شوية.. 


_ ماتقلقيش كله هيعدي على خير.. وعلى فكرة احتمال يكون خطيبك هو اللي وصاهم يبقوا حواليكي عشان يعوضوا غيابه..الشاب ده راجل أوي وبيحبك جدا يا بسمة.. حتي وهو بعيد بيراعيكي.. والله ده دعوة امي وابويا ليكي..وانا فرحانة عشانك اوي لأنك تستاهليه يا اختي.. 


تعانقا دامعين ثم غمغمت حنين:  شوفي حالنا من كام شهر كان ازاي ودلوقت بقى ايه؟ كنا حاسين اننا لوحدنا ومافيش لينا في الدنيا سند.. بس ربنا خلاني اعرف قيمة خطيبي واحبه اكتر بعد وقفته جمبي هو واهله.. وانتي بعتلك ياسين بكل عزوته وصيته وحبه اللي مافيش عين تنكره.. انتي سندريلا اللي فازت بالأمير.. 


ابتسمت وهي تجفف دموعها: طول عمرك كنتي مهوسة بقصتها.. بس امنيتك اتحققت فيا انا. 

_ بالعكس، أنا كمان بعتبر نفسي سندريلا.. صحيح أميري فقير ومعندوش قصور بس عنده الأهم..الحب، الاحتواء،الحنية..الرجولة، أنا اكتشفت إن عبد الرحمن بيحبني اوي.. وانه راجل أصيل يابسمة.. لما الدنيا مالت بيا كان ضهري، سترني انا وانتم وحافظ علينا، ولسه كل يوم بيكبر في عيني وقلبي.. هو اميري..

ثم مازحتها: انا سندريلا 2020  نسخة مختلفة من قاع الحارات مش من اعالي القصور..


ابتسمت قليلا لدعابتها وقالت:  ربنا يهنيكي ياحنين ويسعدك.. 

_ اللهم امين، المهم تعالي بقى نتعشا وننام بدري عشان نكون فايقين بكره، احنا هنروح عند حماتي من الصبح، وعبده هيعدي ياخدنا.. 

_ طب اخوكي فين؟


_ "ياسو" أكل سندوتش جبنة مع كوباية لبن ونام.. 

_نوم العافية، طيب أنا مش جعانة ياحنة، بس عايزة حبة شاي من ايديكي الحلوة.. 

_ شاي بس؟ لا أنا هعمل معاه سندوتشين صغيرين لينا ومافيش اعتراض.. دقايق وجاية..


تركتها فعاد عقلها يعج بأفكاره وحساباته وفيما يخئبئه الغد..!

_____


صاح وهو يسير جواره: 

_ في تشكيلة بدل في مول "… " تجنن يا ياسين، تعالى نختار واحدة منهم ونظبطك ياعريس. 

_ لا انا محضر طقم بسيط يا احمد، انا عايز بس شوز وذراير وبرفان

يزيد:  طب ليه يا ابني مش هتشتري بدلة؟ ده كتب كتابك يا ياسين مش يوم عادي

_ عارف والله بس مش حابب ابالغ في مظهري، في احتفال الدُخلة هبقي اخد راحتي واجيب حاجة فخمة.. 


تبادل مع أحمد نظرات متعجبة لمنطقه، لا يعلمان أن سر تصرفه هو أن يبدو بمظهر بسيط كي لا يستعرض أمام عبد الرحمن بثراءه لأن الأخير سيشاركه ذات الاحتفال.. هو عريس مثله ومؤكد لن يشتري بدلة فخمة يحضر بها.. 


_ طيب مادام في حاجة انت مجهزها ومرتاح ليها تمام، تعالى نكمل اللي ناقصك عشان نسافر المنصورة انا وانت بدري.. ثم واصل يزيد محدثا احمد:  برضو مش ناوي تجيب أمونة وتيجي؟ يابني ليكم مكان هناك والله 

_ والله لولا حالة حملها اللي متطلب الراحة كنا حضرنا عادي، معلش خليها للزفاف واهو هيكون في القاهرة يعني اقرب، وتكون مراتي حالتها استقرت اكتر

ياسين:  ربنا يقومها بالسلامة يا ابو حميد، خلاص تتعوض في الليلة الكبيرة. 

_ تسلم يا سينو، بإذن الله.. طب يلا ننطلق على بركة الله نشوف هنشتري ايه.. 

_______


مستلقية برأسها على ذراعه صامتة على غير عادتها لم تثرثر او تقص له ما فعل مهند، فارتاب في أمرها وتسائل:  زوما، مالك متغيرة انهاردة وتقريبا ماسمعتش صوتك، ايه شاغلك كده، اعتدلت تنظر له نظرة طالت ثم مررت أناملها على وجهه هامسة: فرحانة

اعتدل وقال:  عشان بكرة هنعمل عيد ميلاد مهند يعني؟

_ أيوة.. بكرة يوم مهم في حياتنا..

ابتسم وعاد يستلقي وضمها: بأذن الله نعمله حفلة جميلة، بس لو تسمعي كلامي ونحتفل برة بدال ماتتعبي. و

_ لأ.. أنا اللي هعمل كل حاجة بإبدي.. 

ثم ارتفعت قليلا عنه لتعلو وتنظر لوجهه ثم قبلت جبينه قبلة مطولة وهمست: أوعدك ان بكره هيكون يوم له ذكرى ماتتنسيش


حاوط وجهها وتأملها مليا:  أنا حاسس ان فيكي حاجة غريبة. 

ابتسمت وعادت تحتل صدره: بيتهيئلك.. يلا بقي ننام عشان بكره عندي حاجات كتير هعملها.. 

_____


ربما للمرة العاشرة تتفقد ما صنعته قبل عودة زوجها..الطعام، قالب التورتة.. الأطباف المميزة..الفناجين.. كاسات العصير..الزينة.. كل شيء صار جاهزا لاستقبل عيد الميلاد المميز..اليوم ستدون تفاصيله بدفترها الخاص..اليوم ستحيا لحظة جديدة گ عهد كل شيء تعيشه مع عابد حبيبها.. قطعة القلب والروح.. 

…………. 


صدح صوت وهو يضع ما جلبه معه من هدايا: 

_ زوما.. مهند انتو فين

-خليك واقف اوعي تتحرك..


هكذا صاحت عليه قبل أن يدخل لغرفة الاحتفال وغممت عيناه بوشاح.. وجذبته برفق عده خطوات ثم بحرص فكت رباط وشاحها ليرمش قليلا ثم بدأ بصره يستقر على طاولة مزينة بشكل مبهر..قالب التورتة المزين بعجينة السكر الملونة. مرسوم عليها شيء ما لن يدركة من الوهلة الأولى و… ..

صمت يتأمل رسمة القالب بتركيز أكتر.. هو يعرف هذا الشيء جيدا، إنه…


اتسعت عيناه بعد أن أدرك ماهيته أخيرا، التورتة مزينة باختبار حمل يحمل شرطتين باللون الأحمر،.ثم بصر فوق الطاولة كارت صغير مكتوب عليه عبارة " موعدنا بعد سبعة أشهر" الآن أدرك كل شيء..زمزمه تحمل طفلهما الآن..حبيبته حامل.. حبيبته ستجعله أبًا..سيصبح لديه قطعه تشبهه.. قطعه تخصه ويحملها بيديه بعد سبع شهور.. 


التفت ليجد وجهها غارق بالدموع، فجذبها إليه بعنف لم يقصده وغمسها بين ذراعيه داسا وجهه في عنقها يكتم بكائه.. لكنه لم يقاوم كثير وبكي.. ربما لم يحدث أن بكى من قبل بتلك الطريقة.. ولم تكن افضل منه حالا.. هي ايضا تبكي..رب العالمين منحهما هدية ونعمة علمت بها منذ يومان فقط.. لذا قررت ان تقيم حفل عيد ميلاد مهند ليتشاركا نفس الذكرى.. اليوم تحتفل بطفليها معا.. وبعد أشهر ستكبر عائلتهم بقدوم فرد جديد..الفرحة تذيبها بين ذراعيه وهي تتمتم بكلمات الشكر.. وأخيرا حررها ليحتوي وجهها ويقبل شفتيها ليعبر عن فرحته بطريقته..ثم ابتعد عنها هامسا:  عشان كده كنتي متغيرة

أجابت:  أيوة.. كنت عايزة افاجئك.. ومحدش لسه يعرف غيرك ياحبيبي.. 

ضمها إليه:  الحمد لله يارب.. حلمي اتحقق.. اولا ارتبطت بيكي ودلوقت منتظرين طفلنا

_ بعد سبع شهور بأذن الله.. نفسك في ولد ولا بنت

_ مش هتفرق.. المهم يجي بالسلامة وانتي تكوني بخير


ابتعدت عنه لتنظر لمهند الذي كان يراقبهما بدهشة وعينياه الصافية متسعة وفمه منفرج لا يفهم شيئًا، فضحكت:  شوفت مهند مذبهل وفاتح بقه ازاي؟

تركها والتقطه وراح يقبله وهي يقول:  هايجيلك اخ صغير يامهند تلعب معاه.. فرحان؟

الصغير مرددا خلفه بكلمة منقوصة الحروف ( فحان) عاد يقبله وقال:  وانا كمان فحان يا روحي..ثم استأنف بحماس:  خلينا بقي نركز مع ابني حبيبي اللي عيد ميلاده انهاردة.. عشان افتحله الهدايا الكتير اللي جبتهاله..وتمت مراسم احتفالهم بالصغير الذي لم تنقطع ضحكته وعابد يمزح معه ويطعمه من الحلوى بيديها


ثم نظر لها مواصلا: في هدية كنت شايلها لابني الأول ودلوقت جه آوانها.. 

