القائمة الرئيسية

الصفحات

البارت 47 من حصنك الغائب! 


أنا الحصنُ  الذي لن بغيبَ أمانه..
والحضن الذي لن يزول عبقه..

وحارسُ الليل الساكن بين جديلتكِ..
وقتيلُ الشمسْ الساطعةُ في مقلتكِ..

لن أترك يدً تُدنس أرضكِ حبيبتي..
فداكي عمري حتى تعودي وتسلمي..


________

حصنك الغائب2


تبعثر سكون ذاك الحي الهاديء وبوق عربة الإسعاف يصدح ليتم نقل رائد للمشفى وتيماء تتبعه مسيطرًا عليها حالة من الصدمة لمشاهدة زوجها بهذه الحالة.. الكدمات تكاد تطمس ملامحه، جروح متناثرة على جسده ووجه، فاقدا للوعي بعد ما كابده.. بينما تم القبض على سامر ومن معه وإخضاعهم للقيود والزج بهم داخل سيارة الشرطة!

أما بلقيس


 فقد تفهمت الشرطة  حالتها المصدومة وقرروا تأجيل أخذ اقوالها في قضية الاختطاف حتى يتثنى لها الحديث، فعاد بها ظافر للفندق عابرًا بها الساحة وهي محمولة بين ذراعيه ونظرات من قابلهم أثناء صعوده لجناحه تتأرجح بين الفضول والانبهار بما في مظهره من لمحة بطولية وهو يحمل زوجته بهذا التملك الحاني، لم يهتم وهو يضمها بقوة باثًا فيها الأمان، وهي متعلقة بعنقه وذراعيها تشتد حوله مختبئة من كل شيء..!

أرقدها على الفراش برفق وهمَ بتركها، فتشبثت به أكثر رافضة تركه، فهمس بأذنيها:  حبيبتي متخافيش أنا معاكي مش هسيبك، بس لازم اروح احضرلك الحمام عشان جسمك يتخلص من التشنجات دي وتهدي وتعرفي تنامي..!

لم تستجب له ومازالت تحاصر عنقه رافضه الابتعاد، فرغم قوتها وهي تواجه ببسالة خاطفيها، عاد الخوف يُنسج شباكه حولها بعد ما تعرضت له للمرة الثانية.. فعاد يقول لها ويده تمسك ذقنها لتناظره بعينيها:  "بلي" حبيبتي بصي في عيوني.. عشان خاطري اسمعي كلامي لو مش عايزاني أزعل منك.. خليني اروح احضرلك الحمام.. ثواني وهرجعلك!

نظرت له بمزيج من الحزن والخوف، فأحاط وجنتيها وقبل جبينها قبلة طويلة حانية تبعها همسه:  عارف ان صعب عليكي تتعرضي لنفس التجربة تاني بس الحمد لله اني قدرت اوصلك في الوقت المناسب، مستحيل كنت اسيب حد يأذيكي وإلا كنت هموت..انا دعيت ربنا انه يحفظك ليا وينجيكي مكان ما تكوني، واديني فعلا وصلتلك..والحيوانات اللي خطفوكي اتقبض عليهم وهيتعاقبوا..يعني الموضوع انتهي ولازم ماتستسلميش لحالتك دي تاني.. وإلا كده وجودي معاكي مالوش لازمة ومش فارق معاكي..

واستطرد بنبرة لوم:
 لو فضلتي كده يابلقيس هحس بالذنب أكتر اني فشلت اطمنك واحافظ عليكي.. أرجوكي اديني فرصة اساعدك وماتوجعيش قلبي اللي مش متحمل يشوفك كده.. بلقيس حبيبتي بنت قوية ..قاومت واحد حجمه ضعفها مرتين من غير ماتستسلم..الشراسة اللي شوفتها منك وأنا بقتحم المكان خلتني اتأكد ان حبيبتي مستحيل حد يأذيها.. عند اللزوم بتكون بميت راجل، صدقيني انا فخور بيكي ومحظوظ انك مراتي وحبيبتي..!

تساقطت دموعها العالقة بمقلتيها وهي تتأمله وكلماته جعلت الخوف يتراجع داخلها، لكن ظل الحزن والصدمة يكبلانها فلم تتحدث، ولم ينتظر هو منها اكثر من ذلك..حل يدها عن عنقه برفق وقال:

دقيقة وراجعلك!..
غاب عنها دقائق قصيرة وعاد يحملها گ الطفلة المستسلمة لأبيها وأمام حوض الاستحمام نزع عنها اغلب ملابسها ليساعدها ولم يتبقى عليها سوى غلالة رقيقة، هم بنزعها وبعيدا عن ذهنه تمامًا أي رغبة رجولية وهي بتلك الحالة وكأنها طفلته حقا وليست زوجته، فلاحظ انكماشها خجلًا منه وأنها تبتعد مسافة طفيفة ناكسة رأسها، فتفهم شعورها جيدا، زواجهما مازال حديثًا ولم يكفي لتعتاد التعري أمامه بشكلٍ كامل..توقفت يده وهو يقول:  طيب ايه رأيك اروح اجيبلك غيار جديد وكملي انتي وانزلي في البانيو على ما اجي؟
أومأت له بهزة واهنة وهي تنظر للمياة وعبق زهور الياسمين يفوح حولها وينفذ لرئتيها.. غادر ليعطيها بعض الحرية، فواصلت نزع ملابسها والجمود يغزوها ثم انغمست بالمياة حتى اختفى جسدها تماما ولم يبقى على السطح سوى رأسها المطرقة وهي تتأمل فقاعات الصابون الفواح بشرود وشفتيها مطبقة، فأتى ليجدها شاردة متجمدة لا تتحرك، منحها نظرة مفعمة بأسفه وحزنه ولوعته لأجلها.. ليته ما غفل عنها لحظة ولحقها كما أراد، لكن ماذا يفعل؟ قدرها ان تتعرض لتجربة اخري تماثل الأولى بصعوبتها، مؤكد أنها الآن تعاني سيل ذكرايات قاسية، مستحضرة بشاعة ما قاست قبلا..!

لكن تلك المرة تختلف.. هو هنا.. معها.. لن يتركها تتهاوى في بئر العزلة.. ربما يفيدها الصمت الآن..لكن ليس لفترة طويلة.. ويعرف بمن سيستعين بعد رب العالمين!

اقترب بعد أن علق ملابسها على المشجب، ثم دنى منها وجلس على طرف الحوض وجذب رأسها لتسترخى على حافته خلفها، وراح يداعب شعرها ووجهها بالمياة ساكبًا مقدار من صابو استحمامها وشرع يدلك رأسها برفق شديد لتسترخي وتغمض عيناها من سحر لمسات التي لم تكن عابثة.. بل حانية كحنان أبيها تماما.. هذا شعورها الذي طغى عليها وهو يهتم بها تلك اللحظة..!

بعد دقائق امتدت لربع ساعة كاملة، راعى انها ستخجل إن غادرت المياة أمامه فغمغم وهو ينهض بعفوية زائفة:
حبيبتي يلا قومي زي الشاطرة كده البسي هدومك وانا هروح اطلب وجبة عشا خفيفة من الفندق، تكوني خلصتي وخرجتي، ماشي؟

هزت رأسها وعيناها تنظر له بامتنان صامت، فلثم جبهتها المبتلة وغادر..!
…………..
أجلسها على مقعد صغير امام مرآة زينتها الصغيرة وراح يجفف لها شعرها المبتل بالمجفف المخصص  وهواءه المندفع بدفئه يتخللها وبالفعل شعرت بالاسترخاء، ثم بدأت أنامله تمشط خصلاتها بنعومة شديدة وتقسمها لثلاث شارعًا بصنع جديلة، وبعد انتهائه تمتم لها مازحًا: عملت في شعرك ضفيرة عجيبة بس على قدي بقى ماتزعليش مني!

نظرت له في المرآة تراقبه بصمت. فأراد هز ركودها  فراح يحل جديلتها مرة أخرى مبعثرًا شعرها ثم جعلها تقف أمامه هامسا:  أنا أصلا بحبه كده منكوش، ودنى يقبل وجنتيها تباعًا ثم جذبها للفراش، ليقطع طريقه صدوح رنين باب الجناح، فذهب يتفقده وعاد يجر عربة الطعام التي قربها منها بعد جلوسها وراح يطعمها لقيمات صغيرة بيده وهي تأكل ببطء وتتجرع اللبن الدافيء حتى شعرت انها لا تقدر على المزيد، فنحى الطعام جانبًا ثم دثرها بالفراش واحتضنها وأنامله تداعب مقدمة شعرها حتى غفت گ الطفلة الوديعة المطمئنة بين ذراعيه.. فقبلها بخفة وتركها بحذر ملتقطًا هاتفه عابرا داخل الشرفة ليترك العنان لمشاعره هو الأخر كي يستوعب ماحدث تلك الليلة العصيبة والتفاصيل تمر بخياله گ شريط لقطاته تتابع..مظهر ذاك الضخم وهو يحاول اعتلائها يمزقه، ليته أخذ فرصته ليقضي على أخر أنفاسه، لكن الساحة لم تكن فارغة من الذئاب، كان عليه مواصلة القتال مع الأخرين، متحدا مع ذاك الرجل الذي كان أيضا يدافع مثله عن زوجته التي بصرها أول ولوچه الغرفة..ولم يمضي الكثير حتى انضم إليهما افراد الشرطة، لينتهي كل شيء!

رنين هاتفه برقم السيد عاصم قاطع شرود، فتردد أن يجيب وقرر ألا يفعل، خاصتًا أن التوقيت متأخر جدا، لكن الرنين تكرر بإصرار..يبدوا أن والدها المسكين يشعر بالقلق، ومن غير أبويها سيشعران، فأجاب:

_ السلام عليكم يا عاصم بيه..

جاءه الصوت قَلق كما توقع:  وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ايه يابني مش بتردو عليا ليه، وأسف أولا اني بتصل في وقت زي ده بس بنتي تليفونها مقفول بقالوا كتير ووالدتها قلقانة عليها.. انتوا بخير؟

_ بخير ياعمي ماتقلقش، كل الحكاية كنا برة طول اليوم وبعد ما عملنا معاكم الصبح بث من البحيرة، روحنا اماكن تاني وتليفون بلقيس فعلا فصل شحن وقولنا هنكلمكم لما نرجع.. بس جينا تعبانين ونمنا.، وانا صحيت عشان ارد عليكم بس بلقيس نايمة صعب اصحيها دلوقت..!

بدا صوت الرجل أكثر راحة وهو بتنهد هاتفا:  طب الحمد لله انكم بخير، معلش ياظافر اعذرنا في خوفنا علي بلقيس، عارف انها في حمايتك دلوقت وانت المسؤل عنها، بس غصب عني.. الغريب اني طول اليوم بطمن دره واقويها بس معرفش ليه القلق اتمكن مني وزاد لما فضل تليفونها مغلق..ربنا يقدرنا ومع الوقت نتعود انها خلاص مش بقيت معانا وطبيعي تغيب وتنشغل عننا بحياتها

اشفق ظافر عليه كثيرا ولم يتضرر من لهفته بل ازداد له احترام وتقدير وتمني في ضميره لو كان والده مازال حيًا وذاق حنانه هذا..!

_ اولا ياعمي حضرتك تتصل اي وقت تطمن علي بنتك.. وثانيا مافيش حاجة ابدا هتشغل بلقيس عنك بالعكس.. كل الحكاية اننا هنا بنخرج كتير وبيعدي الوقت من غير مانتصل بحد بشكل عام، لكن لما نرجع والحياة تكون منظمة اكتر هتتكلموا براحتكم..!
وصمت ليواصل بنبرة مشبعة بتقديره: وهقولهالك تاني ياعمي، انا فاهم شعورك كويس وصدقني ليك في بلقيس اكتر من الأول ومافيش حاجة هتتغير، كلمها وقت ماتحب بدون ما تعتذر ك..انا بس مشفق عليك انت وطنط من القلق.. صدقني بلقيس بخير ومش هسمح بحاجة تأذيها طول منا عايش.. اطمن وهدي بالك من ناحيتها..! 

كل يوم يمضي يتأكد كم مَن الله عليه بزوج رائع لابنته گ ظافر.. اعجابه ازداد وتمتم بامتنان حقيقي:  مش هقولك غير ربنا يريح قلبك ويسعدك انت وبنتي وتشوف كل الخير ويحميكم من كل شر..! خلاص ياحبيبي مش هعطلك اكتر من كده، روح نام والصبح هنكلمكم..تصبح على خير..!
_ وحضرتك من أهل الخير..!

أغلق معه ثم قرر مراسلة أكثر شخص يجب أن يتحدث معه الآن"
_______________________

وكأن الصغيرة تشعر بما يحدث لأبويها..بكاؤها يهز قلب أيهم زوجته التي تهتف..( معرفش رحمة مالها مش مبطلة عياط) تسائل بقلق (يمكن جعانة يا ميرا؟ ..) لا طبعا اكلت وحممتها ومش محتاجة حاجة خالص ( يبقي عندها مغص زي ما حصل الاسبوع اللي فات) تنهدت بشفقة ( يجوز، بصراحة عياطها  غريب ومقطع قلبي، كأن البنت خايفة من حاجة أو حاسة بحاجة.. ما تتصل باخوك ومراته تطمن يا أيهم ( انتي هتقلقيني ليه بس، وبعدين الوقت متأخر أكيد نايمين ..بصي النهار فاضل عليه ساعتين جربي تعطيها علاج مغص.. ولو فضلت بتعيط  هاخدها الطبيب فورا..

فعلت ميرا وبعد قليل تأثرت رحمه بمخدر عقار السعال لتغفو سريعا، فشرعت ميرا تجفف بقايا دموع الصغيرة من جانبي عينيها وهي تهمس (اخير حبيبتي نامت..) همهم أيهم ( مش قولتلك مغص..يلا تعالي ننام بقي عشان شغلنا الصبح )
تمدد علي الفراش ولحقته زوجته وقبل ان تسترخي جواره صدح رنين الهاتف لتنتفض مردفة ( ياساتر يارب..مين بيرن دلوقتي؟.بخاف اوي من إتصالات بالليل..)

أعتدل ليلتقط هاتفه وما أن رد حتى جائه ما لم يتوقع.. فأغلق وهو يهب من فوق سريره ملتقطا ملابسه مرتديها بعجل، لتتسائل بهلع:  حصل ايه يا ايهم؟ ورايح فين دلوقت؟؟

أجاب وهو يدس قميصه بعشوائية في بنطاله محكما حزامه الجلدي على خصره:  أخويا في المستشفى هو ومراته
دبت على صدرها بفزع:  يا نهار ابيض؟ رائد ورودي؟ ليه؟
_ معرفش.. انا رايح عندهم وانتي خدي بالك من الولاد
_ طب استني البس واجي معاك
_ طب والولاد؟ ورحمة؟ خليكي وبعدين تبقي تزوريهم

قالها وهو يهرول لباب شقته ليلحق بأخيه ويطمئن ويعلم ما حدث.. لتعود وتجلس جوار الصغيرة بحزن هامسة بخفوت ( ياحبيبتي يا رحمة.. معقول كنتي بتبكي عشان حسيتي باللي حصل لماما وبابا..؟ ).. ضمتها بحنان وعطف كبير وراحت تدعو أن تأتي العواقب سليمة ويسلم أبويها
___________

رغم تأخر الوقت بعث رسالته منتظرا رد صاحبها بفارغ الصبر.. مضت دقائق ولم يجيب فقرر ظافر ترك هاتفه والانتظار للصباح، ففاجئه الرنين فأجاب بلهفة:
_ دكتور أخيرا رديت..أنا اسف جدا لازعاجك في الوقت ده بس غصب عني في حاجة مهمة حصلت مع بلقيس وانا محتاج نصيحتك لأنك عارف حالتها كويس والوحيد اللي هتقدر تساعدني..!

طغى على صوته الاهتمام متسائلا:

_ولايهمك أنا كنت صاحي بستعد للفجر، قلقتني يا ظافر.. قول حصل ايه أنا سامعك!

سرد عليه تفاصيل حادث الخطف حتى عاد بها للفندق وعزوفها عن الحديث گ السابق وقلقه أن تدخل بانتكاسة وعزلة جديدة!

الطبيب بعد أن انصت إليه بتركيز شديد:
_ سبحان الله، بلقيس اتعرضت لأسوأ تجربة ممكن تمر بيها بنت مرتين في حياتها..!
تمتم بحزن: عشان كده يادكتور خايف عليها جدا.. مش عارف اعمل ايه عشان ترجع لطبيعتها تاني!

_أنت مش محتاج تعمل اي حاجة!

قطب جبينه بتعجب:  ازاي؟ اكيد هتحتاج علاج نفسي يساعدها ترجع طبيعية!

الطبيب بنبرة هادئة: لا ياظافر.. صحيح طبيعة التجربة واحدة ونفس القسوة بس الظروف هنا مختلفة.. بلقيس كانت قوية واتغلبت علي خاطفيها لحد ما انت انقذتها لكن لما اختفيت من حياتها فضلت هي منتظراك لأنك كنت بالنسبة لها الأمان والحماية وسرها اللي محدش عارفه ولا قدر يفهمه وكنت سبب رئيسي في علاجها ..لكن دلوقت انت موجود معاها..وبما انك حصنها الآمن كفاية تاخدها في حضنك وتحسسها انك معاها طول الوقت بحنانك ومشاعرك التلقائية..ده كفيل يخليها تسترد طبيعتها بسرعة عشانك..اما بخصوص عزوفها عن الكلام، ده رد فعل طبيعي جدا..بلقيس مهما كانت قوية وشجاعة وقاومت اللي خطفها، هي في النهاية بشر مش واحدة خارقة.. لازم تمر بشوية أثار جانبية.. كل الحكاية ان عقلها بيستوعب اللي حصلها وبيحاول ينساه، لكن زي ماقولت هي هتستجمع ذاتها بسرعة لأنك معاها.. انت بس كثف حبك و احتوائك ليها اكتر من الاول، ماتبعدش عنها خالص ولازمها طول الوقت.. وخرجها اماكن مختلفة تتبسط فيها عشان ده هيغير نفسيتها.. وانا عندي اقتراح مفيد، ممكن تختار فندق تاني في منطقة مختلفة خالص تكملوا فيه شهر العسل.. يعني اصنعلها أجواء مغايرة كأنكم بتبتدؤا رحلتكم من جديدة.. وبأمر الله مش هيمر أسبوع غير وهي بتتكلم ورجعت زي الأول.. وانا موجود اي وقت عاير تكلمني ماتتردتش لحظة.. ربنا يطمنك عليها..!
______________________

صعد جوارها وجعلها تتوسد صدره واشتد عناقه حولها وشفتيه تقبل أناملها واحد تلو الأخر ثم طاف على وجهها كأنه يرسخ في روحه أنها حقًا معه، لن يتركها تشعر بغيابه،حتى لو كانت نائمة ولا تدري به، سيظل لها أقرب مما تتصور.. وستتعافى سريعا وتنسى ما حدث..!
………

في الصباح تململ بانزعاج على صوت رنين هاتفه، فالتقطه سريعا قبل أن تستيقظ بلقيس فوجد رقم لا يعرفه وما أن أجاب وتبين صاحبه وعلم ما يريد، حتى انسحب من جوارها متواريًا في الشرفة وقال لمحدثه بإنجليزية:
_ عذرا سيدي، زوجتي مازالت غير مستعدة للحديث بشأن حادث الامس، لكن أخبرني بما لديك وماذا وصلت مع هؤلاء الأوغاد الخاطفين؟

الشرطي: لهذا اتصلت بك لتعلم المستجدات..
_ حسنًا، انا منصت باهتمام
_ بعد إجبار الخاطفين بأساليبنا للاعتراف بما لديهم تبين أن زوجتك والسيدة الأخرى وزوجها نجوا من مصير سيء للغاية، لم يكن سيقتصر الأمر على محاولة اغتصاب وقتل للزوج، بل كان هناك مخطط لتسليمهم لأشخاص يتبعون منظمة لبيع الأعضاء البشرية!

انتفض ظافر رعبًا عليها وهو ينظر بتلقائية لظهرها الراقد بعيد عنه، ثم اعتصر الهاتف بين قبضته وغشت عينه سحابة غضب مخيفة وهو يقطب حبينه وعروق عنقه تنفر بقوة جازًا على أسنانه مغمغما بسباب شديد ولهجته المصرية تتحكم عفويًا بلسانه، فتسائل الشرطي بجهل:  عفوا سيدي ماذا قلت للتو؟ حدثني بالانحليزية حتى أفهم!
عاد لإدراكه وقال بغضب: كنت "أسب" الخاطفين بلغتي ولو كان أحدهم أمامي لسحقته وجعلته كومة لحم مفري!

ابتسم الأخر رغم غرابة الموقف هاتفا: تشبيه يناسب تماما شيف معروف مثلك، الحقيقة لقد تقصيت عنك أنت وزوجتك لأحدد من هويتكم سبب اختطافها هي دون غيرها..وبدا لي الأمر مجرد مكيدة لإيذاء سمعتك عن طريق زوجتك خاصتًا أنك شخص يسهل الوصول إليه عن طريق موقعك الذي تشاركه على حستبم دائمًا.. وربما لا.. ويكون أمر اختطافها مجرد مصادفة.. وتمت عشوائيا كما يحدث هنا دائما للاسف فتلك جرائم معتادة في مجتمعنا..ولكن أيًا كان السبب إمرأتك بخير ولم يصيبها ضررا بالغ، وهذا ما يهم!
_ لكن زوجتي تأذت بالفعل، لا تتحدث منذ الأمس جراء ما تعرضت له ويجب أن يكون العقاب شديد ورادع لأمثالهم!
تفهم الأخر حنقه وغضبه هاتفا: لديك حق ولا ألوم عليك غصبك، وأطمئنك أن الجناه سينالوا عقاب قاسي..واستطرد: لكن متى سيتثني لنا أخذ أقوالها؟
_ الحقيقة لا أعلم.. اعدك ما أن تتعافي سأخبرك لتتمم عملك!
_ حسنًا..وألف لا بأس على زوجتك.!

أغلق معه وشردت عيناه متطلعا للافق مفكرا فيما كان ينتظر حبيبته، توجه إليها واحتضنها بقوة لم يدركها مع همسه الخافت:  متخافيش ياحبيبتي، اوعدك محدش هيقربلك تاني أو يحاول يأذيكي، مش هغفل عنك ابدا بعد كده!..واشتدت ضمته عليها حتي كاد يؤلمها وهي للغريب ورغم نومها استجابت بلف ذراعيها حوله كأنها تطلب المزيد من قربه حتي لو كان مؤلما، لتعود ويسترخي جسدها وتغرف بنوم عميق طال كثيرا.. لكنه مبرر.. عقلها يهرب من واقعها حتى تستعيد رباطة جأشها ثانيًا..!
____________

منذ آتاه ليلا اتصال مفاجيء من مشفى معروف وإخباره أن شقيقه لديهم هو وزوجته..ثم حضوره ورؤيته جمود رودي وصمتها الغريب كلما سألها عما حدث وهي مكتفية بتوجيه بصرها حيث يوجد رائد دون أن تحيد عيناها ثانية واحدة عن غرفته الغير مسموح بدخولها الآن، كما لاحظ " أيهم" لاصقات طبية تخفي أماكن متعددة من وجهها وكفها وذراعها وخدوش دامية أسفل عنقها، حينها فقط أدرك ما حدث.. هناك اعتداء ما تعرضت له رودي وأخيه دافع عنها فناله ما حدث له..وتأكد منه حين تبادل حديث قصير مع رجل الشرطة الذي حضر لأخذ أقولهما، لكن منعه الطبيب المعالج، رودي تعاني صدمة عصبية تؤثر علي استجابتها للحديث بشكل طبيعي وهذا مؤقت ، أما رائد فقد كثير من الدماء بسبب جرح صدره وناله من الكدمات والكسور البسيطة والجزوع ما افقده الوعي والقوة.. ويحتاج وقتًا ليسترد وعيه وعافيته هو الأخر!

لمن لن يطول الأمر حتى يستعيد وعيه ومع استمرار الرعاية سيسترد كذلك عافيته كاملة.. وهذا بالطبع سيساهم بالايجاب في حالة زوجته وتتعافى نفسيًا هي الأخري!
_________________________

ثلاثة أيام مضت ودره تفشل بالتواصل مع ابنتها مما أورثها الجنون وهي تصيح: يعني معقول تليفونها مغلق كل ده؟ طب هي ماحاولتش مرة تتصل على أمها.. قلبي مش مطمن ياعاصم حاسة بنتي مش بخير وأوعي تكدبني المرة دي!

يعلم أنها على حق، هو الأخر فشل بالتواصل معها ولا يجيبه سوى ظافر، وكل مرة يخبره حجة مختلفة، لكن لابد من تهدئة تلك المسكينة، فقال:

_ يادره مش قولنا البنت عروسة، ووارد كل اما نحاول نتصل يكون الوقت مش مناسب، ده غير خروجهم ووقتهم اللي بيقضوا براحتهم.. ايه المشكلة ان بقالك يومين أو أكتر ماكلمتيش بلقيس؟

_ ياعاصم بقولك مش هتقدر تقنعني، ثم بكت وهي تغمغم بنبرة باكية: بنتي فيها حاجة.. قلبي مقبوض من وقت ما كلمتنا في البث وشوفت السعادة اللي في عيونها وانا حسيت حاجة هتحصلها.. ولحد دلوقت مش مرتاحة.. انا عايزة اكلمها.. ارجوك اتصرف وخليني اكلم بنتي.. أرجوك ياعاصم أرجوك
ضمها بشفقة ليحتوي انهيارها الذي يهابه:
طب اهدي يادرة كده هتتعبي عشان خاطري.. خلاص أوعدك هخليكي تكلميها بس الصبح
_ لأ مش الصبح.. مش هعرف انام غير لما اسمع صوتها..(  نكس رأسه بحيرة.. هو مثلها يشعر أن هناك مكروه حدث وظافر يخبئه عنهم.. ويجب أن يتبين الأمر أولا قبلها.. لذلك استغل مكانته لديها وهتف برجاء) ولو قولتلك عشان خاطر عاصم استني للصبح.. هتكسفيني؟

بكت وهي تميل علي صدره بهمهمة تقطع القلب: أنا قلقانة ياعاصم، عايزة اسمع صوتها..ولو كلمة وتقفل!

ربت على كتفها:  عارف والله ومش هنكر ان ليكي حق.. بس خلينا الصبح يكونوا صاحيين وأوعدك هتكلميها وتسمعي صوتها بنفسك.. والله لو لزم الأمر هسفرك لحد عندها لو ما كلمتيهاش الصبح واطمنتي!

ابتعدت عن صدره وطالعته بشك:  بجد؟ يعني ممكن تسفرني ليها لو مش كلمتنا الصبح؟
ابتسم بثقة:  أنا كدبت عليكي قبل كده يا دره؟

رمقته بتقدير مردفة وهي تعود لصدره:  عمرك ما كدبت عليا

عاد يربت على ظهرها قائلا:  يبقي خلاص روحي نامي وبإذن الله الصبح تكلميها.. ولو محصلش بكرة هنكون في سويسرا

ضمته ممتنة وهي تصيح:  ربنا يخليك ليا ياعاصم ومايحرمنيش منك ابدا.. طب مش هتيجي تنام معايا؟
_هاجي بس هراجع أوراق مهمة للشغل وهحصلك!..

راقب رحيلها بشفقة وحاله لا يختلف عنها، لذا قرر الاتصال حتى لو امتنع ظافر عن الرد، سيظل يحاول!

علي الطرف الأخر يجلس جوارها يداعب وجنتها وهي تتوسد صدره صامتة مكتفية بوجوده حولها ومازالت لا تتحدث معه، فقط توميء وتبتسم دون حديث.. سمع رنين والدها تجاهله لعجزه عن تفسير غياب بلقيس عنهم، لكنه في الأخير استجاب قائلا بعد ابتعاده عن زوجته بمسافة تعطيه حرية الحديث:  السلام عليكم ياعمي.. عامل ايه؟
_ الحمد لله يا ظافر.. انتم عاملين ايه؟
_ تمام الحمد لله وبلقيس نايمة و…

قاطعه: أسمعني ياظافر، قبل ما تبرر غياب بنتي زي كل مرة أحب اقولك أنا احاسس ان في مشكلة معاكم وانت بتداريها.. أرجوك يا ابني تحطني في الصورة لأنك كده بتتعب قلبي أكتر.. يمكن اقدر اساعدكم أو اخفف عنك حاجة.. أنت مش قولت إني زي والدك؟ يلا احكيلي واطمن انا بكلمك في مكتبي وبعيد عن دره!

هو يعلم ان الكذب لن يجدي بعد ذلك.. بلقيس مازالت لا تتحدث والأفضل حقا ان يضعه في الصورة ويخبره بالامر.. أخذ نفسا عميقا ثم سرد كل تفاصيل ماحدث لعاصم الذي تملكته مشاعر شتى من ذهول وهلع وخوف ورغبة في البكاء وفرحة لنجاتها وحزن لحالتها..وفي الأخير تغلبت عليه رغبة البكاء الصامت ودموعه تتعرج على ثنايا وجهه، فهتف ظافر يهدئه:

ارجوك اهدى أنا حكيتلك لأن مش هينفع اخبي اكتر من كده..هي فعلا بخير وانا متواصل مع طبيبها وتقدر تكلمه بنفسك وهيطمنك.. بلقيس محتاجة وقت بسيط وهتتخطى الصدمة بسرعة وانا معاها متخافش!

ثم اكتسب صوته بعض الخجل وهو يستطرد:  وسامحني اني مقدرتش امنع عنها اللي حصل، انا ماسبتهاش لحظة واحدة غير لما راحت التواليت. كنت هعرف منين ان ممكن حد يستدرجها هناك؟

عاصم وهو يمسح دموعه:  لا يابني انت مالكش ذنب ده نصيب ومكتوب، والحمد لله انك لحقتها، وانا متأكد انها هتتحسن لأن بعد ربنا انت جمبها
_ بإذن الله ياعمي!
تردد قليلا ثم قال: ظافر،حط السماعة على ودن بلقيس خليها تسمع صوتي، عايز اكلمها..!
……………

" بلقيس"

خرج ندائه من بين شفتيه متهدج جراء مشاعره، بحث عن باقي صوته لم يجد سوي غصة ضيقت أنفاسه، فاستسلم لبكاء صامت وصلت أنته الخافتة لبلقيس، لتتفتت قشرة جمودها وتذوب وهي تهمس همستها الأولى من بعد الحادث:

_ بابا..!

انقطع بكائه بغتة واتسعت عيناه ولا يصدق انها تناديه، ظنها لن تستجب سريعًا وأعد نفسه أن يكون الطرف الأوحد في حواره معها، فجاء ندائها له گ قطرة ندي باردة أخمدت نيران حزنه وأنعشت داخله الأمل أن صغيرته مازالت قوية ولن تضعُف گ السابق.. هاهي تناديه نداء أقرب للمواساة، گأنها تطمئنه أنها بخير..!

_ نور عين بابا..عاملة ايه يا ملكة أبيكي وروحه.. سمعيني صوتك تاني وقوليلي انك بخير.. قوليلي انك قوية ومحتسبة اللي حصلك عند ربنا وإنك مش هتنعزلي تاني.. قوليلي انك مش هتخلي حد ينتصر عليكي ويضعفك. أوعي تسمحي للي بيكرهوكي ينولوا غرضهم ويتعسوكي ويلوثوا ذكرى أجمل أيام في حياتك..ارجعي لطبيعتك تاني وخدي جوزك في حضنك وطمنيه عليكي.. لو بتحبيه وبتحبيني ارجعي لطبيعتك بسرعة وارمي اللي فات ورى ضهرك، واهزميه بضحكتك وحياتك اللي هتواصليها من غير ما تقفي لحظة تبكي على اللي حصل!

طاقة عجيبة وهائلة ضختها كلمات أبيها بها لتشُد أزرها وتمنحها قوة ورغبة ألا تستسلم لحالتها وتتعافى، إكراما لدموعه الغالية.. إكراما لوالدتها التي تلتاع عليها.. لأجل حبيبها الذي يطالعها بذهول الآن ولا يصدق أنها تحدثت..كيف تُحزنهم وهما أثمن ما لديها.. صدق أبيها هي بالفعل قوية بما يكفي ولن ينال من سعادتها أحدًا..ستتخطى الأمر لأجلهم"

_ أنا بخير يا بابا.. متخافش عليا
ثم نظرت لزوجها وهي تعانقه بنظرتها مستطردة بصوتها الواهن: ظافر حبيبي معايا وقدر ينقذني وهيفضل كده دايما.. مش هيسمح لحد يأذيني!

لا يعرف ماذا يفعل، فاشتدت ذراعه حولها وقبل رأسها قبلة طويلة ومازالت هي تمسك بالهاتف، وصوت أبيها ينساب لأذنيها ثانيًا:

_الحمد لله يارب..هفضل اصلي واشكر ربنا اني سمعت صوتك وانك بخير وطمنتيني عليكي يا قلب أبوكي.. ودلوقت هسيبك لجوزك روحي عوضيه اليومين اللي فاتوا.. عيشي يابنتي وافرحي وانسي كل حاجة.. وقولي الحمد لله علي كل ابتلاء وان شاء الله مش هتمري به تاني..والصبح هتصل بيكي عشان والدتك هتتجنن عليكي وتسمع صوتك..!
……………..

لا يصدق انها تحررت من عزلتها وحطمت جدار صمتها وعادت گ عصفورة تغرد بصوتها من جديد..صار يكافئها بسيل من القبلات وعناق جارف سحبها معه لموجة مشاعر حميمية اشتاقها بين أحضانها..لم يكن تواصل مشاعره معها مجرد رغبة جسدية.. بل عهد جديد ينقش حروفه على جدار روحها أنه سيظل قريبا.. سيظل حاميها.. سيظل عاشقها.. ولأنه عهد جديد كان اللقاء بينهما مختلف!

أما هي فلم تجرب تلك الحالة معه سابقًا..رغم جنون وصاله معها كان حاني رقيق.. مزيج لا تستطع وصفه وأثره داخلها.. أثره الذي أشعرها انه لن يتركها تتآذي مرة أخرى.. غمست نفسها أكثر في صدره وغفت براحة واطمئنان ..وهو مثلها استسلم لنوم هاديء وهي يحوطها بذراعيه..حبيبته عادت.. وعادت له الروح!
________________________

إستعاد إدراكه..
لكن لم يعد شيء مثل ما كان عليه قبله..
نظرته ثابتة، قاتمة، قلبه يسكنه الحزن..
روحه يغتالها الخزي لما تذكره من ماضية
كل شيء افتقدته الذاكرة تدفق بعقله دفعة واحدة
بكل قساوته وقبحه ودناسته..!
كيف سيتأقلم مع حقيقته المخزية تلك؟
وطفلته!

عند الخاطر الأخير حاد بصره لتلك القابعة تراقبه بخوفة، ليرشقها بنظرة قاسية، ساخطة، مليئة بالمقت والكره واللوم..! المخادعة اللعينة..استغلت ضياع ذاكرته وتزوجته، والأسوأ أنها جعلته أبٍ لصغيرة لن يأمن العالم عليها بعد الآن!
هل ستنجو ابنته من بشاعة آثامه؟
أم ستدفع هي فاتورة أخطاءه؟
يا ويله لو صابها مكروه..
ياويله.. ياويله!
…………..

بدأ سلسال خسائرها بعد أن تبدلت نظرة حبيبها الحنونة المحبة لتلك الرمقة القاسية التي تصب عليها اللعنات.. فعلت كل شيء لتنال حبه وتمتزج كنيتها بحروف أسمه..ولن تستسلم لصمته ورفضه لها
لابد أن يسمعها..ويتفهمها..!
"قارب" ماضيهما "أغرقه" الوحل!
والنجاة لكليهما كانت كذبها وخداعها
الذي يلومها عليهم الآن
كذبت لتصبح رودي زوجته،
حبيبته النقية أم رحمة طفلتهما
أليس إنجابها هدية ادخرتها له حين تأتي لحظة الحساب؟ أليست " رحمة" هي نقطتهما البيضاء التي سيحاربان بها سواد ماضيهما؟
أليست رحمة هي النجاة لهما معًا؟
هي فرصة ليبدأن من جديد..
إن كان ماضيه مؤلم.. هاهو حاضره جميل..
أصبح أبًا..ورجل ترك معاصيه في غياهب النسيان.. وأخلص لها كما فعلت هي!
ما خانته يومًا..كما لم يدنسها أحدًا غيره
هو من علمها كل شيء يكرهه فيها الآن!
ولا يحق له أن يعاتبها.. وعليها ان تقتنص منه فرصة!

بهذا العزم اقتربت بحذر محاولة لمس أنامله فانتفض صارخًا: ابعدي عني ماتلمسنيش!

ابتلعت غصتها وقالت:  رائد اسمعني وبعدين… .

صاح هادرًا: أسمع ايه؟؟
أسمع ازاي كدبتي وخدعتيني وانتي عارفة ومتأكدة اني لو في وعيي مستحيل اتجوز واحدة زيك!

تشبثت بحبال الصبر وهتفت وصوتها يهتز ألما:
أنا مخدعتكش يا رائد.. أنا حبيتك.. وانت كمان حبتني

_ أنا حبيت رودي ماحبتكيش انتي.

صاحت والامل يدب أقدامه على أرض يأسها: ما أنا رودي.. مراتك حبيبتك ..أنا ام رحمة بنتنا اللي

_ لأ مش رودي.. انتي تيماء.. انتي الرخيصة اللي اتخلت عن شرفها عن ذيب خاطر، من غير خجل ولا ذرة خوف..وكأنك واخدة على القذارة.

اغرورقت عيناها وسوط كلماته يجلد كرامتها: أنا عملت كده عشان تحبني يا رائد.. ده كان تفكيري

ضحك بسخرية: يعني كل واحدة تحب واحد تسلمه نفسها عشان يحبها؟؟ انتي فاكراني عبيط؟
ثم ومضت عيناه ببريق مخيف: وأساسا ايه يضمنلي دلوقت ان رحمة بنتي أنا؟ ايه يخليني أثق فيكي وفي كلامك؟

_ أخرس!

صرخت عليه وواصلت هدرها الهستيري: أنا محدش لمسني غيرك، محدش دنسني غيرك..ولو انا دلوقت في نظرك شيطانه فأنت الاستاذ اللي علمني كل حاجة.. أنا تربيتك يا رائد.. لو أنا في نظرك بالقبح ده..يبقي أنت ايه؟؟ رد عليا انت ايه؟
أنت اللي ماسبتش بنت ريقك جري عليها إلا واخدتها..انت اللي كنت بتخطط وترسم ازاي توقع الفريسة وبعدين ترميها لاصحابك..انت أسوأ مني بكتير..أنا ضعفت وسلمت نفسي ليك عشان. حبيتك.. لكن انت في عز قوتك ومعرفتك للصح والغلط كنت بتعمل كل مشين.. بأي حق بتحاسبني؟ أنت مش أنضف ولا أشرف مني بالعكس أنت… .

وصمتت تلهث انفعالا وصدرها يعلو ويهبط، ثم استأنفت: أنت المفروض تشكرني لأني خليتك انسان شريف ،زوج محترم..وتشكرني اكتر لأني خليتك أب يا رائد.. جربت احساس يمكن عمرك ما كنت هتجربه.. أنا عارفة انك كنت هتخاف تتجوز وتعمل عيلة عشان البنات اللي اذيتهم.. كنت عايش حياتك بالطول والعرض ومقضيها حرام في حرام لأنك…

نفذت طاقتها بعد أن أطلقت كل سهامها الجارحة لتُرشق في قلبه وروحه.. كل كلمة صفعته صفعة أقسى من سابقتها وسلمته لذكرى مدنسة تثبت ما تُسمعه إياه..تذكر كل فتاة استحلها لنفسه.. كل سهرة سوداء.. كل صدمة على وجه فتاة بعد أن تفيق وتري مصيبتها بنقطة عفتها الحمراء..!

أمسك جانبي رأسه وأغمض عينه بألم شديد نحت خطوطه الغليظة على وجهه..يلهث كأن روحه تركض على جمر وأشواك..صرخات تطارد عقله.. لعنات تنبش بمخالبها على جدار روحه تمزقها.. ما هذا الآلم؟.. كيف سيزول؟ يشعر أنه يسقط.. سقوط طويل لا يبدو له نهاية.. وكلما سقط زادت الظُلمة.. صوت تيماء وهي تصرخ بأسمه يغيب.. يبتعد.. يتلاشى رويدا رويدا

_ رائد.. رائد رد عليا..

صرخت مذهولة وأخيرا وعت لما فعلته دون أن تدري..واجهته بحقيقته القاسية فحطمته..مزقت غلالة تماسكه الباقية..رائد صار أكثر ضياعا وهشاشة من ذي قبل..لا هو ذاك الماجن محب الحياة مستهين بالمعاصي، ولا هو الزوج والأب الحاني.. أصبح شخص ثالث بينهما..شخص ضاعت خرائط طريقه.. ولم تعد تملك بوصلة الوصول لقلبه بعد الآن.. والضياع مصيرهما الأسود..!

_ دكتور.. ألحق جوزي يا دكتور..!

قرخت بها ثم اندفعت تجاهه تحتضن وجهه ببكاء:  سامحتي ياحبيبي.. حقك عليا محستش بنفسي اني اذيتك بكلامي.. أنا بحبك يا رائد.. أنت اغلي حاجة عندي.. أنا قلت اللي قولته عشان تتقبلني وتفهم اني شبهك وتؤامك..واننا ماننفعش غير لبعض.. نقصدتش أأذيك  واخليك تنهار كده صدقني..رد عليا يا حبيبي عشان خاطري!

بدأت أجفانه ترتخي بوهن وهو يبصر في تلك اللحظة حبيبته رودي.. الحنونة.. الرقيقة.. التي تحبه والذي يعشقها أكثر.. ليتها ظلت كما هي..
ليته ما تذكر..
ليته ما تذكر..!

ازدادت ضبابية رؤيته.. ما عاد هناك صوت ..فقط غمامة بيضاء تسحبه خلفها لتحجب عنه كل شيء..
سقط في غيبوبة جديدة..
وربما هروبه الأخير من لعنات ماضية وحاضره معًا..هدنة يتخذها عقله الباطن كي يستريح قليلا.. لكن هل يجد سبيلًا للراحة؟
_________________

لا يعرف كم مكث يراقبها وهي نائمة جواره..كلما هم بإيقاظها ليطمئن أنها لن تعود لصمتها مرة أخري يخاف.. يخاف ان تستيقظ مستعيدة جمودها وكأن شيئًا لم يكن..وإلى الآن لا يصدق ملحمة مشاعرهم الليلة الماضية.. كانت مختلفة..بقدر لهفته وشوقه وصخبه وهو ينالها بقدر ما انجرفت معه بذات الصخب واللهفة الحنان.. كأنها تعوضه ما مضى.. كأنها تقول له أهملت حقك وسقطت ببئر حزني ونسيتك..فكافأته بتواصل حنون.. تواصل يشتاقه الآن وكأنه لا يرتوي منها قط.. مهما نالها تطلب روحه المزيد!

تملمت بين ذراعيه وهي تتمطى وأخيرا أشرعت شمسيها لتطالعه، فنظر لها مترقبًا حركة شفتيها.. هل ستتحدث؟

قرأت عيناه وأدركت هواجسه، فابتسمت هامسة:
_ صباح الخير يا حبيبي!

تأملها منتشيًا بصوتها الذي عاد يشدو من جديد، أعتدلت ورفعت رأسها وقبلت وجنته وهتفت برقة:  مالك ياحبيبي بتبصلي كده ليه!
ثم انغمست بصدره ثانيًا وهي تقول: علي فكرة أنا جعانة أوي..ممكن تطلب الفطار على ما اخد شاور؟

هنا استوعب انها حقًا تعافت وعادت كما كانت، فضمها مشددا ذراعيه حوله هامسًا: كنت خايف تصحي زي ماكنتي مابتتكلميش!

رأسها المستكين جوار قلبه جعله لا يرى لمعة الحزن التي برقت بعينيها.. هي لم تنسى ماتعرضت له، لكن حديث أبيها بالامس كان بمثابة نكزة حانية جعلتها تدرك كم تظلم زوجها وتتسبب في تعاسته وتصنع له أسوأ ذكرى بأيام زواجهما الأولى، بدلا من أن تمنحه السعادة التي يستحقها.. والدها محق.. لما تجعل من حاولوا إيذائها ان ينالوا منها حتي بعد أن فرت من براثنهم..نفوسهم الحاقدة المريضة خططت أن تفقدها سعادتها واستقرارها.. ولن تسمح لأحد أن يفعلها.. لن يبيت ظافر جوارها يتألم لأجلها ثانيًا..هي تعلم كم تألم.. لذا منحته ليلة تظن أنها عوضته غيابها.. هو حصنها الآمن.. هي حصنه الحاني الدافيء المحب لكل تفاصيله..كلاهما حصن لصاحبه..يوما ما أخبرتها والدتها أن مفتاح الرجل هو الحنان الذي تمنحه له حبيبته..كلما فاضت بحنانها كلما امتلكته أكثر.. وهي لن تدخر شيء ليصبحان كيان متحد..!

عادت تنظر إليه قائلة:  متخافش ياحبيبي أنا بخير طول ما انت جمبي.. وماتفتكرش ماكنتش حاسة بيك وبسمع صوتك وانت بتصلي وتدعيلي وبعدها ترجع تاخدني في حضنك وتنام.. بس غصب عني كنت مش قادرة اتجاوب معاك.. لكن دلوقت خلاص..بقيت كويسة وهننسى كل اللي حصل ونرميه ورى ضهرنا..

غامت عيناه بنظرة لوم ألمتها وهو يهتف:  بس أنا عمري ما هنسي اني قصرت في حمايتك وأنك اتخطفتي وانتي معايا.. مش هقدر انسى ولا اسامح نفسي!

احتوت وجهه بين راحتيها وشمسيها تضوي بحنان طاغي مع طيف عتاب: وانت قصرت معايا في ايه؟ كان ممكن اتخطف بمليون طريقة.. وطبيعي انت مش هتلازمني في كل مكان حتى التواليت.. وبعدين هو في حد يقدر يمنع القدر وقضاء ربنا؟ طبعا لأ.. اللي عيشناه يا ظافر مكتوب نخوضه واحنا سوا..ومش كل ابتلاء بيكون عقاب ولا حتى تقصير مننا..دي اختبارات ربنا بيوصلنا منها رسايل بنفهمها في وقتها أو بعدين..!

واستطردت:  عشان خاطري أوعى تلوم نفسك تاني..أنت ما ضيعتش لحظة واحدة وفضلت تدور عليا لحد ما عرفت تنقذني وتاخدني لحضنك..صح ولا لأ؟

لم يستجيب بكلمة، فقط يطالعها صامتا ثم اجتاحها بعناق وشى بحبه العظيم لها..ويقسم داخله انه لن يتركها تغيب عن ناظريه ثانيا.. سيحوطها بسياج حمايته حتى لو تذمرت من حصاره لن يهتم..سلامتها هي أولاوياته القصوى بعد ذلك!

_أنا متواصل مع الشرطة طول الفترة اللي فاتت، ولولا اني اتأكدت ان الحقير اللي خطفك هو والحيوانات اللي كانوا معاه هيعفنوا في السجن ماكنتش رحمتهم.. بس عقابهم على جرايمهم كفيل يخليهم بتسجنوا لحد ما يموتو..

ابتعدت عنه تسأل بحذر:  وانت عرفت مين كان خاطفني؟
_ أيوة..واحد مجرم طلع منتحل شخصية غير شخصيته ومزور هويته، وبتحريات الشرطة عنه عرفوا إن هربان من بلد تانية وعليه حكم في جريمة قتل عشيق مراته..ده غير انه كان…
_ كان ايه؟

ماذا يقول لها؟
كيف يخبرها بالمصير البشع الذي كان ينتظرها على يد هذا الحقير وعصابة التجارة في الاعضاء و…
لا.. لن يخبرها حتى لا تجزع..وبتلقائية دسها في صدره كأنه يحميها من مجرد الفكرة، وغمغم: كان متورط في أمور تانية كتير مالناش دعوة بيها، المهم انه غار في ستين داهية ومش هيطلع غير على قبره

فتسائلت بعد صمت قصير لتصل لغرضٍ ما:
طيب والاتنين اللي كانوا مخطوف معايا، عرفت عنهم حاجة من خلال الشرطة؟

_لا معرفش.. واضح انها كانت عملية خطف جماعي.. والشاب اللي كان هناك راح المستشفى لأنه كان متبهدل ومراته معاه.. معرفش عنهم حاجة ولا اهتميت اعرف..كان كل همي اني اتأكد ان الخنازير اللي خطفوكم اتمسكوا وهياخدوا جزائهم!

إذا لم يعرف انهم كانوا "تيماء ورائد" سبب ما حدث لها في الماضي.. الافضل ألا يعلم مطلقًا وتُغلق تلك الصفحة وتُطمس للأبد..يكفي ما كابدوه إلى الآن من خلف حقارتهم..يكفي أنها شاهدت البؤس والذل والتعاسة والخزي بعين من أذوها..أصابتهم دعواتها واقتص لها الله من الجميع ونجت هي وزوجها..ولم يبقى سوى شيء واحد تفعله لتنتهي تلك الذكرى للآبد!

_ عايزة ارجع مصر يا ظافر..البلد دي ارتبطت معايا بذكرى سيئة..عايزة نكون أنا وانت وسط اهلنا مش في الغربة!

نظرته لها شاردة، هو أيضا لا يريد المكوث هنا، وخطط بالفعل للذهاب لكن ليس كما تريد"

ظنت صمته رفضا فقالت:
_ أنت مش موافق؟ خلاص لو… ..!

_ احنا فعلا هنسيب سويسرا.. بس مش هننزل مصر!

ضاقت عيناها بتساؤل، فواصل:  أنا حجزت تذكرتين للسعودية، الوقت اللي كنا هنكمله هنا، هنكون هناك في بيت ربنا اللي لازم نشكره اننا عدينا من المحنة دي.. وعشان نحس بالسكينة ونفوسنا تهدى في أطهر بقاع الأرض بعد اللي حصل.. ايه رأيك، موافقة؟

طغت على مقلتيها سحابة دموع هامسة: يبقى آن الآوان!

أردف بفضول:  آن الآوان لإيه مش فاهم؟

_ فاكر لما قولتلك إن في مفاجأة محضراها ليك لما نرجع من سويسرا؟ كنت مقررة اني اول ما ارجع هلبس الحجاب!

ظل يطالعها وحاجبيه معقودة وتذكر لحظة تضرعه لله إن كان قصر بشيء أن يدله عليه..هل هذا السبب الذي لم يعلمه؟ لم يكن غافل عن تلك النقطة لكنه أراد منحها فرصة لتأتي منها باقتناع تام عازما ألا يتعدى زهدها بالحجاب فترة حددها هو بينه وبين نفسه وبعدها كان يجعلها ترتديه.. ألهذا ابتلى فيها وكاد يُصلى بنيران فقدها؟

_ ماقولتش رأيك يعني؟! مش فرحان اني هتحجب؟
هز رأسه شاردا:  بالعكس فرحان بس…
_ بس ايه ياحبيبي؟
عاد يطالعها بتمعن وقال: حسيت ناحيتك بالتقصير لما خليتك تتأخري في الخطوة دي بعد ما بقيت مسؤل عنك يا بلقيس..أنا قصرت في حقك!

أمسكت كفيه وقبلتهما ثم رفعت رأسها تناظره بحنان: هون على نفسك أنا عارفة إنك كنت عايزها تيجي مني.. ومتأكدة ان في الوقت المناسب كنت هتصمم عليها

_ وأظاهر الوقت المناسب ده انا حسبته غلط!

_ أحيانا فعلا بنغلط ونحسبها غلط بس بدون قصد.. أنا بالنسبالي اتمنيت اعمل كل حاجة اتحرمت منها..لأني كنت كأني محبوسة في قفص وخرجت منه عندي نهم للدنيا ومتعها..كنت عايزة اكون حرة في كل حاجة واقرر أموري بنفسي وزيي زي كل البنات قلت هتجوز وبعدين اتحجب..بس زه كان غلط، ومش كل الناس بتعمل الحاجة في وقتها الصح.. محدش مثالي على طول الخط.. ولا احنا معصومين من الغلط.. المهم إن ربنا أخيرا هيمن عليا بالخطوة دي وفي أجمل مناسبة ليها وانا وانت بنزور بيت ربنا ونطوف حواليه وندعيه يغفرلنا لو أخفقنا في حاجة.. وأكيد هيرزقنا السكينة.. أنا وانت محتاجين ننسي اللي عشناه هنا..الندبة اللي علمت في أرواحنا هنداويها سوا.. هنقوي نفسنا بالله..أحنا بخير دلوقت عشان لجأنا لربنا وهو ماخذلناش، وعارفة انه كريم وهيسامحنا ويثبتنا في اللي جاي..يعني ما تقساش على نفسك وتلومها عشان خاطري

جذبها ليُسكتها فوق صدره وفرحته تختلط براحة طاغية بعد حديثها..حتى لو قصر بشيء دون قصد، ها هو رب العالمين يبشره بالطريق الصحيح الذي سيسلكه مع حبيبته..وأول خطوة هناك..في بيت الله الحرام!

أشتد عناقه حولها من جديد، فهتفت بمرح افتقده كثيرا: حبيبي..بلي جعانة أوي..مش هنفطر بقى؟

ابتعد لينظر لها بابتسامة حانية ثم قبل جبينها مع قوله:  من عيوني هطلب الفطار هنا وانتي يومي خدي حمامك، وكلمي مامتك صبحي عليها وطمنيها.. أنا متأكد أنها كانت هتتجنن عليكي.. وبعدها هننزل نعمل جولة أخيرة نودع بيها سويسرا.. وعشان نختمها بشيى مميز.. هنروح مكان كنت مظبطه من الأول هيعحبك أوي إن شاء الله!

تسائلت بفضول محبب: بجد؟ طيب مكان ايه؟
قرص وجنتها برفق: هتعرفي لما نروح يا فضولية!
انحنت وقبلت خده قبلة خاطفة، وهرولت وهي تصيح بمرح: ماشي هاخد حمام واظبط نفسي عشان أكلم ماما فيديو من غير ماتتخض من شكلي المنعكش ده.. وبعدين استعد لخروجنا..!

ضحك لمظهرها الطفولي وهو يراقب الفوضى التي أحدثتها وهي تنتقي ملابسها من الخزانة، وقبل أن تذهب عادت سريعا تطبع على خده قبلة جديدة بنكهة عودتها للحياة التي ملأتها سعادة نفذت لقلبه وغزت روحه.. لكن يظل ركن مطلم داخله أصبح يخاف عليها بشكل جنوني، ويعاهد نفسه للمرة لم يعد يُحصيها انه لن يتركها تتآذي ثانيا وبصدره نفس يتردد..!
_________________

_اطمنتي يا ستي علي بنتك؟ اديكي كلمتيها فيديو وشوفتيها زي البدر المنور عمالة تضحك وتهزر مع جوزها ومبسوطين الحمد لله..

تألقت عينيها براحة وهي تقول:  الحمد لله ياعاصم.. أنا كنت هتجنن عليها وقلبي كان مقبوض الايام اللي فاتت..
_ طب ودلوقت؟
ابتسمت:  دلوقت خلاص، وعشان اثبتلك اني ارتاحت هقوم اعملك أحلى فنجان قهوة بأيدي ونشربه سوا قبل ما تروح شغلك..

أمسك كفها وقبله مع قوله:  يارب دايما تكوني مرتاحة.. أنتي وبلقيس أغلي اتنين عندي في الدنيا

منحته نظرة تساوي ألف شكر وألف كلمة حب وهي تقول:  والله انت اللي غالي ياعاصم وربنا عوضني بيك يا أحن راجل في الدنيا.. أنا معاك مهما كبرت بحس اني لسه بنت صغيرة بتترمي على كتف حبيبها تشتكيله..لو تعرف الدعوات اللي بتطلع مني ليك قد ايه..ربنا يجعلها كلها من نصيبك!
ثم. ربتت على كفه:  هقوم بقي اعملك القهوة!

ابتسم وراقبها وقد عاد لوجهها ضيائه بعد ذبولها الفترة الماضية.. آه لو علمت كم كان قلبها صائب ومبصر لما حدث لصغيرتها.. لما هدأت حتي تخبئها بأحضانها..تنهد ورفع وجهه للسماء حامدا لله على سلامة ابنته!
_____________

تعمد ألا يقوم بنشر موقعه لأهله ومعارفه ومعجبيه كما كان يفعل على حسابه، سيتخذ الحذر مسلكًا بعد الآن ويحافظ على خصوصيته مع زوجته..جازما أن الخاطفين لم يعانوا بتحديد خط سيره لخطف بلقيس كما حدث..ولن يقع في تلك الحفرة مرتين..

_ حبيبي، شكلي حلو بالحجاب؟
لمعت عيناه وقال بصدق:  بقيتي اجمل من الاول
ابتسمت وقالت:  أنا مس هعرف حد خالص عشان يتفاجأو بيا لما يشوفوني..
 ثم تسائلت: بس هو أنت ليه عملت جروب فيس خاص ده يا ظافر؟
ملس على جانب وشاحها:
عشان يكون في خصوصية ياحبيبتي.. ضفت كل أهلي وأهلك..عشان  تشاركيهم موقعك وتنشري صور الأماكن اللي تروحيها بدون قلق.. مش لازم كل الناس تعرف احنا فين وبنعمل ايه"

أدركت أفكاره الأعمق مما قال.. هو صار يخاف بعد ما حدث ولا تلومه وتؤيد ما فعل..لن يشاركهما أمورهما سوى الاقرباء وفقط..

_والله عندك حق، تحس كده اننا واخدين راحتنا أكتر.. ثم أشارت بحماس:  شوفت ماما وبابا عاملين لينا كومنتس كتير اوي وكمان ايلي وطنط هدى وكل العيلة بتدعيلنا نتبسط! ده غير بقى الألش والقر من عابد ومحمود وياسين، ربنا يستر علينا من عنيهم المدورة! وقارنت جملتها الأخيرة بضحكة صافية فضمها إليه وقال بحنان: سيبك منهم، المهم ان حبيبتي تكون مبسوطة!
_ طبعا ياحبيبي مبسوطة الحمد لله، كفاية انك تكون معايا عشان ابقي فرحانة!
وواصلت: بقولك ايه هنروح المكان الحلو اللي حكيت عنه امتى؟ أحنا خلاص اتسوقنا واشتريت الهدايا اللي هنحتاجها من هنا قبل ما نسافر..ومش فاضل غير تروح المكان ده، مشتاقة اشوفه!

_ من عيوني، تعرفي اللي قالي عليه واحد صاحبي من أيام مسابقة التوب شيف، هو يعرف صاحب المكان شخصيًا، جنسيته عربية مش مصري.. وصمم المكان بالشكل ده عشان ينقل رواده لدفى وجمال الجلسة البدوية بكل تفاصيلها المميزة!

_ الله يا ظافر كلامك شوقني أكتر..
وواصلت: بس تعرف انا اكتشفت فيك حاجة!
قال وهو يتوجه معها سيرا لوجهتهما التي لا تبعد كثيرا:  حاجة ايه يا حبيبتي؟

_ إنك مهوس بالديكورات الغريبة والمختلفة وشكل الأضاءة وألوانها، بدليل ديكورات الكافيه والمطعم بتوعك، وشغل الجناح المدهش بتاعنا..!

_ أنا فعلا كده.. كأنها هواية تانية عندي غير مجال الطبخ..النكهة مش بس بتكون في الأكل اللي بنعمله يابلقيس.. النكهة ممكن تكون في كل حاجة..في ريحة كتاب صفحاته متطبقة.. في لمبة جاز قديمة.. اراهنك انها هتنقلك فورا بريحتها  لزمن بعيد كأنها آلة زمن بس الانتقال فيها بيكون  نفسي..!
تمتمت بإعجاب لعمق رؤيته للاشياء:  أنت فنان في كل حاجة يا ظافر.. يارب ولادنا يورثوا الحس الفني اللي عندك وروحك الجميلة والغنية دي!

همس بحب يماثل ما يلمع في شمسيها:
وانا بتمنى ولادي ياخدو جمالك ونقائك وذكائك وقوتك وصمودك وعنادك في المواقف الصعبة!
ابتسمت وقالت:  تعرف أنا طالعة لمين في معظم الصفات دي؟ لماما.. هي ئصلا اللي علمتني ازاي اتعامل كده وصممت امارس لعبث قتالية.. ولو فضلت اشكرها طول عمري مش هوفيها حقها.. أما بابا ده قصة تانية لوحده.. هحتاج ساعات أوصف اتعلمت منه ايه!
_ ربنا يباركلك في عمرهم ياحبيبتي!

وواصلا السير ليصلو أخيرا لوجهتهما وهو ينحرف معها بزاوية نقلتهم مباشرًا لتلك البقعة أو بالأحرى لإحدي الخيمات الضخمة المصممة بطراز بدوي عتيق..والوسائد الملونة المتناثرة أرضًا يتخللها طاولات نحاسية صغيرة. وأرائك مريحة بطراز عربي أصيل. مع طاولات أخرىمحاطة بمقاعد خشبية.. وكل تلك التفاصيل تتمازج مع إضاءة مميزة مسلطة من قناديل معلقة في سقف الخيمة الذهبية، تشبهة كثيرا القناديل الرمضانية لتمنح المكان دفء وعبق خاص و مختلف!

تأملت بلقيس كل هذا بعين متسعة لتشهق بانبهار : مش ممكن! انا حاولت اتخيل المكان من كلامك، بس مقدرش خيالي يوصل للتصور الخرافي ده.. تحفة ياظافر، عندك حق لما قلت الديكور ممكن يفصلنا عن العالم وينقلنا لزمن تاني.. ثم تعلقت بعنقه گ شكر له:  شكرا ياحبيبي انك بتوديني الاماكن الحلوة دي، ربنا مايحرمني منك!

_ولا منك يانور عيني.. يلا اتفرجي وخدي صورتين زي عوايدك عشان تملي الألبوم بتاع شهر العسل!
أردفت بحماس:  ده انا هخليه ينفجر من الصور!

ابتسم لها:  ماشي ياقلبي خدي راحتك واستنيني على ما أوصي على وجبة غدا واشوف حاجة كده وارجع!

ثم غمزها بشقاوة:  وعلى فكرة بما ان من حظي ان صديقي له علاقة شخصية بصاحب المكان زي ما قلت.. قدر يخلينا نأجره ساعتين كاملين بدون رواد غيرنا، يعني انا وانتي هنبقى لوحدنا يا جميل.. إيه رأيك يا بلي!
صاحت ببهجة طفولية: رأيي اني بحبك وبموت فيك يا ظاظا..!

ضحك لها:  طب سيبيني اروح اعمل الأوردر عشان ارجعلك بسرعة، ثم لثم شفتيها بقبلة خاطفة مع غمزة أخرى ( دي تصبيرة على ما ارجع)
_____________

وأخيرا انتهت جلستهما الخاصة والممتعة في الخيمة بعد أن سجلو لحظاتهم بها ما بين فيديوهات وعشرات الصور ، ليعودان الفندق وينالو قسطا من الراحة استعدادا لرحلتهما الأهم وأداء مناسك العمرة عسى الله أن يمحي عنهم أثار الفترة الماضية ويغفر ما أخفقوا به بجهالة ويتقبل دعائهم واستغفارهم ورغبتهم بحياة أكثر قربا من الله..ويكون هذا خير ختام لشهر زواجهما الأول قبل عودتهما لموطنهما الحبيب " مصر"..!

لمتابعة البارت 48 اضغط هنا 
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات