القائمة الرئيسية

الصفحات

البارت 42 من حصنك الغائب

*******
لا تنخدعوا في المرايا إن عكست هدوء عالمكم..
أنا قابعُ خلفها گ نقطةٍ سوداء..
أنا من لُعنت..أنا من نُفيت..
أنا من خسرت ما حصدت..
ومثلي أيضًا ستخسرون..
لن تهنئوا بنعيم جنة..! 
وفي جحيمي أتلظى..
نيران حقدى أتية..
 فأبصروني..
واحذروا.!





حصنك الغائب 2


رصد مغادرته لمنزله وهو منزوي داخل سيارته بعيدًا، فهبط منها نافثًا دخان سيجاره الأخير، ثم أسقط عُقبها المشتعل طرفه أرضًا ساحقًا إياه بحذائه متوجهًا إليها وشفتاه تميل بابتسامة شيطانية تعبر عن نواياه الخبيثة! 
………… ..

غادر زوجها لعمله والصغيرة نائمة! 


وتلك فرصتها لتنجز بعض الأشياء الهامة في مطبخها وتعود للنوم جوارها ثانيًا..بطريقها أجفلها قرع جرس الباب وسط سكون الصباح فغمغمت ( معقول رائد رجع زي عوايده ونسي حاجة) وبهذا الافتراض تخلت عن حذرها وفتحت الباب دون تبين مسبق لتتفاجأ بكابوس أسود تجسد في وجه تعرفه.. تمقته.. وتخافه.. وجه حمل بين ملامحه شظايا جحيم قادم  تراقص لهيبها بنظراته..!

بجزء من الثانية حاولت غلق بابها لتحتمي خلفه، فجاء رد فعله أسرع واقوي وهو يعرقل فعلتها بحشر إحدى قدميه ومن ثَمَ دفع الباب بعنف جعلها ترتد للوراء شاهقه والرعب يملأ عيناها المتسعة وهي تهمهم بقوة زائفة رغم ارتجافه فرائصها:  

_ أخرج من بيتي يا سامر..! 

وكأنها أمرته بالعكس، توغلت قدمه للدخل مبتسما گأنه صاحب البيت مغلقًا الباب خلفه وبهدوء راح يوزع نظراته بالأرجاء متفحصا المكان: 
_ بيتك ظريف يا رودي! 

قالها ثم التفت مستطردًا بخبث:  ولا نقول تيماء؟ 

تجرعت ريقها وزاغت عيناها وكادت تسقط انفعالا ورائحة الخطر تكاد تخنق روحها وتنحر أملها طيلة الفترة الماضية بعد أن توهمت الأمان والاستقرار.. وهاهو شبح ماضيها يطاردها ويزلزل سلامها! 

ومع كل ما تشعر تشبعت نبرتها بشجاعة وقوة استمدتها من مجرد احتمال أن يؤذى عائلتها الصغيرة.. هي الآن لا تحمي تيماء.. بل تحمي رائد وصغيرتها رحمة! 

_ قلت أخرج برة بيتي يا سامر وإلا مش هيحصل طيب! 

جلجلت ضحكته السمجة مع تمتمته: ده استقبالك لاصحاب الجامعة بردو يا تيمو..! 
_ أخرس واخرج من بيتي يا حيوان، لو جوزي جه هتكون… 

قاطعها:  هتكون مصيبة؟..بس لمين؟ ليه ولا ليكي؟

أدركت أن هدوئها هو السبيل لمعرفة نواياه، فأخذت نفس عميق وزفرته بهدوء وهتفت: مش هقولك عرفت طريقي منين لأنه سؤال ساذج ومش هيفرق كتير.. لكن هقولك جاي ليه وخلينا نلعب على المكشوف ونختصر الوقت عليا وعليك!

وَجَلت داخلها حين بصرت بريق "طَالح" بعيناه، دنى ونظراته البذيئة تمشط تفاصيل جسدها بوقاحة وكأنها تعري سترها..كلما اقترب ابتعدت حتى اصطدم ظهرها بالجدار وأصبحت حبيسة بينه وبين جسده النچس وهو يميل على أذنيها هامسًا بصوت معبأ بأنفاسه الكريهة: هو طلب واحد مافيش غيره! 

أدَامَ النَّظَرَ على معالم أنوثتها المكتنزة گ ذئب يعاين فريسته الشهية قبل صيدها: عايزك انتي! 

ضيقت حدقتيها تحاول استيعاب ماقال.. أو بالأحرى ما لم يقوله.. أدركت بخبرتها مع أمثاله القذارة المتوارية خلف جملته المختصرة.. القبيحة، فاصطبغ وجهها بلون الدم غضبًا وبصقت في وجهه بصقة أغرقته.. جففها مع ابتسامة ثلجية وابتعد ليشعل سيجاره بهدوء غريب مغمغمًا:  عارف انك اتعودتي تبقي ست محترمة، ثم حدجها بنظرة ذات مغزى:  وعندك بنت خايفة عليها..! 
هنا طرق ناقوس الخطر بقلب أمومتها حين ذكر طفلتها.. كنزها.. روحها.. لن تسمح له بأذيتها.. ستُرديه قتيلًا مخالبها إن حاول مس شعرة من صغيرتها.. وبهذا الخوف تدفقت قوة دفاعها الفطري وهي تهجم عليه بأظافرها قاصدة نهش وجهه عقابًا لمجرد ذكره لابنتها على لسانها العَفن، فكان أسرع وهو يلوي ذراعيها ويطوقها بقوة لتصبح مقيدة للخلف عاجزة عن صفع وجهه الذي رنى محاولا انتهاك شفتيها عنوة، انتهاك تستحقه إمرأة بتاريخها المشين.. وهي تدرك جيدًا أنه لن يكون الأخير، ومع هذا ظلت تحرك رأسها يمين يسار لتعجزه عن تقبيلها، فقهقة ضاحكًا: حلوة الشراسة دي ياتيمو.. اللعبة شكلها هتحلو.. ماهو كل ماكانت الفريسة صعبة، كل ما اللعبة بقيت أكثر إثارة! 

همهمت بسباب بذيء وهي تعافر لتركها ثم فاجأته بضربة قوية من قدمها تحت حزام بنطاله فابتعد متألما لحساسية ما أصابت، وبرد فعل غاضب صفعها صفعة أدمت جانب شفتيها ثم لطمها للجدار ثانيًا وأشعل سيجارًا أطفأه على جلد ذراعها بقسوة جعلتها تصرخ بألم أستلذ به وهو يوصمها بجُرح دامي يذكرها به حين يغادر.. ثم ابتعد عنها أخيرًا وختم جرمه بصفعة أكثر قوة على خدها الأخر وأصابعه تُطبع كتذكار أكثر وضوحًا وقساوة.. هو لن يتركها لعالمها الهانيء إن لم يحصد هو الأخر غنائمه منها..

حتى ولو بالقوة! 
-----------------------------

رحل كابوس صحوتها المفرع فانهارت قواها وهي تسقط أرضًا ونحيبها يعلو حتى صار صراخًا وشعورها بالنفور من جسدها الذي تلمسه الحقير يزداد.. تشعر انها ملوثة..لن تكفيها مياة المحيطات لتطهرها من الدنس الذي عشش بروحها قبل جسدها.. عالمها الذي بنته طيلة الفترة الماضية يتصدع بظهور سامر.. لن تنجو منه إلا بمعجزة..
والمعجزات استثناء من رب العالمين
لأصحاب السرائر "البيضاء" وهي خير من تدرك
كم تحمل من "سواد" جراء ما اقترفته من ذنوب..
مثلها لا تستحق نجاة.. لكن روحها تصرخ بطلب الرحمة.. هي تحتاح رحمة! 
صراخ ابنتها اخترق لحظات انهيارها المغيبة وسط نحيبها المقهور.. فهرولت تسحف إليها بعد أن فقدت قواها وحملتها ودموعها تختلط بدموع الصغيرة "رحمة"..تلك المنحة التي تحتاجها لتنقذها من الهلاك القادم..!

فهل تنال الرحمة ؟ 
هل تطمع في فرصة أخرى؟
ام قُطعت كل سُبل الرجاء بينها وبين خالقها؟ 

----------------------------------

مرت الساعات وهي حبيسة غرفتها وفراشها.. محيطها مظلم گ روحها..أتى رائد وحاول إيقاظها فامتنعت.. كيف تجعله يرى شفتيها التي ادماها الحقير. وبصمة الحرق على ذراعها.. ماذا تقول..!

_ رودي، معقولة مش عايزة تصحي تتعشي معايا؟ طب انتي كويسة؟ طمنيني عليكي"

تدفن وجهها بوسادتها تخبيء وصمات عارها.. مغمغمة: تعبانة وعايزة انام!
صمت يطالعها بقلق، فهتفت بنبرة غريبة وواهنة:
رائد.. ممكن تطفي النور ..! 
فعل وهو متعجب طلبها، وما أن فعل حتى اعتدلت متحصنة بالظلام مطمئنة أنه لن يراها وهمست بخفوت: أنا محتاجالك! 
صوتها الواهن الحزين أشعل فتيل خوفه أكثر فضمها بقوة حين استشعر حاجتها لقربه..فتحسست بأناملها صدره ومازالت صوتها يئن ألما ظنه رغبة:  حبني يا رائد.. حبني قد ما تقدر.. أنا محتاجة احس انك معايا ومافيش حاجة ممكن تفرقنا..حبني عشان اقدر احب نفسي واجاهد مخاوفي! 

