القائمة الرئيسية

الصفحات

البارت 46 حصنك الغائب 


يا قطعة الروح لا تجزعي أو تقنطي..
الغيث إليكِ قادم فاستكيني واهدأي..
قسمًا بربي سأطارد الوجوه وأبعثر الثرى..
حتى تعود أناملكِ الحبيبة تعلو خافقي..

البارت 46 حصنك الغائب

حصنك الغائب 2

انفها يستنشق رائحة مخدر كريه تعرفه جيدًا.. تحاول تحريك رأسها وتعجز.. ذراعاها وقدميها مكبلان، جسدها بالكامل مقيد بفراش..!

_ عملت ايه؟ ..ماشي.. خليك حريص اوعي يكون في  شرطة وراه، لو شكيت انه بلغ.. أقتله!

انتفض جسدها على أثر كلمته الأخير.. ومصدر رعبها الأكبر كان الصوت ذاته.. صوت سامر!
____________________

لما كل أمر سيء يداهمه الآن..؟

ذاك الصداع اللعين يعاود افتراسه بخيالات أكثر غموضًا تدور بها.. صراخ أحدهم..زجاج يتناثر، والصورة كعهدها ضبابية تتعرج على صفحة ذاكرته البيضاء..لمن هذان الحدقتان المشتعلتان التي تطالعه.. لمن هي؟ ولما تبرُق تلك الومضات في سماء عقله گ رعد مخيف؟ أمرًا ما يتصدع داخله..
كأن قشور النسيان تتفتت وتفقد تماسكها..

لكنه مازال لا يفهم.. لا يتذكر..!
لا.. بل يتذكر شيء خطير سبب له تلك البعثرة..
الرسالة التي وصلته وهو يهبط الدرج ليبحث عن زوجته..( لو عايز مراتك تعالى على العنوان ده ولو فكرت تستعين بالشرطة.. أنتظر جثتها)

جثة من؟ رودي؟
كيف خُطفت ولماذا؟ ا

الدوار مازال يكتنفه..وكل خلية في جسده متحفزة، عروقه تنفر بغضب..ماذا يحدث وماذا يريدون من زوجته.. هل يلجأ للشرطة؟ لا لا.. لن يجازف.. لقد هددوا بإرسال جثتها.. مجرد التخيل يحطم قلبه.. الغريب أن الرسالة لم تشير لأي مطلب مادي مثل فدية گ عادة تلك المواقف.. فقط حضوره لذاك الحي الهاديء المعزول نوعا ما..! حسنًا سيذهب.. أيًا كانت الاسباب لن يترك زوجته تتعرض للأذى.. سيحطم أنوف من ساومه عليها..!

وهاهو وصل إليه ووقف ينتظر بادرة من الخاطفين ترشده للخطوة القادمة لتناله بغتة ضربة قوية على مؤخرة رأسه من شيء حاد لا يعرف مصدرها..حاول الالتفات سريعا فعاجله الرجل الضخم بضربة أخرى قضت على مقاومته في مهدها. وسقطت بنيته القوية أرضًا والدماء تنزف منه!
_____________________

" أنتهت مهمتِك.. غادري الآن! "

وقفت السيارة لتهبط الفتاة الشابة منصاعة للأمر بعد تنفيذ مهمتها باستدراج بلقيس إليهم خداعها متنكرة بهيئتة امرأة عجوز..لتستقل على الفور سيارة أخرى بهيئتها الجديدة.. ويستأنف الخاطفين طريقهم إلى حيث ينتظرهم سامر!

بمرآة السيارة راح الرجل الضخم بوجهه قاسي الملامح خشنة الملمس يطالع بلقيس النائمة في المقعد الخلفي بنظرات شهوانية مع همهمة لرفيقه بلغة إنجليزية:

_لم آري مثل جمال وفتنة تلك الفتاة.. سأنالها أولكم!

أعترض الرجل الضخم الأخر حتي اهتزت كتل لحمه المكتنز:  بل أنا قبلك، لقد أقحمتها وحدي بالسيارة وانت جالس هنا..

_ ومن انطلق مثل الريح قبل أن ينكشف الأمر يا أحمق!

زمجر معتدلا وجسده الضخم يبتلع المساحة التي تعلو مقعده بأعجوبة ملوحا بحنق من يتفاوض على غنيمة:  هذا لا يعني أن تسبقني في نيل تلك الجميلة.. أتركها لي أولًا وبعد انتهائي منها، هي لك.. فلتهنأ بها.!

_ حسنًا حسنًا..لا داعي لجدالك العقيم الآن..لقد اقتربنا من وجهتنا.. نصل أولا ثم…

بتر استرسال حديثه صدوح رنين هاتف بلقيس ليصيح موبخًا رفيقه:  ما هذا؟ ألم تغلق هاتف الفتاة يا غبي؟
_ بل فعلت.. هل سيفوتني أمر بديهي گ هذا؟
_ كيف صدح رنينه إذًا؟؟؟
_ لا أعلم.. لكن أقسم أني أغلقت الهاتف قبل وضعه في جيب سروالي الخلفي..!

صاح مقرًا وهو يهز رأسه بغضب حانق: نعم، لقد علمت كيف حدث هذا.. لحم مؤخرتك الثمينة هو ما ضغط على" Power button"..وأضاء الهاتف ثانيا.. اغلقه حالا واقذفه من النافذة.. لقد شارفنا على الوصول!

أطاع الأمر بغلقه وقذفه بقوة من النافذة ليتفتت لقطع صغيرة تناثرت فوق الطريق!
_______________________

تفحص الشرطي الكاميرات المنتشرة في جميع مخارج المول التجاري.. وتم رصد مغادرة بلقيس بصحبة العجوز.. ثم إقحامها بسيارة وقفت جانبها لتأخذها وترحل..وبتتبع أوصاف السيارة وخط سيرها لأخر نقطة وصلت إليها، تبين وقوفها فارغة علي مسافة ليست بعيدة عن المول ليترتب على ذلك فقد أثر الخاطفين وزوجته كذلك!

ثار ظافر والشرطي يخبره انه سيبحث عن خيط أخر ويحتاح وقتًا.. كيف والوقت ليس في صالحه.. كل دقيقة تمضى تعرض زوجته لخطر أكبر لا يعلم كنهه لكن يستشعر قسوته.. كيف يجدها في تلك المدينة الكبيرة؟ ماذا يفعل..؟

غادر و خطواته تتعرقل وتتشابك گ المخمور يتمايل، أنهار جسده جالسًا فوق الرصيف مطرقًا رأسه وللمرة الأولى في كل عمره يبكي بكاء مقهور عاجز..زوجته مازال أثرها مفقود .. كيف يجدها وينقذها.. كيف؟ في أي اتجاه يتحرك؟ لمن يذهب؟ ولما يسيطر عليه ذاك الشعور الغريب انه قصر بشيءٍ ما.. ماذا فعل ليفقد حبيبته؟ فيما قصر ليُبتلى بغيابها عن ناظريه؟ أفكاره المخيفة حول ما ينتظرها تكاد تمزق روحه ؟

تساقطت دموعه ورفع وجهه للسماء برجاء صامت لخالقه أن يستعيد حبيبته سالمة قبل أن يصيبها مكروه..مكررا دعائه إن كان قصر بشيء بحق ربه أن يغفر له وينير بصيرته ويبعث له إشارة لتقويم  ما أخطأ به ولا يعلمه، هو بشر يصيب ويخطيء..وملاذه الوحيد عفو ربه وعونه بتلك الغربة.. فهو السند والحول والقوة..

