القائمة الرئيسية

الصفحات

عند مفترق الطرق الحلقه الرابعه (نوفيلا)

 عند مفترق الطرق الحلقه الرابعه (نوفيلا)

الحلقة الرابعة ..


مرّ شهر وتلك الهواجس لم تترك له غفوة ولا فوقه حتى نضجت بالقدر الكافي، عُقبت بالموافقة أخيرا بعد رؤيته لصور الفتاة التي أحبها مع زوجها تعتلي صفحتها الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي "فيس بوك" وهي تلتصق به التصاقا في عدة مشاهد تشي عن سعادتها الغامرة معه ..

عند مفترق الطرق الحلقه الرابعه (نوفيلا)


حينها فقط قرر أن يُسعف ما تبقى من حياته هو أيضا، لهذا كانت فحوى المكالمة التالية لصديقه ..

- "راشد" يا ترى هيكون رد فعل "بنان" إيه لو أنا اتقدمتلها ؟!


صديقه الذي تلقى رعد جملته بتشويشٍ واضح عصف به في واديٍ من التيه، مما هتف دون استيعاب كالآبله ..

- ها .. "بنان" مين !


مع هتافه المندهش ذاك تدارك "مالك" ثقل ما هتف به عليه، لهذا تمتم بنبرة متسائلة ..

- هو أنا للدرجة دي قلت حاجة مش متوقعة ليك يا صاحبي ..


لمس "راشد" عتابه المبطن بين همسه فعاجل بمرضاته.. 

- لا...ماأقصدتش! .. 

إلا إنه عاد يفضل خطى الوضوح قائلاً.. 

ـ أقولك بصراحة يا "مالك".. أه أنا اتفاجأت .. دي أخر حاجة كنت أتوقع اسمعها منك ..


ازدرد ريقه ثم همس بغموض هادئ لسبر أغوار صديقه ..

- عشاني ولا عشانها! 


وقع "راشد" في الفخ حين صاح مندفعًا دون تأنّي ..

- "مالك" أوعى تنسى أن قلبك كان مشغول بغيرها .. وعشان كده لازم أقلق عشانها طبـعـ... .. 


- كاااااان !


قطع "مالك" جملته بتلك الكلمة وهو يواصل بغضب مكبوت ..

- أنت قلتها أهو 'كان' يعني فعل ماضي اتنسى ومعدش ليه وجود .. غير أن متذكر كويس قوي أنك قلتلي من قريب أن انسى وأبدا من جديد مع انسانة تانية ألحق أيام عمري معها قبل ما تضيع .. ولا أنا فهمت غلط ..


استنشق "راشد" شهيقًا عميق ثم زفره بتمهل وهو يتمتم بنفي ..

- لا يا "مالك" مفهمتش غلط ولا حاجة .. بس على ما أتذكر أن أنا كمان برده قلت حب تاني مش انسانة تانية ..


- وتفرق بأيه ..


ضغط "راشد" على أرنبة أنفه بقوة كي يتغلب على بادرة غضبه قبل أن تلفح حديثهما، وبالفعل اجتازها وهو يجيبه بهدوء مخيف ..

- أنت عارف كويس تفرق بأيه .. تفرق أن قلبك لسه مش مستعد .. تفرق أنك عاوز أي واحدة والسلام لمجرد أنها تجبلك كام عيل وتعملك بيت وعيلة !


- بتهيئلك !


اندفع بها ثم صمت قليلا ليواصل بتهكم مبطن .. 

- آلا الحب العظيم يا دكتور اللي بين أبهتنا وأمهتنا واتبنى أعظم قصص تضحية من وراه كان أساسه إيه؟! .. مش العشرة برده ولا أنا غلطان! .. 


على أثر هذا تراخت معالم "راشد" ثم تنهد ببطء مرددًا ..

- لا مش غلطان ومعاك كمان في اللي قلته بس ده في حالة أن الانسان يتقي ويراعي ربنا في اللي بين إيديه ..


- وأنا إيه في نظرك ..

همس بها بخفوت ثم استرسل بنبرة حادة مضادة ..