قالت وهي تملس على موضع جنينها: 

بس ابننا لسه بدري علي ما يجي.. 


نظر لها مليا مدركا أنها لم تفهم مقصده فضمها قائلا: لا.. ابني الأول هو مهند يا زمزم.. ولا انتي فاكرة خبر حملك هيغير معزته ومكانته في قلبي؟ مهند اول فرحتي وفرحتك.. ثم صمت وجذبها جوار صندوق كبير مطبوع عليه رسومات مغرية للعين لاحظت انه جلبه معه بالفعل

كشف محتواياته فوجدت كتب صغيرة الحجم لتشهق گمن عثرت على كنزا:  مش ممكن.. دي كل مجموعة روايات مصرية للجيب.. سلسلة رجل المستحيل وملف المستقبل وغرناطة و..

أكمل معها:  وماوراء الطبيعة للغائب الحاضر دكتور أحمد خالد توفيق..كل اللي اشتريته وقرأته ورافقني في طفولتي وشبابي هنا.. 


_ الله يا عابد.. ده انا هتسلى عليهم كلهم وهعيد قرائتهم تاني، خصوصا ان فيهم ريحة طفولتك ياحبيبي.. 


قبل رأسها( حبيبة قلبي ) وجلس جوار الصندوق ففعلت مثله هي ومهند الذي يتوسطهم وعيناه تتأمل محتويات الصندوق بفضول ويده تعبث بهم بشكل ينذر بالخطر

فصاح عابد: لا يا هوندا اوعي تقطعهم..دول هديتي ليك لما تكبر شوية..ساعتها هنقعد نقرأ سوا في الجنينة


وواصل وهو يعبث بشعره: تعرفي يا زمزم ياما اتمنيت لما يكون عندي ابن أورثه شغف القراءة.. واعتبرت كتبي القديمة دي حاجة خاصة وغالية من رصيد ذكراياتي عشان كده كنت محافظ عليه جدا.. ومهند هو اللي هينقلها لأخواته ، بس بما إنك بتحبي القراءة انتي كمان قلت مش خسارة فيكي تشاركينا.. 


اختزلت كل مشاعرها في بنظرة مفعمة بحبها..عابد اعتبر طفلها هو الذي سيورثه كتبه التي حملت عبق طفولته.. كل يوم يثبت لها أنه أبيه قلبا وقالبا.. ماذا تفعل لتكافئه.. لا تجد شيء يليق به.. لا شيء.. قبلته قبل أن تهمس: كل يوم بتخطف قلبي زيادة وتزيد احترامي ليك يا عابد..


ثم حاوطت خصره ودست رأسها على صدره قائلة: 

ربنا يخليك لينا يا بودي ومايحرمناش انا وولادنا منك.. 


قلدها الصغير بغيرة وهو يقتحم صدره وينحشر فيه بجسده الصغير متمتما:  آبد.. 


ضحكا سويا لغيرته وظلا يداعبانه لتكتمل في حياة ثلاثتهم ليلة مميزة..وبعد أشهر قليلة سيكون رابعهم قابعُ في ركنٍ ما يشاركهم لحظة مماثلة..

____


بتوقيت مبكر گ عادتها هي وزوجها مؤخرا، جلسا في الحديقة يتناولان الشاي مع بعض المعجناتة الخفيفة..ليقطع هدوئهم صوت مهند: 


_تتة..ددو ..إيما.. تتة


لمحت كريمة الصغير يهرول تجاهها هي وأدهم، فنهضت متلقفة إياة بحب: حبيب تيتة إيما.. صباح العسل والسكر.. 

وجدته يمنحها ورقة وهو يقول بكلمات مبعثرة: 

_ماما.. آبد..بي بي..


_ حبيبي؟ عابد حبيبك يعني.. طب وانا وجدو أدهم؟

_ ددو.. إيما

ضحكت قائلة: بموت في اسمي منك يا واد يا مسكر انت


وأخذت الورقة منه ووضعتها على الطاولة وراحت تقبله لتشبع منه فصاح أدهم وهو يجذبه منها:  هاتي اصبح عليه انا كمان  قبل ما امشي، وتحدث وهو يدلل الصغير فوق قدمه:  

_صباح الخير يا روح جدو.. ده انا حظي حلو او انك صاحي بدري انهاردة.. يلا أدي جدو ادهم بوسة هنا


لثمه الصغير قبلة ناعمة علي خده، فقالت كريمة:  فين زمزم وعابد يا هوندا.. مش نازلين معاك ليه؟

أشار بيده تجاه شرفة والديه: آبد.. زمم.. 

أدهم:  لسه فوق يعني.. يعني نزلت لوحدك ياشقي انت


_ أدهم! 


صاحت عليه وعيناها تطوف علي الورقة وهي دامعة، لا تصدق ما أدركته..صمتت بشكل أوجس زوجها فتسائل: 

مالك يا كريمة بتبصي للورقة كأنك شايفة حاجة عجيبة، وريني كده فيها ايه؟


والتقطها من بين أناملها ليأخذ دوره في الذهول الذي تدرج لفرحة أدمعت مقلتيه هو الأخر وهو يهتف بصوت متهدج:  مرات ابني حامل.. زمزم هتجبلنا حفيد يا كريمة


لم تجيبه وانفعالها بالخبر جعلها تبكي ليظهر عابد وزمزم جوارهما ويتعانقوا معهما تباعا متشاركين فرحة هذا الخبر السعيد، لتقول زمزم بعد هدوء عاطفة عناق كريمة:  مهند كان بيقول لحضرتك "بيبي" بعني نونو بس مافهمتيش قصده.. أنا قلت مافيش احسن منه يوصلكم الخبر ده.. وانا اللي رسمت الرسمة اللي في الورقة عشان اوضحلكم الخبر اكتر.. 


عابد وهو يضم رأس والده لصدره:  مبسوط يا دومي.. هنغرقلكم البيت أحفاد.. بس محدش يرجع يشتكي ويقولي ولادك بيلعبوا في كل حاجة ومقطعين ورد الجنينة.. 


ربت أدهم على ظهره ومازال منفعلا بالخبر:  ده يوم المني اما عيالكم يطنططوا حوالينا.. عقبال يزيد وجوري يارب

زمزم:  بإذن الله ياعمو.. هانت ويزيد يتجوز هو وجوجو وتفرحوا بولادنا كلنا ويبارك لينا في عمركم .. 

عابد: اللهم أمين، أمال هي فين البت دي؟ 

كريمة:  لسه نايمة، دي هطير من الفرحة وتوقع منها رد فعل مجنون زيها..

ثم جذبت زمزم جوارها وقالت:  اسمعي بقى من هنا ورايح انا اللي هشرف على أكلك.. مافيش اي مجهود من اي نوع.. مافيش شاي وقهوة وكابيتشينو.. هتاكلي المفيد وبس ..


تألقت عين عابد براحة جمة وهو يرى اهتمام والدته وفرحتها بخبر حمل زوجته، تذكر سريعا موقفها السابق وتعجب تقلب الأحوال، لكنه حمد الله على كل ما حصده، وبينه وبين ربه الكثير الذي سيقدمه ليشكر له نعمته وفضله الواسع.. 


_ عرفت اخوك يا عابد وفرحته؟

_ لسه يا بابا، زمزم قالتلي الخبر ده بالليل، وبصراحة حبيت اعرفك انت وماما الاول وهروح اهو اتصل بيه وهنكلم طنط عبير وعمو محمد.. الدنيا كلها هنعرف


صاحت كريمة:  طبعا كله لازم يشاركنا فرحتنا

أدهم:  أنا هقوم اقول لمحمد ومراته يجوا ونقولهم احنا ونقضي اليوم كلنا سو ونحتفل احتفال صغير كده.. 


كريمة:  خلي مهند يقولهم بنفس الطريقة، هيفرحوا اوي

زمزم:  طيب حفظي بقي مهند هيقول ايه ..

_ اي حاجة هيقولها عبير هتفهمها، انا اللي لسه بتوه في كلامه.. 

عابد: يبقي هصورهم هما كمان زي ما صورت رد فعلك انتي وبابا فيديو من أول ما مهند جري عليكم وقالكم.. عشان نحتفظ به للذكرى.. 

أدهم: يادي الفضايح، طب والدتك عادي، لكن انا هتخلي حفيدي يشوفني وانا بعيط.. لا مش ممكن.. 


لثم عابد رأسه بحنان وقال:  بالعكس يا بابا.. فرحتكم دي احسن حاجة شوفتها..ربنا يقدرني انا واخواتي ونسعدكم دايما ويديمكم لينا طول العمر يا غاليين.. 


هل اعجبك الموضوع :

تعليقات