ظل يدعو ودموعه لا تنضب وقلبه ينزف ألمًا راجيًا لها السلامة وله العون والسبيل أن يلقاها.. وفجأة جاءته البشرى..لينهض على أثرها واثبًا گ الفهد لسيارته يلاحق خيط الأمل الذي أرسله له الله..
فقد صار يعلم الآن أين حبيبته!
_____________

دفعة ماء بارد تلطم وجهه فيشهق وهو يستعيد الوعي ليجد أمامه شخص لم يكن غريب عليه..هذا الوجه خزنه عقله في ركنٍ ما..! يعتقد انه يعرفه.. أسمه! .. أسمه ماذا؟؟؟ يعافر والأسم على حافة الذاكرة ليس بعيدا..أسمه ماذا؟!

_ تؤ تؤ تؤ..!

معقول مش فاكرني يا رائد؟! .. ياخسارة، بقي صقر الشلة وزعيمها وأسدها المغوار يبقي بالهزلان والضعف ده؟!

بدت الحيرة تغزوه وبعض الألم يزحف لرأسه ثانيا متسائل بدهشة لا يدعيها:  صقر الشلة؟! أنا مش فاهم بتتكلم عن ايه؟ وبعدين فين مراتي؟

_ قصدك تيماء؟ ولا رودي؟؟؟

أغمض عينه بقوة معتصرًا جفنيه..ذاكرته تثور.. رأسه يؤلمه بشكل أكبر.. الدوار تزداد سيطرته..التساؤلات تتقافز لذهنه المشوش منذ فترة..!
تيماء؟.. رودي؟
تيماء!  رودي!
صفحات الماضي تُعرض بتوالي لعين خياله وتدور به گ دوامة مخيفة..أصوات مألوفة بنبرة عميقة أتية من جوف الدوامة التي تسحبه لينغمس بظلمتها أكثر..
كلمات تصدح ليست غريبة على أذنيه..كأنه سمعها قبلًا"

((مافيش أصعب على الواحدة من إنها تحب واحد ويخونها.. طعنة السكينة اما بتيجي من أكتر حد انت مأمنه على نفسك، بتوجع!  بتوجع أضعاف وجعها وهي مغروزة فيك.. الجرح ساعتها مش هيتداوى بسهولة.. وهو ده اللي انا عايزاه.. عايزاها لأول مرة تجرب إحساس انها اترفضت.. إنها رخيصة.. رخيصة أوي.. لأنها هتكون زيها زي غيرها.. لأ.. هتكون ابشع من غيرها.. هيتكسر غرورها وينطفي جمالها.. ويروح زمانها وينتهي.. وتوسع الطريق لغيرها..! ))..

((ليه هي تاخد كل ده من الدنيا لوحدها، وانا بتسول حب أمي واهتمام ابويا..وبعاني الوحدة.. ليه هي نقية ونضيفة أوي وأنا غرقانة في ال …! في الخطيئة! ))

هذا صوت تيماء عشيقته..!
لا صوت رودي زوجته..
تيماء!..رودي! ..
مقصلة الحيرة تنحره..
أنفاسه تتلاحق..
الدوار والألم يتفاقم..
صراع أفكاره يكاد يقتله!

{ أنا اختارتلك واحدة عارفة أصلك واحنا كمان عارفينها كويس.. يعني دي أنسب زوجة ليك يا ابني}

{ ليه مش موافق على الجواز ياحبيبي.. هي رودي وحشة؟ دي بتحبك وفرحانة بيك وراضية بظروفك!}

صوت والدته يتضافر مع بقية أصوات عقله..
الشروخ بجدار ذاكراته تزداد اتساعًا..
خبايا ماضيه تتدفق عبر الشقوق..
وكلما تدفقت سقط بدوامة معتمة..
يهوى بها دون نهاية..
دون توقف!

[ أنا رودي مش تيماء يا رئد.. رودي حبيبتك، مراتك، أم بنتك..]

[تيماء ماضي أسود ماينفعش يتذكر ولو صدفة]

[يعني مافيش أمل تحبني وتتجوزني في يوم يا رائد؟]

تيماء الكاذبة الخادعة..
رفيقة آثامه وماضيه الأسود..
ذنبه وعقابه!

{{ مش معبرة شباب الجامعة كلها، مغرورة بس صارووووخ يابني!}}

{{ بما إنك "زعيم" الشلة بتاعتنا.. شوفلنا سكة للبت دي..  شكلها متعبة.. مابتكلمش حد من الشباب وشايفة نفسها اوي..}}

( هيحصل ..حضر سفرتك وضيوفك للوليمة الجديدة! )

التفاصيل گ حمم تفور برأسه!
الصور تتلاشى ضبابيتها..!
الحقائق تتضح ماهيتها..!
تعيث فيه مشاعر كثيرة!
غضب..خوف..خزي..!
صدمة.. ضياع..عجز..!

سامر..!!!

هدر بها أخيرا ليتحرر لسانه من الخرس!
ويتحول فضاء عينه لكتلة حمراء دامية

فيصيح الأخر بتصفيق ساخر:
برافوا عليك يا زعيم.. أخيرا افتكرتني!
ثم مال عليه هامسًا: يعني رجعتلك الذاكرة على ايدي يا صاحبي..عرفت أنا مين يا رائد؟
أنا نسخة من قذارتك.. من آثامك..
أوعي تعملي فيها نضيف.. أحنا كنا في مستنقع واحد محدش فينا انضف من التاني حتى...
وصمت برهة قبل أن يكمل: حتى مراتك اللي جاي هتتجنن وتنقذها..هي نفسها عارك اللي ماتستاهلش أفضل منه!

نطحة غادرة من رأس رائد اصطدمت بجبهته ليبتعد مترنحًا برهة ثم يتوازن سامر ويرتد عليه ثانيًا بلكمات متتالية في وجهه حتى انشقت شفتيه و"تكدم" أسفل عينه بتجمع دموي لن يطول الوقت ليصبح أزرق قاتم بلون تلك الليلة العصيبة!

_ لولا إني لازم اسلمك سليم كنت قطعتك حتت.. بس مش هتفيدني وانت ميت.. عارف ليه يا زعيم؟؟؟

زمجر رائد بغضب صاخب، فاستدار سامر حوله وانحنى ليهمس بأذنيه بمصير أرعب فرائص الأول.. والأكثر إيلامًا مصير زوجته  و…

_ بلقيس، طبعا فاكرها.. ملكة الحفلة اللي ما كملتش وقلبت غم ونكد..بسببها رامز ورمضان وفوزي اصحابنا كلهم ماتوا..!

ثم احتلت عينه نظرة قاسية مغمغما: وانا اتنفيت بعيد وعيشت الأسوأ..!
بس أنت؟!
قالها ونظرته تتلون بحقد أسود:
أنت أهلك لاقوك وعالجوك.. واتجوزت وعملت عيلة وعشت دور البريء الشريف.. دور مش دورك ولا تستاهله انت والحية اللي اتجوزتها وجابتلك بنت عشان كل اما تبصلها تتقطع لأن محدش هيدفع فاتورة "وحل" ماضيكم غيرها.. بنتك اللي هتتيتم لأن انت وتيماء خلاص انتهيتوا.. بنتكم مش هتشوفكم تاني..هتعيش وحيدة..وفي يوم من الايام هتكون مجرد فريسة للضباع وتكمل مشوار ابوها وأمها القذر..!