وشرعت في إثارة جسده أكثر لينجرف مع صخب احتياجها، ليحيا معها ملحمة مشاعر عنيفث حققت منها هدف بصمة أنامله عليها.. لعلها تمحو أثر قذارة سامر.. شيطانها اللعين! 
لكن هل ستمحو شعورها الخانق أنها ملوثة؟ 
---------------------------

اشرق الصباح عليها وهي تحتفظ بجمودها الشارد، فتململ وضمها محاولا الاستيقاظ، ثم تذكر حالتها الغريبة بالأمس، فتح عيناه وأول ما بصره شفتيها الدامية.. فحزن وملس عليها بأنامله مغمغما: أنا أسف، محسيتش بنفس اني أذيتك! 
اغرورقت عيناها واختبأت بصدره.. رقته وحنانه وبراءته بتلك اللحظة أشعرتها بحقارتها أكثر، وهمست:  أنا بحبك يا رائد.. مهما حصل منك بحبك! 

ابتسم لتصريحها واحتضنها مكتفيا بقبلة على رأسها متسائل:  طب ممكن اعرف مالك؟
_ ماليش، يمكن زهقانة، شوية وهبقي كويسة! 
رفع وجهها إليه وتأمل شفتيها بلوم لنفسه هامسًا: أخر مرة هعمل كده.. ثم لثمها برفق وقال:  ايه رايك اخد اجازة من شغلي واخرجك اليوم كله؟
أومأت بابتسامة واهنة:  موافقة! 
تنهد وغمسها بصدره مرة اخرى ثم صدع صوت الصغيرة تبكي فقال:  روحي شوفي رحمة وانا هاخد حمام واستعد لخروجنا
_ ماشي ياحبيبي"

راقبته وسحابة الحزن تظلل عيناها ونهضت لترى ابنتها وداخلها يهاب القادم.. ويترجى السلامة!
_______

_ حبيبة أخوها اللي مش بتخبي عنه حاجة ابدا وهتقوله بلقيس بتعمل ايه معرفوش.. صح يا إيلي؟"

_ طبعا يا آبيه مش ممكن أخبي عنك حاجة! 
_ طب يلا قولي..ايه هي مفاجأة بلقيس؟

تغابت عمدًا بردها:  طب وأنا اعرف منين ا يا آبيه؟!
_ كده بردو..يعني التليفونات والهمسات اللي بينكم دي وتقولي ماتعرفيش؟ امال هي عايزاكي بكره من الصبح ليه؟
_ معرفش.. ممكن حضرتك تسألها☺️

نهض وهو يحدجها بلوم:  ماشي على راحتك، بس خليكي فاكرة انك رفضتي تساعدي اخوكي! 

وذهب فوضعت يدها فوق شفتيها تكتم ضحكتها التي كادت أن تفلت لمظهره الحانق وهمست:  أنا مش عيلة عشان تقررني وتضحك عليا يا آبيه..مستحيل أبوظ مفاجأة مرات اخويا😂
_______

_ أوعي يكون ظافر عرف منك رايحين فين بكرة يا إيلي وهنعمل ايه بعد كده؟
_ لا لا طبعا.. هو حاول واغراني بكذا طريقة، أودتي اتمليت شيكولاتات وكل اللي بحبه، بس انا صمدت في وجه الإغراءت وقلبي بيتقطع😔.. 

ضحكت بلقيس:  معلش يا لولو هعوضك فأفخر أنواع من الشيكولاتة.. وزي ما اتفقنا بكره هعدي عليكي بدري
_ مستنياكي علي نار  متحمسة للفكرة من دلوقت! 
________

ظافر بضيق:  هو ايه اللي مش هينفع اشوفك لحد حفلة الحنة؟؟؟ ليه يعني؟
هتفت عبر الهاتف:  ياحبيبي عشان تشتاقلي
تمتم بضجر: ياستي انا مشتاقلك من دلوقت
ضحكت بدلال:  منا عايزاك. تشتاق أكتر
_بلقيس بلاش تستفزيني، أنا أصلا بقالي كذا يوم مش عارف اشوف سعادتك.. كل اما اقولك هاجي ألاقيكي خارجة مع البنات بتتسوقوا ..ودلوقت بتقوليلي مش هشوفك لحد الحنة.. يعني بعد تلات أيام كمان.. وكده كتير! 
تمتمت بصوت مغوي:  يعني وحشتك للدرجة دي؟
_ لأ..
عبست بتذمر:  كده؟ خلاص اقفل مش هكلمك"

صمت لحظات وهي تنتظر وتشعر أنها أججت غضبه مع قوله:  طب ايه رأيك أنا جاي أشوفك دلوقت حالا ومجرد ما اوصل هتنزلي لحد عندي..! 

رفعت حاجباها بدهشة:  تيجي فين؟ الساعة 2 بعد نص الليل!! 
_ مايهمنيش.. هشوفك الليلة دي يعني هشوفك! 
_ ظ…… 
لم. تكمل وهو ينهي المكالمة ليصد أي محاولة منها ليعدل عن قراره.. فغمغمت بذهول ( معقول المجنون ده يعملها ويجي دلوقت؟!)
________

لم تأخذ تهديده بالمجيء إليها بوقت گ هذا على محمل الجد واستلقت على فراشها بتثائب استعدادا للنوم.. وبعد دقائق غطت بنوم عميق.. فصدح رنين هاتفها ليفزعها  وهي تلتقطه وتجيب بوعي غائب: 

مين؟

_ أنزلي أنا مستني تحت في الجنينة! 

همهمت ومازالت تحت سطوة النعاس:  تحت فين؟! وجنينة ايه؟
_في الجنينة بتاعتكم جمب الشجرة اللي أنا وانتي بنكون عندها دايما..! 
_  بس البوابة مقفولة والحارس نايم ازاي… 

هدر صوته مقاطعا: 
_ بلقيس كفاية أسئلة مستفزة عشان مش صعب ادخل حتى لو الحارس نايم..واتفضلي انزلي حالًا! 

أجفلها صوته الهادر وهو يصيح عليها، فاستعادت وعيها وهتفت: طب انزلك ازاي؟ لو حد شافنا في وقت زي ده شكلنا هيكون ازاي! 

نفذ صبره فقال ببرود: 
_ خلاص ماتنزليش، أنا طالعلك ومايهمنيش حد يشوفني..أنا واحد جاي يشوف مراته و …  
وتعمد أن يصمت برهة واستطرد بنبرة ماكرة: 
بس ماتلومنيش علي اللي هيحصل لو طلعت لحد عندك.. سلام

صاحت سريعا: طب أستني أستني.. خلاص أمري لله، هنزل حالا..!
…………… 
وقفت أمامه وعيناها شبه مسدلة من أثر النوم والإرهاق وغمغمت:  ماكنتش اعرف انك مجنون كده يا ..! 

دوامة خاطفة ابتلعتها بفيض عاطفته لتغرق بين ذراعيه بشوقه المغيب فور أن حصل عليها، كأنها ماسة ثمينة وجدها بعد ضياع.. غمسها بعناقه الجارف دون أن يترك لها فرصة للهروب..وليته يعلم أنها كانت مثله تتقاذفها أمواج اللهفة لتُلقيها على رمال شاطئه الملتهبة بحراره عشقه الذي صارت ملامحه أكثر وضوحًا وقوة وتملك بعد عقد قرانهما.. سقط صمودها الكاذب وهي تواجه عاصفته مستسلمة لقبلة ناعمة بثنايا عنقها مع همسة خافتة: ماكنتش اعرف انك قاسية كده! 

ابتعدت لتتلقفها موجة أشد عمقًا من حدقتاه، ونظرته المعذبة تشي بما لاقاه في بعدها الايام السابقة، فتمتمت برفق:  أنت عارف إن عمري ما اقسى عليك ابدا.. كل الحكاية عايزاك تشتاقلي قبل فرحنا. 

_ لو اشتاقتلك أكتر من كده مش هتتحملي رد فعلي! 

تهديده المطعم بنكهة حبه أرضاها وأسعدها فقالت: 
مين قالك؟! أنا اتحمل منك وعشانك كل حاجة.. بس كله في وقته حلو.. هانت وابقى معاك على طول ياحبيبي! 

تسلل بأنامله بين غابات شعرها الأسود وأرتحلت عيناه على تفاصيل جهها الفاتن يتأملها بوله هامسًا بخفوت ممزوج بعتاب حاني: اربع أيام مش عارف اشوفك وهتجنن عليكي.. وانتي مطنشاني ومتحججة بمشاويرك! 

اهتزت لعتابه فهتفت: أنا..! 

قاطعها: أيوة انتي يا قاسية، ظافر حبيبك مش وحشك؟

_وحشتني طبعا فوق ماتتصور بس اعمل ايه، في لوازم كتير كنت محتاجة اجيبها مع البنات! 
همس وأنامله تعيد هندمة خصلة شاردة خلف أذنها تحجب عيناها المضيئة: المفروض مافيش حاجة تمنعك عني مهما كانت! 

ابتسمت بحنان: بس أنا عروسة وطبيعي اكون مشغولة.. وقلت لما نبعد شوية شوقنا يتجدد، وكمان انت بردو أكيد عندك حاجات مهمة عايز تعملها سواء في شغلك او لوازم الفرح! 

_أنا معنديش حاجة أهم منك! 

نظرته الدافئة مع همسته الخطيرة لجمتها ثانيًا..فراحت تجول بحب على وجهه فواصل همساته الصادقة:  وشوقي مش محتاج يتجدد.. وبعدين صعب اتحرم من شوفتك لحد الحنة؟

ربتت بكفها فوق كفه:  طب ما انت بعدت عني اربع شهور في لبنان وكنت صابر عادي..! 

_ لأ.. دي غير دي.. في لبنان كنت بعيد غصب عني في بلد تانية، ده غير قيد خطوبتنا نفسه.. لكن دلوقت انا قريب منك.. اقدر اجيلك أي وقت من غير مايكون لقائنا حرام لأنه حق من حقوقي!  
ابتسمت مطرقة الرأس، لاعتقلها بعناق أخر واستطرد:  وبعدين ليه مخبية عني هتعملي ايه يوم الحنة! 
رفعت وجهها إليه وسكنت حدقتاها نظرة مشاكسة: زي ما انت خبيت عني فستان فرحي.. واحدة بواحدة! 

ضحك بخفوت: ما انتي اتحالفتي مع ماما وهي بنفسها خليتك تشوفيه وعجبك ذوقي، تنكري؟

_ مقدرش انكر انه عجبني.. كفاية انه ذوقك انت! 

تأملها باسما ثم لاحظ اسمرار طفيف أسفل عينيها فقال: ليه تحت عيونك تعبان كده؟
_ أصل مش بنام كويس بقالي فترة"
_ وايه السبب؟
_ يعني، بفكر في حاجات كتير.. وخايفة! 
زوى بين حاجبية مضيقا عينه:  خايفة؟ من ايه؟
اكتفت بنظرة صامتة قرأ بها الكثير، فعاد يضمها مع قوله الحاني:  لو خوفتي وانا على وش الدنيا يبقي أنا ماليش لازمة! 
اغمضت عيناها وروحها ترتشف مذاق تلك المشاعر الدافئة منه، ثم قالت:  خوفي مش منك ياظافر.. خوفي نابع من نفسي إني افشل في إني اخليك سعيد..أو ان تحصل حاجة تفسد علينا حياتنا.. حاجة مش قادرة احددها بس هي مجرد إحساس جوايا.. ثم ابتسمت مستأنفة:  أظاهر فعلا أحنا فينا طبع مش هيتغير.. بنخاف من الفرحة وبنتوقع دايما شيء سيء! 

ربت على رأسها بحنان:  مافيش حاجة هتحصل إن شاء الله، إنسي الكلام ده وارمي الأفكار دي من دماغك.. كل حاجة هتبقي كويسة متخافيش.. احنا هنكون سوا.. وانا مش هسمح لاي شيء يهدم سعادتنا او يسرق امانك واستقرارك..اتفقنا..! 

أومأت له وعيناها تضوي بحب:  اتفقنا..! 

وابتعدت مع قولها:  خليني بقى ارجع  عشان بجد محتاجة ارتاح شوية لأن بكرة اليوم طويل مع البنات! 
_ بس هشوفك؟! 
_ وحياتي عندك تسمع كلامي.. انت اهو خلاص شوفتني..اكتفي بلقائنا ده لحد يوم الحنة.. عشان خاطري! 
تنهد بقلة حيلة وقال مرغمًا:  مع اني مش شايف أي داعي لكده.. بس حاضر ..حبيبتي تؤمر وأنا انفذ..! 
ثم قبل جبينها قبلة مطولة وتمتم:  يلا ارجعي، وانا هستني هنا اما تطلعي تبصيلي من فوق!

فعلت بعد أن منحته قبلة خاطفة على خده وغابت عن بصره، فتنهد هامسا:  بحبك يا ملكة حبيبك! 
_______ 

أحمد:  هو ليه حاسس تصرفاتك مريبة كده بقالك كام يوم.. بتخرجي مع بلقيس كتير وكل اما أسألك هتعملوا ايه مش بتردي! 
_ أولا دي مشاوير عادية لأن بلقيس طلبت حاجات معينة وانا بس اللي هقدر افيدها..!
_ حاجات ايه يعني
_ احمد ياحبيبي.. خليك في حالك لأن مش هتعرف تضحك عليا، عارفة ان العريس سلطك تعرف مني كل حاجة صح؟ 
قال ببراءة:  أنا؟؟؟ على فكرة ظالماني! 
_ لأ أنا سمعتك امبارح بتكلم ظافر وبتقوله هعرف من خطيبتي كل حاجة واقولك! 
رفع حاجبيه بعدوانية:  أنتي بتتجسسي عليا ياهانم..!
ثم لوح لها بسبابته بعصبية زائفة:  اسمعي.. انا مقبلش موضوع التجسس ده يحصل تاني.. وعقابا ليكي هتقوليلي بلقيس بتعمل ايه ومخبية على صاحبي.. انطقي يلا..! 

ظلت تطالعه دون رد ثم انفجرت ضاحكة وهي تقول: روح مكتبك ياميدو ياحبيبي وهطلبلك ليمون على حسابي قبل ما امشي! 
_ تمشي على فين؟
_ مشوار مع البنات! 
_ أيوة فين يعني؟؟؟
_ مش شغلك ياقلبي
وهمت بالرحيل فسد عليها ودنى منها حتى حاصرها بينه وبين الحائط ومنحها نظرة أوجستها منه خيفة مع همسته الماكرة:  لو ماقولتيس رايحة فين.. هعمل حاجة نفسي فيها.. وقارن قوله بنظرة محذرة لشفتيها فغمغمت بخوف:  اعقل يا أحمد، أحنا لسه مش مكتوب كتابنا مايصحش! 
_ خلاص انطقي وإلا… ..

دفعته في صدره بغتة وهرولت إلى الباب لترحل.. وقبل أن تفعل التفتت تصيح محذرة:  لعلمك هتتعاقب على كده ..انسي انك تسمع صوتي أو تشوفني لحد يوم الحنة ..وابقي خلي صاحبك ينفعك يا ذكي! 
_ يعني مش هتيجي الشغل كمان؟ دي بلطحة بقى! 

استدارت صائحة (لأ) ثم لوحت بلسانها بحركة طفولية لإغاطته وغادرت سريعًا
فابتسم لما فعلت وغمغم لذاته بهيام:  بموت في شقاوتك يا أمونتي..( وواصل بتوعد) وهانت ياقطة ونبقى في بيت واحد ومحدش ينقذك مني! 
_____

عامر: ممكن افهم ياعمي حضرتك حابسنا هنا ليه كأننا مخطوفين؟
يزيد: مش دي حفلة الحنة بردو والمفروض نكون برة ولا إيه؟
عابد:  وبعدين انا عايز اخرج اشوف مهند! 
أحمد: وانا ضيف عندكم ياعمي وماينفعش تحبسوني زي الرهائن اللي في فيلم عادل امام😂

ياسين: اه والله.. المشكلة اني جعت وفاضلي تكة واهتف وقول ( الكباب الكباب يانخلي عيشتكوا هباب😂)
محمود: انا بقي مش جعان، أنا عايز اشحن تليفوني، وهنا الفيش كلها بايظة! 

ظافر: وأنا من الأخر كده وبدون لف ودوران عايز اشوف عروستي لأن المفروض دي الحنة بتاعتي ومن حقي ابقى معاها دلوقت!  

عاصم بعناد:  وبعدين معاكم صدعتوني أسئلة واعتراضات وكلام.. قلت محدش هيخرج من هنا غير بعد ساعتين، وقدامكم اهو فواكهه وعصاير اتسلوا بيها ولا ارغوا في اي حاجة..!

ظافر:  عمي بجد انا مش فاهم حاجة.. ماما وايلاف معاكم من الصبح زي مابلقيس طلبت..وخالي وعمي كل واحد جاي بعيلته في الطريق.. وانا قلت هاجي أنا وعامر واحمد على معاد الحنة.. ايه لازمة الحصار ده..؟
تنهد عاصم بقلة حيلة: ماشي أنا هريحكم ڤشان تهدوا.. بنتي طلبت مني إني اخليكم كلكم بعيد في الاستراحة ومحدش يشوفهم غير بعد ما يستعدوا للحفل.. وأنا زي ما أميرتي تطلب هعمل.. محدش فيكم هيتحرك من هنا قبل ساعتين..!

_ طب وأنا ومحمد دخلنا ايه ياعاصم تحبسنا مع الولاد! 
_ منا محبوس معاكم أهو يا أدهم..وبعدين مش فاهم مضايقين ليه.. كل حاجة حواليكم اهو.!

مال أحمد يوشوش ظافر: احمد ربنا ان الحركة دي مش اتعملت يوم الزفاف ياعريس.. كانت هتبقى القهرة الكبيرة! 

احضر عاصم لعبة "الطاولة" المعروفة وتبارز هو وشقيقيه مع أحاديث جانبية بحنين لأيام شبابهم الأولي، بينما الشباب يتهامسون بسخط للحصار الذي فرضه عليهم وحرمانهم أن يروا أنصاف قلوبهم! 

فاستسلم ظافر ومال "خده" مستندا على كفه المضمومة بقلة حيلة ويأس، وبدون ترتيب فعل باقي الشباب مثله ليشكلوا صورة حية للبؤس والضجر منتظرين الفرج من هذا الاعتقال! 
______

تتأمل ابنتها التي ازدادت فتنة بعد ارتداء ذاك الساري الهندي، وشعرها المسدل على كتفيها گ خيوط من حرير واكسسواراتها الفاخرة بفخامة جمالها الآخاذ.. تضافرت العين مع القلب بتواصل مهيب لم يلحظه أحد.. والأولى ترقيها من عين الحسود، والثاني يرتل بدقاته الدعوات والاذكار كي يحميها الله من كل من تقع عينه عليها.. ثم تجولت عيناها على بقية الفتيات بتريث تتمعن بجمالهم المميز وكل واحدة ترتدي تصميم ساري مختلف يليق بها واكسسورات ملونة براقة وكأنهن حوريات هبطت خصيصًا من الجنة يحوطون ابنتها ليصبحن لوحة شديدة الروعة تسحر الأحداق.. تنهدت وهتفت داخلها ( الله أكبر.. يارب احمي كل بناتنا من العين وكمل فرحتنا على خير)

_ ياجماعة أنا مش عارفة اعمل ايه لو أدهم شافني بالساري ده.. والله مكسوفة هيقول عليا ايه! 
عبير بمرح:  ياكريمة ما كلنا لابسين اهو زيك، لعلمك دي فكرة ممتازة وهتكون ليلة حنة ماتتنسيش.. برافو عليها بلقيس والله انها فكرت كده، وجهزت كل حاجة مع المهندسة زميلة يزيد! 
دره:  قصدك أمونة؟ بصراحة البنت دي جدعة جدا، وماسابتش بلقيس والبنات كأنها أختهم.. هي اللي اتفقت مع رسامة الحنة وجابتها وبمساعدتها دلتهم على أماكن بيع الساري وكل لوازمه، ربنا يفرحنا بيها
فدوة:  اللهم امين، عطر بنتي قالت ان فرحها بعد فرح بلقيس باسبوع.. ربنا يسعدها
دره:  ايوة ماهو عشان كده بلقيس وظافر مش هيسافروا لشهر العسل غير اما يحضروا الفرح.. أصل أحمد العريس صاحب ظافر اوي! 
كريمة: ربنا يتملهم على خير يارب.. ويفرح كل بنات وشباب المسلمين! 
…………… 

_ أول حرف من أسم عريسك ايه ياعروسة؟

أجابت بلقيس السيدة المتخصصة برسم حنة الأعراس على الطريقة الهندية:  حرف Z هو اسمه ظافر..! أكتبيه بشكل حلو وظاهر عشان يشوفه! 

ابتسمت السيدة وهي تواصل نقش الحرف بشكل احترافي مميز، وبعد الانتهاء، توجهت لإيلاف  كي تنقش لها رسمة تناسبها على كف يدها، وبعد أن اكتملت رسمتها تسائلت:  ها ياحبيبتي أكتبلك أي حرف في رسمة الحنة بتاعتك؟

تمنت لو تخبرها لكن لا مجال لكشف سرها الصغير، فقالت كذبًا: بصراحة معرفش لأني مش مخطوبة! 
_ يعني مافيش أي حرف عايزة انقشه في رسمتك؟

توترت إيلاف وعين السيدة تخترق دواخلها وتكشف  ما تخفيه بفراسة، لكنها واصلت بإنكار:  لا مافيش! 
ربتت زمزم على كتفها وقالت: ربنا يرزقك ابن حلال طيب ومحترم يا ايلي.. وساعتها كلنا هنكون معاكي بنحتفل بيكي! 
_ بجد.. يعني كلكم هتكونوا موجودين حواليا زي بيلي كده؟ اصلي حبيتكم اوي، لمتكم الحلوة دي سدت فراغ اني ماليش اخت! 
بلقيس بعتاب حاني:  كده يا ايلي؟ امال أنا ايه؟ مش اختك الكبيرة بردو؟
_ طبعا وأكتر، والله انا فرحانة أوي انك هتعيشي معانا..ومش مصدقة اصلا اننا هنرغي كل يوم سوا وهشوفك طول الوقت.. بس يارب مش تزهقي مني وتقولي عني رغاية! 
ضحكت لها:  بالعكس أنا بحب اتكلم معاكي.. ماتقلقيش، هنرغي كتير سوا لحد مانتعب من الكلام.! 

_ أكتبيلي حرف A
هكذا صاحت زمزم عندما حان دورها، ثم قالت:  وارسمي لمهند ابني كمان.. وحطي حرف Az

لاطفت السيدة الصغير وقبلت خده وهتفت:  ماشاء الله طفل يدخل القلب.. وهعمله رسمة مناسبة وتليق عليه.. وراحت تنقش على كفي الصغير رسومات كرتونية ثم وضعت بينهما الحرفين والصغير يتابعها بحماس وسعادة لإدراكه أنه حظى بما يفعلون مصدرا همهمات وإشارات لوالدته كي تنظر معه فقبلت رأسه بحب وهي تقول: جميلة يا هوندا، هتوريها لبابا عابد؟
أومأ الصغير:  آبد.. آبد! 
ضحكت جوري:  كده بردو يا هوندتي تخطف مننا الاضواء ياعسلية انت.. تعالى اديني بوسة في خدي! 
استجاب الصغير وطبع بثغره قبلة علي وجنتها، فتسابقت الاخريات. لنيل قبلة منه فمازحتهم زمزم: 
_ لا بقولكم ايه.. اللي عايزة ابني يبوسها تاخد موافقة خطيبها او جوزها.. مش عايزين مشاكل! 

صدحت ضحكاتهم حتى انتهت السيدة تمامًا من رسم الحنة فقالت زمزم:  رسمة الحنة على ايدك طلعت روعة يابلقيس ماشاء الله! 
جوري:  فعلا حنة بلقيس جميلة، وانتي كمان يازوما الرسمة اللي اختارتيها تجنن! 
_ شكرا ياحبيبتي ورسمتك انتي وعطر وأمونة احلى وأحلى، وواصلت بانبهار:  ياجماعة انا مش مصدقة اننا عاملين نفس الطقوس الهندية.. أنا مبسوطة اوي
عطر:  وانا كمان.. ماكنتش اعرف اننا هنكون حلوين في الساري كده.. وعلي فكرة لازم كلنا نتصور بشعرنا الأول قبل ما نضطر نلبس الحجاب مع الساري وقت دخول الشباب! 

بلقيس: ماتقلقيش ياعطر انا مظبطة كل حاجة.. هنشبع تصوير وناخد راحتنا على الأخر عشان كل واحدة فينا تحتفظ بذكري الاحتفال ده، واللي نفسها تعمل حاجة معينة تقول ..!
صاحت جوري بحماس: أنا عايزة ارقص الله يخليكم قبل ما عامر يدخل يخنقني ويكتفني مكاني! 
عطر:  وأنا كمان هرقص معاكي
ايلاف:  وانا هرقص معاكم وياسلام لو على موسيقي هندي عشان نكمل الأجواء بتاعة الساري! 
أمونة:  أيوة وكل واحدة تعمل صور لوحدها وهي بترقص عشان توريها لجوزها بعد كده، من حق الغلابة يتبسطوا وإلا هينقهروا لو عرفوا برقصنا من غير ما يشوفونا😂
مازحتها بلقيس: اه والله متخيلة رد الفعل ظافر لو قولتله اني رقصت هندي، أكيد هيتجنن وقتها عشان يشوفني! 
أمونة:  واحنا هنرعي جنانهم ده ونحطه في الاعتبار😂

بلقيس: ماهما بصراحة يستحقوا مكافأة.. كفاية الحبسة اللي بابا حبسها ليهم بطلب مني😂
عطر: أحسن، ماهو مكانش ينفع يحضر الطقوس دي حد فيهم عشان دي قعدة بنات. "
إيلاف:  بس انتوا نسيتوا إن في راجل معانا وشاف كل حاجة! 
انتبهوا جمعهم لها فواصلت:  معانا مهند.. راجل ده ولا مش راجل؟
ضحكت زمزم:  ده سيد الرجالة كمان بس مافيش منه خطر.. لسه صغنون😌

صاحت بلقيس عليهم بتأكيد: طب اوعوا الهيصة دي تنسيكم الرقصة اللي اتدربنا عليها واللي هترقصوها حواليا لما ظافر يدخل، عايزاكم تظبطوني يابنات عشان الراجل ينبهر بيا..! 

جوري وهي تنهض: ماتقلقيش هتكوني ملكة النحل انهاردة.. بس يلا قوموا خلينا نرقص براحتنا قبل كل واحده جوزها يدخل وتتكتم كاتمة الفرخة المحشية في حلة الشوربة😂

جلجلت ضحكات الفتايات وبدؤا وصلة راقصة تلوت فيها أجسادهم بمهارة ورقة ليزدادوا للناظرين فتنة وإغواء والتفت الأمهات حولهم يصفقون وأعيونهم تلمع بسعادة وأجسادهم تتمايل بتلقائية مثلهم مع النغمات ورقص جميلات العائلة يملأ نفوسهم بهجة! 

وانتهت وصلة رقصهم وتحققت رغبة كلًا منهما بتسجيل لحظات خاصة بها ليراها زوجها بمقاطع فيديو فيما بعد! 

ولم يبقي الآن سوى حضور ظافر ورفاقه.. لتكتحل أحداقهم بجمال وفتنة من يعشقون حين يبصروهم! 
_________

أنفك الحصار الذي فرضه العم عاصم منذ ساعتين وسمح أخيرا للشباب أن يقودون ظافر حيث توجد بلقيس والفتايات.. فسار بينهم وعيونه تسبق خطواته وهو يفتش عنها حتى داخل الفيلا واقترب لتلك المساحة الواسعة التي أختفى من زواياها قطع الأثاث  لتصبح مثل قاعة أفراح كبيرة تساع الاحتفال.. ثم وجد ستارًا تتدلى جوانبه مثل خيمة من الشيفون الأحمر يلتقط أطرافها السفلى أمهات الفتايات (دره وكريمة وفدوة وعبير وهدى) متأهبين لرفع الستار والكشف عن مفاجأة..ولأنها المرة الأولى التي يظهروا أمام أزواجهم برداء الساري.. تبادل عاصم النظرات المنبهرة مع أشقائه بمظهرهم الخلاب الذي ضخ في نفوسهم حيوية الشباب تجاه زوجاتهم! بينما ظل الشباب يحدقون وأعينهم تكاد تخترق الستار الأحمر متلهفين لرؤية ما يخفى أسفله.. ولم يطول انتظارهم.. والموسيقى تصدح بغتة وينقشع الستار تدريجيا لتظهر أمامهم لوحة من الفتنة والجمال.. وكأنهن فراشات ملونة وكلا منهما ترقص بحركات متساوية ومدروسة حول بلقيس التي ظلت تخفي وجهها بين خصلات شعرها، ثم رفعته لتتجلى عليهم گ النجمة المضيئة فبصرها وعيناه مآخوذة بطلتها الساحرة وراحت ترقص بين الفتايات كأنها حقًا ملكة وسط رعاياها..فتعالت دقات قلوب الرجال انبهارًا..شعر كلًا منهم انه هو عريس الليلة.. وعروسه تحتفل به وحده.. زمزم التي منحتة عابد أعذب ابتسامتها، وعطر التي أرسلت نظرة مفعمة بالحب ليزيد الذي بادلها إياها إعجابًا ولهفة، أما جوري فغمزت بإحدى عيناها بمشاكسة لعامر فازداد جنونه وأراد أن يعانقها الآن.. 
أما أحمد فكان أنبهاره بالساري الذي تألقت به أمونة، لأنه طابق ما رآه يوما وأخبرها انه يتمنى ترتديه له.. حققت أمنيته بعد أن عاقبته بعدم رؤيتها الايام الماضية..

وبقى عاشق لوني عيناها يتابع رقصتها الخجول بين الفتايات ولم يعد يرى سواها.. إيلافه ونعمته التي لن يصبر على امتلاكها بعد الآن.. لن يخفي رغبته فيها.. سيحدث والديه اللية بأمر خطبتها.. وتنهد وداخله يطلب الصبر.. بل الكثير منه ليتحمل هذا الشوق واللهفة والاعجاب بطلة إيلاف المهلكة بذاك الساري! 

أما ياسين لا يعرف لما تخيل بمرآة خياله تلك الفضية الرقيقة بسمة.. تمنى لو آتت وانضمت لباقة الجميلات ورآها بساري مثلهن..لكنها رفضت الحضور حين دعاها.. ولا يلومها.. هي لا ترى لها صفة للحضور.. فظل شيئًا في نفسه حزن لرفضها وتمنى أن تأتي.. لكن مازالت الأمور داخله مبهمة.. هو انجذاب لكن لم ينضج بعد.. يحتاح وقتًا ليتبين حقيقة مايشعر..! 
…………… .

انتهت رقصة الفتايات وتفرقن لتنضم كلًا منهن لزوجها متلهفين لسماع كلمات الإطراء بعد ما فعلن لأجلهم.. رغم أن حفل الحنة يخص ظافر وعروسه، لكن الجميع نال نصيبا عادلا من السعادة! 
………… ..

ضمها إليه بعد أن أختلى بها بشق الأنفس وهمس بصوت وشى بشوقه :  ماينفعش تبقى دخلتنا الليلة واخدك معايا..! 
ابتسمت مطرقة رأسها بخجل شديد ونظراته تكاد تذيبها گ الشمعة وذراعه تشتد على خصرها بتملك وكاد يعتصرها دون شعور منه، فخافت حين تخلت لمسته عن الرقة، وشعر بخوفها فارتخت ذراعه هامسا:  أسف.. بس مش عدل تبقي جميلة كده وانا ما اعبرش عن شوقي! 

عاد إليها هدوئها وهتفت:  يعني عجبك الاحتفال ياحبيبي؟ هو ده اللي شغلني عنك الايام اللي فاتت.. يستاهل بقى ولا لأ؟؟؟

قبل وجنتها برقة:  بصراحة يستاهل.. ابهرتيني وجننتيني..!

برقت شمسيها فرحا واستعرضت رسمة ذراعها بطفولة:  طب شوفت كمان رسمت على ايدي ايه؟ انا اللي اختارت الرسمة دي.. حلوة؟ 

تناول ذراعها ولثمه حتى وصل لباطن كفها وطبع قبلة اخيرة وقال:  تهبلي والله.. كل تفاصيلك انهاردة تجنن يا اميرتي! 
ابتسمت برضا وتسائلت:  طيب مش شايف حاجة كدة في الرسمة بتاعتي؟؟؟
عقد حاجبيه وعاد يتأمل ذراعها:  حاجة زي ايه.. مش واخد بالي! 
رمقته بحباط مدلل:  كده يا ظاظا.. انت طلعت مش قوي الملاحظة على فكرة! 
ضحك لعبوسها الشهي وقال:  معلش والله ما واخد بالي.. اديني اي اشارة طيب! 
_ ماسي هسهلها عشان خاطرك..حرف اسمك موجود في الرسمة.. دور عليه بقى وقول هو فين؟

أمسك ذراعها وتمعن به حتى وجد حرفه يتوسط إحدى الازهار الصغيرة فابتسم وقال:  لقيته، منور ومنقوش على ايدك! 
_ مش بس الحرف اللي على ايدي.. أسمك كله منقوش في قلبي ياظافر..! 

اشتعلت بحدقتاه بجذوة عاطفته حتى خاف أن تفلت منه ويخيفها منه، فاكتفي بتقبيل جبينها قبلة مطولة حانية، ثم أسند جبهته على قمة رأسها هامسا:  بحبك يابلقيس! 
_______

بعد دقائق انضم ظافر وبلقيس للجميع فأقبلت عليه أيلاف تصيح:  آبيه أنت كنت فين؟ 
ثم دارات حول نفسها تتدلل أمام أخيها هاتفة:  ليه مش قلت رأيك في الساري بتاعي.. شوفت جميل ازاي! 
ضحك وعاتقها بحنان وقال: فراشة تخطف القلب يا ايلي..تعالي نتصور سوا.. ثم مد هاتفه لبلقيس لتلتقط لهما صورا بمفردهما، ولم يدري أحدا عن ذاك المتلصص الذي أهتز قلبه وهو يرى حبيبته تدور حول نفسها تستعرض جمال ساريها لشقيقها.. وصار يتخيل أنه هو من يتلقفها بين ذراعيه ويضمها اليه، فهز رأسه بعنف وغمغم لذاته(  لا يامحمود انت كده هتتجنن.. الليلة لازم تاخد خطوة تقربك منها.. ماينفعش تكتفي انك تتفرج عليها من بعيد..أنت اللي لازم تكون معاها)

وابتعد عازما على هذا الأمر، بينما ابتعدت إيلاف تاركة المجال لشقيقها مع عروسه، وراحت تتحسس  رسمة باطن كفها بشرود هائم وذاك الحرف المنقوش خلسة قابع بين أزهارها متذكرة السيدة حين حدثتها في الخفاء أنها يمكن أن تنقش لها ماتريد دون أن يلاحظ أحد.. ولم تعي للسانها وهي تخبرها بحرفه هو " محمود" .. الذي أصبح يحتل أحلامها ويجذب اهتمامها بشكل غريب.. رغم انها لا تحدثه قط، لا تواصل بينهما سوى نظراته الدافئة المعجبة التي يخصها به كلما رآها في تجمع عائلي..لم يحاول مضايقتها لكن لا يكف عن رسال الكثير بعيناه التي تتابعها اينما وجدت.. هي تدرك هذا وتحاول تجاهله، لكن قلبها يهتم ويطلب المزيد..! 
____

ما أن حمل الصغير حتى بدا يلوح له وكأنه يخبره سرًا، فضحكت زمزم التي تدري ما يفعله صغيرها وقالت:  مهند عايز يوريك رسمة ايده يا عابد! 
ابتسم الأخير بحنان وحب حقيقي وقبل كفه وقال: الله يا هوندا.. عجبتني اوي وهجيبلك حاجة حلوة عشان انت شطور وماتعبتش ماما..! 
_ طب مش ملاحظ حاجة في ايد مهند ياعابد؟
تمعن بيده حتى تمتم بإعجاب:  ده حروف أسامينا جوة الورد! 
أضاء وجهها وهي تهتف:  أيوة ماهو كل واحدة كتبت أول حرف من أسم حبيبها في الرسمة! 
دنى قليلا وهمس بأذنيها: وانتي حبيبتي واسمك جوه قلبي! 
أطرقت بخجل لاقترابه ووقلبها ياكاد يقفز بسعادة، فقاطعهما محمود وهو يتناول مهند: حبيب خالوا اللي وحشني، ثم نظر لكفه بمحبة:  الله يا مهند أنت كمان رسمت علي ايدك، وريني كده؟
عابد:  أيوة اشمعنى هو يعني..وكمان حرفي أسمي أنا وزمزم على ايده! 
فمدت الأخيرة كفها لأخيها:  وانا كمان ياحودة ابه رأيك؟
_ تحفة با زوما، ثم زار عقله خاطر ما فتسائل: 
زوما، هو كل البنات حطت حرف خطيبها او جوزها مع رسمة الحنة؟
أومأت بتأكيد:  أه طبعا.. كلنا

برقت عيناه بغموض وتركهم ليبحث هو الأخر عن حرف، ربما كان محظوظًا عنه وسكن كفيها..! 
_______

.غطت إحدى القنوات المهتمة حفل الحنة للشيف المشهور ملتقطة له هو وبلقيس صور متعددة والانبهار ينضح من أحداقهم لجمالها الأسطوري..كما فعلوا بث مباشر من قلب الأحتفال للقطات خاطفة للعروسين وبقية العائلة التي تألق كل أفرادها دون استثناء وكأنه عُرس جماعي!.. ليتصدر عنوان الأخبار في اليوم التالي: 

( حفل حنة الشيف المعروف ظافر الشباسي وعروسه ذات الجمال الاسطوري سليلة أرقي عائلات المنصورة بلد الجميلات) توالت الأخبار والصور، وبات الجميع يحسد ذاك الشاب أنه حظى بتلك الجميلة التي خطفت ملامحها وطلتها الانظار..! 
__________

" إيلاف! "

علمت صوته وارتبكت قليلا، لكن تماسكت سريعا وهي تستدير مجيبة:  نعم! 
اقترب والصغير مستكين بين ذراعيه وتمتم: ازيك عاملة ايه؟
_ الحمد لله
_ عقبالك ان شاء الله
همست بخجل طفيف: بإذن الله، وعقبالك انت كمان! 
_ قريب اوي إن شاء الله! 

رفعت وجهها إليه بتلقائية مرددة:  قريب؟
ابتسم وحدقتاه تلمع إعجابا وهو يطالعها بهذا القرب، وقال:  أيوة منا نويت أخطب! 
ثم قرر التلاعب بها ليتأكد من شيء: في بنت كنت اعرفها في أوكرانيا.. هتنزل مصر قريب واتفقت اتقدملها لما تنزل! 

صدمة حقيقية سيطرت على ملامحها وخيبة أمل أصابت قلبها وهي تظن أن كل ماشعرت به وفهمته من نظراته كان كذبًا..وبقدر ما سب نفسه بضميره حين بصر حزنها بقدر نا رقص قلبه فرحًا..حزنها لا يعني سوي شيء واحد.. إيلاف تحبه مثلما يعشقها

_ ربنا يوفقك، عن أذنك اروح اشوف ماما

كادت أن تتحرك لولا أن اعترض طريقها بجسده هامسا ونظرته بدت مختلفة.. نظرة عاشق أيقن انه يسكن قلب من يحب.. شعور أكسبه قوة وجرآة وهو يهتف:  إيلاف أنا كدبت عليكي! 
رمقته بدهشة:  كدبت؟ ازاي مش فاهمة؟!

منحتها عيناه نظرة أرجفت قلبها وهو يقول:  البنت اللي بحبها وهتقدملها مش في أوكرانيا.. لأ.. دي موجودة هنا.. واقفة قدامي دلوقت بأجمل طلة.. والساري بتاعها خطف عيوني زي ما صاحبته خطفت قلبي..البنت اللي بحبها عيونها عالم سحبني جواه من أول مرة شوفتها، عيونها اللي  مستخبية ورى لون تاني مش بتاعها..!

تنظر له ببلاهة ودهشة فعاد يهمس بثقة وهو ينظر لكفها:  البنت اللي رسمت حرف اسمي الأول في رسمة حنتها..! 

اتسعت عيناها بذهول وهي تنقل بصرها بينه وبين كفها الذي كُتب فيه حرفه بالفعل، فابتسم لتشتتها الشهي ونظراتها تكشفها أمامه أكثر وقال: تنكري ان حرف ال M  مرسوم علي ايدك؟

استعادت تنمرها وهتفت بإنكار:  ليه إن شاء الله هكتب الحرف ده؟ أنا ماكتبتش اي حروف على ايدي، ولو سمحت ابعد من قدامي خليني امشي! 

أوقفها ثانيًا: إيلاف.. ارجوكي استني، أنا لازم اسمع ردك على اللي قولته! 
_ اللي هو ايه؟ حبيبتك بتاعة أوكرانيا؟؟؟
كتم ضحكته وفرحته وهو يشم بصوتها رائحة الغيرة وقال ملاطفًا: كنت بهزر والله، ثم اكتسب صوته جدية ودفء: إيلاف.. أنا مشاعري واضحة ناحيتك وانتي فاهماني..وخلاص نويت اروح اخطبك من أخوكي، بس حبيت اعرف رأيك الأول قبلها.. عشان خاطري ماتبخليش بيه عليا..!
وواصل بعد صمت قصير:  لو خطبتك هتوافقي عليا؟
صمت مابين خجل وحنق لكذبته، وتحكمت بها غيرتها وهتفت:  مش قبل ما تجاوبني الأول.. أنت فعلا بتحب بنات في أوكرانيا؟
أجاب سريعا:  أقسم بالله عمري ما حبيت حد هناك، أنا كنت بهزر معاكي بس! 
صاحت بغيظ:  هزار تقيل وبايخ! 
نظرتها العدوانية تجاهه جعلته يبتسم ويهمس دون ترتيب:  بحبك يا أيلاف! 

وكأنها تلقت صاعقة ورد فعلها الوحيد أتاه وي ترفع ذيل فستانها راكضة أمامه تهرب من هذا السيل الجارف الذي جرفها مع اعترافه.. ابتعدت عنه.. لكن ظل قلبها هناك يرقص حوله ويصرخ بقبولها لطلبه! 
_______

هل نفذ قاموسه من الكلمات؟
كيف يصوغ فرحته وهو يحتضن براحته كف صغيرته التي ما عادت صغيرة، ملكة أبيها كما لقبها منذ ولادتها، ملكته التي صارت لغيره..ستخلو صباحاته من محياها الصبوح.. لن يستطع ضمها كلما اشتاق عناقها.. لن تعطيه الدواء بأناملها وتقبله بعدها گ جرعة حنان تأثيرها يهون عقاره المر.. لن تشاركه السهر وهما يتابعان بشغف فيلما ويشاكسان دره حين يلقون قشور اللب أرضًا..لن تجري عليه ترحيبًا به گ الطفلة حين يأتي إليها..بلقيس حبيبة القلب وفرحته الكبرى أصبحت عروس جميلة ترتدي فستان زفافها الذهبي ليُشكل مزيجًا خرافيًا مع لون عيناها.. تتهادى بين أطواق ورود أرجوانية ساحرة، ويزحف زيل فستانها فوق سجادة تحمل ذات اللون الأرجواني المبهج.. يغمرها ضياء القاعة گأنها نجمة هبطت من السماء تشق طريقها بينهم..طلتها خطفت قلوب الجميع.. فالتهبت الكفوف تصفيقًا لاستقبالها مع أبيها.. وهاهو فارسها وزوجها يمد يده لينال حقه أخيرًا..أتت عروسه الحسناء.. لتعلو معها دقات قلبه وتلتمع نظرات إعجابه ويتأجج حبه ورغبته أن ينفرد بها الآن..!

أما عاصم فمازالت الكلمات شحيحة بحلقه، لتتولى التعبير عنه دموع ذرفتها عينه أمام الاشهاد ربما للمرة الأولى..لكنه لم يبالي بأحد.. لم يخجل.. فمن يدرك شعوره الآن.. ولأنها كانت تشاطره نفس الخواطر والذكرايات وتهاب اشتياقها له حين تبتعد، تلآلآ بمقلتيها سحاب العبرات وتفاصيل طفولتها تمر بخيالها مع كل خطوة وهي تسير جواره، كل ضحكة.. كل عناق..كل قبلة دافئة نالتها من أبيها..كل مرة توجتها نظرته بفخر وأخبرتها أنها حقًا ملكة تخصه! 

قبل خطوات قليلة من زوجها أرتمت بلقيس بين ذراعي والدها تبكي وعناقها يشتد حول عنقه قوة متشبثة به كأنها تطمئنه أنها مازالت معه وتنتمي له..ولن يأخذها منه أحد.. لما لا تعود معه إلى البيت.. لما يأخذها ظافر من أبيها وحبيبها الأول.. لن تذهب.. ستتمسك بكف أبيها كما تفعل دائما ولن تتركه..! 

طال عناقهما حتى انتقلت مشاعرهما الجارفة لتلتمع أعين الحضور بالعبرات تأثرًا بهما، بكى معظمهم وخاصتًا النساء.. وتحديدا " دره"  تلك التي لم تستطع الوقوف على قدميها من فرط ضعفها في ذاك الموقف.. إن اقتربت من ابنتها وعانقتها لن تتركها لأحد..جلست بإحدي الزوايا تبكي بصمت ونفس التفاصيل مع صغيرتها تدور برأسها، فربتت كريمة على كتفها، وحاوطتها فدوة وعبير وهدى والدة ظافر التي قالت: ياحبيبتي بتعيطي ليه بس.. والله بنتك هتكون في عيوني أنا وابني..أوعدك محدش يزعلها واني هكون معاها زيك وأكتر..ربنا يعلم بحبها قد ايه! 

بكت رغما عنها مع جملتها الأخيرة، فقالت عبير وعيونها مغرورقة هي الأخرى:  ايه ياجماعة هنقلبها حزن ولا ايه.. لا بلاش النكد المصري ده، ويلا قوموا معايا نرقص مع البنت ونفرفشها بدال ما هي عمالة تعيط هي وباباها كده وقطعوا قلوبنا والمعازيم كلهم بيعيطوا والفرح بقى شكله مسخرة والله لما هنتفرج عليه بعد كده"..انا هروح أغير الجو الكئيب ده خالص.. هنفرح ونهيص وبعدين نبقي نعيط براحتنا..! 

وبالفعل ذهبت لتطلب من قائد فرقة القاعة أن يختار أغنية مناسبة لتغير الأجواء.. ثم جذبت النساء على رأسهم دره التي جففت دموعها واستجابت لدعوة عبير وحاوطت ابنتها بعناق حاني وجففت لها دموعها بحرص كي لا تفسد زينتها.. وراحت تراقصها وبلقيس مازالت متأثرة بمشاعرها، أما ظافر الذي ظل تاركا لهما المجال، وراح يعانق أبيها بعد أن لمس شعوره وتفهمه وقال له:  أنا عارف ياعمي انك زعلان ان بلقيس هتبعد عنك.. بس اوعي تفتكر انها هتكون بعيد ولا دورك انتهي.. بالعكس انت دورك بقي مضاعف لأن مبقاش عندك بنت واحدة.. لأ.. انا كمان طمعان أكون ابنك..اللي يوم ما احتاح نصيحة مش هاخدها غير منك انت.. ووعد مش هخلفه طول ما انا عايش ان بلقيس معايا هتكون في امان.. عمري ما هجرحها ولا ازعلها ابدا.. مهما حصل هحتويها.. مش هخلي حاجة تنقصها..ثم مازحه ليخفف عنه: بس كمان مش هنخليك ترتاح مننا.. امال مين هيربي عيالنا غيرك انت ومامتها وامي.. عشان كده هحاول الإنتاح يبقي تؤام عشان ارضي كل الأطراف! 

ضحك عاصم من بين بقايا بكائه واحتضنه بقوة وقال:  ربنا يعلم ياظافر اني بحبك زي ابني.. ومتأكد انك هتحافظ على بنتي..بس فراقها فعلا صعب وواجعني لكن أكيد هتعود.. ماهي سنة الحياة وكان لازم في يوم هايجي شاب جميل زيك وياخدها مني.. لكن عزائي زي ماقولت انك هتحافظ عليها..!

فوجيء عاصم بجسده يترنح ويرتفع للأعلى فوق أكتاف عابد ويزيد اللدان مازحانه ببعض العبارات.. ليباغت ظافر هو الأخر بتأرجح جسده مرتفعًا على أكتاف أحمد وعامر وهما يرقصان به أمام عاصم بفرحة غمرت الجميع.. واختلطت ثانيا الدموع مع الفرحة مع التصفيق والتصفير والتهليل ودعوات القلب تهمس بين الضلوع بحفظ تلك العائلة وتمام الفرحة عليهم! 

ولم يختلف حال بلقيس التي أحاطتها فتايات ونساء العائلتين يراقصونها مصفقين بتمايل حماسي لأجسادهم مع صدوح الزغاريد من بين شفاههن والفرحة تغزوهم.. لتندمج العروس بحفل زفافها ومراسمه المتتابعة وفقراته التي لم تخلو من رقصة هادئة وأنامل ظافر تحتضن خصرها بينما تبسط هي كفها على صدره لتلامس قلبه وبالأخرى تحوط عنقه ويغمرها عطره فتغمض عيناها دون شعور، كأن عبقه بوابتها الخفية لعالم أخر لا يصم سواهما، فظلا يتهامسان وملائكة العشق تُشرع أجنحتها حولهما فكادا يطيران محلقين بعيدًا عن الجميع حتى انتهى الحفل وتوجها لجناحهما الخاص!  
_________

داخل جناح فاخر ينتمي لذات الفندق الذي تم في إحدى قاعته حفل الزفاف ، اصطحب ظافر عروسه وحملها بين ذراعيه وهو عبر بها للجناح، وهي تحوط عنقه بخجل ورهبة بدت تتكلمها .. رهبة تستشعرها للمرة الأولى وهي معه..في كل مرة قضت لحظاتها معه كانت تعلم أنها ستعود بالاخير لأبيها ووالدتها وغرفتها وفراشها وكل ما اعتادته.. أما الآن أختلف الأمر داخلها وتضارب.. بقدر لهفتها أن تبقي معه.. بقدر الخوف الذي اعتراها حين بدأت لمسات تزداد تملك وجرآة نبعت من لهفته وصبره الذي نفذ.. هو يعشقها.. وهي تعلم.. لكن تظل گ كل أنثى تهاب هذا الأمر وتتصوره بابشع صوره.. كلمة من هنا ومن هناك لبتشكل في عقلها الباطن معتقد أنها مقدمة على مآساة..!

استنبض ارتجافها الشديد بين ذراعيه فهدأ من لهفته مراعيًا شعورها..وتوقف تمامًا وهو يمنحها فقط لمسات ناعمه.. وضوى خاطر داخله بأن ليتها تعلم أنه مثلها يخاف مع اختلاف الاسباب، يخاف قربه الذي لن تتحكم به حدود او محاذير.. قربه المطلق الذي سيعطيه الحق بكل شيء بها.. ورغباته التي كان يحجمها داخله وماعاد شيء يكبلها بعد الآن.. أصبحت له وحده.. مباحة كلما اشتهت نفسه لوصالها..لكن لا يجب أن يكون أناني وهمجي وهي عذراء ترتجف گ العصفور بين يديه.. لن يكون حبيبها إن جعلها تخاف تلك الليلة بالذات..حتي لو تعذب وقاوم رغبته القاتلة فيها.. لأجلها فقط سيتحمل! 

_ تعرفي انا جبتلك ايه عشان اول لحظة لينا سوا؟
همست بخفوت:  جبت ايه؟
احضر من دولاب ملابسها الصغير شيئا وبسطه أمامها فهتفت بإعجاب:  الله ياظافر.. ده اسدال يجنن ياحبيبي.. ربنا يخليك ليا..! 
غمغم بصوت حاني:  أنا شوفته من يومين واشتريته عشان تلبسيه في اول صلاة لينا سوا.. انتي عمرك سمعتي صوتي في القرآن؟

هتفت وقد بدا ذهنها يتشتت عن خوفها قليلا: لا..! 

_ دلوقت هتسمعيه وانا بصلي بيكي.. انا هخرج اغير هدومي برة، وانتي خدي راحتك هنا وابقي ناديني، ولو احتاجتي مساعدتي في حاجة! 

أومأت له وهي ترمقه بامتنان لمنحها تلك الفرصة.. هي تحتاج ان تلقط انفاسها بمفردها.. تريد استعاب وضعها الجديد معه.. بصعوبة شديدة نزعت عنها ثوب زفافها ودخلت المرحاض لتتهيأ للصلاة ثم شرعت بارتداا اسدالها وهي شاردة تحاكي ضميرها سرًا :

(( ليه خايفة منه كده يابلقيس.. مش ده ظافر حبيبك اللي اتمنيتي تكوني معاه طول العمر؟ معقولة خايفة من اللي عمرك ماحسيتي بالامان غير في وجوده.. ازاي يكون حصنك الأمن وتخافي منه.. حصنك اللي طول غيابه كنتي مستنياه وروحك بتدور عليه.. عايزة تفسدي عليه ليلة العمر اللي بيتمناها حبيبك؟ هتقدري تتعسيه فأول ليلة ليكم سوا؟ نسيتي نصايح مامتك ليكي انك متخافيش وان ظافر عمره ما هيأذيكي؟ نسيتي قد ايه بيحبك ومن حقه يحس بحبك انتي كمان؟ فوقي يابلقيس اوعي خوفك يسحبك وترجعي زي ما كنتي قبله ويضيع فرحتم وفرحته.. ظافر جوزك وحبيبك وحلالك.. ظافر مش هو اللي تخافي منه أو تعملي بينك وبينه مسافة.. لازم تقربي وتشجعيه مش تخوفيه عليكي))

_ خلصتي يا حبيبتي؟ 

قاطع حديث ضميرها الصامت صوته يناديها.. فهتفت وقد اختلفت مشاعرها وازدادت رغبتها بمنحه ما يستحق وصاحت برقة: خلصت ياحبيبي اتفضل! 

استدارت تستقبله بابتسامة صافية، فبرقت عيناه إعجابا وهو يطالع جمالها الآخاذ بذاك الإسدال رغم زوال أصباغ زينتها.. ويقسم ان جمالها الطبيعي يفوق كثيرا ما تنحته بأدوات التجميل، بوقت مناسب حتما سيخبرها بذالك! 
……………… 

عذوبة صوته وهو يرتل على مسامعها القرآن أبكتها فرحًا وشعرت بالسكينة وأنها في جنة حقيقية. زوجها وحبيبها يصلي بها أول صلاة.. عندما سجدت طالت السجدة وهي تبكي وتدعوا الله أن يوفقها لإسعاده وان يقلل خجلها ورهبتها منه.. لا تريد تعاسته.. تريد منحه حقه كما يليق به وبعشقها له.. وكان مثلها يدعوا الله ألا يفعل شيئا رغما عنه يخيفها منه.. وأن يتحكم بلهفته ويرزقه الصبر والتروي معها.. وان تكون ليلتهما مباركة وذكرى تجلب سعادتهما كلما مرت بذاكرتهما فيما بعد..! 

قام بالتسليم في أخر صلاته وايةستدار لها مبتسما فظلت ناكسة رأسها بخجل فطري لكن اقل رهبة منه
فقال ليقلل رهبتها بحديث عادي: تعرفي اننا كنا هنسافر بكرة لشهر العسل بس لما احمد حدد فرحه قلت نحضره الأول وبعدها علي طول هنسافر! 
همست:  مافيش مشكلة، أنا كمان حابة احصر فرح أمونة، وواصلت: بس هنسافر فين؟
مازحها: مش هقولك دي مفاجأة
رفعت وجهها اليه وعبست بدلال:  حتى دي هتخبيها عني زي الفستان
ضحك وهو ينهض ويجذبها معه:  أيوة أنا كده ديكتاتوري وظالم! 
_ خلاص مخصماك يا ديكتاتوري! 

اقترب وحاوط خصرها برفق مع همسه:  ويهون عليكي تخاصمي حبيبك! 

لم تنفر گ السابق وهي تستجيب برجفة محببة استسعرتها أنامله، فواصل همساته  ويده تزيح إسدالها برفق:  ممكن اعرف حبيبتي كانت بتعيط ليه بعد ما خلصنا صلاة! 

نظرت له بدفء شديد نفذ لقلبه: كنت بدعي ربنا اقدر اسعدك وافرحك واننا مانفترقش ابدا.. وان خوفي مايفسدش لحظاتنا الحلوة اللي اتمنيناها.. دعيت أكون زوجة صالحة ليك وانك تفضل تحبني طول العمر..! 

أمال رأسها علي صدره وقال بعد أن لثم جانبها:  وانا دعيت ربنا يقدرني احافظ عليكي واكون دايما مصدر امانك مش خوفك! 

ثم جعلها تطالعه مواصلا:  أوعي يابلقيس تخافي معايا ابدا..لأن مستحيل أأذيكي حتى لو بدافع الحب واللهفة.. أنا اقدر اتحمل شوقي ليكي بس مقدرش اتحمل نظرة خوف ورهبة منك.. فهماني حبيبتي! 

أومأت له:  فاهمة.. ومتخافش انا يمكن من شوية كنت خايفة فعلا زيادة عن اللزوم! 
تحسس بشرتها بإغواء ناعم: طب ودلوقت مش خايفة؟

ابتعدت عنه بمشاغبة: لأ.. لكن قصادك تحدي يا شيف عشان تقدر توصل لأميرتك! 

رفع حاجبيه متعجبًا لتبدل حالها من خجل لشقاوة محببة، وتسائل: تحدي ايه؟ اوعي تطلبي اعملك وصفة من وصفات المسابقة زي ما قولتي قبل كده.. والله اسيبك اورح ابات عند أمي!

ضحكت بشدة حتى أغمضت عينيها وعادت تقول: 
موضوع ابات عند أمي ده بدري عليه شوية.. استني اما انكد عليك زي اي زوجة اصيلة عشان يكون في مبرر.. ثم اقتربت مته وتجرآت لتعانقه بمبادرة أولى هاتفة بصوت مهلك لرجل يذوب اشتياقًا مثله: 

_ التحدي ياحبيبي هو انك تخرج برة الأودة خالص، وانا هستخبي منك.. وهيكون معاك 5 دقايق فقط انك تلاقيني! 
_ولو معرفتش ألاقيكي! 

دفعته عنها برفق مبتعدة مع قولها: 
ساعتها هتبات لوحدك برة يا ظاظا..وانا هتمتع بالسرير ده كله لوحدي😂! 

_ شكلنا هنبتدي الشقاوة بدري يا "بيلي"

قالها وعيناه تضوي بفرحة وداخله يشكر ربه أنها وصلت معه لتلك الارياحية والملاطفة والمزاح.. شتان بين حالتها بأول دخولهما الجناح والآن.. تمتم وهو يعلم كيف سيظفر بليلته مع زوجته الحسناء:  طيب واذا انتي اللي كشفتي عن مكانك من نفسك، ساعتها اكون أنا كسبت. اتفقنا..! 

صمتت تقيم شرطه بحركات وجهها المضحك ولم تجد في الأمر ما يضر ثقةً انها حتما لن تكشف مكان اختبائها له، فقالت:  اتفقنا.. يلا بقى اخرج وماتدخلش غير اما أنادي عليك! 
…………… .

لم يكن الهدف من لعبتها سوى الحصول على فرصة اخري لترتدي له قميص أكثر تحررًا يناسب ذكرى ليلتهما الأولى بعد أن هدأ خجلها.. وبعد تمام استعدادها له، اختبئت في مكان ما، وصاحت تدعوه للدخول! 

عبر للغرفة ومشطت عيناه كل الزوايا فلم يجد عروسه.. أين ذهبت تلك الجنية.. بحث في كل مكان والدقائق الخمس شارفت علي الأنتهاء.. ولم يجد سوى تلك الحيلة ليكسب التحدي! 

_ انتي فين. ياحبيبتي معقول هخسر وانام بره؟ 
ثم على صوته متعمدا:  يا ليليان فينك.. قصدي يابلقيس انتي فين! 

وكأنها عاصفة هبت من خلف الستائر وهي تصيح بغضب وثورة حقيقية:   ليليان؟؟؟؟ مين دي ان شاء الله يا استاذ يامحترم اللي بتغلط في أسمي عشانها؟ دي أخرتها ياظافر؟ بتخونني بخيالك ليلة دخلتنا.. دي كانت معاك في لبنان صح؟ أنا كنت عارفة إنك مش هترجعلي من هناك سليم! 

حاول أن يكتم ضحكته طيلة نواحها اللذيذ لكن لم يستطع المقاومة أكثر وهو ينفجر ضحكا هاتفا من بين ضحكاته:  حلوة بتخونني بخيالك دي! 

ظلت ترمقه بنظرة مشتعلة خلت من كل أثر للمزاح، وتوجهت لتغادر الغرفة معلنة معاقبته، فالتقطها بذراعه وحاوطها بقوة محاولا إصلاح الموقف:  والله كنت بهزر عشان تظهري قبل ما اخسر..!

ظلت على عبوسها فقال بحنان أكبر:  والله ياحبيبتي بهزر.. طب انتي عارفة ليليان دي تبقي مين؟

أشاحت بوجهها بعيدًا عنه بذات العبوس فتصفح صور هاتفه سريعا ثم وضعه نصب اعينها:  اهي دي ليليان اللي فعلا بحبها اوي.. وجدا كمان! 

نظرت بدهشة حقيقية لتلك الطفلة الجميلة ولمعت عيناها بحنان:  ماشاء الله.. دي ليليان؟

ابعد الهاتف وضمها له وهو يداعب خصلات شعرها:  امال فاكرة ايه.. دي بنت شيف من أصحابي في المسابقة.. كان مقيم أصلا في لبنان ومعاه اسرته.. وكنت بشوف بنته كتير واتعلقت بيها فعلا واحتفظت بصوري معاها..! 
عاتبته بدلال:  بردو زعلانة منك..!
رفرفت شفتيه علي وجهها هامسا:  منا هصالحك! 

ولم تبتعد تلك المرة بل ازدادت منه قربًا وأنامله  يستكشف عالم أنوثتها للمرة الأولي..مستسلمة لموجة عشقه الحميمية الناعمة الهادئة لتفيض عليها بسخاء والتحامهما يزداد وتذوب بينهما الفواصل
وتتوحد الرغبة والشغف
لتظهر اخيرًا تلك نقطة الفاصلة بين عالمين! 

أصبحت بلقيس زوجته! 
قولًا أقترن بالفعل! 
وتكلل ببصمته الأولى والوحيدة!
لمتابعة البارت 43 اضغط هنا 

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

تعليق واحد
إرسال تعليق

إرسال تعليق