القائمة الرئيسية

الصفحات

البارت 49 من حصنك الغائب


كان حاسس قلب الصبية.. 
إن اللي جاي مش جميل.. 
وصدقت واديها بتبكي..
والدمعة هتفضل تسيل.. 
وآهة في القلب توجع..
وترعد سماها في ليلها الطويل.. 

البارت 49 من حصنك الغائب


حصنك الغائب 2

گ عرافة تبذر أحجار "الودع" أرضًا تتباهي بما تعرف ولو كذبًا..صدق قلب بسمة وتنبأت بمُصابها الآليم.. خوفها المبهم أصبح يدعمه اليقين وهي ترى حريق نشب في بنايتها ألسنته التهمت كل ما طالته بنهم.. گ غول جائع "حُلت" عقاله وكشر عن أنيابه ووجهه القبيح.. 

لا تدري سبب ما حدث ومما اشتعلت النيران.. فلن يفرق معرفة السبب كثيرًا، النتيجة واحدة..الكارثة حدثت وماعادت للأسباب أية أهمية.. صراخ المنكوبين على انهيار مآواهم الوحيد امتزج بصوت أبواق سيارات الأسعاف والمطافيء التي فرضت هيمنتها سريعًا بإطلاق خراطيم المياة الضخمة للسيطرة على الحريق الذي بدا هائلًا..مخيفًا..
شقيقتها تصرخ بلوعة حتى نفرت عروق العنق..
ياسين الصغير يبكي ويمسك بطرف كنزة حنين ..
بينما هي جامدة الملامح ذاهلة..
كأن مايحدث لا يخصها..
كأن عقلها يرفض تسجيل تلك اللحظة القاسية..
ويرفض تصديقها..
بنايتهم القديمة لم تحترق..
منزلهم مازال بخير..
والديها..!
والديها؟
أين هم؟
لقد تركتهما غافين لحين عودتها هي وأخواتها..
هل تآذو؟ 
بدا السؤال شديد السذاجة
وهنا بدأ إدراكها يعود 
هرولت تصرخ منادية: 
بابا.. ماما..! 
فجذبتها يدٍ قوية وكبلتها عنوة.. 
الحريق ينبيء بفداحة الخسائر المتوقعة ووالديها لن يكونا استثناء في هذا المشهد المأساوي! 
هكذا حدث ياسين نفسه وهو يقيدها، فصرخت عليه: 
_ سبني.. ماما وبابا لسه فوق.. سبني انقذهم

ظلت تصرخ وكادت تفلت من بين يديه، ليوقفها بغتة صراخ حنين تنادي: 
_ بابا.. ماما..! 

التفت بعنف ليهالها رؤيتهما وجسد كلا مهما يرقد فوق نقالة، أعينهما مسدلة..أجزاء منهما بلغها الحريق..وتبعها جسد الجار عادل أيضًا راقد على نقالة..  ماذا يحدث، عادت تنظر لوالديها بذهول.. هل فقدتهما؟ لا.. ربما إغماءة.. نعم هي مجرد إغماءة ويفيقان.. كل شيء يمكن أن يعوض إلا خسارة أبويها.. هرولت لتصعد جوارهما بسيارة الإسعاف ومعها حنين..

أما ياسين فأخذ الصغير المصدوم ولحقهما بسيارته! 
ليكون من نصيبه أن يشهد على انهياره وهو يهتف باكيًا ببراءة:  عمو.. بابا وماما هيموتوا؟  انا مقدرش استغنى عنهم.. خليهم يفضلوا معايا وانا مش هتشاقى تاني.. ماما قالتلي هتموتني انا وابوك بسبب شقاوتك..خلاص مش هتشاقى تاني.. والله ما هزعلهم تاني ياعمو بس خليهم يعيشوا.. صاحبي اللي في الشارع وبلعب معاه أمه ماتت ومبقاش بيضحك ولا يلعب..أنا عايز ماما..عايز بابا.. ومش عايز العب..

لم يتحمل ياسين حديث الصغير الذي يُفطر أقسى القلوب فضمه لصدره بقوة وانهمرت دموعه الصامتة حتى تشوشت لديه الرؤية، فتماسك سريعا حتى يقود سيارته بأمان.. هامسًا بصوت حزين حاني:  متخافيش يا ياسين ماما وبابا هيكونوا بخير.. أدعي ربنا انهم يخفوا بسرعة..وبإذن الله هيرجعوا تاني.. وعلى فكرة هما مش زعلانين منك يا حبيبي.. بالعكس اكيد بيحبوك.. 

همعم الصغير ببكاء متقطع وكأن ما سمعه من والدته صار لعنته التي ضخمها ورسخها عقله الصغير:

ماما قالتلي هتموتني انا وابوك بسبب شقاوتك..!
_____

هرول يبحث عن خطيبته ليؤازرها في تلك النكبة بعد أن هاتفته وهي تصرخ أن ينجدها، وفي إحدى ممرات المشفى بجدرانها البيضاء وجدها تجلس أرضًا تبكي بكاء شطر قلبه

_ حنين حبيبتي انا جيت اهو متخافيش.. اطمني بإذن الله عمي وطنط هيكونوا بخير بس اهدي. 

طالعته باستجداء:  عبد الرحمن.. بابا وماما حالتهم صعبة اوي.. أنا خايفة.. أنا مش هقدر اتحمل يجرالهم حاجة.. خايفة أوي.. 
_ مش هيجرالهم حاجة متخافيش، بس اجمدي وخليكي قوية..وأنا معاكي مش هسيبك! 

رمقت شقيقتها الكبرى بلوعة:
خايفة أوي على بسمة يا عبد الرحمن.. من وقت اللي حصل وهي ساكتة كده.. كأنها مش مصدقة.. 
_ معلش ده طبيعي، بس بسمة قوية وهتتماسك ماتقلقيش. 
_ لأ..ده مش طبيعي.. ده رفض للي حصل..كتمانها ده مايطمنش.. خايفة عليها ( ثم نظرت لموضع أخر حيث شقيقها الأصغر) أستاذ ياسين ماسابناش لحظة واحدة وهو اللي مهتم باخونا.. معرفش لو مش معانا كنا عملنا ايه..

_ مين استاذ ياسين ده؟
_ ده قريب صاحب المزرعة اللي بتشتغل فيها بسمة، واللي كان فرح قريبه الليلة، كنا معزومين وهو عرض يوصلنا..له نصيب يحضر معانا الكارثة من الاول. 

_ كتر خيره، أنا هقوم اشكره واقوله لو عايز يمشي واطمنه اني موجود معاكم.. أكيد محرج يسيبكم وفاكركم لوحدكم.. دقيقة وجايلك ياحبيبتي! 
………… 
_ السلام عليكم.. أنا عبد الرحمن خطيب حنين
_ أهلا بيك، وانا ياسين
_ اتشرفت بحضرتك، حنين كلمتني عن وقفتك الجدعة معاهم.. وانا بشكرك على تعبك جدا وتقدر تتفضل دلوقت كفاية عطلناك لحد كده..وانا موجود معاهم مش هسيبهم لحظة واحدة.. 

ضاقت عين ياسين وهو يقيمه بنظرة سريعة قبل أن يهتف بثبات: أنا مش همشي غير لما اطمن على والد ووالدة بسمة..!

تعجب إصراره.. ما الذي يجبر شاب مثله لا تربطه بهم صلة حقيقية ليمكث معهم ويضحي بوقته؟ حاول إثناءه ثانيا:  بس مافيش حاجة تجبرك على كدة استاذ ياسين.. قلت لحضرتك أنا موجود.. وممكن تسيب رقمك وهطمنك أول ما يحصل حاجة.. 

هم بقول شيء ما، فقاطعه خروح الطبيب الذي استشف من وجهه الخبر الآليم حتى قبل أن يتفوه به! 

" البقاء لله ياجماعة"
______

مدينة الغردقة.! 
تلك المدينة الساحلية التي طلبت من زوجها عابد أن يقضيان بها شهر عسلهما، فهي من ضمن الأماكن التي طمحت بزيارتها وهي في أوكرانيا.. ولن تكون أخر القائمة.. ستتذوق كل معالم وطنها وهي بكنفه، وأناملهما متعانقان..وصلوا لشاليه حديث الطراز مستأجر سابقًا گ ترتيب تولاه يزيد بنفسه لأجلهما، الجمال يكاد ينطق وهما يشاهدان المكان، كما يسيطر الهدوء على محيطه من الجانبين، يناسب تماما خصوصيتما معًا گ عروسين.. دلفت "الشاليه"محمولة بين ذراعيه.. متواريان خلف أول باب أغلق عليهما، تعقد ذراعيها حول عنقه بينما بدأ هو يعانق شفتيها بشفتيه ليرتوي بحبها الحلال غير قادر على المقاومة.. لتبعده عنه هامسة بدلال ( بودي.. في حاجة نفسي أعملها انا وانت هنا) غمغم ومقلتيه تطوف عليها بشوق ( ايه هي يا قلب بودي؟) ابتسمت بجاذبية لا يتحملها عاشق جائع مثله، وقالت وهي تتحرر منه وترسو قدميها أرضًا ( دلوقت هتعرف) .. اتجهت لغرفة نومها تحمل شيئا معها هاتفة ( دقايق وهنادي عليك ياحبيبي)..
……… .. 