- رد وقلي شايفني أزاي يا "راشد" .. شايفني عيل طايش مش مقدر مسئولية الزواج ولا عارف ربنا وحدوده وبالتالي هيظلم الإنسانة اللي تحت وصيته .. 


طال صمت "راشد" ولم يجيبه كأن بصمته الخجول هذا ينفي عنه كل تلك الصفات الشنعاء، فطالما عاهده دمث الخلق، رحيم التعامل، ليّن المعاشرة، إذا أحب أجاد حرفته، وإذا بغض أتماها بإتقان رغم ما يعتلي صدره .. لهذا ازدرد ريقه هامسًا ..

- لا وألف لا طبعا .. أنت صحبي من عشرة سنين مش من يوم وليلة..

ثم علّىَ بنبرته محتدا ..

- بس يا "مالك" البنت بجد رقيقة وخام ومش حمل صدمات وأنا خايف علـيـ..

وعى لحديثه المهترئ فمسح على وجهه بعنف وهو يعيد ضبط إنفعاله بكلمات خرجت دون تجمّل گ نصل السيف ..

- "مالك" أرجوك لازم تتأكد أنك شفيت الأول من موضوع "سارة" وأن ذكراها مش هيأثر بالسلب عليك لو حتى واحد في المية .. وبعدها خلينا نتكلم ..


- ما هو عشان اتشفي لازم مضاد حيوي عالي التركيز وتجربة تانية أنسى بيها الماضي.. غير أن من شهر وأنا بحاول ومش ناوي استسلم .. 

رددها بأقتضاب صارم ثم استأنف بجمود مخيف ..

- هتكلمهم ولا أكلمهم أنا ..


بادره "راشد" بالرفض العاجل وهو يجود بتوضيحه ..

- لا.. لا أرجوك .. 

ثم استأنف بعد لقط أنفاسه ..

- سيبني أنا على الأقل امهد لهم الموضوع الأول ..


بنبرة رضا راح يجيبه بزفرة مسموعة ..

- تمام وأنا مستني ردك ..


-----------------------


- " مش موافقة " !


خرجت منها بكبرياء لم يشوبه التردد .. وهي التي لو رجع بها الزمن قليلا لهللت بالقبول طربًا عليه، ورقصت على أصابع قدميها حتى الصباح من فرط السعادة .. 


مهلا هي للآن لا تصدق أنه جاء ببابها حقًا !


ولكن دقات قلبها الصاخبة بين ضلوعها، وتهدج أنفاسها المضطربة، وشقيقتها الماثلة أمامها لتتلقى إجابتها بصحبة والدتها بنظرتها المتراخية المتسولة لها بالموافقة يأكدون عليها بحقيقة الأمر ..


إذًا "مالك" ببابها يرغبها گ زوجة دونما غيرها بعد تلك السنون المريرة! كم تمنت ذلك ودعت له .. كم حفظت نفسها وعفت فؤادها لذلك الحُلم .. إلا عند تحقيقه لم يكن الأمر بتلك البساطة التي تخيلتها عليهِ حينها ..


الآن لم تشعر بالسعادة ولا بالرغبة بالقرب، الآن هي عاتبة، ناقمة عليه وهو يتذكرها گ بديلٍ لجرح قلبه وليس أكثر ..


تدحرجت عبراتها واحدة تلو الأخرى وجف حلقها عند تلك الحقيقة المؤلمة، عازمة على اختيار درب العنوسة للأبد ولا أن تخطوا إليه گ دهان حيوي لتطيب جرح قلبه المتقيح ..

مُيقنةٌ أن لقبها ذاك ليس بوصمة عار ولا عيب .. طالما ستنقذ روحها من دكة البدلاء ..

دكةٌ هي فيها گ غيرها من الأنثيات مجبرنَّ على تقبل بقايا قلوب رجال جاءت تطرق بباهنَّ .. لا يحق لسكناها الاختيار بكبرياء گ بقية امثالهنّ الصغريات!


على أثر هذا رفعت راحتها تكمم بها شهقاتها الوليدة والمتدافعة، تزامنا مع تعقيب والدتها المنصدم ..

- "م.. مش" إيه! .. ومن أولها كده من غير ما تتكلمي معاه ولا تعرفي طباعه وعيوبه عشان ترفضيه .. 

ثم اشاحت براحتها في غضب وهي تواصل ..

- وبعدين عيب إيه اللي هطلعيه فيه أنتي مش واعيه لنفسك ولظروفك .. دا العريس الوحيد في اللي اتقدمولك تقريبا اللي مفهوش عيب ولا يترفض خالص .. دكتور أبن ناس له وظيفته المحترمة واخلاقه اللي ما يختلفش عليها اتنين غير وضعه المادي المرموق وسنه المناسب ..  يعني طاقة السما اتفتحتلك وعمرها ما هتتفتحلك تاني في السن ده .. 


على أثر ما سمعته وشى وجهها عن ابتسامة جانبية تهكمية فها هي لم يعدي على حديثها الذاتي ثواني حتى طبقه أول المقربين إليها في حديثه، والدتها التي ما أن حُكِمت في أمر يخص ابنتها حتى غلبها التفكير المجتمعي العقيم رغم مكانتها العلمية الجيدة في ذاك المجتمع .. والدتها التي أخذت بالأسباب الظاهرية وتغاضت عن سؤالها الجوهري الحقيقي للرفض لمجرد أنها تخطت سن الزواج المعتد به في حكم الأرياف .. لهذا دون وعي بادرت الهجوم بهجوم مضاد وهي تصيح بنبرة حانقة مع دموعها المنذرفة ..

- عرفه أن مواصفاته ميختلفش عليها اتنين وأنه عريس لقطه وما يتعوضش لأي بنت في سني وعايشة في منطقة ريفية زي منطقتي .. بس مع ذلك يا ماما بقول "لا" وألف لا خاصة ليه هو بالذات ..


حين سمعت تصميمها الراسخ على الرفض فلت لجام اعصابها وهي تصرخ بنبرة غاضبة خيوط الخوف والقلق داخلها ..

- أنتي ناوية على جناني في العمر الكبير ده أقسم بالله .. أنتي مش حاسه بنفسك ولا بعمرك ولا بكلام الناس حوالينا .. ولا بوجعي كأم وقلق باباكي المريض هو كمان عليكي .. أنتي ا...


- مااااااما .. 

صاحت بها "ماهيتاب" على أثر تصاعد الأمر بينها وبين شقيقتها "بنان" لهذا راحت تقبض على ذراع والدتها بدفع رؤوف لخروجها خارج الغرفة وهي تواصل .. 

- معلش خليني أقعد معها لوحدنا شوية صغيرين بس لو سمحتي وصدقيني الوضع هيكون بعدها مرضي للطرفين بأذن الله .. 

إلا أنها شعرت بتعند والدتها فقالت متوسلة ..

- ماما .. أرجوكي ..


نقلت الأم عينيها الغاضبة من عليها إلى ابنتها الثانية وهي تجيبها بنفاذ صبر ..

- أتفضلي يا ست "ماهيتاب" أقعدي معها زي ما أنتي عاوزه بس لعلمكم قبل ما أخرج أنا مش هستنى نتيجة جلستكم السرية لأن العريس ده بالذات بابا موافق عليه وأنا كمان ومش هنرضى بدلعها الماسخ ده زي كل مرة لأن القرار معدش راجع ليها لوحدها طول ما أحنا شايفين نظرات الناس المتشككة بتزيد حوالينا ..


انهت تحذيرها المميت ثم خرجت بزوبعة نارية من حيز الغرفة التي صفعت بابها خلفها بقوة وعنف في ظل مراقبة الفتاتان لفعلها أحداهما بأعين باكية والأخرى باستسلام والتي شرعت صاحبتها تربت على كتفها هامسة بحنان ..

- متزعليش منها أنتي عارفه أنها بتحبك قد إيه ونفسها تطمن عليكي وتشوفك متجوزة في بيت عدلك .. وبصراحة الرفض المستمر منك ده لأي عريس يخلي أي حد يقلق ويفلت أعصابه .. حتى أنا ذات نفسي بقيت نفسي أعرف "لا" ليه يا "بنان".. ليه قفلة على نفسك بالشكل المخيف ده لدرجة حسيت أن عقلك كبر وعجز من كتر التجارب اللي مر بيها!


محت عبراتها المتساقطة بكف يدها وهي تجيبها بوجوم ..

- لا وخلاص من غير ليه ..


وعت "ماهيتاب" لحالتها المستعصية والمستجدة بذات الوقت على شخصها الهاديء الحنون، فتنهدت ببطء وأخذت الهدوء واللين طريقا لقلبها هامسة ..

- مش لا وخلاص.. لأن أنا أول مرة أشوفك بترفضي حد وبتعيطي بالشكل الهستيري ده .. 

مواصلة بتودد.. 

- بنون أنا أختك حبيبتك اللي عمرك ما خبيتي عليها حاجة .. صارحيني وقوليلي رافضه "مالك" ليه خاصة أن رأيي أنا كمان من رأي ماما وبابا مش شايفة أي عيب فيه .. فقولي لينا على سبب واضح أنتي شيفاه أو عرفاه عنه وأحنا منعرفهوش وصدقيني أنا أول واحدة هتقف معاكي وهتساندك .. إنما كده هيبقى موقفك صعب وبصراحة مضطرة أقف معاهم في وجهة نظرهم ..


شعرت أن شقيقتها تحاصرها بشقي من نار فقالت هاربة ..

- مش عارفه ليه! .. وأنتي بالذات اللي حكيالي على موضوع حبه الافلاطوني وتضحياته ليه واللي انتهى بسفره وكرهه للبلد ورفض الرجوع ليها من يومها ..


همهمت تجيبها بتفرس وبطء ..

- ومين قالك أن أنا مسألتش في النقطة دي بالذات .. واللي عرفته أن "راشد" كمان ماسبهاش ولا اتهاون فيها أبدا إلا لما عرف أن الموضوع بقى بالنسبة ليه ماضي مش أكتر عدى عليه أربع سنين بحالهم هي اتجوزت فيهم ومبسوطة مع جوزها زي ما أنا سمعت من بعيد لبعيد .. يبقى ليه هو كمان ما يشوفش مستقبله وحياته .. وبعدين يا ستي عندك فترة الخطوبة قدامك اتأكدي فيها زي ما أنتي حابه ومفيش حد هيقدر يغصبك ساعتها .. إنما كده ومن الأول ومن غير ما تسمعيه محدش هيقدر يوافقك فيها .. 


نهضت تستقيم من جوارها تتمتم بإباءة مجروحة ..

- وليه احط نفسي في تجربة فاشلة من البداية وأدي لنفسي عشم مش هيتحقق .. مقدرش 

ثم استدارت تجثو أمامها بدموع متدحرجة ونبرة مهتزة تواصل .. 

- مقدرش صدقيني .. مقدرش أعيش على ذكرى حد في قلبه ..


فهمست شقيقتها بشفقة وهي تربت على يديها ..

- يا حبيبتي ومين يضمن الأيام دي قلب كان خالي قبله ..


طالعتها بحمرة عينيها لبعض الوقت حتى همست باقتناع ..

- عندك حق.. ولو حد تاني غيره ممكن كنت استحمل .. بس معاه هو بالذات مش هقدر صدقيني وهتعب أكتر ما أنا تعبانة في بعده ..


شقيقتها التي اتسعت عينيها باندهاش على فلتة لسانها فصمتت كثير من الوقت لتستوعب حتى تمتمت بجنون ..

- "بنان" هو أاااا..اااانتي كنتي!


استفسار شقيقتها جعلها تطرق عينيها في حزن وندم وهي تواصل النحيب بصوت مسموع، مما جعل "ماهيتاب" تلقفها بين ذراعيها في عناق يتضافر بالقوة والدفء وهي تهمس قرب أذنها ..

- هشش .. أهدي .. أنا جمبك وصدقيني محدش هيقدر يغصبك أبدا بدال مش موافقة .. 

مواصلة وهي تدمي عينيها بقوة وألم لتسفر عن فرار دمعة من عينيها ..

- أبدا يا حبيبتي ..


------------------


جلست شاردة في تلك الحقيقة المؤلمة على فراشها منذ أن عادت من بيت والدها، وعقلها لا يستطيع أن يستوعب ولا أن يكذب بآنٍ واحد، شقيقتها هي دونًا عن بنات جنسها كانت تكن لـ "مالك" رفيق دفعتها عشق يضاهي عشقه هو لفتاة آخرى، طب كيف ومتى؟!


والأهم كيف هي ذاتها لم تشعر؟!


هل كانت بعيدة لتلك الدرجة عن فضفضة الأخوة وقرب الدماء!.. أم أن لـ"بنان" رغبة مستترة في إخفاء هذا السر خاصة! 


سواء هذا أو ذاك هي تُحمل ذاتها جزء من المسئولية ويطوقها الندم لعدم تقديم النصح والمساندة لشقيقتها في أطحن معاركها النفسية گ واجب الأخوة الطبيعي بين بعضهما البعض ..


في خضم شرودها المتأجج أجفلها زوجها بقبلة مطولة على وجنتها، فتراجعت للخلف بقولها المجزوع ..

- "راشد" .. أنت رجعت أمتى ..


جلس بجوارها متنهدا وهو يتمتم بأرهاق ..

- لسه واصل من شوية وقاعد بكلمك مش سمعاني خالص أكنك كنتي في دنيا تانية .. إيه اللي كنتي سرحانه فيه مهم كده .. 


طأطأت رأسها بانكسار وطال صمتها حتى تمتمت بخفوت دون مقدمات ..

- "راشد" .. "بنان" مش موافقة على موضوع "مالك" ..


تخلى عن ارهاقه والتفت إليها مهتما ..

- هو أنتي عرفتيها ؟!


هزت رأسها بالإيجاب قائلة ..

- أيوه زي ما قلتلي أمبارح .. وهي بلغتني برأيها على طول .. 


مطّ شفتيه باندهاش، مرددًا..

- غريبة ..في لحظتها ومن غير ما تاخد مهلة تفكير حتى! 


ثم طالعها مرة أخرى مستأنفًا باستسلام ..

- طب ويا تري عرفتي إيه السبب؟


أدمت يديها ببعضها وهي تجيبه بارتباك دون أن ترفع عينيها في عينيه ..

- هي عارفه بموضوع "مالك" القديم .. خايفة يكون واخدها بديل لـ"سارة" وهي لسه بقلبه .. وبصراحة معها حق وبأيدها فيه كمان ..


- بس أظن أن أنا حكتلك على رده وإصراره من ناحية النقطة دي وأنتي اقتنعتي بيها .. ليه بقى مش اقنعتيها ..


ازدردت ريقها ببطء والارتباك ما زال يحوفها..

- لأن أنا نفسي بعد ما هديت من أثر المفاجأة مقتنعتش بالقوة المطلوبة وقلقانة فعلا ..


رصد "راشد" توترها وحالتها المضطربة فتناول راحتها بين يديه يبث إليه دفء قربه هامسًا .. 

- مالك.. إيه اللي عرفتيه غير رأيك وخلاكي متوترة كده .. أنتي كنتي طايرة من الفرحة قبل ما تروحي تاخدي رأيها ..


خطورة همسه تلك ستضعفها وتجعلها تفضفض بما يؤلمها كأغلب عادتهما معًا، لهذا انتفضت من مجلسها تهجره بالبعد الكافي، وهي تفيض عليه بهجوم ليس له مبرر ..

- مافيش حاجة عرفتها يا "راشد" هي مش موافقة وخلاص .. الموضوع مش بالغصب ولا طالب تحقيق كده ..


أقتفى أثرها باندهاش والقلق ينهشا عقله وقلبه بمخالب حادة إلا أن رنين هاتفه الصاخب لم يدعه تائها بين طيات التفكير كثيرا، تنهد بضجر ثم راح يبصر شاشته فوشى وجهه عن تعبيرٍ مستاء ما أن رأى اسم صاحبه يعلوه .. فقال بتمهل عقب فتح الاتصال ..

- أزيك يا "مالك".. اخبارك إيه ..


- بلغتهم !


كلمته المقتضبة للرد قطعت سبلهُ للتمهيد، فقال بخنوع :

- "ماهيتاب" بلغتهم ..


سأله بحذر وترقب ..

- وإيه الأخبار ..


همس بتردد ..

- الموضوع اترفض ..


طال صمته حتى همس مستفسرٌ ..

- منها ولا منهم ..


- منها ..


- ليه ..


- يعني.. اللي فهمته بوجه عام من "ماهيتاب" أنها كانت عرفه بموضوع "سارة" ..


زفر بصوت مسموع وهو يحدث نفسه بصوت خافت ..

- تمام فهمت .. 

مستأنفًا بأصرار ..

- ممكن يا "راشد" تستأذن ليا والدها بأن عاوز أكلمها لمرة واحدة ..


تفاجأ من جنونه فقال مستغربا ..

- "مالك" أنت بتقول إيه .. وبعدين أنت ليه مصمم كده والبنت زي ما عرفنا رافضة..


- لأن لو رفضتني لشخصي كنت قلت معاك حق وصنت كرامتي وصرفت نظر عن الموضوع أول ما بلغتني .. إنما دلوقت بعد ما عرفت سبب رفضها يبقى من حقي أن أوضح لها الأول وبعدها هي ليها حرية القرار وأنا مجبر اتقبله بدون نقاش ..


اقتنع بمبرره فردد متفهما ..

- ماشي يا "مالك" خليك معايا على الانتظار لغاية ما أبلغ حمايا بكرة بأذن الله .. ولو وافق هعرفك في لحظتها عشان تكلمها .. 


---------------------


ساهمة، مرتعدة، يحيطها هالة ارتباك عظيمة منذ أن أبلغها والدها بقرار محادثته، أبت، تملصت، وكثيرًا تحجّجت، ولكن أمام اصرار الجميع وتأييدهم لمبرره هي الآن أسيرة حوائط غرفتها ببابها الموصد، تنتظر رنين هاتف زوج شقيقتها حتى تحادث ذاك البعيد في اتصال أول بينهما! 


حينها تدافعت عليها ذاكرتها بكافة خباياها دون رأفة .. كم تمنت بأحلامها الوردية في الأيام الخوالي في ذات الغرفة نفسها والفراش بأن تحادثه ويتودّدان فيما بينهما برباط شرعي يكبلهما دون إفتراق للأبد .. 

أما الواقع الآن فهو عكس ذلك تماما .. نعم سيحدث بينهما مكالمة ولكنها مع الأسف برغبة الجميع دون موافقتها !


يلا العجب فمن كان سيصدق هذا .. تسربت ابتسامة تهكمية على زاوية شفتيها ترشق فؤادها بألم.. فهي ذاتها لو أحد أخبرها بذلك قديمًا لم تكن لتصدقهُ بتاتًا ..


عند ذاك القدر صخب الهاتف بتنبيه واضاءته باسم "مالك" .. ارتعدت يديها المحمولة به وانتفض قلبها مع فرائصها يعلن ثورتهما وهي تكاد تبكي وتلعن تلك المهزلة التي وضعت بها  .. إلا أن سكون الهاتف من صخبه عقبها جاءها گ نجدة مؤقتة جعلتها تهدأ قليلا .. متنهدة بسخاء كأنها عادت للعيش بعد رحلة معافرة .. حتى عاد بالإلحاح صخبٌ مرة أخرى .. فاضطرت مستسلمة لفتحه والصمت حليفها بلسان منعقد متيبس كأنه لم ينطق يومًا خاصة مع همسه الرخيم ..

- السلام عليكم .. 


ليلفحه هدوء طرفها لدقيقة كاملة فواصل متشككا ..

- "بنان" أنتي معايا ..


هل اعجبك الموضوع :

تعليقات