ضحكاته الشامتة امتزجت بصرخات رائد الملتاعة على طفلته رحمة..  لا.. لن يتركها لهذا المصير..لن يدعها تدفع ثمن آثامه.. سيحميها بأخر أنفاسه!

_ شوف الكلام معاك نساني اقولك على المفاجأة اللي محضرهالك.. ثم أشار لشاشة عرض أضاءها لتظهر صورة زوجته تيماء مكبلة.. مكممة.. مقيدة بفراش أبيض گ الموتى..!

هفرجك على فيلم للكبار فقط.. هتشوف مشاهد لايف وبث مباشر..هعريها حتة حتة قصادك.. الحفلة اللي منعتنا عنها زمان وهي عشيقتك وحميتها مننا هتكمل دلوقت بعد ما بقت مراتك عشان توجعك أكتر وأكتر.. ودي أخر حاجة هخليك تشوفها.. بعدها هتكون أنفاسكم في الدنيا معدودة.. أما ست الحسن والجمال بلقيس دي ليها ترتيب تاني غيركم خالص.. دي السبوبة اللي هتجيب تقلها دهب..كل أيد هتطولها وتتمتع بيها هتدفع تمنها غالي.. وانا اللي هقبض التمن!

وعادت تصدح ضحكاته البغيضة ونظراته المريضة تتألق بوميض شيطاني.. وغادر ليُتم جرائمه في الأنثاتان على مرآى ومسمع من رائد..المقيد!
_________________

باسطة ذراعيها تتضرع بالدعاء الصادق أن يحفظ أبنها وزوجته أينما كانوا راجية ألا يصيبهم مكروه وينجيهم من المهالك.. ليصل سمعها أثناء خشوعها طرقة قصيرة تبعها قول إيلاف: "ماما.. حضرتك صاحية؟"
_ أدخلي يا إيلاف
ولجت إليها لتجدها متربعة فوق سجادة الصلاة، فقالت:  شوفت نور الغرفة منور استغربت إن حضرتك لسه صاحية لحد دلوقت!

نهضت ثم نزعت عنها إسدالها وتوجهت لفراشها، وهتفت بصوت بدا مهموم:  أنا فعلا كنت نايمة بس شوفت حلم وحش أوي صحاني وخوفني على اخوكي.. كنت هتصل بيه بس اتكسفت اقلقه هو وعروسته في وقت زي ده باتصالي.

ربتت على كفها بحنان:  متخافيش ياماما ده مجرد حلم مالوش معني.. أخويا بخير انا كلمته هو وبلقيس الصبح وكانوا عاملين كمان بث مباشر من بحيرة هناك تجنن وشكلهم مبسوط خالص..اطمني، انتي بس مش متعودة آبيه يغيب عنك!

رمقتها والدتها بحنان وأردفت:  كبرتي يا إيلي وبقيتي عاقلة وبتصبري مامتك..
اعترضت بمزاح:  لا يا ست ماما اسحبيها أنا اصلا من يومي عاقلة تنكري؟

ابتسمت رغم أن قلقها على ظافر لم يزول، فما رآته بحلمها أخافها وأرعبها.. قلبها ينبئها ان هناك شيء لكن لا تريد الاستسلام وراء هذا الخاطر.. ربما حقا هو مجرد شوق لولدها الحبيب!

_ طب بما أن الجميل فاق ومصحصح ايه رأيه نشرب حاجة ونسهر شوية؟ واقولك على اقتراح أحلي؟ أنا هنام في حضنك الليلة دي زي زمان.. موافقة ياهدى هانم؟

جذبتها بين ذراعيها وربتت على ظهرها مقبلة رأسها:
_ طبعا موافقة، وانا اطول تنامي جمبي.. وواصلت وهي تتطلع إليها:  والله ماعارفة لما تتجوزي وتبعدي عني انتي كمان هعمل ايه
_ لا اطمني لسه بدري
غمزتها والدتها بخبث:  طب ومحمود؟؟

تخضب وجهها بالحمرة فضحكت هدى وقالت:  طب خلاص ماتتكسفيش كده.. بس بجد بقى ايه رأيك في محمود؟ يعني لما ظافر يرجع ويسألك عن رأيك هتقولي ايه؟ اظن انتي عارفة انه والده كلم اخوكي قبل ما يسافر.. مش كده؟
أومأت لها هامسة:  عارفة
_ وايه شعورك لما عرفتي انه أخد الخطوة دي؟
_ بصراحة كبر في نظري و…
_ و ايه.. يلا يابنت أحكي لأمك..
_ يعني اكلمك بصراحة كأننا أصحاب
_ طبعا ياحبيبتي

عدلت جلستها على الفراش بشكل أكثر أرياحية وقالت: هحكيلك يا ماما وهقولك امتي قابلت محمود اول مرة..

وبدأت إيلاف تسرد عليها لقائهما الأول في المشفى مرورا بكل المواقف التي حاول فيها إظهار مشاعره.. لتهتف هدى أخيرا: ياااه.. ده الولد واقع فيكي من زمان!
ضحكت بخجل لتواصل والدتها:  لأ وايه.. حب عيونك اللي انتي طول عمرك تداريها بلينسزز وفاكرة انها عيب فيكي!
ابتسمت لها:  ماهو ده اللي استغربته يا ماما انه انبهر بعيوني..!
_ واكيد انبهر بحاجات تانية.. انتي كل حاجة فيكي حلوة يا ايلي!
دست نفسها في حضن والدتها بدلال وقالت:  القردة في عين مامتها بقي..
ضحكت هدي وضمتها بقوة وحاولت صرف ذهنها عن التفكير في ظافر وتكذيب قلقها الفطري عليه.. واغمضت عينيها ليسقطان بغفوتهما بعد وقت قصير..
_______________

كم الصدمات التي تلقاها من الحقير سامر تكاد تفتك رأسه، والمصير الأسود الذي ينتظرهما وينتظر ابنته "رحمة" من بعدهما يجعله يزأر بجنون وهو حبيس تلك الغرفة اللعينة..وبلقيس التي ستنال الأسوأ..ستصبح فتاة متعة للأوغاد..كم يخجل ويحتقر حقيقته التي استعادها كاملة.. كم كان وغد ماجن..كيف كان هكذا؟ تفاصيل أحتفالهم المشؤم تتدافع في عقله وهي تقاومه وتتغلب عليه!

وتيماء..؟!
مشاعر غضبه منها تسيطر عليه لكنها تظل زوجته والدة طفلته..يجب ألا يستسلم ويفعل شيء..لا يعرف بأي عين يتضرع لخالقه الآن.. لكنه سيفعل.. النجاه لن تأتي إلا منه هو.. تمتم داخله بدعوات أن يجد وسيلة ينقذ بها الجميع.. حتى لو انتهى هنا أجله لا يهم.. هو بكل الأحول أصبح شخص هالك ينتظر قيامة ساعته.. وحسابه!
_______________

أين هي؟
أين ظافر؟
السيدة العجوز..
الرجل الضخم
سيارة تبتعد..
رائحة تبغ كريهة
أصوات غريبة
ظافر!
لما لا يجيب ندائها؟
ألا يسمعها؟ هي تحتاجه!
ظافر!

" سامحيني يابلقيس! "

التفتت سريعا لتُصعق برؤيتها مكبلة بفراش أخر..
والآن فقط أدركت حقيقة وضعها وأنها مثلها تماما.. مكبلة.. ماذا يحدث؟ كيف أتت هنا؟ هل تتعرض لذات المصير مرة أخرى؟ هل ستتجرع نفس الكأس مرتين؟ كيف ستنجو وهي بتلك الحالة؟
قيودها قاسية، كثيرة!

ظافر!

تعود وتستغيث به روحها عله يشعر بها
فارسها قادم.. قلبه سيجد سبيلا إليها.. سينبش عنها الطرقات.. ويبعثر الثرى.. ويطارد الهواء.. لن يتركها تتآذى.. هي موقنة من حضوره!

" كل اللي انا فيه ده ذنبك انتي.. سامحيني"

همس الحية تيماء يعود من جديد يلوث سمعها.. فلتصمت تلك الحقيرة..يكفي أنها عاجزة عن سحق عنقها الآن!

_ ربنا بيردلي اللي حاولت اعمله فيكي يا بلقيس.. ربنا بياخدلك حقك مني..كنت عارفة إن دي نهاية جريمتي البشعة في حقك.. كنت حاسة إن سعادتي مع رائد هتتخطف مني..وعارفة اني ما استاهلش اي فرصة انك تسامحيني ولا ليا عين اطلب مساعدة ربنا واني أضعف من إني احمي نفسي زيك..أنا حشرة قصادك مالهاش وزن ولا قيمة.. حقدي عليكي خلاني عايزة ادمرك..بس ماكنتش اعرف اني بدمر نفسي قبلك.. واني هقع في نفس الحفرة وانا متكتفة من غير لا حول ولا قوة.. ياريتني اقدر اصلح اللي فات.. ياريت اقدر امسح كل قذارتي..ياريت اللي بيحصل ده كله يكون مجرد كابوس وافوق منه وارجع لبنتي اضمها واشم ريحتها.. بنتي اللي مالهاش ذنب تشيل عاري انا وابوها رائد وتكون ضحية في مجتمع هيحاسبها على أغلاطنا، بنتي اللي ادفع عمري كله واحضنها لأخر مرة واقولها سامحيني!

_ياااه يا تيماء..كان لازم تكوني أم عشان تحسي ببشاعة اللي عملتيه؟ خوفك على بنتك فوقك؟
بالبساطة دي عايزاني اسامحك ؟
يا صاحبة عمري؟ ياللي اعتبرتك اختي؟
اسامحك على ايه ولا ايه ولا ايه؟؟؟
على ثقتي فيكي اللي ماكانش ليها حدود؟
ولا قلبي اللي لعبتي بيه وانتي بتحطي في طريق بنت لسه ساذجة شاب وسيم عكس خطيبها في كل حاجة، كنتي بترمي الطعم وسايباني القطه وعاملة بريئة وانتي أفعى سمك دمر حياتي!

اسامحك على أصعب ليلة عشتها وانا بحارب خمس حيوانات عايزين ينهشوني ويهتكوا عرضي؟
اسامحك على الخوف والرعب اللي عيشته وهما بيطاردوني وانا لوحدي من غير حول ولا قوة في مكان بعيد مهجور وكل حتة في جسمي تصرخ من الآلم وروحي بتتسحب مني وانا بقاوم عشان احمي نفسي من قذارتهم؟
أسامحك على حبستي في شنطة عربية زي الدبيحة اللي واخدينها قطاع طرق عشان ينحروها وياكلوها ويرمو عضامها في الطريق؟

اسامحك على حسرة أمي وابويا وعذابهم وانا قصاد عينهم زي الجثة اللي مافيهاش روح ولا بتكلم ولا بضحك وحتى نومي كان كوابيس!

عايزاني اسامحك؟
طب ازاي؟
ده انا كنت بدعي عليكي كل صلاة وفي كل سجدة
كنت بطلب من ربنا حاجة واحدة بس..اني اشوفك في نفس موقفي وتعيشي، نفس شعوري،
نفس وجعي.. نفس قلة حيلتي..!

ثم اقتامت شمسيها بتشفي حاقد هاتفة:
واديكي اهو.. زي الكلبة مربوطة ومنتظرة نفس المصير اللي خططتيه ليا.. ومش هتقدري تدافعي عن نفسك لأنك عمرك ما هتكوني زيي..!

البكاء ونحيب الروح إجابتها الوحيدة وهي تنكس رأسها لا تعرف ماذا تقول..وقبحها يتعرى مع كل كلمة نطقتها للقيس..هي شيطانة.. حية.. ومع هذا تريد النجاة ليس لأجلها.. لأجل صغيرتها.. تلك التي لم ترتكب بعد ذنوب لتُحاسب عليها..!

رفعت رأسها تنظر لبلقيس لترتجف من نظرتها المخيفة..وتقسم أن الاخيرة لو كانت حرة لمزقتها أربًا..وهو مصير أهون بكثير مما ينتظرها هنا.. ومع هذا استجلبت الباقي من شجاعتها لتواصيل اعتذارها:

_أنا فعلا عمري ماكنت زيك.. وده سبب اللي عملته!
كان نفسي يبقى عندي كل اللي عندك، جمالك اللي خطف اهتمام الكل، عيلتك الدافية القوية، عزوتك وسندك وفخرك بيهم!..كان نفسي في أب وأم يخافوا عليا ويحبوني..كان نفسي رائد اللي حبيته يحبني زي ما يزيد حبك.. كان نفسي عيونه تلمع لما يشوفني زي ما كنت بشوف يزيد وهو مستنيكي قصاد الجامعة ومتلهف عليكي رغم انك كنتي نافرة منه ومش بتحبيه ولا بتهتمي به، كل حاجة كانت عندك اتحرمت منها، عشان كده  حقدي عليكي كان بيكبر كل يوم، وكان لازم الروس تتساوى يابلقيس.. أنا مقدرتش اكون زيك.. بس انتي كان ينفع تكوني زيي.. حاولت اكسر غرورك وعزتك وعفتك واخليكي مجرد واحدة رخيصة بتتسول الاحترام والحب..كان لازم اخليكي تندمي علي يزيد اللي لو كنت مكانك عمري ما افرط فيه.. مافيش واحدة كانت ترفض حب زي حبه!

هدرت بصراخ

_ كفاااااية.. كفاااية حقد وكدب.. ماتعلقيش بشاعتك وقذارتك علي شماعة انفصال امك وابوكي ولا افتقادك لاهتمام وحنان وعيلة وحبيب..مش كل حد اتحرم من أسرة مترابطة واهل ولا افتقد أي شيء في حياته يدمر اللي حواليه بحجة انه عايز الروس تتساوى.. انتي بتبرري حقدك وسوادك ياتيماء عشان تريحي ضميرك..لكن انتي بذرتك بذرة خبيثة عمرها ماكانت هتطرح زرع طيب..والدك كان معيشك في فيلا طويلة عريضة وفيها ناس بتخدمك وبيصرف عليكي وبيعلمك و مخلاكيش محتاجة حاجة..كان ممكن في المقابل تتسولي لقمة العيش في الشوارع وتتمني مآوى أو إنك تمسكي كتاب وتدخلي مدرسة..وانفصال والدتك عن والدك مش من حقك تحاسبيهم عليه وتكرهيهم بسببه لأنك مش مكانهم ولا تفهمي وتعرفي أعذارهم.. يمكن لو عيشتي نفس الظروف كان اختيارك هيكون نفس اختيارهم..حقدك على غيرك مالوش أي مبرر.. لأن كان ممكن ترسمي حياتك بشكل تاني خالص وتستغلي المنح اللي عندك وتبني ذاتك وتعملي اسرة وولاد وتعيشي معاهم اللي اتحرمتي منهم.. بس هرجع اقولك انتي بذرة فاسدة..الغل طبع جواكي وعشان ربنا عارف سوادك جازاكي عليه..! وأسوأ عقاب ليكي هو بنتك!