بعد وقت قصير.. صاحت تنادي عليه ليأتيها.. ومع أول ولوجه غرفتهما صدحت موسيقى اغنية يعرفها جيدا وضوء خافت ومتراقص أكسب الأجواء دفء تسرب لنفسه وهو يقترب وعيناه مبهورة بها بعد أن تحررت من حجابها والبادي الرقيق من تحت صدر فستانها.. لتظهر ذراعيها العارية وكتفيها وصدرها بوضوح.. يعلو رأسها طوق من الورود جعلها گ أميرة أسطورية وشعرها الطويل منساب بنعومة  تنافس نعومة بشرتها.. مقتربة منه هي الأخرى وشفتيها تشدو بكلمات الأغنية التي اختارتها له بتناغم مبهر.. متعلقة بعنقه ليضم بتلقائية خصرها النحيل الذي راح يتمايل بدلال مع النغمات بين يديه.. وأطراف شعرها تلمس أنامله خلف ظهرها وعيناها الكحيلة اللامعة تطالعه بحب لم يرى مثله من أحد.. وشفتيها الشهية مستمرة بالشدو: 

"انا.. أنا كلي ملكك
انا كل حاجه حبيبي فيه بتناديك
انا.. انا مش بحبك
الحب كلمه قليله بالنسبه ليك"

لتفصل شدوها بقبلتين فوق عيناه
لتعود وتشدو من جديد: 

"انت فرحه جت لعندي بعد عمر من التعب
في السعاده الي بعاشها ياحبيبي انت السبب
ضحكتك عقلك جنونك 
والحنان الي ف عيونك
هوصف ايه واحكيلك ايه
انا أنا كلي ملكك
انا كل حاجه حبيبي فيه بتناديك
انا انا مش بحبك
الحب كلمه قليله بالنسبه ليك"

أكتفى بصبره عليها ومؤشر عاطفته يعلو ويعلو منذًرا بالخطر وهو يأخذها بموجة جارفة من عاطفته كادت تنسيهما طقوسهما المباركة لأول ليلة لهما..فابتعدا على مضض ليستعدا سويًا لأول صلاة وهو "إمامها".. وكم لهذا من حلاوة تذيب القلب وتهديء الروع وتخمد المخاوف.. عابد زوجها.. حبيبها.. فرحتها التي أدخرتها لها الأيام..والنعمة التي تقسم أن تصونها ما حييت.! 
_____

وبتضاد تمتليء به أقدار العباد..ما بين لحظة تمر على أحدهم بسعادة..وبمثلها في ذات الوقت هناك من يبكي وجعا.. صرخة صغير يولد للحياة.. تعقبها صرخة فقيد غادرها ليُفسح للوليد مجالًا في هذا العالم ومودعا كل أحبابه..ولا تبقى سوى كلمات.. كلمات لن تمحي أثر فاجعة بسمة وحنين والصغير.. ولأن قدرا صار ياسين وعبد الرحمن كتفًا بكتف بتلك الليلة الحالكة.. تعاونا في نقلهم شقة الزوجية التي استأجرها الأخير قبل فترة.. بعد رفضه اقتراح ياسين بأخذهم لاستراحة فيلتهم هاتفًا بعزة: 

_حنين واخوتها مش هيروحوا عند حد غريب.. شقتنا موجودة، صحيح هي فاضية، بس انا هتصرف واجيب شوية لوازم على ما نشوف هنعمل ايه..

لا ينكر ياسين اعجابه بنخوته ولو كان في موضعه لفعل مثله.. وبنظرة شاملة حوله للمنزل  وجده فارغ تماما لا يحوي غير مقعدين خشبيين متهالكين، وسُلم خشبي ملطخ بدهانات جافة يعتقد انه يخص إحدى عمال النقاشة، وسخان كهربي لصنع الشاي يعلو طاولة صغيرة جدا وبعض الأقداح الزجاجية المقلوبة على فوهتها .. فأشار لعبد الرحمن ليحدثه بعيدا عن الفتاتين اللذان لا يشعران بما يحدث خولهما ولا كيف أتو إلى هنا من الأساس.!
……… .
_ أسمعني يا عبد الرحمن، من حقك ترفض يجوا فيلتنا، بس البيت فاضي خالص، مافيش حاجة البنات واخوهم يناموا عليها.. فاسمحلي أنا… 

قاطعه الأخر:  أنا هتصرف يا استاذ ياسين.. هفك سريري وانقله بلوازمه هنا في عربية "نص نقل" شغال عليها واحد صاحبي هتصل به دلوقت و… 

جاء دور الأخر ليقاطعه: مش مستاهلة.. وبعدين في الظروف الصعبة دي لازم تتقبل المساعدة بدون حساسية، خصوصا ان اللي هعمله بسيط.. انت وفرت أهم حاجة وهي المآوى.. سبني انا أعمره بلوازم بسيطة.. بص انت تتصل فعلا بصاحبك يجيب العربية وتحصلوني على العنوان اللي هقولك عليه.. هكون حضرت شوية حاجات كده كده موجودة عندنا ومش بنستخدمها هتوفي الغرض هنا لحد ما ربنا يسهلها..(حاول عبد الرحمن الاعتراض مرة أخرى مستنكرا مساعدته، لكنه لبث يفكر بعقلانية.. حالته المادية لن تمنحه الفرصة ليفعل الكثير لخطيبته واخواتها الآن.. فتقبل مرغمًا المساعدة مؤقتا حتي يمر الموقف بسلام.. خاصتًا  أن الشاب يُبدي ودًا غريب ومشجع.. ويشعر بحدسه أنه يُكن مشاعر ما لبسمة.. لكن هذا ليس وقته الآن.. فلتهدأ توابع الفاجعة.. ولكل حديث مقال فيما بعد..! 
_____

استقبلت عائلة عبد الرحمن خبر وفاة والدي حنين بحزن شديد..واستعدوا ليذهبا معه ليشدو من عضد الفتاتين والصغير.. وقبل أن يغادر معهم غمغم بتردد لشقيقته: 

_ أنا أسف ياسلوي في الطلب اللي هطلبه.. بس الظروف حكمت زي ما انتي شايفة..وكل جهاز حنين وبسمة اتدمر.. حتى هدومهم.. والشقة بتاعتي هناك مافيش فيها تلاجة.. فلو توافقي اخد تلاجتك انقلها في عربية صاحبي بالمرة.. وأوعدك هجيبلك مكانها والله.. بس اعدي الازمة دي على خير! 

والده بشهامة: مايجراش حاجة يا ابني، خدها وأنا هجيب لاختك غيرها ماتشلش هم
_ لا يا بابا كفاية اللي وراك واللي بتصرفه..أنا هجيبها..وسلوي قدامها لسه سنة على ماتتجوز.. هكون جبتها بإذن الله.. 

والدته متدخلة: مش وقته كلام دلوقت .. شيل التلاجة انت واخوك وصاحبك لتحت واسبقونا، وانا وابوك واختك هنلحق البنات اللي زمانهم متشحتفين ياعيني.. 

سلوى بتطوع:  وأنا هبات معاهم ياعبد الرحمن ماتقلقش.. وهجيب هدوم ليهم كمان لحد ما يدبروا نفسهم.. 
رمقها بامتنان شديد.. ولم يضيع لحظة واحدة، نقل مع أخيه الثلاجة لسيارة صديقه، منطلقا بعدها ليلحق  بياسين الذي تفاجأ بما احضره..دولاب ملابس صغير وسريران خشبيان، ولحافان فايبر.. وصندوق كبير مغلق توقع ما داخله من كاسات شاي وأطباق للطعام.. تلجم لسانه وهو يشاهد كل ما احضره ذاك الشاب الشهم..وساوره نفس الهاجس الفضولي رغم صعوبة الموقف..(  هذا الوسيم قلبه معلق بشقيقة خطيبته)

لتأتي الإجابه طوعًا فيما بعد..حين تسائل أبيه بعد أن تم نقل كل شيء وأوشك ياسين على المغادرة وهم يقفون جميعا أسفل البناية: 
_ كتر خيرك يا ابني على الحاجات اللي جبتها.. أحنا كنا هنتصرف ومش هنسيبهم لأننا أهل.. حنين واخواتها بقوا في رقبتي أنا شخصيًا..

_ دي حاجة بسيطة يا عمي وكانت موجودة عندنا مش بنستخدمها وجه وقتها مش أكتر.. هستأذنكم والبقاء لله مرة تانية.. وبإذن الله هكون موجود الصبح في الجنازة. 

أوقغه الرجل سريعا متسائل بحذر: 
_طيب  متأخدتيش يا ابني في السؤال..هو حضرتك مين؟

صمت ياسين وهو يرمق بطرف عينه  نافذة غرفة بسمة التي لا تعلو أكثر من طابقان..ثم عاد ببصره للرجل الذي ينتظر إجابته وأردف بثقة: 

_ أنا خطيب بسمة! 
______

فاجعتها تركت في قلبه أثرا شديد القسوة، وجهها الحزين المذهول وسط وشاحها الطائر وهما يغادران المشفى انطبع گ ندبة غائرة بروحه..أهكذا صارت في نفسه؟ ظن أن للعقل نصيبه الأكبر فيما يخصها..لم يكن يدري أنها في القلب أصبح لها تلك المكانة العظيمة .. قوية التأثير.. بسمته غدت حزينة، وحيدة.. كيف يساعدها دون أن يخدش كبريائها وكرامتها؟ 

" قلبي معك"

أرسلها عبر حسابها رغم علمه أنها لن تتفقده لفترة  طويلة.. لكنه أراد أن يشاطرها تلك اللحظة العصيبة.. الكلمة ليست مجازية بل قصد كل حرف بها.. قلبه معها.. ينعيها.. يبكي حزنها كما تبكي هي..ينزف لوعة مثلها.. ليت كان بإمكانه ضمها إليه.. ليتها تعلم أنها ليست وحيدة.. لن يتركها وقراراه ليس وليد اللحظة.. بل قبل ذلك بكثير ويومًا ما ستعلم أنها أغفلته گ الفراشة وتسللت بجناحيها لقلعة روحه الحصينة.. حلقت في سمائه.. احتلته وأعلنت اختراقه ونفذ الأمر.. عشقه لها قدرًا لا سبيل فيه لاختيار.. هي بسمة ناقصة لن تكتمل إلا به.. وضحكة ضلت طريق ثغرها وكفيل هو بإعادتها ..لهذا ما عاد للصبر مجالا داخله.. لابد أن تكون تحت كنفه هي والصغير.. وبذكر الأخير تألمت ملامح ياسين أكثر وهو يتذكر حديثه الموجع ومناشدته لوالديه أن يعودا.. واعتقاده الخاطيء انهما رحلا بسبب شقاوته..ولا يتعجب صمته منذ علم بوفاتهما.. الطفل يعاقب نفسه ويجزم بخبرته انه سيحتاح تدخل نفسي مع أحد الأطباء النفسيين.. ويعرف ماذا سيفعل.. كما يعلم ان حديثه مع والديه بشأنها صار لزامًا عليه.. ويتمنى من الله أن يدعموا قراره ورغبته وألا يقفوا في طريقه.. لا يريد مجابهتما لأمر گ هذا.. يريد المباركة فقط..تنهد واعتدل في فراشه وحاول أن ينام لكن باغت عقله عابد.. كان يجب ان يتبعه هو وعروسه بسيارته للمطار كما وعده.. مؤكد أنه غاضب الآن ولن يتركه حين يعود.. ابتسم ابتسامة باهتة وغمغم والنوم بدأ يداعبه( معلش ياعابد.. حظك كده معايا.. بس ربنا يسعدك أنت وعروستك وعقبالي أنا وبسمة)
______

" أنا مافهمتش حاجة يا عبد الرحمن.. يعني الجدع ده خطبها من ابوها وأمها قبل ما يتوفوا ولا لأ؟"

أجابه وهو يجلس على أريكة منزلهم أخيرا وحيدا مع أبيه.. بعد أن قررت والدته وشقيقته سلوى المبيت مع حنين وبسمة: والله يابابا أنا زيي زيك ماكنتش اعرف حاجة وأول مرة اشوفه انهاردة.. بس اللي فهمته لما كلمنا تحت العمارة أنه خطبها من نفسها الأول وانتظر رأيها النهائي وكان ناوي يزور أهلها، بس اللي حصل طبعا غير كل حاجة.. وواضح انه متمسك ببسمة وعايزها عشان كده حب يعرفنا بنفسه كده انه خطيبها.. وزي ما قالك هينتظر وقت مناسب ويكلم بسمة تاني.. بعدها هيجيب والده ووالدته ويجي يخطبها مننا.. 

_ ادينا منتظرين وربنا يصبر خطيبتك واخواتها علي مصيبتهم ويعينهم

قال بحزن: صعبانين عليا أوي يا بابا، ربنا يقدرني واقدر اخفف عن حنين.. وعهد عليا اخواتها هيكونوا اخواتي.. بسمة وياسين هيفضلوا في شقتي معززين مكرمين لحد ما ربنا يصلح الحال

ربت أبيه على ظهره بفخر:  أصيل ياعبد الرحمن.. وانا يابني بعتبر نفسي مسؤل زيك..ولو الجدع ده صدق في كلامه.. هكون أنا في مقام ابوها وهيستلمها مني

أومأ له بصمت ممتن، ثم تسائل والده: أمال فين أخوك؟
_ استأذن مني اما لاقاني مش محتاج حاجة وسبقنا وجه نام.. شكله كان تعبان شوية
نهض الرجل:  طيب هروح اطمن عليه وبعدين اغفل ساعتين انا كمان.. ماتنساش لازم نكون  في المستشفى من بدري عشان نستلم الجثامين وندفنهم عند صلاة الظهر ونصلي صلاة الجنازة..وطبعا فيه ناس كتير هتيجي تعزيهم وتعمل الواجب
_ عندك حق يا بابا.. وانا كمان هخطف ساعتين نوم واروحلهم واجيب شوية طلبات مهمة.. 
_ طب استني هنا دقيقة.. 
غاب ثم عاد يدس بكف ابنه مبلغا من المال، فاعترض عبد الرحمن:  ايه ده يا بابا انا مش عايز حاجة.. والطلبات اللي هجيبها بسيطة وقد اللي معايا ماتقلقش.. 

رمقه بحزم:  الظروف ماتسمحش انك ترفض، وبعدين دول مش ليك.. لخطيبتك واخواتها.. اديها المبلغ ده عشان لو احتاجوا حاجة لأنها مستحيل تاخد مني هي أو بسمة.. اما اللوازم والمصاريف التانية ربنا يقدرني عليها، دي محنة لازم نكون فيها ايد واحدة يا ابني.. عملنا الصالح هو  اللي هناخده من الدنيا..وكله بعد كده مش مهم.. وسبحان الله أمك لسه مقبضاني جمعية على أساس نجيب حاجات في جهاز سلوى.. أهي جت في وقتها.. ربك بيساعدنا نستر الغلابة دول في الشدة..وماينفعش نقصر.. 

تجرع عبد الرحمن ريقه بتأثر ثم عانق والده بشده وقال:  طول عمرك كبير يا بابا.. ربنا مايحرمنا منك
_ ولا منكم ياحبيبي.. يلا روح نام وظبط المنبه عشان ما تروحش علينا نومة.. 
_ حاضر.. 
_____

غفى الجميع واخيرا وجدت المجال لتجلس جوار النافذة وتبكي فراق والديها.. تريد الصراخ.. تريد أبويها يعودان..لكن لا يعود من غادرته الروح.. كيف ستواجه الحياة هي واخوتها دونهما؟ ماذا تخبيء لهم الأيام؟ تنهدت ودموعها تتسابق على خديها وذهبت تتوضأ وتصلي وتدعوا الله أن يرزقها الصبر والتحمل وأن يسترهم ولا يحوجهم لسواه..

لم تشعر بالوقت وهي ساجدة تدعوا وتبكي ثم ختمت صلاتها لتتفاجأ بالصغير يجلس خلفها بصمت كأنه افتقدها.. نظرته الحزينة ذبحتها فتلقفته بصدرها لتبثه الحنان والدفء، وحاولت ان تحدثه عله يستجيب:  ليه ماكملتش نوم ياحبيبي.. جعان؟ خايف؟
لم يجيبها ودس نفسه بين ذراعيها فشددت ضمته وراحت تقبله وتبكي مع قولها:  تعرف يا ياسين إن دلوقت ماما وبابا في الجنة مبسوطين اوي..هما مش معانا عشان ربنا عايزهم يكونوا عنده..واحنا في يوم من الأيام هنكون معاهم.. 

ابتعد الصغير يطالعها فواصلت:  أيوة يا ياسين كل البشر بتروح عند ربنا وقت مابيحدد.. وانت لازم تتحمل وتكون قوي عشان هما يتبسطوا منك..ماما وبابا هيعرفوا كل حاجة بنعملها.. لما نصلي وندعيلهم هيفرحوا.. ولما نقرأ قرآن برضو هيفرحوا.. ثم جففت دموع الصغير وهي تقول:  دموعنا دي بتوجعهم.. عايز توجعهم؟

هز رأسه بقوة، فاستطردت وهي تتماسك بأعجوبة: 
طب يلا ادعيلهم بصوتك ياحبيبي..اتكلم عشان خاطري. 

غامت عيناه بسحابة حزن جديدة ودس جسده الصغير بصدرها ثانيا عازفا عن الكلام… سيستمر عقابه كما رسخ له عقله أنه السبب في موتهما.. هكذا قالت والدته كثيرا " هتموتني انا وابوك بسبب شقاوتك."..الجملة لا تنمحي من روحه.. صار مؤمنا بها.. حتمًا هو السبب..!

لم تضغط عليه أكثر مقدرة أثر الصدمة على طفل مثله واكتفت بالربت الحاني على ظهره ومداعبة شعره حتى غفى بين ذراعيها، فاحتضنته وتوجهت للفراش ورقدت به واغمضت عينيها وشفتيها تردد الدعاء والذكر لملاذها الأوحد.. 
_____

عيناه طافت تفاصيل غرفتها باستمتاع مضجعًا على فراشها بنصف جلسة منتظرها لتفرغ من حمامها قبل النوم.. فأخيرا بعد سهرتهما مع والديها عاصم ودره، صعدا للنوم..لمح صورتها فوق الكومود.. نفس الصورة التي رآها أول مرة أتى إلى هنا.. يوم علم صدفة حقيقة من تكون..مرر إصبعه على وجهها كأنه ينحت تقاسيمها بجدار قلبه..كم يعشقها.. كم يخاف عليها..أثر حادث اختطافها في سويسرا مازال حيًا داخله.. لو غابت عنه تظل مخالب الخوف تنهشه وتعبث بعقله أفكار كارثية.. تذكر حديث يزيد عن فترة خطبتهما.. نعم أكد له انه لم يعد يعشق سوى ابنة خالته، وحبه لبلقيس كان. هما.. لكن ستبقي تلك المساحة من الغيرة داخله، انه يوما ما كان يتمناها له.. ويتخيلها زوجته.. 

كان شاردًا ولم يلحظ اقترابها.. فوقفت بدورها تتأمله وهو يجلس على فراشها.. ظافر حبيبها التي ماكانت تنام إلا بعد ارتداء معطفه ونثر عطره حولها.. حبيبها الذي انتظرته كثيرا.. سرها الذي لم يعرفه أحد.. هاهو يشاطرها غرفتها وحياتها وروحها وحتى أنفاسها أصبحت له.. انتبه لها فرصد بحدقتيه قميصها الأسود اللامع المهلك على "قدها" الرشيق، وشعرها المبتل المرسل بعشوائية على كتفيها كما يحبه.. وابتسامتها وهي تطالعه، فنهض وضمها له هامسا:
_ايه الجمال ده كله..
_ عجبك القميص ده بجد؟
_ يجنن.. انتي جبتيه معاكي؟
_ لأ.. ده ماما جابت ليا حاجات هنا عشان لو أنا وانت جينا في أي وقت نكون براحتنا ومش ناقصنا حاجة
قال وعيناه تدور ببطء علي ما يظهر منها:  حماتي دي ست محترمة وبتفهم وحبيتها أوي. 

قالت بدلال:  طب وبنتها؟
_ بنتها دي العسل اللي مش برتوي منه ابدا
وعانقها برقة وملمس قميصها الحريري ورائحتها وشعرها المبتل يبعثرون ثباته ويذهبون عقله.. 
_ تعالى هوريك حاجة
قالتها وهي تجذبه ليجلس على طرف الفراش، راقبها وهي تحضر صندوق ما وفتحته ملتقطة من داخله شيء صغير رقد بين راحتها المبسوطة.. 
_ ايه ده يا بلي؟
ابتسمت وهي تنظر لما تحمل:  فاكر أول مرة شوفتك في المطعم؟ 
أومأ ملتقط بقية الذكرى:  لما جريتي عليا واستخبيتي ورايا وهمستي بصوت واطي وقولتي "انقذني"

سطع بريق شمسيها وهي توميء مع قولها: أخدوني منك بالعافية وانا فضلت ماسكة في ايدك بشدها ومش عايزة اسيبك..
قال وهو يستعيد معها كل التفاصيل الصغيرة: 
ساعتها خرجت وراكي وانا مستغرب اللي حصل، ورفعت دراعي لقيت ضوافرك علمت في ايدي.. وذرار من قميصي اختفى..
تكثفت سحابة دموعها:  احتفظت بيه واعتبرته كنزي مع الجاكت بتاعك اللي كنت بنام وانا لابساه ومش بسمح حد ياخده مني.. وعلب البرفان بتاعك اللي كل اما يخلص بابا يجيبلي منه لما يلاقيني حزينة عشان خلصته..محدش كان فاهم ولا عارف سر ارتباطي بالحاجات دي..ولحد دلوقتي غاليين عندي وبعتبرهم أهم ذكراياتي معاك.. دول اللي لو زعلتني في يوم هشتكيك ليهم.. دول اللي هيطبطبوا على قلبي لو قسيت عليا لأي سبب، دول اللي… .

لم تكمل وهو يلتقط بقية الكلمات ويذيبها بأنفاسه..لن يترك شيئا مهما كانت قيمته لديها أن يكون بديلا عنه.. حتى لو أغضبها.. صدره سيكون الأولى بشكواها.. وقلبه دائمًا عادل معها..ويعرف كيف ينصفها..! 
______

لم يزوره النوم سوى متأخرا لعدم اعتياده على المكان، وبمجرد أن انعكس ضوء الشمس على ستائر غرفته، نهض يستعد للصلاة، عابرا عُقبها للشرفة متأملا الطبيعة حوله..مظهر الحديقة في الصباح يبهر الناظرين.. لكن الأكثر إبهارا له تلك اللحظة، هي ملاكه التي لمحها تتهادى أمامه تقطف ثمار طماطم، عاقصة شعرها برابطة ملونة تاركة إياه يتدلى على شكل" ذيل حصان"..مرتدية كنزة خضراء وبنطال جينز يوضح نحافتها ورقة بنيتها..غادر غرفته وهبط سريعا إليها قبل أن يفقد فرصة صباحها.. 

" صباح الجمال والرقة"

أجفلها صوته فاستدارت له:  عامر؟ صباح الورد، ايه مصحيك بدري كده؟ في حاجة ضايقتك؟ 
أجاب وعيناه تجول على وجهها:  عشان من حظي الحلو اشوفك واتصبح بوشك الملاك
ثم ملس على وجنتها متحسسا بشرتها:  ماكنتش اعرف انك بتكوني جميلة اوي كده الصبح. 

ابتعدت بارتباك ان يراهما احدا.. فواصل مبتسما:  حلو شعرك كده، مخلي مظهرك طفولي.. 
_ ويعجبك ان مظهري يكون طفولي؟ 
_ طبعا يعجبني.. ثم رمق ما تحمله متسائل:  هتعملي ايه بالطماطم دي؟
_ هعملك وصفة بيض اتعلمتها.. معظم الفطار هعملهولك بإيدي.. بس اوعي تتريق عليا انا مش شاطرة اوي.. بس أنا فرحانة انك هنا وعايزة اعملك كل حاجة من ايدية.. 

حدجها بإعجاب حاني دون أن يقول كلمة، فخجلت وتخضب خديها بالحمرة وقالت:  طيب هروح اجهز الفطار بسرعة زمانك جعان
ابتسم لخجلها. وأوقفها وقال: 
_ طب استني، انا عايزك تعمليلي حاجة متعود عليها اول ما بصحى
_ ايه هي؟
_ شاي
_ نعم؟! شاي من قبل ما تفطر؟!
_ أنا متعود على كده، بحب اشرب الشاي الأول
_ انسى.. دي عادة غلط جدا على معدتك ومش هسمحلك بيها
قال بجدية:  جوري بجد انا لازم اشرب شاي أول ما اصحى.. دي عوايدي ومش هيغيرها فجأة كده

تدللت عليه:  طب لو قولتلك علشان خاطري بلاش تشربه انهاردة قبل ما تفطر.. هتزعلني؟

زفر قليلا: مش هزعلك بس هكون مضايق! 

تفقدت حولها بحرص ثم طبعت علي خده قبلة سريعة وقالت:  اعتبر دي بدال الشاي وماتزعلش.. 
وهرولت وهي تضحك وشعرها يتأرجح يمين يسار.. فشيعها بنظرة هائمة متنهدا بعشق يملأ قلبه هامسا:  كده هتدفعي كتير يا ملاكي. 
……………… 

اكتملت طاول الإفطار بالكثير من الطعام..وجاوره أدهم مرحبا به فرحا بمكوثه معهم وقال:  عقبال ما نفرح بيكم وساعتها هتلاقي مكان خاص بيكم هنا.. أنا عامل لكل واحد من ولادي جناح كامل في الدور التاني لعابد ويزيد.. وبتاع جوري هظبطه بعد ما تتجوز
عامر بتهذيب:  ربنا يخليك ليهم ياعمي
_ ويحفظك يا ابني، ما انت بقيت من غلاوة ولادي. 

مازحته كريمة وهي تستقر معهم حول المائدة:  بقولك ايه ياعامر.. نصيحة مني عشان تعرف غلاوتك عندي..انت هتكون تحت المجهر من خطيبتك..يعني أي حاجة تدوقها انبهر حتى لو وحشة عشان تنشكح وتتبسط.. دي هتنتظر رأيك حتى في شرايح الخيار. 

ابتسم وهو يرمقها بحنان، بينما تذمرت جوري:  بقى كده ياماما  بتتريقي عليا قدام خطيبي؟
أدهم ضاحكا وهو يدللها:  هو حد يقدر يتريق على حبيبة ابوها.. انا عن نفسي هقولك تسلم ايدك من قبل ما ادوق حاجة
_ حبيبي يا دومي.. مافيش منك اتنين والله 

راقب عامر مشاكستها معهم باستمتاع، كم بدت له مرحة جميلة رقيقة..تخيل لوهلة الحياة معها وشعر بالسعادة وتمنى أن يجمعهما بيت واحد قريبًا..ثم شرع  بتناول الطعام معهم مبديا اعجابه الذي أسعدها، ومن ثَم عرض والدها أن تصطحبه لمشاهدة المزرعة والتجول بها.. بعد أن أكد عليهما اللقاء في النادي لتناول الغداء مع عاصم ودره..وبعدها سيلحق بهم ظافر وزوجته ليكملان معهم السهرة..قبل أن يغادر عامر وظافر وبلقيس للقاهرة. 
…………

_ ماشاء الله المزرعة جميلة جدا جدا
_ اخويا هو اللي متولي مسؤليتها هو وزمزم دلوقت مع بابا وعمو محمد
_ ربنا يباركلهم فيها
ترددت قليلا قبل أن تتسائل: عامر هو ممكن اعرف حدود ظروفك المادية ايه؟ 
_ ليه؟
_ قولي بس.. يعني انت وظافر نفس المستوى؟
_ لأ
_ ازاي؟
_ أنا وظافر مش متساويين ماديا.. هو عايش مرفهة أكتر من قبل المشروع وده لأن عنده ورث من والده ووالدته.. ولما بدأنا مشروعنا هو امتلك النسبة الأكبر لأن عامل حساب أخته ايلاف..وبعدها لما احتاجنا نتوسع من فترة باع حتة أرض من ورث والدته وانا طبعا ماساهمتش  برأس مال زيادة..بس طبعا ده مش معناه اللي بيطلعلي من الأرباح االسنوية قليل بالعكس احنا بنكسب كويس اوي وكل مادا بنزيد خصوصا بعد فوزه باللقب في مسابقة التوب شيف.. بس انا وهو ماشيين على نظام معروف.. بناخد مرتب شهري زينا زي باقي العمال.. والأرباح بنقسمها وبنخلي جزء محدش فينا بيجي جمبه عشان نمشي الشغل والطلبيات.. لازم تتوفر سيولة طول الوقت تحت ايدينا..وانا الحمد لله معايا فلوسي الخاصة وبصرف فقط مرتبي.. امال ازاي جبت عربية وشقة؟ من أرباحي اللي ادخرتها

ابتسمت باستيعاب وقالت: ربنا يوفقك ياحبيبي ويزيدك أكتر وأكتر..
_ بدعواتك ياحبيبتي..قوليلي بقى ليه سألتي على ظروفي المادية؟  
_ لا عادي مجرد دردشة.. 

تأملها بنظرة ثاقبة وقال: جوري.. كنتي عايزة تقولي حاجة واتراجعتي عنها.. اتفضلي قولي. 
_ ابدا.. انا عرفت اللي كنت عايزة اعرفه خلاص.. تعالى هوديك مكان هتحبه اوي

أوقفها:  جوري.. لأخر مرة بقولك كنتي عايزة ايه؟
زفرت قائلة: ياعامر قولتلك خلاص مافيش حاجة
_ كدابة.. عيونك بتكدبك
هتفت باستسلام:  ماشي.. كنت هقول حاجة واكتشفت انها مش مهمة واتراجعت.. ارتاحت؟
ابتسم وامسك كفها وداعب ظهره بإبهامه وقال بحنان:  قولي ياحبيبتي وسيبيني احدد مهمة ولا لأ
صمتت برهة فحسها على الحديث بنظرة مشجعة، فقالت: طيب توعدني لو مش تقدر عليها تقولي
_ أوعدك
_ انت عارف ان عطر اللي هتصمم لينا ديكورات شقتنا.. وانا اختارت معاها حاجات معينة عايزة اعملها.. وهي قالتلي على التكلفة المادية بشكل مبدئي وحسيتها رقم مش هين.. وبصراحة معرفش انت تقدر عليه ولا لأ.. وده كان سبب سؤالي
_ طلبت كام؟
ترددت ثانيا ثم أخبرته ومكثت تطالعه وتستشف رد فعله، فلم تستطع..فقط ينظر لها بشكل يحيرها..حتى بدأت ابتسامة تولد على شفتيه وهو يرفع كفها ويلثمه مع همسه: ولا يهمك..هظبط الموضوع ده مع يزيد واعملي كل اللي اختارتيه مع عطر

كانت تراقبه بتوتر ثم بدأت تستوعب أنه وافق.. فقفزت من الفرحة:  بجد ياعموري.. يعني المبلغ مش كتير عليك بجد؟
_ لا ياحبيبتي الحمد لله مستورة ماتقلقيش..
_شكرا ياحبيب قلبي
رفع حاجبيه:  كده ببلاش يا نصابة؟
ضحكت بمشاغبة:  أيوة.. اعتبر نفسك عملت حاجة لله في واحدة غلبانة
جاراها في المشاغبة: لا انسي..مافيش حاجة ببلاش عندي..وعارف هدفعك دينك ازاي

صدحت ضحكتها ثانيا وهي تسير معه وجاهد ألا يعانقها وينال مكافأته..لكن لا مجال لفعلها علي مرآى الأشهاد حولهما..ولا مفر من الصبر على وصال الجميلة.. 
_____

تململت فوق فراشها بكسل شاعرة بثقل ذراعه على خصرها، فتحت عيناها لترى وجهه النائم بعمق وسلام..خصلات شعره مبعثرة ويميل بعضها الناعم على جبينه.. فمدت أناملها ترفعها بحنان ثم دنت تقبل أنفه برقة شديدة وراحت تتأمله بوله وومضات من ليلتهما الأولى تداعبها وتثير خيالها.. فتنهدت ودست نفسها في صدره.. ليشدد ذراعيه حولها بتلقائية رابتًا على ظهرها ومازال وعيه غائب.. ثم بدأ يشعر بدفء أنفاسها أعلى صدره فتحرك ونظر لها بحب ومازالت عينه يحتلها أثر النوم: 
_ صباح الخير ياحبيبتي
_ صباح الورد يا بودي

لثم خدها وقال: صاحية بدري ليه؟
_ أنا لسه معرفش الساعة كام.. ولسه فايقة من دقايق
ثم داعبت خده بيدها:  كنت بتفرج عليك وانت نايم
ابتسم ومازحها:  طبعا اتفاجأتي بالحقيقة المرة.. مرعب وانا لسه صاحي مش كده؟
هزت رأسها وعيناها تحتضن ملامحه:  لأ مش كده.. بالعكس.. حبيتك أكتر.. حسيتك زي ابني.. هو كمان بيكون كده زيك بالظبط، شعره منعكش وخدوده حمرة من النوم.. بس الفرق.. هو باخده في حضني عشان اطمنه..لكن انت..أنا اللي استخبيت في حضنك وحسيت بمتعة وأمان.. إحساس إن في مكان بقي يخصني  لوحدي جمب قلبك حسسني براحة مقدرش اوصفها.. ثم همست له (انت فرحه جت لعندي بعد عمر من التعب)

لا يحتاج الكلمات ليعبر عن مشاعره، الفعل أقوى ردًا على مثلها، سحبها بعاصفة جديدة يعيد بها مذاق ليتهما الأولي..عالمهما الذي صار الولوج إليه مباح كلما اشتهت أنفسهما.. بعد وقت هدأت وصالهما وهمس وهو يضمها.. تعالي نفطر ونستعد للخروج وبعدين نتصل بمهند يكون صحي من نومه! 

نظرت له ممتنة..تحاول بأعجوبة كبت شوقها للصغير.. وتخاف أن يشعر عابد.. تريد أن تمنحه الأهمية التامة ليتدلل في حنانها وحده كما أوصتها والدتها.. لكنه يبهرها گ عادته بجوده وهو يقترح الاتصال ليطمئن على صغيرها قبل التنزه.. 

أدرك أفكارها فقال:  انتي فاكرة ان مهند وحشك انتي وبس؟ 
واسترسل:  تعرفي يا زمزم زي ما كنت بتخيلك في حضني كنت كمان بتخيل مهند وانا بصحى على وشه الجميل وضحكته الحلوة وانا بلاعبه وافطره بإيدي وهو قاعد علي رجلي وواخده معايا المزرعة وفي كل حتة اروحها.. مهند خلاص مش هيفارقني تاني.. بقي بتاعي ويخصني زيك بالظبط وأكتر كمان.. 

دمعت عيناها وهي تطالعه ثم فاجأته بنثر قبلاتها على سائر وجهه هاتفة:  كل اما هتقول مهند هبوسك
فضحك ومازحها:  بجد؟ طب مهند! 
قبلته.. فعاد يهمس " مهند" لتعود وتقبله ليضحك أخيرا من قلبه ويضمها ثانيا هاتفا:  حلوة اللعبة دي.. هنلعبها كل يوم علي فكرة.. 

ثم استعدا بالفعل ليتناولا أفطارهما ويحدثا الصغير الذي ظل يهلل لرؤيتهما عبر الهاتف متناولا طعامه هو الأخر مع مزاح عابد وزمزم معه.. وبدون حديث أدركت عبير أن ابنتها لا تحتاج سؤالا عن حالها.. لمعة العين والوجه الذي زاد بهاءه أخبرتها أن ابنتها تعيش في جنة بصحبة زوجها.. دعت لهما بالسعادة.. لتتبع تلك المكالمة أخرى مع ووالديه ويزيد وجوري، وحصدا من الجميع دعوات لهما بالسعادة والذرية الصالحة..
…………… 

قالت متأبطة ذراعه وهي تسير جواره مبهورة :  المكان ده تحفة يا بودي.. احنا فين بالظبط؟

اجابها: احنا يا حبيبتي في حي اسمه  "حي الكوثر" معروف گ ممشى سياحي جميل زي ما انتي شايفة، والحي ده ميزته انه مليان بازارت بتبيع التماثيل الفرعونية اللي بتتجاب گ هدايا تذكارية من هنا، وكمان فيه مركز تسوق معروف اسمه "أسبلاندا مول" وده عالم لوحده، ده غير المحلات التجارية، وحمامات السباحة والفيلل والشاليهات اللي كلها معمولة بأحدث طراز.. عشان كده يزيد اخويا وهو اللي حجزلي هنا وظبط كل حاجة، وطبعا ده كله على حسابه..مرضيش يحاسبني وقال دي هديته لينا عشان جوازنا.. 

_ ربنا يخليكم لبعض ياحبيبي.. وعقبال مانفرح به هو وعطر
_ اللهم امين.. ماتتصوريش يزيد ده بالنسبالي ايه يا زمزم.. انا بحسه ابويا مش اخويا وبس..حنيته تكفي البشرية كلها.. ومبسوط اوي انه اخيرا لقي سعادته مع القردة عطر

ضحكت قائلة:  اخوك لو سمعك هيعلقك
ضحك مثلها:  منا عارف.. ومش هسكت.. هفضل اقولها كده.. ولما تجيب عيال هذلهم واقولهم امكم قردة.. المهم بقى أنا عاملك حتة برنامج رهيب.. هنزور كل الأماكن الحلوة هنا..
تحمست قائلة:  بجد يا بودي؟ يعني هنروح فين؟
_ شوفي ياستي بما أن انهاردة الجمعة هنروح الأول نصلي في أجمل مسجد في الغردقة، اسمه مسجد " الدهار" مبني من سبعنيات القرن الماضي، اما تشوفي الزخارف اللي عليه هتنبهري
_ الله يا عابد.. بجد افضل مكان نبدأ به نزهتنا هنا..طب وهنروح فين تاني
_ اماكن كتير مشهورة بيها الغردقة.. جزيرة " جفتون" ودي مركز لتجمع أكثر من نص طيور النورس في العالم كله.. وهنروح كمان متحف الغردقة المائي..وده من اهم المتاحف في الشرق الأوسط وقارة أفريقيا.. فيه أكتر من 20 حوض شفاف عشان تستمتعي من خلاله بالحياة البحرية.. وفيه كمان ممر مائي طوله تقريبا 24 متر.. تقدري من خلاله تتجولي تحت المية وتشوفي الأسماك بحجمها الحقيقي والشعب المرجانية وألوانها وروعتها..
شهقت بحماس:  يانهار ابيض.. ده انا كان حلمي اروح رحلة تحت المية واتفرج على الشعب المرجانية والأسماك الملونة.. خلينا نروح دي انهاردة يابودي
_ حاضر ياحبيبتي.. بعد صلاة الجمعة ننطلق
_ ماشي.. بس هو في أماكن تاني هنروحها غير الجفتون والمتحف المائي؟
_ أيوة.. في مكان انا هروحه معاكي لأول مرة.. اسمه متحف الرمال.. ده من أوائل الأماكن اللي بيزورها السياح هنا.. تخيلي اما شخصيات تتنحت من الرمل.. مابين شخصيات عالمية ومصرية؟ وهناك متوفر مطاعم واستراحات وأماكن للأطفال.. يعني مش هينقصنا حاجة هناك.. لأني ناوي بإذن الله نيجي بمهند رحلة تاني للغردقة عشان يزور ويتصور في كل مكان زورناه من غيروا

صمتت برهة ثم باغتته بقبلة علي خده وقالت: قولتلك كل اما تقول مهند هبوسك حتى لو كنا في الشارع.. 

ضحك وقال: تصوري نسيت اللعبة دي اكمننا في الشارع فعلا..ثم قال بنبرة عابثة: بس خلينا نلعب لما نرجع الشاليه عشان احب العب بضمير وماليش في الكروتة دي.. 

ضحكت بانطلاق توجهت معه لمسجد " الدهار" ليكون خير بداية لأيام شهر عسلهما الذي لن ينضب ابدًا.. 
_____
  
_ صباح الخير يا كسلانة، أخيرا رديتي؟ 
تمطت وهي تغمغم:  صباح الخير يا زيزو.. معلش سهرت مع عمتو وجدو وتيتة وولاد عمتو، نمنا بعد الفجر والله. 
_ ياعيني عليا سهرت لوحدي ومحدش عبرني
_ منا قولتلك خليك معايا لما وصلتني وجدو مسك فيك وانت مش رضيت
_ بصراحة كنت عايز انام ياعطر.. انا من قبل فرح عابد وانا مجهد.. سفري الغردقة عشان اختار بنفسي مكان كويس يليق بيهم.. وترتيباتي بعدها.. حسيت امبارح اني فصلت وعايز انام يومين متواصلين.. وفعلا انا نمت كتير اوي
_ نوم الهنا والعافية ياحبيبي
_ نوم الهنا مش هيكون غير في حضنك يا فواحة
ابتسمت وتخضب وجهها فمازحها:  أراهنك إن وشك أحمر دلوقت؟
عاندته:  لا خالص وشي عادي. 
_ طب اتصوري وخليني اشوف واتأكد
شقهت وقالت بتلقائية:  مستحيل تشوفني كده.. ممكن تقول عليا وحشة
_ لا ياحبيبتي.. انتي جميلة في عيوني مهما كنتي
ابتسمت برضا وهتفت:  بحبك يا زيدو
_ وانا أكتر.. المهم فوقي بقى عشان ساعة بالكتير وهعدي عليكي.. لسه هنشتري هدية عشان أمونة اللي هنزورها لأول مرة في بيتها ونباركلها علي الجواز والحمل.. 
_ حاضر ماتقلقش.. هقوم اخد شاور واتوضى واصلي واجهز على ماتيجي. 
_ ماشي ياقلبي.. سلام مؤقت.. وعلى فكرة نسيت اقولك ان عابد وزمزم كلموني الصبح.. والحمد لله شكلهم مبسوط اوي
_ ربنا يسعدهم يارب.. انا هخلص صلاة واتصل اباركلهم مادام صاحيين..
_ ماشي.. المهم علي ما اجي تبقي جاهزة
_ وقبل ماتيجي كمان..
………… .
في إحدي المولات.. 
_ يزيد تعالى نروح قسم الأطفال، انا فكرت في هديتين حلوين اوي لأمونة واحمد
_ طب ياريت.. انا محتار اجيبلهم ايه
_ تعالى وهيعجبك اللي اختارته! 
………… 
بعد مغادرة المول. 
_ والله برافو عليكي ياعطر.. احنا اشترينا افضل حاجة ليهم اعتقد امونة واحمد هيفرحوا بيهم اوي
_ ان شاء الله ياحبيبي.. ربنا يقومها بالسلامة
قالتها وهي تستقل السيارة جالسة جواره، ووجدته يضحك بغتة فتعجبت متسائلة:  انت بتضحك علي ايه؟ ضحكنا معاك يا باشمهندس
_ أصل افتكرتك لما قابلنا أمونة صدفة اول مرة ومعانا جوري وياسين.. كنتي مش طايقاها وبتقوليها كمونة.. ومغرقاها مقالب.. 
ضحكت مثله:  بصراحة.. انا ساعات كنت ببقى عايزة اخنقها وهي بتكلمك..كنت هتجنن وهموت من الغيرة

جذب كفها ولثم باطنه هامسا: بعد الشر عليكي ياحبيبتي.. دلوقتي خلاص مافيش غيرة صح؟
_ لأ مش صح يا روحي.. بغير برضو..صحيح اقل من الأول لكن بغير.. انا مش عايزاك تبص لواحدة غيري ابدا ابدا.. انت حبيبي انا وبس. 

ابتسم بحب: الغيرة مطلوبة.. المهم ماتبقاش مقرونة بشك.. ده اللي مش هحبه
_ متخافش يا يزيد أنا أعقل من الأول.. وخلاص اطمنت انك بتحبني بجد.. 
_ بموت فيكي مش بحبك بس.. 
……………… 

أحمد بحفاوة:  يا أهلا وسهلا بالحبايب.. اتفضلوا والله نورتونا ..
يزيد:  ده نورك يا ابو حميد.. معلش الزيارة متأخرة..ثم نظر لأمونة التي تجاوره بعد أن رحبت بعطر:  ألف مبروك يا أمونة.. ومبروك كمان على الحمل.. هتخليني عمو بسرعة
_ الله يبارك فيك يا يزيد.. عقبالك.. ثم جذبت عطر وقالت بترحيب : تعالي ياعطر ادخلي مكسوفة ولا ايه
_ لا ابدا مش مكسوفة.. 
ودلفوا جميعهم واستقبلتهم والدة أحمد بترحيب لائق.. ثم قالت عطر وهي تقدم هداياها:  انا ويزيد اختارنا دول علشانكم.. يارب يعجبوكي يا أمونة. 

منحتها الأخيرة بعض كلمات الشكر وهي تستكشف الهدايا لتشهق برؤية أولهم:  الله ياعطر.. ده سرير للبيبي شكله يجنن.. ومتنقل ومريح جدا.. والله فكرت فيه لما شوفته على النت وقلت هنبقي نجيبه.. بس انتي سبقتينا ياحبيبتي تسلميلي.. 
احمد مازحا:  ده الواد ابني ده مُرزق.. هينام ويتكيف في السرير ده ولا سلطان زمانه.. 
امونة لحماتها:  شوفتي ياطنط الجمال
شكرتها السيدة:  بصراحة ذوقه تحفة وعملي فعلا.. تسلم ايدك يا باشمهندسة.. عقبالك
_ تسلمي ياطنط.. وواصلت لأمونة: دي بقى هدية يزيد
تفقدتها لتشهق ثانيا:  لا ده كتير والله.. حمالة للبيبي كمان.. ثم نظرت ليزيد:  بجد شكرا.. عقبال ما اشتري لأول بيبي ليك انت وعطر
أمنوا جميعهم ثم تسائلت والدة احمد:  هو انتوا هتتجوزوا قريب؟
يزيد: بإذن الله.. عطر خلاص هتتخرج قريب وفي نفس الوقت هي اللي بتشطب ديكورات شقتنا بنفسها..ثم قال بمرح:  قوليلها بقي ياطنط تخلص بسرعة عشان تيجوا تزورونا في بيتنا احنا كمان.. 

ضحكوا بعد قوله بينما خجلت هي للهفته أمام الجميع، .وبالوقت ذاته روحها تحلق في عنان السماء كلما أظهر حبه لها.. وكم تحبه أضعاف ما يُكته لها.. 
______
" عبير.. تعالي شوفي حل مع ابنك المجنون ده.. دماغي صدعت منه!"

مازحته:  طب بذمتك طالع لمين؟؟؟
رفع حاجبيه بتحذير: عبير؟؟
محمود بعناد:  يابابا انا مش فاهم معترض ليه.. انا كلمت زمزم وعابد ومعندهمش مشكلة اول ما ينزلوا القاهرة، هوصلهم عند عمو عاصم.. هيرتاحوا شوية من السفر ونجهز كلنا ونروح عند ظافر نخطب إيلاف ونقرا الفاتحة.. ساعتين بالكتير وخلاص كل واحد يروح يشوف حاله، ودوركم هيبقي انتهى وألف شكر على كده.. وانا اقعد مع عروستي بقى.. 

محمد بامتعاض:  طول عمرك واطي
عبير:  الولد هياخد مصلحته مننا وهيرمينا بعد كده. 
محمود وهو يقبلها بمراح:  وأنا اقدر يا بيرو.. بس خلاص مش قادر اصبر.. البنت ممكن تطير مني.. اخطبها وهسكت والله مش هزن عليكم في حاجة تاني.. اصلا هنشغل في مكتبي ومشروعي بعدها.. بس بالي هيكون مرتاح انها بقيت خطيبتي.. 

محمد:  طيب هكلم عمك عاصم وظافر وربنا يسهل. 

امسك محمود هاتفه واتصل على عمه وقال:  ألو.. أزيك ياعمو وحشتيني اوي.. الحمد لله بخير.. بابا عايزك في حاجة مهمة جدا.. مش قادر يصبر وانا مضطر ياعمو اوافقه عشان انا ابن مطيع وبسمع الكلمة.. اهو مع حضرتك اتفضل.. 

رمقه والده باذبهلال ثم حدث زوجته التي تكمم فمها لتكتم ضحكتها بأعجوبة: شايفة ابنك المتخلف عمل ايه؟
_ خلاص بقى يامحمد ماتزعلش الولد.. فرحه واجبر خاطره واخطبله البنت اللي نفسه فيها..والله انا عندي استعداد اجوزه في أسبوع

قفز محمود يعانقها ويمطرها بقبلاته قائلا: خاطفة قلبي وربنا.. يا أحلي ماما في الكوكب كله

امسك محمد الهاتف وهو يرمقه بضجر وقال:  ازيك ياعاصم.. معلش قلقناك يا اخويا.. اعمل ايه ربنا رزقني بأبن معتوه..البيه عايز يستقبل اخته بكره من المطار يوديها عندك هي وجوزها يرتاحوا ساعتين وبعدين ياخدنا كلنا كده علي بعص عند ظافر عشان نخطب اخته الصغيرة.. شوفت الهطل بتاع محمود؟..
صمت برهة ثم قال باستنكار:  أنت بتضحك ياعاصم؟ يعني عاجبك الجنان ده.. البنت هي وجوزها مش هيلحقوا ياخدوا نفسهم من السفر وده عايز يمشورهم هنا وهناك.. 

اختطف محمود الهاتف وتكلم بدلا من والده:  ياعمو زمزم وعابد جاين بكره الضهر.. يعني قدامهم كام ساعة يريحوا فيها علي ما نروح لظافر.. 
صمت لحظة يسمع عاصم ثم صاح:  حبيب قلبي ياعمو.. خد بابا بقى اقنعه عشان خاطري.. 

عبير بعد أنتهاء محمد من  المكالمة: عاصم قالك ايه؟
_ هيقول ايه؟ ده فضل يضحك ومنشكح ومتحمس اوي وقالي هيكلم ظافر ويظبط معاه زي ما محمود عايز..؟
قالت وهي تقرص خد محمود بدلال:  معقولة حبيبي الصغير كبر وهيخطب ويبقى عريس

مازحها:  بقولك ايه يا ماما.. اوعي تعملي الحركة دي قدام إيلاف.. الدلع ده بيني وبينك.. انما قدامها عايزك تغرقيني بالوقار والتبجيل.. 
محمد بتهكم:  تبجيل؟؟؟ طب قوم وسيبني مع أمك شوية عايز اكلمها في حاجة.. ولا سيادتك ليك طلبات تانية؟؟

محمود وهو يتراجع مشيرا بيده:  لا حقك ياكبير تقعد مع مزتك براحتك..
قذفه محمد بشيء ما جواره وهو يصيح عليه قبل أن يختفي الأخر من أمامه:  مزة في عينك ياقليل الأدب.

صدحت ضحكة عبير:  والله الواد محمود ده عسل.. ربنا يسعده هو واخته.. وانت يامحمد بلاش تحبكها كده وخليك مرن مع الولد..الدنيا متيسرة اهو والحمد لله.. 
قال بجدية:  عبير انا معترض بس علي الاستعجال، كنا ننتظر بس اسبوع بعد رجوع زمزم.. وظافر يعمل حسابه واخته بردو تستعد لو هتشتري حاجة.. انما كده  بكرة هنطب عليهم.. ودي برضو مناسبة مش هينة.. 
_ والله لو ظافر وافق خلاص هيدبروا نفسهم.. لعلمك مافيش احلى من الحاجة العفوية.. واحنا مبقيناش غرب عن بعض..خلي الأمور تمشي وادعي لابنك بالتوفيق بس

_ ربنا يوفقه وانا اكره ياعبير افرح بمحمود زي اخته.. خلاص اهو عاصم هيتولى الموضوع وربنا يقدم اللي فيه الخير.. 
_______

في يومهم الأخير في الغردقة بإحدى الشواطيء.. وقف يجري مكالمة مع أحدهم حين استشعر تشبثها المفاجيء كأنها تحتمي به من شيء ما.. استدار حيث نظرها مصوب، لتشتعل عيناه ببريق غاضب وهو يبصر ذاك النذل ياسر يطالعها بوقاحة.. فحاد إليها ليجدها تنظر أرضا ومازالت يدها تتشبث به.. فنزع كفها بصرامة أجفلتها متوجها للأخر شاقا الهواء كسيف حاد، ليرتبك ياسر الذي استهان بوجوده أو ظن الموقف لن يتعدى نظرات عابرة منه ويمضي..لكنه لم يكن كذلك وعابد يقبض على عنقه ويرفعه حتى كادت قدمه ترتفع عن الأرض وهو يهمس بفحيح:  قولتلك لو شوفتك تاني مش هرحمك..وعيونك اللي بصت علي مراتي هقلعهالك ياحيوان.!

أنفاسه شحت وأختنق وقبضة عابد تكبله بقوة ليتدخل أخيرا بعض المارة ويخلصوه منه باعجوبة فصار ياسر يسعل بقوة، وعابد يهدر:  ده تحذير أخير وأقسم بالله لو قابلتنا تاني ورفعت عينك ناحيتها ما حد هيخلصك مني..!
_____

تراقب وقفته بالشرفه وملامحه قاطبة عابسة، فاقتربت منه بحذر وهمست برقة راجية:  عبودي
لم يجيب أو يلتفت لها، فدنت أكثر وهي تحوط إحدى ذراعيه وتضمه لصدرها هاتفة:  طب أنا عملت ايه عشان تزعل مني؟

نظر لها برهة ثم أزاحها برفق ومازالت ملامحه غاضبة وقال:  سبيني شوية يا زمزم لو سمحت. 

ابتعدت واغرورقت عينيها فصاح عليها:  زمزم ما تقلبيش الموضوع وتخليني انا اللي اصالحك.. قلت سيبيني دلوقت! 

استدارت مبتعدة لتجلس على طرف فراشها ناكسة الرأس تبكي لإغضابه.. فلم يتحمل ولحقها وجلس قبالتها ورفع وجهها إليه وجفف دموعها ووجهه مازال عابس، فعادت تتسائل:  أنا عملت ايه زعلك؟
_ خوفتي منه وانتي معايا كأني مش مالي عينك.. أزاي ترتجفي من حقير زي ده؟ ومعناها ايه انك تخافي من أي مخلوق وانا جمبك؟؟؟ أنا قليل في نظرك؟ ده صرصار وافعصه برجلي!! 

أرتمت على صدره محيطة خصرة:  بصته ليا خوفتني، افتكرت كلامه ليا أخر مرة.. غصب عني لقيتني بستخبى فيك من عنيه الخبيثة

_ عيونه دي لو بصلك بيها تاني هقلعهاله! 

تركت صدره وطافت عليه بنظرة تفتخر به قبل أن تعشقه.. ثم قبلت وجنته وقالت:  حقك عليا
ثم قبلت وجنته الأخرى مواصلة:  انت حبيبي ياعابد ومقدرش على زعلك ابدا..  

لانت ملامحه وهو يضمها أكثر هامسا وعيناه علي شفتيها:  طب كملي.. صالحيني للأخر وبلاش نصب. 

ابتسمت ثم دنت لتمنحه مزيج لا يوصف من اعتذار وحب ورغبة وحنان وعشق.. لتستقر أخيرا على صدره وذراعه تحوطها بقوة وهي تدعوا ألا يعكر صفوهما شيء أخر! 
______


استدعاها شقيقها فذهبت إليه ووجهها مشتعل بحمرته وهي تعلم مسبقا من رسالة محمود لها وإخبارها بقدومه لخطبتها رسميا في الغد.. وما أن بصرها ظافر حتى ابتسم بحنان وهو يطالع خجلها، ثم جذبها لتجلس على قدمه هاتفا : حبيبة اخوها اللي وشها بقي فراولة من قبل ما اتكلم في حاجة. 

_ لا ابدا يا آبيه أنا كويسة اهو

ربت على رأسها وقال:  قطتي الحلوة اللي كانت بتتنطط حواليا وهي صغيرة خلاص كبرت والعرسان بيتهافتوا عليها طوابير. 

ردت بعفوية:  طوابير؟؟ هو في حد طلبني غير محمود يا آبيه؟

رفع حاجبيه يطالعها بريبة ماكرة لا تضمر خطرا، فانتبهت لذلة لسانها لتختبيء على الفور بصدره وهي تلعن حماقتها.. فقهقه وهو يضمها رابتا على ظهرها:  ده انتي عارفة كل حاجة بقى يا إيلي

هتفت ومازلت مختبئة منه خجلا:  هو اللي بعتلي رسالة على الفيس والله وقالي انه جاي يخطبني وانا حتي ماردتش عليه..حتي ادخل حسابي دلوقت وشوف بنفسك. 
_ عارف يا إيلي عارف.. أنا مربيكي وفاهم بتتصرفي ازاي.. زي ما متأكد ان محمود شاب محترم جدا، والده كلمني قبل ما اسافر سويسرا وعرفني برغبتهم ..وانا رغم انه ابن عم بلقيس وأصلهم معروف.. لكن برضو كلفت حد اعرفه وسألت كويس وجمعت معلومات عنه وهو في أوكرانيا.. وأتأكدت ان ظني في محله.. محمود شاب ممتاز وطموح ومستقبله مشرف ومبشر..( وواصل بعد أنا أبعدها عنه لتطالعه) ولو على رأيي أنا موافق عليه.. بس رأيك هو الأهم عشان كده عايز اسمعه منك دلوقت من غير كسوف.. دي حياتك يا إيلاف ولازم انتي اللي تكوني مرتاحة فيها.. ها قولتي ايه؟ لما يجوا بكرة اعرفهم بموافقتك؟ 

أطرقت رأسها ووجهها مازال يعج احمرار:  اللي حضرتك تشوفوا يا آبيه هوافق عليه
_ لا عايز رأيك انتي
هتفت بعد برهة صمت:  موافقة يا آبيه
ابتسم وعانقها مباركا:  ألف مبروك ياحبيبتي ربنا يسعدك انتي ومحمود.. 
_____

هرولت تحتضنه وتقبله بلهفة مغمغمة:  حبيب ماما وحشتني يا مهند وحشتني اوي
عبير وهي تضمها بفرحة:  حمد لله علي السلامة ياحبيبتي.. مهند زي الفل اهو زي ما وعدتك.. ابوكي ومحمود كانوا بيلاعبوا طول الوقت. 
ثم توجهت لعابد الذي يعانقه محمد:  وسعلي كده خليني اسلم علي جوز بنتي.. وضمته بحنان مع قولها:  حمد لله علي السلامة ياعابد.. والله ليكم وحشة كبيرة
_ وانتم والله وحشتونا اوي
ثم التقط مهند وراح يقبله وبداعبه قائلا:  وخصوصا مهند حبيبي عابد
فصاح الصغير:  آبد
ضحك وجعله يعيد أسمه وهو يلاطفه والصغير يقهقه معئ، ثم توجوا جميعهم لفيلا عاصم لينالوا قسطًا من الراحة قبل زيارة منزل ظافر..وفي الطريق مال عابد هامسًا لزمزم: على فكرة.. أنا قلت مهند كتير وماوصلنيش حاجة.. هي اللعبة مفعولها بينتهي برة الغردقة ولا ايه؟؟

كتمت ابتسامتها حتى لا يلاحظ أحدا وهمست بخفوت:  متخافش حقك محفوظ يا بودي.. بس لما نروح بيتنا.. 
____

في سويسرا..! 

الضابط: ما الذي يحدث هنا؟ 
الجندي: ذاك السجين سيدي.. الرجل المصري! 
_ ما به؟
_ لقد وجدناه مضرج في دمائه بعد ان قطع شرايين يده ليلا، لم يستطع الطبيب إنقاذه..وتوفى قبل أن يُكتمل فحصه! 
_ كيف حدث هذا ولماذا لجأ للأنتحار؟
_ لم نعلم بعد سيدي! 

قال بلا مبالة: ربما حدث معه المعتاد مع كل سجين جديد هنا..حسنًا سنحقق في الأمر.. وإن كان لم يعد مجدي التحري بعد موته.! 
….......

مقصلة العدل عنيدة لا تترك لها حقًا ضائع..وطال الوقت أم قصُر..لابد من القصاص ونحر عنق الظالم.. 
 
هذا ما جناه سامر في أخر المطاف..لم يتحمل دفع فاتورة خطاياه..لم يجرب الندم لحظة.. لم يحاول العدول عن مصادقة شيطانه..فذاق ويل ما تمناه لغيره، والحياة بعد أن تم انتهاكه لن تستقيم..وكسرة نفس الرجل لا يصلحها شيء..تعرض للتحرش الجنسي الصريح من فواحل السجن قبله.. حيث أغراهم جسده الهزيل وسال لعابهم وثارت رغباتهم الشاذة عن الطبيعة، تنمروا عليه واعتبروه غنيمة جديدة يجب الترحيب بها وإخضاها لقوانينهم الخاصة خلف القضبان التي شيدوا بها مملكة تسحق الضعيف سحقًا، انتهكوه لينال أسوأ مصير وختام لحياته.. مات منتحرا… مات كافرا..
مات ليبدأ حجيمه الحقيقي! 
______

ضحكة أنثاوية جلجلت وهي تتلقى أسعد خبرا منذ فترة.. لقد توفى زوجها المعتوه خلف قضبان السجن..زوجها القاتل التي كانت تترقب أخباره من خلال وسيط تعرفه.. لا لشيء سوى اتقاء شره.. كانت تخاف أن يعود يوما وينتقم منها ويحاول قتلها ثانيا.. لكنه الآن ما عاد حيًا..انتحر ولا شيء يخيفها بعد الآن..ثم تحسست بطنها المنتفخ وقالت:  الآن صغيري يتولد بأمان وأهديك كنيتك الحقيقية لتعلم كم والدتك طيبة القلب وتحبك ولن تحرمك من حقك..ليرتاح ضميري، فلم يتبقى لك سوى حروفه العربية..!

سامر..!
لمتابعة البارت ال50 اضغط هنا 

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات