القائمة الرئيسية

الصفحات

عند مفترق الطرق الحلقه الثالثه (نوفيلا)

 عند مفترق الطرق الحلقه الثانيه (نوفيلا)

إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ..


عند مفترق الطرق الحلقه الثالثه (نوفيلا)



عند مفترق الطرق 


الحلقة الثالثة ..


مواظبتها على الصلاة اعطتها قوة كانت تجهل بوجودها في ثناياها، جعلتها تعود بما تبقَ من روحها الجريحة لِلملمة ما فاتها من الدراسة والحياة، هربت أو عادت لا يهم فالأهم أن يومها لا ينتهي إلا وهي تقاوم لمواجهة طيفه بداخلها ..


هكذا خاضت حربها مجبرة حتى ذلك اليوم الموعود الذي اخبرتها فيه شقيقتها عن مستجده الموجع ..

مضمونه بأنه بالفعل جاهد مع والد محبوبته كما توقعت من قبل ولكن كافة محاولاته باءت بالفشل، ليتفاجأ بأن أحد ضباط الجيش المرموقين ماديًا واجتماعيًا تقدم إليه ليعلن موافقته وموافقتها رغمًا عنها وذلك حتى يقطع صلة الوصل بينها وبين "مالك" للأبد .. ومن ثم إعلان خطبتها وانتهاء الأمر الذي كان في يتنازعان ..


ََطَرق الحزن الشديد أبواب قلبه فاعتزل بين طيات فترة اكتئاب طالت وباعدت بينه وبين الناس، حتى خرج عليهم ذات يوم من عزلته بقرار سفره المفاجئ لأحدى البلدان العربية، لأجل جمع تلك الأموال اللعينة التي فرقت بينه وبينها كي يثبت لوالدها الفظ بأنه اخطأ حين لم يتخذه زوج لابنته وفرق بين قلبين متحابين ..


غمرها ليالي الحزن المريرة عليه عقب ذلك اليوم حتى نسيت حزنها على حالها، ودت لو اتسمت بصفة قريبة منه لمواسته والتخفيف عنه بدلا من التخفيف عن حالها الذي يطيب لمواساة مماثلة وأكثر .. ولا اندهاش فلم يكن الحب الحقيقي به تلك الطبقات من المفارقة والكره مهما حاولنا أو اعطينا إيحاءً بالتضاد ..


تفاقم الوضع سوءًا بعالمها ما أن جدّ بقراره ونفذه محلقًا في سماء وأرض غير أرضها غير مكترث لآهات والديه، عدت الأيام عليها شاردة حزينة يحوفها الملل والاستياء، لا تفقه لمُتعها طعمًا ولا لونًا ..فكيف تفعل وهو رحل لعددٍ من الشهور تراكمت بكثره حتى جهلت عددهم .. بل أكثر صراحة حدسها أخبرها أنه هاجر ولن يعود مطلقًا للأرض الذي فقد فيها عزيزهُ وطرح فيها كبريائه أرضًا..


حدسها الذي تحرت مدى صدقة بعد مرور أربعة سنوات كاملة على ابتعاده عن أرض الوطن، أربعة سنوات غاب بها بجسده لتصعق بأن روحهُ ما زالت رفيقتها حتى يومها هذا، فلا الأيام انستها حبه ولا الليالي المريرة محت هيئته وملامحه من مرآة يومها .. كأن بمرورهم أدمغتهُ أكثر بقلبها ..


تذكرت تقدير كليتها بالسنة الأخيرة الذي تناقص عن معدل السنوات السابقة ومن ثم تخرجها الذي تذوقته بفتور شديد .. تذكرت دموعها المنذرفة وحنينها الجارف لرؤيته كل ليلة .. تذكرت انطوائها ورفضها الدائم للخُطّاب دون مبرر أو منطق ضاربة بقرارها ذاك كل العادات والتقاليد حولها وهي على اعتاب عمرها السادس والعشرين .. تذكرت بأن ظهرها لم يسلم من الهمز واللمز الذي بلغ القمم عن تأخر زواجها .. تذكرت كثيرًا حتى ضاق صدرها ..أهمهم أن الوحدة خلفت بروحها مرارة العلقم حين فشلت عن جدارة في اقناع نفسها بأنها ستستطيع ذات يوم بأن تحب أحدًا غيره وتتزوجه كما احبت ذاك البعيد ..


العمل المتواضع الذي منّ الله به عليها هو فقط كان منفسها الوحيد في تلك السنون، حين صارت حياتها على وتيرة واحدة ما بين العمل والبيت وبيت شقيقتها لمساعدتها في تربية تؤامها الثلاث بعد أن عوضها الله بهم في السنة الثانية لزواجها ..


أما عنهُ في أحدى دول الخليج فالحال لا يختلف كثيرا حيث كان يسعى في دائرة مظلمة ما بين مشفاه وشقته ضئيلة الحجم التابعة لمغتربين عمله من الأطباء، مما نسى نفسه وأهمل طعامه مرارا لتحقيق غاية واحدة احتلت نصب عينيه، والذي استطاع من خلال كدّه وجهده في تلك السنوات بأن يحققها ويجمع الكثير والكثير من الأموال .. تلك الوريقات النقدية العديدة التي اسعد بها اشقائه ووالديه ورفع بها مستواهم المادي للأفق .. ولكنها جاءت عند قلبه وفشلت أن تساعده بضراوة في استرجاع محبوبته التي تزوجت بعد عام واحد من ذاك الضابط .. ليصبح أمر قربها منه مرة ثانية درب من المستحيل ..


روحه باتت كالكهل وإن ظل محافظًا على حُسن مظهره .. البسمة وصفاء الفكر غادراه ولم يعلم لهما طريق عودة .. حتى شغفه وحنينه الفطري لموطنه فقده في سابقةٍ أولى من نوعها .. فكيف يعود للأرض التي بدّدت كرامته گ محبوب له الحق في نيل محبوبته .. أرض أحد ابناءها اشعره بفقره ومدى ضئالته في عينيه .. مهينًا مشاعرهما الطاهرة وقداستها الفطرية .. لهذا رأى أن البعد عن قُطرها هو الدواء الوحيد لِمَ في قلبه من آلم .. مكتفيًا بالإتصال الهاتفي كصلة وصل بينه وبين احبائه خاصة صديق طفولته وصبابته "راشد" .. والذي كان أخرها للاطمئنان على مواليدة الفتيات وهو يتصنع المرح أمامه كأغلب سنواته المنصرمة ..

- رشود اللي واحشني ..


استقبل "راشد" مكالمته بعتاب لاذع كعادة الفترة الأخيرة بينهما، قائلا ..

- لو واحشك بجد يا "مالك" كنت قلت كفاية كده ورجعت حتى لو أجازة بسيطة تشوف فيها أحبابك وأهلك .. إنما أنت شكلك مبسوط في بعدك ده ..


زفر "مالك" بصوت مسموع وهو يجيبه بنفاذ صبر ..

- هنفضل نعيد في الموضوع دا تاني يا "راشد" .. ما قلتلك أن تخصصي فيه عجز شديد وموضوع الأجازة من المستشفى في الوقت الراهن معناه احتمالية اسيب الشغل فيها لما أرجع وبالتالي أشوف مستشفى تانية غيرها .. وأنا بصراحة كده مش حابب اضحي بالمرتب المغري فيها ..


هاجم "راشد" حديثه بشراسة مكبوتة ..

- ما تحولش تقنعني أن ده السبب الحقيقي لأن ماقتنعتش ولا هقتنع لأن "مالك" اللي أنا عرفه مش كده خالص .. "مالك" اللي أعرفه العواطف عنده أهم من الماديات ألف مرة ..


ازدرد ريقه بتمهل مع كلماته الفاضحة لجزء من الحقيقة، ومع ذلك أجاد بالإجابة عليه بثبات مصطنع ..

- لا يا "راشد" "مالك" اللي أنت عارفه أتغير من زمان قوي ومبقاش عنده المبدأ ده في الوقت الحالي ..


- طب أنت وغربتك ودموع والدك ووالدتك اللي ما بتنشفش .. كل دول فين من حساباتك دي ..


- أنا! .. 

همس بها بارتباك وهو يستأنف ..

- ما أنا كويس قدامك أهو وبكلمكم باستمرار الحمدلله .. أما عن أمي وأبويا فالفلوس معوضاهم ومخلياهم في احسن حال وقريب قوي هتنشف دموعهم ما تخفش ..


بنفاذ صبر صاح "راشد" ..

- أنت شايف كده .. شايف أن مجرد محاولة متحققتش تضيع حياتك وحياة اللي حواليك بالشكل ده .. 


كتم أنفاسه ثم اجابة بقوة وإصرار ..

- أنا وانت مفروض مانشوفش غير كده .. لأنه الصح ..


هاجمه بضيق ..

- أي صح وأنت عاوز تعيش وتموت وحداني لمجرد أن أول محاولة حب ضاعت ما بين أيديك .. فوق يا "مالك" بقى أنا كنت كاتم في قلبي وماشي على هواك على أمل أنها فترة وهتعدي بس للأسف الفترة عدت ودخلت على سن التلاتين وأنت مصمم تكمل .. ويعالم هتفضل كده لحد أمتى؟! .. فوق أرجوك قبل السنين ما تِعد في عمرك أكتر من كده وأنت مش دريان .. دور على الحب تاني وتالت ياأخي وألحق أتجوز في عز شبابك قبل ما تفوق من غيبوبتك متأخر وترجع تندم على الأيام دي وبعد الشر مطولهاش ..


كاد يهاجمه بأكثر غضبًا ولكن واقع كلماته جعله بين طرقات التيه مترنحًا، لأنه يدرك مدى صدق حديثه ويقر بحقيقته جيدًا ولكنه دائمًا ما كان يتصنع الغباء إن زاره فحواه .. لهذا تمتم خانعًا ..

- حاضر يا "راشد" هحاول .. صدقني هحاول أن اليوم ده يجي بسرعة عشان ألحق أفوق من الوهم قبل ما يسيطر عليا ويدمرني للأبد ..

ثم واصل بشغف وحرفية يُغبط عليها لتغير مجرى الحديث ..

- قولي بقى بنوتاتك عاملين إيه .. صورهم اللي بعتها ليا جننتني .. خلتني عاوز أشوفهم عن قُرب وأحضنهم .. غير الأهم من كده أن أنا مش مصدق أنك بقيت أب أخير يا صاحبي ..


تنهد "راشد" ما أن سمع وعده المرجح تحقيقه، وحرفيته لتغير الحديث لأكثر شيء يمس شغف قلبه .. لهذا قال مستسلمًا ..

- والله مغلبنا معاهم وقريب قوي هيخلونا نشد في شعرنا كلنا .. تصدق أنا ومراتي وأختها "بنان" مقضينها ورديات وساعات حماتي كمان بتواصل معنا ومش مكفي وكلنا بنترمي زي الفسيخة في أخر الليل من خدمتهم .. 


- كان الله في العون بصراحة مسئوليتهم فعلا مش سهلة خالص .. وبعدين حظك أن "بنان" لسه متجوزتش وشيلة عنكم جزء من الحمل كمان ..


- أنت بتقول فيها دي بنت بمية راجل وقفتها وسهرها معنا مع أن شغلها ببقى الصبح عمري ما هنسهولها العمر كله ..


- هي فعلا تستاهل كل خير .. أنا نفسي بشهد لها بالأحترام والأدب لما بفتكر مواقفها المحدودة في فترة خطوبتك وجوازك .. 

ثم لم يدرك عفويته بعدها ..

- ألا هي ما تجوزتش لغاية دلوقت ليه يا "راشد".. أكيد بنت بـ جمال وأدب وأصل زيها كانت اتخطفت خطف ؟!


جاءته نبرة راشد المهمومة..

- أنت بتقول فيها.. والله الواحد احتار ليها هيا كمان بجد .. كل ما حد يجلها تطلع فيه القطط الفطسانة وساعات ترفضهم من قبل ما تشوفهم .. دا غير بعد ولادة "ماهيتاب" للبنات وتعبنا معهم تقول أبدا أنا كده رايقة وفاضية .. 


تملكت من شفتيه ضحكة متحررة وهو يجيبه ..

- بتهيئلها هي بس بتقول كده عشان لسه مجربتش الحب .. لكن لما تجربه صدقني هتنسى كل ده وتقول أهلا لكل حاجة بنفس مفتوحة ..


تماثل "راشد" لضحكة مشابهة، هاتفا بتأيد ..

- على رأيك والله .. يلا ربنا يبعتلها اللي يستاهلها ويقدر قيمتها .. مواصلا بعفوية .. ويبعتلك أنت كمان يا صاحبي ..


ودعه أثر الضحك ثم أجابه وهو شارد 

- آمين .. 

مستأنفًا بتنهيدة عميقة : يلا تأمرني بحاجة ..


- تسلم يا أبو المماليك المهم ما تغبش علينا ..


- أنت عارف غلاوتك عندي والغيبة متنفعش معها خالص ..


- عارف من غير ما تقول ياصاحبي والله .. ربنا يهديك ويرجعك لعقلك وأشوفك ترجع تضحك تاني بنفس مفتوحة زي الأول ..


- ادعيلي .. هامسا بعد تنهيدة عميقة .. استودعتك الله ..


ثم ألقى هاتفه جواره بأهمال بعدما أنهى المكالمة وجملة صديقه " فوق يا "مالك" .. فوق أرجوك قبل السنين ما تعد في عمرك وأنت مش دريان .. دور على الحب تاني وتالت وألحق أتجوز في عز شبابك قبل ما تندم على الأيام والسنين دي ومطلهاش .." 


كانت تصدر طنينًا مزعجًا في أذنيه بتوالي حتى جعلته يهرب مضجرًا لعمله قبل موعده بساعة كاملة، فبين تصنيف الدواء وصرفه لراحة المرضى ينسى من هو وكافة آلمه كما السنوات الماضية .. ولكن عند براثن تلك الجملة الملعونة لم يستطع مطلقًا إذ بدت تتفشى بعقله ليل نهار، بالعمل أو في عطلته الأسبوعية، في مساءه وصباحه حتى باتت گ رفيقه الضرير الذي يخشى ترك كنفه ليضل خطاه ..


لم يدرِ لِمَ خطر عليه وهو في تلك الحالة حديث "راشد" عن وصفه لـ"بنان" ليتبعه وصفه هو أيضا عن ما يعلمه عنها .. صعق مذعورًا عن ما جال بخاطره .. 


هو و"بنان"! .. منذ متى! .. ثم لِمَ هي خاصة من بني جنسها!


سؤالا جاب خاطره باندهاش ولكنه لم يشقى في البحث عن أجابته .. حين تبين له بأنه لا يدرك في حياته فتيات عابرة غيرها مطلقًا .. وأن فترة عزلة بحب محبوبته أعمت بصيرته عن كافة النساء طيلة سنوات عمره الثلاثين .. حتى أنه لم يعي لمحاسن "بنان" ذاتها إلا عند المكالمة حين خرجت منه بطريقة عفوية ..


مرت الأيام وصورتها المشوشة تزداد وضوحًا مع حديث "راشد" أمام عينيه، متعجبًا باستفساره المُلِح عن كيفية نسيان "سارة" حبه الأول والأخير .. أم أنها مجرد وسيلة للبحث عن أطراف عائلة لتكوينها قبل أن يخرج من سلسال البشرية مبتورًا ..

عند تطور فكره لهذا الحد وعى بأنه اقتنع أخيرًا بضرورة نسيانها والمضي قدمًا نحو البديل الأفضل نوعًا ما ..


مرّ شهر وتلك الهواجس لم تترك له غفوة ولا فوقه حتى نضجت بالقدر الكافي، عُقبت بالموافقة أخيرا بعد رؤيته لصور الفتاة التي أحبها "سارة" مع زوجها تعتلي صفحتها الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي "فيس بوك" وهي تلتصق به التصاقا في عدة مشاهد تشي عن سعادتها الغامرة معه ..


حينها فقط قرر عن اقتناع أن يُسعف ما تبقى من حياته هو أيضا عن طريق إجراء اتصال عاجل لصديقه كان فحوى بدايته ..


- "راشد".. هو لو أنا اتقدمت لـ"بنان"!.. يا ترى رد فعلها هيكون إيه ؟!


هل اعجبك الموضوع :

تعليقات