اتسعت عين تيماء برعب حقيقي وبلقيس تواصل:
بنتك اللي هتفضلي تتقلبي علي جمر خوفك عليها لأن قصاص ربنا مش هيصيب غيرها.. هي بس اللي هتوجعك وتقسم قلبك نصين.. عمرك ما هتطمني ابدا ولا تدوقي الراحة.. ده طبعا لو قدرتي تفلتي من هنا..!

انفتح باب الغرفة وأطل سامر بضحكته الكريهه وتصفيقه المتهكم:

_ بجد يابنات استمتعت اوي بعرض المصارحة القوية والاعترافات والاتهامات وطلب الصفح بتاع تيماء اللي نزل دموعي.. طلعتي بني آدمة ياتيمو وضميرك بيوجعك.. بس ياخسارة يابنات مش هقدر اديكم وقت للكلام اكتر من كده.. الفيلم لسه طويل وخلاص لازم نبتدي اول مشهد!
ولمعت عيناه ببريق مخيف صارم:
الحفلة اللي باظت زمان هتكمل دلوقت!
الفريسة اللي هربت من أسود جعانة رجعت عرينهم تاني ( ثم غمز بعينه لتيماء) ومش لوحدها..مافيش حاجة هتنقذكم من مصيركم المحتوم!

ثم جلجلت ضحكة عكست لوجهه ملامح  جنونية:
أوعدكم اننا هنقضي وقت لطيف ونستمتع كلنا
وبعدها يجي دور المشهد التاني..أهم مشهد في الفيلم كله.. وتوجهه تجاه تيماء مع قوله ويده تستبيح لمس جسدها بوقاحة:  لما جسمك الحلو ده يتفرغ حتة حتة.. ويتباع للي هيدفع فيه كتير.. كتير اوي ياتيمو!.( لم تتحمل معرفة مصيرها فتقيأت لينالها منه صفحة قوية هاتفا باشمئزاز) ليه الأرف ده ياتيمو..كنتي استني اما اخلص معاكي الأول ياقذرة!

رغم كرهها وحقدها عليها اشمئزت بصدق من مصيرها..ثم رآت الحقير سامر يقترب منها فلم تخاف.. بل منحته نظرة مخيفة رادعة وتقسم أنها لمحت الخوف بعيناه ورغم هذا واصل اقترابه مع فحيحه:

أما الملكة ليها ترتيب تاني..حاجة أعلى بكتير تليق بجمالها الأسطوري.. وارتفعت يده ليتلمسها، فباغتته بلقيس بنطحة جبينها القاسي أسفل عينه حين اقترب فارتد ودارت رأسه ثم استعاد توازنه ورمقها بغضب ترجمه لصفعة قوية.. فلم تُظهر ألمها له.. بل عادت تنظر له بكره وتوعد وهدرت تصيح عليه:  لو كنت راجل فك قيودي ياكلب وانا هعرفك مقامك ومش هخلي فيك حتة سليمة.. يلا ياجبان!

أمسك فكيها بأنامله القاسية هادرا:  غرورك وعنتظتك دي مش هينفعوكي هنا يا شاطرة، كبربائك وشجاعتك هينداسوا في الارض وانتي بتتنقلي بين أحضان الرجالة زي بنات الليل الرخيصة.. كل واحد هيدفع فيكي تمن..!

وصدحت ضحكة أخرى، ثم نظر لتيماء مرة أخرى وقال: وعشان تعرفي غلاتك عندي ياتيمو.. هقولك على سر.. ثم دنى أكثر من أذنها حتى صارت أنفاسه تلفح وجهها المشمئز من قربه وقال:  تعرفي ان الحفلة أصلا كانت عليكي انتي في الأول قبل بلقيس؟ بس حبيب القلب رائد هو اللي منعنا عنك وحذرنا نقرب منك وقال إنك تخصيه لوحده.. شكله كان بيحبك ومش واخد باله..

ذهول حقيقي أعتراها..حقًا ما قاله ذاك القذر؟ كانت محط طمعهم ورغباتهم القذرة وحماها رائد؟
ما الذي يعنيه هذا؟ هل أحبها ولو قليلا؟!! احبها؟؟

ظلت ترددها داخلها بذهول وفرحة لا تناسب الأجواء حولها، ثم انتفضت على لمسات سامر الجريئة وهو يتحسس معالم جسدها فصرخت صرخة مدوية مستغيثة برائد التي لا تراه.. ولا تعلم أنه في موقعه يراها جيدا عبر الشاشة المثبتة على الحائط ويزأر بقهر.. ولا يصلهم صوته.. هو فقد ما يراهم..!
بعد برهة رآى الحقير سامر يبتعد عنها ويغادر لأمر ما..أمر يتوقعه تماما..!

ما سمعه من حديث بلقيس وما كابدته جراء حقارتهم جميعا جعله يحتقر نفسه أكثر..هل يقدر على مواجهتها..هل تتقبل اعتذاره؟ يعلم الإجابة!
ولو كان وحده فريسة سامر لما اهتم بالخلاص وترك نفسه لمصيره طائعًا..لكنه ليس بمفرده يلاقي هذا العذاب..حاول التفكير واستغلال كل شيء حوله، الموقف صعب ولا يستدعي إهدار الوقت.. مرر عينه بنظرة فاحصة فأدرك أن الغبي المغرور سامر لم يأخذ الحيطة الكافية لمراقبته، لم يضع كاميرات ليلاحظ كل سكناته وحركاته، اكتفي بوضعه في غرفة لا تحوى نوافذ، فقط باب وشاشة حائط!

نظر للأغلال المعدنية التي تحوط معصمه وتمنع انفصالهما.. والحبل الغليظ المعقود حول قدميه وتذكر تدريباته القتالية والتي كان من ضمنها طرق متعددة للتخلص من القيود بشتى أنواعها، وكأنه دون أن يدري يُعد نفسه لتلك المحنة.. التوى ثغره بابتسامة ساخرة وهو يهمس لذاته:  شكلك نسيت مين هو رائد يا واطي..!

وبكل قوته وعزيمته رفع ذراعه للأعلى قدر استطاعته ثم دفعها بحركة مدروسة وسريعة شقت الهواء من قوتها ونزلت گ صاعقة مصطدمة بركبتيه لتنكسر أغلاله على الفور ويتحرر.. ولم يبقي سوى اغلال قدميه التي عالجها بسهولة وحررها ليصبح جسده بالكامل محرر من أغلاله!

تلفتت حوله مرة أخرى وسكنت حركته ليطمئن أن لا أحد يبصر ما فعل بكاميرات مختبئة..واطمئن انه غير مراقب وإلا كان اقتحام غرفته أمر مفروغ منه في التو..نظر للباب مخرجه الوحيد ثم جال في الغرفة يرصد أي شيء يساعده في معالجة مزلاجه المقفول ولم يجد، لوهلة شعر باليأس.. ما الفائدة من تحرر جسده وهو حبيس تلك الغرفة ولا يستطيع لإنقاذهما؟!

وفجأة ومضت في عقله فكرة جعلته يلتفت لشاشة التلفاز، فاقترب منها والتقط شيئا جعله رغم الموقف العصيب الذي يحياه يبتسم.. لقد وجد وسيلة خروجه من هنا..!
_________

لم تستسلم گ عهدها، قيمت وضعها وحجم مأزقها الذي  لم يختلف كثيرا عن تقيدها في صندوق سيارة مظلم..الآن ايضًا المحنة عظيمة وتستلزم أن تستدعي تلك الطاقة الروحانية والايمانية وتستعين بجبار السموات والأرض.. قاهر الظالمين.. خلاصها بيديه وحده..توقن أنه سيرسل لها عونًا.. أغمضت عيناها بخشوع تام مهيب، دموعها تتساقط وداخلها يبتهل ويناحي خالقها ان ينقذها كما حدث سابقا ويرسل لها مدد ليس عصيًا عليه سبحانه، تثق أنه سيبعث لها مخرج من هذا الوحل..تدعوا أن يجدها زوجها ظافر ويكون سبب نجاتها.. ويحملها بين ذراعيه.. يضمها لحصنه الآمن ويمضي بها من هنا..!

كل هذا وتيماء تراقب هدوئها وعينيها المسدلة بدهشة حقيقية.. ألا تخاف بعد ما علمت عن مصيرها؟ من أين لها بتلك القوة؟! هي ترتعد رعبا وبلقيس هادئة شفتيها تتحرك بخفوت وتظن في الله خيرا أنه لن يتركها..ستحدث معجزة تكاد تشم رائحتها الآن..
___________

_ هو كل يوم تقولي قلقانة على بنتي وعايزة اكلمها؟ يا دره لازم اتعودي، بنتك بقى ليها حياة خاصة ماينفعش تتصلي كل شوية كأنها طفلة!

_ ياعاصم انا اخر مرة كلمتها وهما في البحيرة الصبح، واحنا دلوقت بالليل فيها ايه لما اتصل تاني اطمن عليها؟
_ أديكي قولتيها.. أحنا بالليل.. افرضي الراجل قاعد مع مراته شوية ولا نايمين مثلا؟ الصبح نبقي نتصل

صمتت مجبرة ولا تعرف سبب انقباض قلبها هكذا.. تشعر ان ابنتها ليست بخير لكن لا يصدقها عاصم!

جذبها واجبرها أن تسير جواره مع قوله:  تعالي ننزل نسهر في الجنينة شوية ونتكلم في اللي جاي ونتفق من دلوقت
_ نتفق على ايه؟
_ أحفادنا.. هنسميهم ايه؟

زحفت ابتسامة تلقائية على شفتيها وهي تتخيل أطفال ابنتها يتقافزون حولها هنا وهناك

_ أنا اختارت كام أسم.. بس مش هقولهم دلوقت.. هستني اما تيجي البشرى الاول!

همست بسعادة:  ياه يا عاصم.. ده الفرحة ساعتها مش هتساعني لما ربنا يكرم بلقيس وتجيبلنا احفاد.. بس تفتكر هيكونوا معانا؟ انت ناسي اننا هنرجع نستقر في المنصورة وهي هنا هتعيش مع جوزها وحماتها

_ ماتقلقيش هنرتبها.. ثم شاكسها وهو يميل عليها هامسا:  عشان كده بقولك ماتتصليش عليهم كتير.. خلي الولد يركز..!

انفجرت ضاحكة بقوة، فضم كتفيها هاتفا:  أيوة كده يا دره اضحكي واتبسطي وبطلي قلق.. بنتنا مع جوزها اللي مستحيل يخليها تزعل او تتأذي

تنهدت ومازالت رغم محاولات زوجها يسكنها القلق، لكنها غمغمت:  ربنا يحفظهم ويبعد عنهم كل سوء ويرجعوا بألف سلامة
_ اللهم امين!
________________

ألصق أذنيه بالباب عله يلتقط صوت أحد بالخارج، فلم يجد شيء واضح.. فراح بخفة ومهارة يعالج مزلاج الباب بالسلك المعدني الصلب الذي انتزعه من أسلاك الشاشة، ليصبح بثوانٍ معدودة خارج الغرفة،
لم يجد أحدا.. هل سامر بهذا الغباء؟ لم يضع حتى رجلًا واحد يحرص الغرفة؟! أم ربما غروره صور له أن الأمر سيمضي معه بتلك السهولة ولن يجد مقاومة؟..أيًا كانت الاسباب لا يهم.. هو أصبح حرا.. وحتمًا ستتغير قوانين اللعبة الآن!

بنظرة سريعة تبين انه في شقة كبيرة وعلى يساره ردهة طويلة، تحرك خلالها بحذر وخفة شديدة فوجد التقاء جدارين، خطى حذوهما ومازال حذرا متحفزًا حتي وجد غرفة أخرى..تلصص بعينيه عبر شقها الرفيع لم يبصر شيء..عالج مزلاجها كما فعل سابقا ودخل بحرص وكانت خالية.. توجس في الأمر، هل احتجزهم الملعون سامر في مكان أخر غير تلك الشقة؟؟ سقط قلبه هلعا.. الوقت ليس معه فكيف سيعلم مكانهما.. (يا الله.. ساعدني يا الله) راح يتضرع لخالقه محاربًا اليأس الذي يتسرب لقلبه، حتى لمح شيئًا جعله يتقدم والأمل يشب فيه من جديد..هناك أثار أقدام مغبرة على سجادة الأرض في اتجاة خزانة الملابس، فصل طرفي ضلفتيها فوجد بها قطع ملابس متراصة لكن بينهما فراغ..لا يعرف لما تذكر تلك الخدع التي خزنها عقله من الأفلام العربية القديمة  حيث يلجأ رئيس العصابة المزعوم بصنع مخارج خفية للهروب أو الاختباء، فدفع بكفه الجدار الخشبي لتتسع عينه وجزء من الجدار ينفصل بالفعل ويستدير ليكشف خلفه درج مظلم، انتابته الدهشة لوهلة ثم نفضها وهبط عليه بحذر ليصل لسرداب أرضي واسع. . لمح بجهة أخرى درج مماثل لما هبط عليه، كما وجد عدة أبواب..تفقد اقربهم ومازال متحفزا لأي مباغتة فوجد بها لوحات تحكم الكهرباء للبناية بأكملها..اغلقه وانتقل للباب الأخر شارعا إياه بذات الحرص ليجد تلك المرة قطع أثاث قديم وأشياء ليست ذو أهمية.. نظر للباب الأخير والذي يبتعد مسافة عنه.. خطى بخفة ليصله صراخ واضح جعله لا يضيع لحظة واحدة موقننا انه وجد ضالته، وبكل قوته وغضبه راح يدفع الباب دفعات قوية متتالية لينهار أمامه  ويصبح  داخل الغرفة في مواجهة سامر الذي لم يتخلص بعد من دهشة وجوده وهو يرى رائد أمامه يكيل له بقدمه ضربات سريعة موجعة كومت جسده الضئيل في الأرض وهو يتآوه من ألم ضربات أسفل معدته ، ولم ينتبه رائد لذاك الخرتيت الضخم وهو يفاجأه بتكبيل جسده من الخلف بقوة شديدة كادت تسحق عظام صدره وهو يقاوم باستماته وقوته تضعف أمام ذلك الثور الذي يساوي حجمه مرتين.. بينما ارتسمت ابتسامة نصر على شفتي سامر وهو يمسح دماءه وينهض هاتفا: 
لسه وحش وعفي زي ما انت يا صاحبي..الحقيقة فاجأتني انك عرفت تحرر نفسك وتوصل لحد هنا.. بجد شابو يا زعيم ..

ثم أشهر مدية صغيرة التمع نصلها بعين رائد، فصرخت تيماء تستعطفه ألا يؤذي زوجها، بينما بلقيس في حالة ذهول مما تراه..!!
رائد؟!
ذاك النذل الحقير هو من يحاول انقاذهما؟
أم هو هنا لإنقاذ زوجته فقط؟
فجاءتها الأجابة الصادمة على لسانه وهو يقول متوعدا بصوت هادر ومازال يعافر لتحرير جسده من ذاك الضخم:  سيبهم ياواطي وخد حقك مني زي ما انت عايز..سيبهم لأن مش هسمحلك تأذيهم إلا وأنا جثة.. هقتلك انت والحيوان اللي ماسكني ده لو قربتوا منهم!

صفق سامر مع صفير ساخر وقال:

برافو برافو.. حتة بطولة من الأخر..لعلمك الموضوع ده بياكل اوي مع البنات على فكرة وأنت استاذ في الحاجات دي.. بس ياخسارة..( قالها وهو يمرر نصل السكين قرب كتفه ليُحدث به جرحًا جعل رائد يتألم وتيماء تصرخ بلوعة عند رؤية دماء زوجها، مستطردا سامر) مش هتقدر تعمل حاجة ولا هتنفعك بطولتك المزيفة.. واللي كنت هتشوفوا من خلال الشاشة، هتشوفوا هنا.. عملي.. وبينك وبينهم خطوة.. هتشوف جسمهم وهو بيتعرى حتة حتة وانت عاجز مش قادر تساعدهم!

كل عضلة في جسده تتصلب بقبضات دفاعية، ورغم تاريخه المشين استنكرت رجولته انتهاكهما من هذان الخنزيران بهذا الشكل أمامه، لن يتحمل.. الموت أهون عليه.. ودون أي ترتيب نظر تجاه بلقيس التي تطالعه بذهول فمنحها نظرة اعتذار وأسف عن كل شيء..راجيًا منها السماح والصفح.. ثم تبدلت نظرته لأخرى قاسية وهو ينكس رأسه ليخبيء بريقها المتوعد بعد أن أتته فرصة ذهبية وذاك الغبي سامر يغادر الغرفة منشغلا بإجراء مكالمة هاتفية مستعينا بأخرين يأتوه..وصار وحيد مع الثور الذي يكبله، حسب ما علمه هم يريدنهم أحياء..وسيستغل هذا الأمر جيدا..!
لن يترك الفتاتين لهذا المصير إلا وهو جثة هامدة..ربما وقتها فقط يُكفر عن ذنبه بحق بلقيس إن نجح بإنقاذها أو مات لأجلها، أما تيماء زوجته المخادعة.. هي قدره وذنب وعقاب يستحقه..!

بسرعة وثبات انفعالي..راح يقيم بعينه المسافة الفاصلة بينه وبين بلقيس فوجدها كافية لخطته التي لا تعتمد إلا على سرعته هو.. الخرتيت مازال يكبله وعظامه تئن من ضغطه القاسي..لحسن الحظ، الغبي يكبله بحركة معروفة لدى الاعبين باسم " مسكة الدب" حيث يحوط بذراعيه جسده من الخلف مقيدا نصفه العلوي.. وتلك وضعية تناسب تماما خبرته في التخلص منها بسهولة، أخذ نفسا أخر ودون معافرة  تفقده طاقته هباءً.. دفع بساعديه ذراعي الرجل المعقودة حوله ورفعها للأعلى عن موضع كليتيه فضغطه عليها  يكاد يصيبه بالغثيان، ثم زحزح رائد جسده قليلا ليتمكن من تحريك قدمه اليسرى خلف قدم الرجل..ساحبًا إياها بقوة افقدت الأخر اتزانه مع دفعة قويه من كوع رائد أرتطمت بصدره واختل توازن الضخم وسقط أرضًا..وسريعًا عاجله رائد بلكمات متتاليية في أنفه وسائر وجه مع ضربة قدم قوية بين فخذيه ليتألم الرجل ويطلق آنين مكتوم.. وبسرعة البرق هرول تجاه بلقيس ليفك قيودها وهو يصيح:
( انسي كل حاجة وحاولي تساعدي نفسك وتساعدي تيماء ابوس ايدك)  وزوجته تتابع ما يحدث بذهول.. لم تستوعب سوى شيء وحيد.. زوجها بادر بتحرير بلقيس قبلها..صدمة جعلتها تنظر بحقد وحزن ودموعها تتساقط بغزارة وعقلها يفسر ما حدث تفسيرات  أخرى أضرمت نار غيرتها حتى صارت حدقتيها مثل الجمرة المتقدة!

في تلك الأثناء اقتحم سامر الغرفة مع من استعان بهما ليؤازرانه في مهمته الحقيرة.. رجلان بحجم اقل قليلا مما كبله لكن شراسة ملامحهما مرعبة..لا يعرف متي امتلك سامر تلك النفوذ ليستجلب مثل هؤلاء البشر ليساعدانه في بلد غريبة عن موطنه.. مع من يتعاون ذاك النذل؟! لكن لن يهتم لهذا الآن.. يجب أن يستمر في المقاومة ..تبادل قتال غير متكافيء معهم وهو يتلقى أضعاف اللكمات والصفعات التي يُكيلاها لهم..

أما بلقيس فيكفي أنها تتحررت لتكون قوة مستقلة و رادعة استهان بها هذا الثور الذي عزم أن ينالها تاركا لرفاقه التكفل برائد.. اقترب منها ولعاب شهوته يسيل وعيناه تضوي برغبة جامحة لفاتنة مثلها، لا يعرف أن خلف فتنتها مخالب نمرة شرسة ستنهش لحمه قبل أن يطالها.. وجهت له ضربات قوية جعلته يتراجع ويقف لحظات يرمقها ويدرس قوة فريسته ثانيا ليهجم عليها بشكل أكثر قوة وقسوة لم تستطع بلقيس صدها لوقت طويل وهي تواجهه شخص ضعف بنيتها مرتان.. ويبدو أن شراستها راقته فالتمعت حدقتيه بعزم أكثر مسخرا قوته لترويض تلك النمرة الشهية وتكبيلها ثانيا..طرحها أرضًا محاولًا اعتلائها، فلن يفسد أحدا وليمته الليلة بتلك الحسناء المصرية.. سينالها رغم العراك الدائر حوله..!

أما رائد الذي مازال يقاوم، رمق بلقيس بعجز وحسرة بعد أن ضاعت الفرصة التي صنعها لها حين حررها دون زوجته ..لا لشيء سوى لأنها ستُصقل قوته وهي تدافع عن نفسها بخبرتها القتالية التي اختبرها سابقا..وأيضًا طمعا أن تتغلب عليها إنسانيتها وتحمي زوجته التي لن تكفي قوتها لردع احد..!

صرخت بلقيس وهي تعافر باستماتة مع الثور الذي نجح بتكبيلها مرة أخرى شارعًا باغتصابها.. وتيماء تصرخ للمسات سامر عليها وهو يشق صدر كنزتها ليصرخ رائد ويحاول الوصول إليها فتمطر عليه الضربات، وكلما نهض لينقذها يركع ألما من قوة ما يتلاقاه من قبضات الأوغاد..ولأول مرة يبكي بهذا الضعف وهو يجرب شعور أن يُنتهك شرف الرجل أمام عينه وهو عاجز مقهور.. هكذا كان يفعل في الخفاء ويستبيح كل جميلة يشتهيها ..يد القصاص بدأت بزوجته التي على وشك الاغتصاب وهو يفقد قواه أمام شراسة من يواجههم..رغمًا عنه فقد الأمل..تملكه اليأس ولم يعد أمامه سوى دعاء المضطر المستغيث بربه..!

وليته يدري أن الله استجاب دعوته وذاك المتسلل بغفلة عراكهم يقتحم الغرفة گ المارد الغاضب ويغير المعادلة ويبدل اليأس بالأمل..فقبل هذا الوقت بقليل..بمجرد أن التقط هاتف ظافر إشارة عودة استقبال تليفون زوجته لاتصال، رن عليها بلهفة عساها تجيبه.. وللأسف تم غلقه مرة اخري لكن تلك المرة اختلفت.. يكفي انه استطاع تحديد مكانها عن طريق برنامج التتبع على هاتفه..فلم يضيع لحظة وهو يتوجه لموقعها المفترض انها به.. ووصل لمنطقة هادئة غير مزدحمة بالبنايات.. ظل يُنقب عن أثر يدله علي شيء حتى وجد قطعة مكسورة من هاتف بلقيس.. التقطها سريعا وقلبه يتمزق هلعا من الهواجس التي تدفقت لعقله.. تتبع الاثر يمين يسار وجمع الهاتف الذي لم يعد يعمل.. مشط المحيط حوله وقدماه تقوده لاتجاهات عشوائية حتى لمح من بعيد بناية معزولة من الجانبين.. والذي لفت نظره أكثر ذاك الرجلان الماكثان أمامها وعيناهما تجول محيطهما بحذر واضح كأنهم يحرصون شيء..شعور قوي نبت داخله أن زوجته هناك في تلك البناية.. لم يخذله حدسه من قبل ابدا.. بلقيس هناك وعليه أن يسعى لتأكيد ظنه!

دني حذرًا لاقرب نقطة للرجلين حريصا ألا يلاحظونه، وبعد وقت قصير جاء أحدهما هاتف.. لم يشفع له قربه أن يلتقط حديثه بوضوح، لكنه ما ان اغلق الهاتف حتى أشار لرفيقه بتتبعه للداخل.. انتظر ظافر برهة ليتبعهما بمسافة كي لا ينكشف أمره، وفي تلك الأثناء أرسل للشرطة رسالة استغاثة من موقعه كي يأتوا ويدعموه.. لا يعرف ماذا سيجد بالداخل وليس معه أي سلاح يؤازره.. وكم شعر بالندم لأهمال شيء گ هذا.. ولن يغفل عنه فيما بعد..!

وصل لمدخل البناية القديمة عابرا داخلها ثم وقف حائر.. أين يتجه؟ يصعد أم ..!
توقفت عيناه على أثر عُقب سيجار مشتعل ملقى أرضًا..احساس قوي داخله أنبئه ان تلك وجهته الصحيحة.. اقترب ظافر عدة خطوات ووقف عند درج يوصل لباب سرداب.. هبط بحرص ودفع بابه ببطء وولچ داخله عابرا فوق درج أخر، فوجد غرفة مظلمة وواسعة تضم عده أبواب متناثرة على جوانب الجدران.. تفقد أول غرفة ليجدها غرفة تحكم الكهرباء للبناية.. وتفقد الثانية فوجد بها مخلفات لأثاث قديم.. ولم يبقى سوى غرفة وحيدة هناك بزاوية ابعد.. دني ومع كل خطوة يستشعر قرب حبيبته..!

ما أن اقترب حتى سمع صوت جلبة وصراخ بصوت لا يشبه صوت بلقيس، لكن ما سمعه كان كفيلا أن يحوله لكتلة غضب مخيفة وهو يهجم على الباب المكسور أثر اقتحام رائد قبله.. ليهاله ما رآه.. سيدة تصرخ بكلمات غير واضحة ورجل ضئيل يحاول انتهاكها ممزقًا ثيابها.. ورجل أخر مُطرح أرضًا يصارع الضخمان الذي تتبعهم من الخارج ويبدو انه فقد قواه ودمائه أغرقت حوله ووجهه طمسته الكدمات.. وهناك بزاوية أخرى رآى حبيبته تعافر مع ضخم يحاول اعتلائها عنوة وهي تدفعه عنها بشراسة..لينهب المسافة بينهما وينقض على الرجل وينزعه عنها..!

هل أتى فارسها؟؟
أم غشاوة الدموع تخدعها؟
رائحة أمانه تعبء المكان.
تتسل لانفها بقوة..
تقسم أنها تراه وتشم عبقه الذي تعرفه..
رمشت بعيناها الباكية لتطرد بقايا دموعها وتتحقق إن كان هنا أم تحلم.. لكنها لم تكن تحلم..!

ظافر حبيبها هنا..!

حاوط عنقه المكتنز بذراعيه ودفعه أرضًا بعيدا عنها ليعتليه وينهال عليه ضربًا في فمه وأنفه حتى اصطبغت قبضة ظافر بالدماء.. ولم ينتبه لسامر وهو يندفع نحو ظهره ليطعنه غدرا بنصل سلاح أبيض، لتصرخ بلقيس ورغم قوتها التي استنفذت تماما هبت على قدميها تركل سامر بعيد عن زوجها الذي مازال يقاتل لأجلها

أما رائد فدبت فيه الروح حين بصر مغيثًا يؤازره.. ونهض على قدميه يقاتل من جديد وحضور ظافر  منحه قوة غريبة.. تبدلت الأحوال.. وقدرًا لا تجد له تفسير أو مسمى من كثرة غرابته..تقابل ظهري ظافر ورائد بوقفتهما الدفاعية ونظراتهما الصقرية تتحدى الخاطفين برسائل غير منطوقة انهم لن يتخطوا أجسادهم وهم أحياء.. وكلا من الرجلين يدافع گ الليث عن زوجته وشرفه..!

مفارقة أثارت تعجب بلقيس وهي تطالعهما.. زوجها والحقير رائد يتحدان بنفس الجبهة.. وتعلم أن ظافر لم يتعرف عليه وإلا ما كان تركه.. زوجها التي تراه للمرة الأولى وهو يتعارك بتلك القوة والبسالة لأجلها..حصنها الذي لم تخطيء تسميته ابدا أتى لينقذها ويحميها..دوار رأسها يزداد ورؤيتها تضعف وجسدها لم يعد قادر على الصمود وبات يترنح..
ربما لوجود حبيبها استسلمت لهذا الوهن واطمأنت انه هنا معها.. لن يترك أحدا يؤذيها..
تهاوت ووقعت شبه فاقدة الوعي
أذنيها تدرك الأصوات لكن عيناها مسدلة!

أما سامر فأدرك أخيرًا خسارته وقرر الهروب لكن ما أن عبر لخارج البناية حتى قابلته الشرطة.. وتلقائيًا حاول الهروب مبتعدا ليعطيهم سببًا كافيا للشك به ومطاردته ثم القبض عليه وتقيده والزج به داخل إحدى السيارات.. لتتوجه بعض عناصر الشرطة الأخري لمساعدة ظافر وتكتمل سطوتها على بقية الجناة وعربة الاسعاف تأتي بعد قليل لنقل رائد المدرج بدمائه وجروحه، بينما مكث ظافر يحتضن زوجته بقوة غامسها في صدره حامدا الله أنه أتاها بوقت مناسب.. ثم حمل جسدها بذراعيه فتعلقت بعنقه وهي تتشممه ببقايا وعيها ليزداد شعورها بالأمان..  وأخيرا بعد هذا الانهاك النفسي الذي تعرضته له تلك الليلة.. اغمضت عينيها باسترخاء تام  مستسلمة للنوم ووجها يختبيء بصدره!
لمتابعة البارت 47 اضغط هنا 
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات