القائمة الرئيسية

الصفحات

ختام الختام لرواية العميل ١٠١ ..

بقلمي شريهان سماحة 



تلك الحرباء لن تستسلم مطلقًا رغم أنها في أدنى مستويات التوظيف لمنشأت الثعلب التجارية !

باعدت الفريسة وابْعَدتها ولم تُفلح المحاولة مع صياد محترف مثلها !

ختام الختام لرواية العميل ١٠١




"حياة" !


همهماتُ حانقة يُكبّل حروفها أغلال الغيرة خرجت من صمود "هنا" أخيرا من تلك الزاوية المنعزلة عن صخب الحفل المُهيب، والمراقب من كاميرات الصحافة والتلفاز على شرف العالم الراحل "جلال البنا" وتكريم ذكراه بجائزة الدولة التقديرية من قبل حكومة البلاد .. وذلك بعد أن تابعت مع باقِ أفراد العائلة كما باق الموظفين والمدعوين استغلال تلك الحرباء المناسبة بثوب يسلب الأنفس المستذئبة من الرجال فضلا عن حركاتها المتغنجة للفت الأحداق من حولها، لتطوق به محيط "علي" كلما غد أو راح تمامًا كما يحوم الفأر حول مكان الچبن شهي الرائحة ..

- هي البنت دي ملهاش أهل يلموها و يعرفوها أن الأخ لسه متجوز من شهر واحد بس وملحقش يتهنى مع مراته.. ولا إللي اختشوا ماتوا فعلا وبقينا في عصر البجاحة ..

اشاحت عيناها المتقدة بالضيق من فوق ذاك المشهد لتسقطهما بجوارها على صاحبة العبارة المستشيطة، والتي لم تكن إلا شقيقتها "ندى" المحتقنة غيظًا مما تراه مثيلها، لثوانٍ معدودة أخذها التيه والصمت من فواهة الواقع وهي لا تعي ما عليها قوله أو فعله بعدما اصبح زوجها محاط من كل شاكلة النساء المتبرجات وعطورهنّ الفواحة وليس من تلك المرأة وفقط، كأنه فجأة بات طبق اليوم ذو النكهة الفريدة اللاتي يرغبون بتذوقه كافة البطون الجائعة!.. 

ما لها سبيل إلا أن تنهدت بصوت مسموع مثقل بالخنقة والحزن وهي تزيغ عينيها عن شقيقتها بعجز تام عن الرد، فكلمة واحدة أخرى منها أو من جانبها هي للرد عليها سيذوب صمودها وتذرف الدموع بحارًا ومن ثم تندد نيران غيرتها المكبلة داخلها بالحرية، وهذا ما لم يسمح به كبريائها مطلقًا، لهذا تقاوم لطمس كل شعور لعين بداخلها بحرفية رغم أنها ودّدت لو افرغته بفيض في صدور كافة المعتديات على حقها الشرعي، ومن ثمّ الفرار بزيها الفضفاض حالك اللون من ذاك التجمع المُحتم على أفراد العائلة أجمع حضوره گ تشريع مُسلم به ولا يحق لمن يحمل لقب (البنا) أعتراضه !

حلم زهيد تمنت تحقيقه ولا باستطاعتها ذلك حيث يتوجب عليها أن تنتظر مع المنتظرين حتى يتسلم زوجها بالنيابة عن والده جائزته المنتظرة بصفته الوريث الوحيد لاسمه ..

زوجها الغارق بمهام الترحاب في جموع كافة الأطياف والأجناس .. يوزع ابتساماته وتودده دون شح حتى بث إليها وسواسها الرجيم بأنه يستلذ بقربهم آجمعين وخاصة الحسناوات منهم .. لتزداد مخابثه داخلها بإحياء فطرة حواء الخامدة للمقارنة بين ما ترتديه في عينين زوجها وبين ما يرتديهنّ هؤلاء النسوة! 

كلمة حق كونه رجل مثل باق اجناسه وله غرائزه الفطرية الجامحة التي لا يختلف عليها اثنان هنَّ يستحقنّ الفوز عليها أمامه بكل جدارة ..
لهذا أتراه سُلب! .. فُتن! .. ومن ثم نادم على إقترانه بهيئة مثيل هيئتها في ظل وجود خاطفاتِ أبصارٍ گ هؤلاء حوله!
على أثر تلك النتيجة واجفها الفؤاد وذبذبتها الأنفاس المتهدجة مع صحوة شقيقتها المحتقنة ..
- أنتي هتفضلي ساكتة ومتكتفة كده لما تخطفه منك يا "هنا" .. أصرخي .. أتحركي .. ولا حتى أهجمي عليها بنت ستين في سبعين دي .. أنتي مراته ومحدش هيعتب عليكي لو عملتي أي تصرف يحمي ليكي زوجك وبيتك من أفعى زيها ..

- وهي الفضايح قدام الناس وفي مناسبة زي دي اللي هتحمي ليا زوجي يا "ندى" .. أو على الأقل هتمنع أي راجل يلعب بديله لو هو عنده الرغبة لكده ..

رغم تصاعد آلامها ايقنت بأنها راضية عن ردها تمامًا، فلا الغضب والغيرة العمياء واقتحام تجمعه المحشو بكبار المدعوين لجلب الأقاويل الهامسة فيما حولهما هما بالتصرف الحكيم الذي يخرج من زوجة أصيلة أمام البقية حتى وإن كان لحماية بيتها ولإثبات احقيتها فيه أمام المتطفلات .. 

- قصدك إية .. وهي واحدة زي دي ينفع معها اسلوب تاني غير ده ؟!

حينها استدارت تواجهها كليا وهي تمتم بجدية حازمة ..
- أنا! .. أنا يا "ندى" اللي لا لبسي ولا تربيتي ينفع معاهم الأسلوب ده ..

حدجتها "ندى" بنظرة مبهمة لكثيرٍ من الثوانٍ حتى عادت ملامحها مستسلمة لطبيعتها كأنها بعد تريّث وعت لمبدأ تربيتهن، ساءلة إياها بخنوع ..
- طب هتتصرفي أزاي؟

- هكون بكذب عليكي لو قلتلك أعرف تصرف حكيم لموقف زي ده! 

قالت أخر كلماتها بثبات مزيف وهي تهرب بحدقتيها المتلألئة بالدمع بعيدًا عنها خشية فرار أحد الدمعات أمامها وفضح نيران قلبها المستعرة .. ثم مع إبتلاع غصة حلقها المريرة راحت تعيد رباطة جأشها بعينين شاخصتين، مسترسلة بعزيمة جادة ..
- بس على الأقل في نقطة زي دي هجاهد أحارب التعابين بعقلي مش بالعاطفة والاندفاع عشان مقدمش ليهم فوزهم على طبق من فضة وأخرب أنا على حياتي ..

------------------------

طيلة المدة الماضية وهو يجاهد بحرفية مطلقة وتكتم تام على تنفيذ حيلته الشقية كلما اشتاق إليها، سره الخاص بينه وبين نفسه الذي لا تعلم به حتى معشوقته، رغم أنها توارد عليه بالمزيد من الشكوك والأحاسيس كلما هاتفها دائمًا من وسط أشغاله ..

" يا عمر والله ما بكذب ولا بتهيئلي فعلا عندي احساس قوي بأنك معايا وحواليا في أغلب الأوقات "

والذي ينفيه دائمًا عبر سماعة الهاتف بالكثير من الإستخفاف والتهكم مرارًا وتكرارًا خشية فضح ما يخفيه ويصبح للعلانية كما نشرة الأخبار المسائية .. 

فليس قلة ثقة بها من جانبه ولكن لتبعيات مدى سعادتها لمعرفة ذلك، والذي سيجعلها حتمًا تتفوه بالكثير من الثرثرة لفتيات الخال دون إدراك، ومن ثم معرفة الأخير به! .. فيعلن الحرب عليه بحكم عادات الجنوب الصارمة مما سيترتب على ذلك قطع طريق الزواج بها دون أدنى فرصة للصفح أو للغفران ..
وهو ليس بالمعتوة لإبعاد حبيبته بيديه! .. لهذا يجاهد بمكرٍ تام على أخفاء أمر استراق رؤياها عليها لثلاثة مرات خلال الخمسة والثلاثين يومًا الماضية!
ليخمد احاسيسها وأمالها بيأس وخيبة أمل عن حقيقة تواجده حولها في بعض الأحيان .. 

ويكتفي خانثًا بإشباع غريزة العاشق داخله برؤية محياها الندي خلسة رغم أن الأمر كله لا يستغرق إلا دقائق قليلة لا تعد سرقها من مرارة البُعد والفراق المرغمة عليهما، ولكنها كافية نوعًا ما لشحن فؤادهُ المشتاق إليها بشعور الراحة والبهجة للعودة ادراجًا نحو طائرة العودة لأجل الانغماس بأشغاله مجددًا ..

الآن ..

عندما حان تكرار سره الرابع لم يكن الأمر تلك المرة من صنع يديه، وذلك بعد تصريح قائده منذ قليل بمكان مهمته القادمة (جنوب البلاد لأجل تأمين حضور وزير الدفاع لحفل تخرج الدفعة الحربية ضباط "أطباء ومهندسين" ومن ثم العودة أينما شاء بعد إنقضاء مهمته) .. لهذا أراد استغلال تواجده هناك بحجة قرب موعد الزفاف كما هو متفق بينهم ويعلن للخال عن رغبته في زيارة رسمية أولى وقصيرة لأهل بيته لأجل ترتيب إجراءات الزواج .. وحتمًا الأخير لن يرفض لأنه وضع بين قوسين بحجّة "عمر" المُحكمة ولأجل أيضا إكرام الضيف الذي تصادفت مهمة عمله الغير واضحة في بلادهم وليس لرؤيتها خصيصًا كما هو متفق بينهما سابقًا!

وبالفعل بعد دقائق من الحديث الهاتفي أقتلع الموافقة بعناء مميت من فم الأسد أخيرًا، على أن تكون الزيارة على شرف مأدُبة عشاء لمداولة الترتيبات بينهما يُسمح له خلالها برؤية "مرام" لدقائق معدودة، وهذا ما وافق عليه "عمر" على مضض بعد شكر جود كرمه الكثير ..

إلا أن عند وصوله بالطائرة لمدينة الأقصر عصر اليوم السابق للحدث المنشود وبدء مهام عمله بحرفية وإتقان لتأمين مخارج ومداخل المنصة الرئيسية لضيوف الحفل كان مخططه تبدد كليًا مع حلول الفجر .. فصبره قد تبخر والاشتياق نخر من قلبه العاشق نخرًا والذي زاد على استفحال ذاك الشعور لديه هو موعد حفل التخرج المحدد الثانية عشر ظهرًا أي بعد حوالي سبع ساعات تقريبًا .. إذًا يتاح له الغياب لساعة واحدة نحو موقعها القريب لتجديد نشاطه ومن ثم العودة لاستكمال مهامه مرة أخرى .. 

في السادسة صباحًا عند وصوله خلسة لمحيط سكناها بسيارة خاصة صادف لحظة خروجها من البيت وتوجهها نحو حظيرة الخيول المملوكة للعائلة بالقرب منه، لتخرج بعد دقائق غياب معدودة بين طياتها على ظهر فرس فاحم اللون منطلق الهمة استعدادًا لأخذ جولتها المعتادة في طرق القرية المتطرفة والخالية من المارة گ كل يوم في مثل هذا التوقيت ..

بابتسامة واهية على جانب ثغرة لا تكاد تُرى تَشبع من هيئتها بحالمية، خاصّةً وهي ملتزمة بلباس يناسب رياضتها ويستر بتحشم كافة أنحاء جسدها .. 
ظل محتفظًا بحالميته حتى ابتعدت عن مرمى موقع سيارته المستتر خلف الأشجار المتشابكة ومن ثم راح يلحقها بهدوءً تام لأجل الكثير من الأشباع الذي لا حدود له ولكنه مرغم على قطعه في نهاية الساعة حتى يستطيع العودة لاستكمال باق مهامه على النحو المتوقع من فهدهم ..

---------------------------------

كونها أمامه طول الدوام ولا يستطيع الإنفراد بها ولو لبعض الوقت أمر يضايقه كثيرًا ويزيد من غيظه و وعيده لها .. خاصة في ظل رسميتها الشديدة للتعامل معه أمام باق الموظفين وداخل جدران المنشأة .. حتى شك بأمر زواجه منها وتلك الليالي الخاصة بينهما في شهر عسلهما المنصرم! 

طرقات هادئة متفاوتة على باب مكتبه قطعت شروده واعادته خانعًا لواقعه الحانق، مع أمر السماح الذي علا صوته به لبى الطارق أمره ودخل حيزه بهمة ونشاط بكعب عالي رنان و زي عملي كلاسيكي، والذي لم يكن إلا زوجته "أميرة"! 

وهذا ما جعل ناقوس الحرب يدق برأسه ويزيد الأمر سوءًا .. 

فعن أي طرقات تحرص بينهما وهي بملكية زوجها المدعو في فراشهما (ميرو) بالأمس القريب !

ليزيد عاصفته قولها التلقائي والعملي وهي تنظر لبعض الأوراق بين يديها بتركيزٍ واهتمام ..
- " أمير" الورق ده مهم ومحتاج يتراجع عشان ألحق أرسل نسخه منه لبريد الشركة الفرنسية النهاردة قبل معاد الأتفاق ..فيا ......

قطعت حديثها عند رياح مروره الهوجاء بجوارها جهة الباب لغلقه! .. رياح اقسمت بأن لولا ثُقل جاذبية بنيتها لأقلعتها من أرضها مترنحة! 
تملكها الإندهاش من فعله خاصة مع رؤية عودته تجاهها متجهم الوجه يكاد يكظم غيظه! .. فـ راحت تشي له عن استفسارها بفاهٍ منفرج ..
- مالك؟! 

لتتفاجأ به يتجاهل الرد وهو يسحب ذاك الملف اللعين من بين يدها ويضعه بالقرب منهما بإهمالٍ بيِّن .. مرددًا من بين ضغط أنيابه وهو يقترب نحوها بخطواتٍ هاجمة .. 
- حد قالك قبل كده إنك جاحدة ومعندكيش ذرة رحمة!!

تقهقرت ذات خطواته بعينين متسعتين وفاهٌ مفتغر لم يقفل بعد، مرددةٌ بذهول :
- أأأنا يا "أمير" ؟!

إيماءة مشددة لم يبخل بها عليها وهو يوالي خطواته تجاهها مجيبًا بإصرار وجدية ..
- أيوه .. لأنك بتستمتعي بعذابي .. تصرفاتك ملهاش عندي معنى تاني غير كده! 

مع إرتطام بنيتها بالمكتب من خلفها وإعلان نهاية حدود هروبها من خطواته المتلاحقة همهمت متلعثمة ..
- ليييه .. عـ..ملت إيه ؟! 

انحصارها جعل قربه يعدم الهواء بينهما حتى باتت ملامسة جسديهما أمرًا وشيكًا، مغمغمًا بغضب لفح معالمها ..
- كمان مش عرفه .. دا أنتي ناوية ع جناني بقى ..

صخب بجملته وراحتيه تأسر خصرها دون إدراكًا منه لرغبة فؤاده المبطنة، والتي بدورها قرأت من عبوثهما القوي لغة اشتياق صاحبهما الصامتة لها، مما علمت دون جهد ماهية جُرمها الشنيع الذي أغضب مدللها لتلك الدرجة .. 
إنّه يفتقدها خلال تلك الساعات المفترضة للعمل وإداء المهام! يا له من جُرم لا يُغتفر في حقها!

كادت ضحكة لعينة تنفرج من شفتيها عند تبدد معالمها الوَاجِفة بأخرى ماكرة وهي تسلل ساعديها لأكتافه بدلال ..
- لا .. دا أنا شكلي فعلا بقيت قاسية زي ما أنت بتقول ..

مع قراءة استيعابها لِمَ يؤرقه همس متبرمًا.. 
- شفتي ..

مدّت أناملها خلف عنقه تداعب بعض خصلات المؤخرة، متصنعة التفكير ..
- طب والعمل .. دا مكان شغل وأكل عيش !

- مليش دعوة! .. لازم محسكيش بعيده عني لا في البيت ولا هنا! 

رصدها لتذمره الطفولي المستجد عليه جعل حدقتيها تضيع في عينيه بهيامٍ مما عقدت ذراعيها حول عنقه بأكثر تملك، هامسة ..
- بس "علي" على كده مش بعيد يطردنا ..

فأجابها واجمًا ..
- والله "علي" لو مراته حواليه بالشكل المهلك ده .. مستبعدش يعمل أكتر من كده .. 

انطلق من ثغرها الوردي قهقاتٍ مرتفعة دون وعي وهي تتمتم بإمتنان ..
- طب الحمدلله أنها مش معنا لخراب مالطة اللي هيحصل هنا!

إلا أنها استرسلت بعجالة عندما لمحت زمجرته الغاضبة مرة أخرى تطوف في الأفق ..
- خلااااص اقتنعت .. متزعلش بقى ..

ثم بدلال وأغراء همست مسترسلة ..
- سمعني طلبات سموك !

صمت قليلاً وعينيه مسبلتين على شفتيها بنهم ..
- الشغل شغل لغاية باب مكتبي ..

فبادلته بغباء مقصود ..
- طب ما أنا ببقى عاوزاك في شغل برضه يا "ميرو" زي دلوقت مثلا !

طحن اسنانه بغيظ قائلاً ..
- نعمله يا "أميرة" وماله .. 
ثم استأنف بلين وهو يعاود مراقبة حركة شفتيها ..
- بس دقيقة شغل ودقيقة حب ..

مع وعيها لمخابثه الماكرة همست مبتسمة ..
- دي فزورة ولا إيه ؟!

غمغم مع اقترابه الوشيك لتنفيذ مبتغاه ..
- حاجة زي كده ..بس صدقيني لما تجربيها هتعجبك قوي وتدعيلي !

فتعالت طرقات مفزعة لكليهما على باب مكتبه مما ذكرته بواقعية عمله القاسية فقال صارخًا بضجر وهو يطيح بيده بعيدًا عن خصرها :
- هصور قتيل النهاردة ..

تكتمت "أميرة" على صوت ضحكة خرجت وليدة الموقف وهي تضع قبلة عاجلة على خده المتصلب، متمتمة ..
- عرفت ليه أنا قاسية وماجتش ليك طول المدة اللي فاتت .. عشان مفيش فرصة لخصوصيتنا هنا يا "أمير" بيه .. 


عن أذنك بقى !


قالتها بطريقة مرحة تزيد من حنقه وهي تفر من بين يديه مسرعة تجاه الباب ليأتيها صوته بغيظ مهددًا إياها قبل الخروج ..
- هخلقها يا "أميرة" صدقيني الفرصة دي .. وهتكون أمر واقع لازم تستسلمي ليه !

------------------------

سيكون مجذوبًا يستحق العذاب لو قال أنه تشبع من رؤيتها المختلسة في نهاية تلك الساعة ..

ولكنه مضطر للذهاب! 

زفر بضيق مودعًا إياها بنظرة هينةٌ لينةٌ وهمّا يصب كامل تركيزه لتشغل محرك سيارته المتوارية خلف أحد المباني اللبنية المهجورة لأجل المغادرة، فبغت عقبها بصرختها المدوية التي وصل إليه صداها في الحال، مما رفع رأسه تجاه موقعها بفزع وخوف ليرصد ما يحدث لها بعينين جاحظتين! 

الجواد جمح بها على غير العادة وأخذ يعدو في الخلاء بسرعة مهيبة كأنه في ماراثون لمجابهة الرياح وهي من فوقه مُسيرة لرغبته فاقدة السيطرة ..

شعوره للخوف عليها حفز استجابته البديهية لطرح أقرب الحلول و أوحدهم لإنقاذها بعدما جالت حدقتيه في المكان بعجالة وتركيز .. مما راح على أثر ذلك يحرك سيارته نحو طريقٍ فرعي ابصره يختصر الوقت لجهة الفرس القادم إليها وذلك لملاقاتهما عند التقاطع .. 

بسرعة مناسبة على ذلك الطريق المتعرج تفوق على نفسه وخبرته وقطع المسافة بالفعل قبل وصول الجواد بدقيقة واحدة .. ترك سيارته في ذاك الطريق وخرج على عجالة من مقعده لجانب الطريق الرئيسي لينفذ خطته التالية قبل قدومهما نحوه .. محاولاً صم أذنيه عن وصلة صراخها المتواصلة وتوجسها البين لكي يضع كامل تركيزه على فعله القادم .. متناسيًا خطورة ذلك على حياته إن فشل في تحقيق مبتغاه وقدرة الجواد على دهس جسده لو أخفق في التقاط جسدها من فوق ظهره بحرفية تامة .. إلا أنه عزم وتوكل لأنه لا يملك حلا أخر لإنقاذها في وقته العصيب ذاك ..

أما عنها وفي خضم حالتها المضطربة من سرعة فرسها المهيبة اغمضت عينيها ببكاء حار لخوفها المميت من رؤية تلك النهاية المأساوية وهو يعدو بها جائحًا لطريقٍ مجهول .. لتطلق صرخة مدوية وتشدد على عينيها ببكاءٍ منهمر عن ذي قبل عند إنفلات اللجام من بين يديها ليتبعه ترنح جسدها گ الدومى بلا إرداة حتى كادت تفقد السيطرة وتسقط! 
إلا أن إيدي منقذة في لمح البصر التفت حول خصرها بقوة مهلكة لتجذبها نحوها بشدة وعنف فودعت جلستها وسقطت معها فوق الأرض القاسية بحركة دائرية متكررة يحوفها الغبار العنيف عن كثب ومن كل جانب .. ومع ذلك لم تمنعها قوة ذاك الغبار من رصد رائحته ومعالمه المحفورة بفؤادها قبل عينيها .. لهذا ورغم رضوض سقطتها الغير هينة غمغمت بوهن باسمه قبل أن تستلم لظلام الدنيا من حولها ..
- "عمر" !

-----------------------------


"عمر" !


اسم كان لها گ ترياق الحياة ظلت تردده عند أول نسيم أعاد إليها وعيها ..
لتجيبها زوجة الخال بلهفة ..
- "مرام" أنتي سماعني يا ضناية .. طمنيني عنك أنتي بخير .. 

مع استمرار انغماض عينيها تأوهت بغمغمة ثم خرجت منها إيماءة ضعيفة لتستأنف المسنة مرة أخرى قائلة ..
- ألف حمدلله على سلامتك يا بنتي .. غمة وانزاحت الحمدلله ..

مع تحرر عيناها من انغلاقهما المسدل وعت ببطء لحضور نسوة العائلة حولها بنظرات يشوبها الإطمئنان بعد أن غزاها القلق .. ثم رويدًا وعلى مهل راحت تبحث خفية عنه باشتياق وسعادة من بينهنّ ولكنها تفاجأت بأن حتمية وجوده درب من السراب .. إذًا أين هو؟!

فهمست لهنّ مستفسرة بإقتضاب ..
- "عمر" !

فقالت لها خالتها بإندهاش ..
- "عمر" مين يا ضنايا .. 
مواصلة باستيعاب ..
- لو قصدك على خطيبك فهو لسه هيجي النهاردة على المغربية إن شاء الله ..

رفعت بنيتها العلوى من الفراش ببعض الألم عقب حديث زوجة خالها الذي يشي بطريقة غير مباشرة عن عدم رؤية الجميع له فقالت ملعثمة لعل ما رصدته حُلم وليس واقع ..
- هــ..و أاانا إيه اللي حصلي ؟!

أجابتها وهي تربت على كتفها بحنو ..
- بصراحة منعرفش أكتر من أننا لقينا الفرس داخل على جنينة البيت وهو شايلك على دهره مغمن عليكي .. مش عاوزة اقولك كلنا لفينا حوالين بعضينا أزاي وقلقنا ولما خالك شيع لـ آية أم عوضين مكدبتش خبر وجت طمنتنا وقالت بعد ما عطتك كام إبرة كده أنك هتفوقي قريب وأن دي حالة أغماء بسيطة .. وأهو عدى على الحال ده يجي نص ساعة وأحنا كلنا مستنظرين لغاية لما فوقتي الحمدلله 
مواصلة لسبر أغوارها بعتابٍ مبطن ..
- شكل كلام خالك طلع صح وأن الفرس القاسي ده أكيد جمح بيكي لغاية لما خوفتي وأغمن عليكي .. ليه يا بنتي ركبتي دماغك وأصريتي عليه رغم تحذيرات خالك ليكي ..
ثم بتنهيدة قصيرة استرسلت ..
- يلا ملوش ليه معنى الكلام ده دلوقت .. والفضل والشكر لربنا أن اللي حصل انتهى على قد كده ..

لم تكن "مرام" بعقلها الغائب مستمعة جيدة لباقِ حديثها بعد ذكر الجواد وجموحه بها إذًا لم تكن تتوهم أو تحلم .. هي كانت بين طيات واقع مجحم تصارع خلاله مع الموت على ظهر الجواد و"عمر" انقذها .. فإذًا أين هو للمرة الثانية؟!

مع أول فرصة لخروج الجميع عقب طمأنتهنّ عليها وتركها لتستريح استغلت إنفرادها للاتصال عليه دون تردد، ساءله بلهفة عقب فتح الاتصال من جهته ..
- "عمر" أنت فين ..

- في شغلي يا "مرام" .. ليه في حاجة ..

إجابته اخمدت تطلعها بيأس تام بعد أن كادت تشاركه شكوكها، فقالت مرغمة بخفوت ..
- يعني أنت مكنتش هنا من ساعة أو ساعتين ..

- على بليل إن شاء الله هكون عندك .. ماهو ده كان اتفاقي مع خالك .. نبرة صوتك مش عجباني وأنا مضطر أغلق تلفوني من دلوقت لغاية كام ساعة كده لما أخلص شغل .. فمتخلنيش أقلق عليكي في الوقت ده .. 

على ذكره لعمله جعل عقلها يفوق من غيبوبته لنسيان حيرتها ولو لقليل وتذكر المخاطر التي تحوفه من كل جانب، لذلك همست مسرعة بحنين فائض ..
- لا عشان خاطري متتشغلش عليا أنا كويسة .. خالي بالك أنت من نفسك وبس ..

عقب غلقهما للاتصال معا كادت تجن من شعورها القوي بوجوده حولها وإن لم تكن متقينة في الماضي بدليل قوي فهي متقينة من ملامحه التى ملأت عينيها قبل الأغماء ومن الجسد الملصق لها .. إذًا ما هي الحقيقة؟!

ولكنها اخمدت تشتتها المشتعل حينما تفوق قلقها على كافة الخواطر .. لهذا آجلت أثبات شكوكها حتى يعود ويفتح هاتفة من جديد أو تبصره في المساء بقربها سليمًا معافى !

-----------------------------

في الليل الحالك بعد انتهاء الحفل وعودتها للبيت مع باق النسوة قبل عودة زوجها، وبالرغم أن أحدى وصياه إليها بأن تكون بطبيعتها عند قربه دون تجمّل .. راحت تنتظر قدومه في طابقهما الخاص باستعدادٍ مغاير لطبيعتها معه في الأيام الماضية .. استعدادًا لا يناسبها ولا يريحها ولكنها مجبرة عليه لأجل اشباع وحفظ حدقتيه عن المتغنجات اللاتي لا أصل لهنَّ ولا حياء .. 

الهدوء حولها كان يوترها ويهلكها خشية أن يكون الهدوء ما قبل العاصفة! فقد لا تستطيع عند الوهلة الأولى لرؤياه أن تسيطر على نيران غيرتها فتخسره قبل أن تعالج مخيض صدعهما .. لهذا رفعت حدقتيها لقلب السماء بخشوع تطلب العون من خالقها لضبط مخارج كلماتها بحكمة ورشد دون أغضابه حتى لا ينتهي عتابها المبطن لكارثة خصام فيما بينهما .. فهدفها في تلك الليلة استعادته واسعادهما معًا للحفاظ على زواجهما وليس اشعال الفتيل لحربٍ قادمة .. 

لهذا رصدت قلبها وَاجِف لا يتوقف عن التقريع عند حركة فتح باب طابقهما الخارجي واتيان لحظة المواجهة بذلك العجل، مسرعة براحتيها المرتعشة لتمديد ثوبها الشحيح للأسفل قليلا قبل قدومه لغرفة نومهما، وهي تعيد قوتها الهاربة بتنهيدة مطولة استعدادًا لولوجه وتقييم رد فعله على ما قامت به ..

بين وهلة وضُحاها كان أمامها يحتل باب الغرفة حاملا جاكته على يديه بمعالم مرهقة سريعًا ما قاما بأذابتها بعينين شاخصتين كأنه تلقَ ضربة فوق رأسه عنوانها كان الصدمة برؤيتها مُصبغة الشعر لإحمرار متوهج .. يتجانس وجهها البرئ بالكثير من الألوان الصناعية المنمقة .. جسدها يلحفه ثوب حفلات متحرر بإنسيابية وإغراء .. أمّا عن الأسفل فـيزين ساقيها العاريتان حذاء شاهق الإرتفاع بحرفية مطلقة! 

اسقط جاكت حلته من بين يديه بإهمال ثم اقترب منها يتأكد مما رأه وهو يخرج استفساره بإندهاش ..
- ما هذا ؟!

لم تفلح في تفسير رد فعله على الوجه المطلوب لذلك اقتربت منه بثبات مرددة ..
- فعلتها وارتديت ما يرتدينهنّ أكثر النساء المتحررات من حولك في حفلاتكم ..
لتزيد بخفوت وعينيها تفيض عليه بومضة عتاب ..
- رأيتك تتابع فعلها وتصمت .. لا تنفرها .. ولا تردعها .. كأن إغوائها أعجبك ونال منك ..
فأردتُ أن أخبرك بأنني هنا في غرفتك أملك ما يملكونه تمامًا من كل السبل الاغواء بل وأكثر .. وأن ما كان يحجمني سابقًا من عرضه عليك هو إنك لم تكن تسمح لي بذلك ..

استمع جيدًا إليها وتشرب ما تخفيه في جعبتها بصبر طال كثيرًا مما زعزع ثباتها وأثار الكثير من شكوكها إلا إنه انهاهه بتنهيدة مطولة و رد فعل مفاجئ لها .. حين أخرج مَحرَمةٌ قطنية من أحد مخابئه لتعبث في معالمها بخشونة لأجل العثور على معالم طفلته البريئة .. ونظرة المرأة البالغة الحكيمة .. المسماه "آناهُ" وليس نسخة صناعية عنها !

فهمست من وسط فعله بغير استيعاب ..
- ماذا تفعل ؟!

لتتفاجأ به يدنو من ساقيها لنزع حذائها واحدًا تلو الأخر والإطاحة بهما بعيدًا ثم العودة لمواجهتها ثانية وهو ينظر لبؤبؤة عينيها بقساوة مستجدة ..
- من قال لك بأنني أريد هذا النموذج بكِ ؟..

استفساره الصارم بدد ثباتها .. فتلعثمت بذهول ..
- عينيك .. كانت ..!

قطع جملتها بهدر ..
- عيناي ! .. ماذا قرأتِ بهما؟ .. فأنا لم أعي حقًا لِمَ كانتا تتجهان ولا لِمَ تطالعان .. أتعلمين لماذا؟ .. لأنني كنت سعيد .. بل سعيدًا جدًا .. أكاد لا أصدق واقعي بأنني أشهد أخيرًا على تكريم كهذا لذكرى والدي في سماء موطنه كما سعى وتمنى يومًا رغم جائزة نوبل التي نالها!

ولكني مع ذلك لست كالأبله الذي لم يدرك ما يدور حوله .. فعقب نظرة واحده للمرأة التي أمامي أعلم جيدًا ما تحتاج له .. ولكنكِ سألتي نفسك يومًا ما أنا أحتاجه! .. أو لِمَ أخترتك أنت عن عالمين جنسك!
وما المميز في ملبسك ليجذبني رغم أنه لم يظهر لي أي شيء لغويني؟!
هذا هو مكمن السر "آنا" بأنكِ كنتِ مختلفة! .. مختلفة تمامًا .. مختلفة عن نساء أمريكا كافة .. مختلفة عن عيّنة أمي اللعينة .. تمنعين عن عيون المحيطين بك كل ما يخصك .. وتحجمي أبسط حقوقهم لرؤية معالمك .. لا تلجئ لثوب گهذا أو شعر بلونه ذاك لكي تجعلي قيمتك تعلو في ناظراي .. بل علمك الذي ليس بالهين بأمور دينك .. وإرادتك القوية تجاهه .. حيث تعلمين ما تحتاجينه وتبثيه في قلوب غيرك بكل رأفة و ود حتى يهرول إليه راغبًا لنهش المزيد .. هو ما كان يخبرني بأنكِ لستِ فارغة من الداخل مثلهنّ ولأمورهمنّ الدنيوية .. احسست إنكِ ماسة حقيقية نادرة في مجتمع امتلأ بأمثالها المزيفات .. يحتم عليّ گ تاجرٍ محترف تقديرها وعدم العبث بها كما ينبغي مع بنات جنسها .. وأن يكون مذهبي نحوها اللين والحذر خشية أن تخدش أو تتكسر وتُذهب سدى .. وما وجدت مكانًا يليق بحفظها به إلا قلبي !

لذلك تذكري جملتي تلك جيدًا طيلة سنواتنا القادمة ..
"إن كنت أريد أنثى فهن كثيرات مترميات أسفل قدماي يرضينّ منّي بالفتات .. وحين جِئتُ أبحث عن الحب والبيت وجدتكِ أنتِ الفائزة .. زوجة تصون عِرضي وتُكرم نسلي جاهدتني وأرهقتني حتى أبصرت طرف وجهها .. وهنا عندي تكمن الأنوثة .. بل هنا يكمن كل الجمال! "

صفعت أنفاس كلماته كلا وجنتيها للإفاقة ولفظ وسواسها الخناس من حرمة بيتها وعقلها .. فـ "علي" لها وإليها يبصرها الأم قبل الزوجة وما هناك رجلا أو كهل يتمنى البعد عن موطنة.. 
ضغطت على عينيها بخجل حتى شعرت بأنها بقيت بحجم النملة أمام عظمة ما تفوه به .. اطرقت بصفحتها للأسفل مع أنسيال خطي عبراتها بوهن وهي تقر بذنبها خانعة ..
- "علي" لو كل الرجال تخلوا عن ذكوريتهم وكانوا رجال أوفياء هكذا وطمأنوا صدور نساءهم .. لن يبصر مجتمعنا الإسلامي صرعات بين الأزواج ولا طرقات عنيفة فوق أبواب المحاكم ..
فأنا الآن أحمد الله عليك فأنت عطيتي منه كما أنا ماستك .. وعهدًا عليِّ أمامه بأن أقفل نافذة تلك الغيرة المهلكة إلى هنا حفاظًا على سعادتنا الدائمة وعدم تعكر صفونا .. 

بابتسامته الأسرة وتشعب غاباته في حدقتيها عاد "لي" خاصتها من غضبه مرددًا بمكر وهو يعيد وجهها إليه لمحي قطرات عينيها النادمة ..
- وهنا يحق عليّ نسيان ماحدث بعودة زوجتي الحبيبة الرصينة لي مرة أخرى .. كما يحق أيضًا لي أن اطمع بانفردي بها لتلك الليلة المميزة عندي لتزيد بهجتي أضعافًا مضعفة ..

اختتم جملته وهو يعبث في خصلات رأسها بتملك حتى يأسر وجهها أمام شفتاه الجامحة!

---------------------------

ما أن أخبرها بنات الخال بقدومه حتى تغلبت على وجع كدماتها الشحيح في بنيتها لتستعد لمقابلته ..

لتفنى بعض الدقائق حتى بدأت تتهادى على درج البيت نحو الاستقبال الذي يحتله مع خالها بنظراتٍ مضطربة قلقة تسعى للاطمئنان عليها عقب معرفته بِما حدث من الخال كما افشى عنه حديثه بصفة غير مباشرة .. 

ليزيد من تشتت عقلها وشكوك أمرها !

تفكيرها المتزايد بدد منها لذة رؤياه بعد طيلة هذا الغياب و حلاوة اللقاء الفقير، والذي قطعه الخال بقوله المستتر خلف نظرة تحذيرية تلقتها منه بتوتر عن كفاية هذا القدر والصعود للأعلى مرة ثانية ..
- بقول يلا بينا على العشا يا "عمر" عشان نكمل باقي كلامنا ..

ثم همّ يسبقه نحو المائدة ليحفزهما على خطوة الوداع التي أنهتها "مرام" بنظرة استسلام قبل الأنواء للمغادرة .. إلا أن النظرة بدأت هادئة وانتهت بإتساع جاحظ ..

انفرجت اساريرها وخفق قلبها عن كونها لم تجن بعد فاحساسها لم يخطئ مطلقًا .. فهو كان حولها وهذا هو دليلها ! 

تطلعت لظهر خالها الموالي في خطواته بعيدا عنهما مطمئنة وعلى حين غفلة اقدمت خلسة نحوه هامسة بابتسامة عريضة بعد أن طبعت قبلة عميقة على سبابتها لتسكنها على جرح عنقه السطحي ..
- أااانا واحد وأنت صفر يا حضرة الظابط ..

فتصلب "عمر" مكانه عقب فعلها واستدارة خالها في ذات الحال نحوهما هاتفًا ..
- في حاجة ؟!

لينفي "عمر" مرتبكًا على عجالة ..
- ااأبدًا .. حضرتك مفيش أي حاجة خالص ..

ثم مع بدء خطواته لمتابعته أهداها نظرة تحذيرية بعدم البوح لأحد عن سره الذي كشفته مؤخرًا وباتت على دراية به الآن .. لتجيبه ضاحكة وهي تفر من أمامه للأعلى بإشارة شقية من سبابتها أمام ثغرها المتشفي فحواها " سرك في بير " !

-----------------

ضحكات مقهقة خرجت من كليهما في اليوم التالي على سماعة الهاتف بعدما قام بسرد مراته المتتالية لسرقته المشروعة لرؤياها والتي انهاها في مرته الأخيرة بعد حدوث ذلك الحادث بالعثور على الجواد ووضعها عليه ومن ثم حثه على التوجه جهة البيت بعد أن اطمئن على سباتها بأنه مجرد أغماء طبيعي من شدة الخوف ..

لتجيبه مشاكسة ..
- وجيت أنا في الأخر وكشفت سرك يا حضرة الظابط بكل سهولة ..

- كنت هنجح والله للأخر بس معرفش إن حبيبتي شقية للدرجة دي وهتاخد بالها وتودينا في داهية ..

- بالعكس دا أنا حسه لو مفتكرتش أخيرا أني كلبشت في رقبتك بضوافري لما خطفتني من على الحصان كنت قلت على نفسي اتجننت خلاص ..
ثم ضاعت ابتسامتها عند مواصلتها بلوم ..
- ليه يا "عمر" ما قولتليش بأنك قريب مني من أول مرة .. ليه تقصر حقنا عليك أنت وبس وتضيع حقي في شوفتك ..

الصمت من الطرف الأخر فرض سيطرته على المحادثة حتى كسره معترفًا بشجن ..
- ممكن تقولي برغم المخاطر اللي بتحاوطني في شغلي سيطر عليا جبن أول مرة يتملكني لمجرد التفكير في خسارتك لو خالك عرف بالصدفة 
ثم زفر بثقل مستأنفًا : هانت كلها كام اسبوع بس وتكوني في بيتي ..

تقلب وجهها بالحمرة لدفء مشاعره وبالرغم من شعورها بالسعادة لحقيقة ما يكنه في صدره تجاهها من احاسيس صادقة إلا لسانها تقيد من مجاوبته، وحمدت الله كثيرًا بأنه فطن شعورها عندما غير دفة الحديث قائلا ..
- طب بمناسبة البيت أنا اتفقت مع خالك على شقتي الخاصة وأن كل حاجة فيها جاهزة .. ومع ذلك بعد ما ابعتلك صورها مستنظر تعديلاتك عليها عشان ألحق انفذهلك خلال الوقت ده قبل الفرح ..

- وشقة ماما "عفاف" !
استفسار عفوي خرج من شفتيها ليجييها بتعجب ..
- مالها ماهي زي ما هي ليها ول "مريم" ..

- بس أنت مبتحبش تبعد عنها .. غير أن أنا كمان عمري ما هتصور لما أوصل القاهرة وأعيش فيها بأن أبعد عن "مريم" فيبقى ليه نختار شقة تانية 

- هي مش بعيدة للدرجة دي كلها يا "مرام" كل الحكاية كام دقيقة بس وتكوني معاهم في أي وقت ..

- حتى لو ثواني مش دقايق .. وبعدين أنا من صغري اتحرمت من العيلة وجوها .. ومامتك بحنيتها وقلبها الطيب حستها مامتي .. و"مريم" حتى لو مبقتش أختي فشعوري تجاهها أمومي زي ما أنت كمان بقيت في دور باباها والمسئولية دي بتحتم علينا نكون معاها وحوليها في كل وقت ومكان مش مجرد دقايق في اليوم نزورهم فيهم وخلاص ..
مواصلة بخفوت بعد ابتلاع غصة مريرة ..
- غير دا كله أنت بعد أجازة الفرح مش هتكون معايا في أغلب الأوقات بحكم شغلك فيبقى ليه شقتنا وشقتهم والجو ده ..

كل ما تحدثت به كان يسبح في خلد عقله گ خلية نحل لا تبطء تؤرقه وتشغله حتى جاءت جملها القليلة وازاحت عنه ثقل ما يحمله فقال متمتمًا ..
- كنت خايف لو قلتلك كده من البداية أكون بفرض رأي عليكي واظلمك في حقك الشرعي بوجود مسكن خاص بيكي ..

- وأنا اللي بقولك أهو بوجودك أنت و ماما"عفاف" وبنتي "مريم" حواليا هو ده أقصى حقي اللي بطالب بيه في الدنيا ..

فهمس بإمتنان ودفء ..
- بتزودي عذابي من ناحيتك يا "مرام" .. يا رب يكون في عمري البقية اللي تقدر تعوضك عن كل حاجة اتحرمتي منها ..

ضغطت على شفتيها بألم هامسة ..
- أوعى تجيب سيرة عمرك قدامي .. لأني بتنفسك يا "عمر" عشان أعيش .. بتنفسك قوي لدرجة أن عمري ما هقبل اتكسر فيك زي ما اتكسرت في بقية عيلتي كلها ..

أمام طوفان هيامها اجابها مغيبًا ..
- بَحبك .. وهقاوم المستحيل بُحبك عشان أكون ليكي وحواليكي ..

وكان ذاك وعده لختام محادثته التى ظل ينظر على أثارها للهاتف لكثير من الوقت لتعوض صورتها الغائبة عنه من الأمس القريب فقط .. لينتصب بعد وهلة من فراشه نحو الخارج لأجل اخبار والدته بما استجدت به الأمور ..

ليشاهدها بصحبة الصغيرة يطالعان التلفاز باهتمام وتركيز على أحد افلام الكرتون الشهيرة فشاركهما الجلسة صامتًا .. فوعت له والدته قائلة ..
- إيه يا حبيبي في حاجة ..

- تقريبًا كده ..

فراحت تخفض صوت التلفاز ليناسب الصغيرة الغير منتبه لنقاشهما كي تحسه على المواصلة .. وبالفعل شرع يحادثها بهدوء ..
- " مرام" رافضة شقتي وعاوزه تعيش هنا .. معاكي أنتي و "مريم" 

تغلبت على اندهاشها متمتمة ..
- ومعرفتهاش ليه يا بني أن المسافة قصيرة ومن حقكم الخصوصية في مكان يكون ليكم لوحدكم ..

اجابها عند عقد ذراعيه أمام صدره بتنهيدة قصيرة ..
- عرفتها والله ومصممة .. وأنا بصراحة كمان مع رأيها .. أهو حتى لو جالي سفر مفاجئ أكون مطمن عليكم مع بعض وتحت حراسة واحدة ..

صمتت شاردة لوهلة حتى قالت ..
- طيب وبخصوص كلامك مع خالها إيه المستجد ..

- كان عاوزنا بعد الفرح نعمل دخلتنا في البيت معاهم بحجة أنهم يطمنوا على بنت أختهم تاني يوم ..

ازدردت ريقها بترقب ..
- هو لسه في كده!  .. طب وأنت قلت إيه ..

- هقول إيه يا ماما .. طبعا رفضت .. أن كنت أنا خضعتله في حاجات كتير لغاية دلوقت فده عشان ماعركلش الجوازة لأي شكل كان .. بس عند النقطة دي بالذات كان لازم ارفض وبشدة من غير حتى ما أعرف "مرام" لأن بحكم عشيتها في إيطاليا متعرفش الحوارات دي وهتخاف وتترهب .. وأن طول من عايش عمري ما هسمح بكده ..

رزقته نظرة رضا من حدقتيها متمتمة ..
- طب واخيرا الأتفاق تم على إيه ..

- أنا وأنتي و"مريم" وكل معازمنا هنروح الصعيد قبل الفرح بأربع أيام نحضر كل طقوسهم للفرح ببنت أختهم لغاية الزفة وبس .. بعدها هكون حاجز لينا طيارة توصلنا لمطار القاهرة ومنه لهنا ..

أومأت مؤيدة لمخططه قائلة ..
- كويس جدا .. طيب بالمناسبة دي أنا عاوزة العمرة اللي طلبتها منك عشان أخوك الله يرحمه ..

حرر ذراعيه بإندهاش يتمتم ..دلوقت! 

بثبات اجابته ..
- لا لما احضر فرحك وافرح بيك أنت وعروستك .. ولحظة رجوعي معاكم في طيارة الصعيد هنزل أنا و"مريم" لميعاد طيارة السعودية .. فأعمل حسابك يكون الحجز على الوقت والميعاد ده بالظبط ..

حادثها بتعجب ..
- ماما أنتي بتقولي إيه .. وبعدين ليه الاستعجال ده من اساسه في وسط الظروف اللي أحنا فيها .. ما تستني لبعد فرحي عشان أكون معاكي واطمن عليكي ومبقاش قلقان .. غير ليه جمعتي "مريم" في سفرك !

لم تتخلى عن ثباتها وهي تفيض عليه بإصرار وعزيمة ..
- هو ده الميعاد اللي نفسي فيه .. وبعدين أنت هتعمل معايا إيه .. هو أنا صغيرة .. ولا تكون فاكر أن معرفش أنك ايدك واصلة هناك وليك معارف يهتموا بيا احسن ما هتكون معايا .. أما عن مريم فدي رغبتي الخاصة اللي بدعي ربنا يحققها .. نفسي تكون جمبي وأنا بعمل لباباها عمره عشان تعمله ببراءتها هي كمان عمره لعل ربنا يتقبلها ويغفرله ويرحمه .. 
مواصلة بعبرات تمحضت على وجنتيها ..
- عاوزه أخوك يعرف ويحس في المكان الطاهر ده أن ليه بنت زي القمر عرفنا طريقها ولمينا بيها لحمه الضايع بعد سنين كتيره من اليأس بأننا نعرف بوجودها ..

كبح مشاعره على غرار ذكرى شقيقه وهو يلتقطها بين ذراعيه مربتًا بجملة مؤكدة ..
- أرجوكي ما تعيطيش وهعملك كل اللي أنتي طلبتيه صدقيني ..

فعادت من عناقه للخلف لمسح دموعها والتغلب على حزنها برسم ابتسامة واسعة، قائلة ..
- دموع إيه أحنا في وقت فرح ويدوب استعد في الوقت القصير ده عشان أغير عفش أودتك ودهانها وادخل لها حمام فيها واعمل ديكور خفيف حوالينها بحيث تتعزل عن الشقة عشان يكون ليكم خصوصيتكم لوحدكم ..

لثمَ رأسها بتقدير وحب متمتمًا ..
- ربنا ما يحرمنا من وجوك أبدا ..

----------------

ثلاث أسابيع أخرى مضت وقد سيرت الأحداث لطبيعتها في رؤية بهجة العمر على من اقتحمت حصونه العسكرية المنيعة .. ثلاث ليال للاحتفال كانت كالحلم ومزادها بهجة هو حضور صحبتهم المباركة وصداقتهم الدائمة "علي" وعائلته كافة ووالد ووالدة حمزة مع اعتذار حمزة وزوجته القهري لتأخر شهور حملها وارهاق السفر على وضعها الحالي ..

مع هبوط طائرتهم الدخلية مطار القاهرة راح العروسان يرافقان السيدة "عفاف" والصغيرة بمشاعر الفراق الحانية لنحو طائرتهما المتجهة لأطهر بقاع الأرض علوًا ومنزلة لأجل تأدية فرض الاستطاعة الصغرى كما سنة نبينا المصطفى صل الله عليه وسلم ..

مشاعر سلبية لم تودعهما إلا عند عتبة باب الشقة ومن ثم ولوجهما لداخلها ورؤية ما احدثته والدته من تغيرات محببة، خاصة في غرفة نومهما وهي تبث لهما بشعور الأمان والدفء من بين جدرانها ..

خرجت من شرودها في معالم التصميم المتقنة على يده العابسة على ظهرها وهمسه في أذنها مع اقترابه من عناقها ..
- من سنة بالظبط زي دلوقت كنت الراهب اللي مكرث حياته لشغله وبس مع اقتناعي التام أن مفيش بنت على وجهة الأرض هتقدر تخترق حمايتي وتفكيري عن المبدأ دا .. لغاية لما شفتك أول مرة .. حسيت بخطورتك عليا .. بقيت عنيف بزيادة معاكي مش عشان متطلبات شغلي وبس لا وكمان كنوع من الحماية لجدران قلبي .. رغم أن كل افعالك ومواقفك بقت تخرجني عن السيطرة بس كنت بستمتع بيكي .. وبقربك .. وبقوتك .. 
مواصلا وراحتيه عاثتان في ظهرها فسادًا ..
- صدقيني ما كنتش هستنى لغاية لما دادة "أنيسة" تيجي تقولي احميكي لأن أنا من نفسي مكنتش هستحمل أي أيد تتحط عليكي مهما كنت بدعي غير كده .. لأنك ملكية خاصة بالمقدم "عمر أحمد سلامة" سواء قاوم أو رفض ..

دغدغها حنو اعترافه .. حلقها في سعة فضاء البهجة .. تشبست باكتافه معانقه تطالبه بالمزيد حتى قال أخر كلماته فابتعدت عنه بصيحة اندهاش ..
- "عمر" هو أنت اترقيت ؟!

فجذبها إليه ثانيا وهو يواصل همسه في عنقها ..
- هو دا وقت الكلام عن الترقية ..

فخجلت وعادت تجلب تلك الأنثى مرة أخرى بين يديه حتى قال استفساره الصادم ..
- هو فين القميص ..

ازدردت ريقها ببطء متصنعة الغباء ..
- أي قميص ؟!

- بتاعي .. اللي كنتي لبساه  ..

تذكرته بل هي قوية الذاكرة منذ البداية ولكنها لم تكن تستوعب بعد بلعثمتها الواضحة ..
- يعني .. يعني ..

فلثم عنقها هامسًا ..
- عاوزه يكون فتحة الوصال بينا .. أنا راجل عملي ومفيش حاجة هتغريني قد ما هو أغراني وأنتي لبساه ..

-----------------------

بعد مرور بضعة أشهر قليلة توافد الحضور "عمر".. "علي" .. "أمير" .. "حسين" .. "يوسف" .. كلاً مع زوجته بصحبة السيدة "صفية" والسيدة"عفاف" وكافة الأطفال ليستقبلهم والدي حمزة وشقيقته "بسنت" بصحبة زوجها وابنتها "إليان" في بيتهم الخاص بكثير من الترحاب للاحتفال بسبوع ابنة "حمزة" و"خديجة" .. البرنسس "حور" كما يدللها والدها منذ مولدها ..

خلت طقوس الاحتفال من كافة البدع والخرافات گ الغربال والهون .. وزهزه الصحبة المحبة والضحكات الصافية أثناء توزيع الملبس والشكولاه وكافة المبهجات مختتمينها بإنشاد مبهج صخب في الأجواء من حولهم ..

حلاقاتك برجالاتك حلقة دهب فى وداناتك

ويارب ياربنا

تكبر وتبقي قدنا

وتجي تعيش وسطنا وسط الحبايب

تكبر وتروح المدرسة وتصاحب شلة كويسة

وتشوف عيون امك وابوك فرحانة بيك

حلاقاتك برجالاتك حلقة دهب فى وداناتك

انا عايزك تطلع واد مجدع

وفي عز الشدة تكون اجدع من اي حد

صوتك بيسمع ويلعلع

اخلاق قوي قوي ورجولة ولازيك حد

يارب ياربنا

تكبر وتبقي قدنا

وتجي تعيش وسطنا وسط الحبايب

تكبر وتروح المدرسة وتصاحب شلة كويسة

وتشوف عيون امك وابوك فرحانة بيك

حلاقاتك برجالاتك حلقة دهب فى وداناتك

ظل يرددونها في حلقة دائرية تدافع بتكوينها كل زوج مع زوجته وشموعهما في أيديهما بنظرات حالمة مؤثرة بكافة المشاعر الإيجابية التي غمرت كل زوج على حده .. 
والتي بدأتها خديجة بنظرة امتنان وحب نحو "حمزاها" وابنتها تتوسط ذراعيها .. وهي تعيد ذكرى ذلك الأسبوع وما فعله معها منذ لحظة المخاض الأولى .. جاورها بجوارحه وساندها وشاركها ألامها في غرفة الميلاد رافضا تركها بكل استماته .. ليزيد دوره عظمة عند وصولها للبيت مع طفلتهما متوليا داخل غرفة نومهما كافة خدامتهما بكل رحب وسعة مانعًا كافة المساعدات المقدمة من والدته وشقيقتها وشقيقته .. ليوحي فعله إليها عن تكفيره للذنب الذي اقترفه في حقها أثناء ميلاد تؤامهما .. وسنوات وحدتها بهما .. وهي أكثر من ممتنة وسعيدة لذلك التعويض ..

أمّا عن "أمير" فكان خلفهم يحتضن "أميرة" وهو يطالع احشائها المنتفخة قليلا برغبة مشتاقة لأجل اللقاء المنتظر مع فلذة كبده والذي أكده الطبيب بعد بضعة أشهر قليلة كما أفصح لهما في أخر متابعة دورية لها ..


ليتبعهما "علي" و"هنا" بنظراتهما الهائمة المتبادلة عن رغبتهما وتضرعهما الخفي للخالق لتذوق ذاك النوع من الرزق في القريب العاجل ..

ختمها "عمر" و"مرام" بنظرات عاشقة لم تتوانى عن الأزدهار والنمو بينهما راضيين بأن وجود الشهية "مريم" معهما كان أكثر من كافي لهما لعيش ذلك الشعور مبكرًا غير مكترثين بجلب شقيق لها في الوقت الحالي حتى تنمو وترعرع جيدًا في فيض حبهما لها ..


---------

تمت بحمدالله وكرمه 

شريهان سماحة
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

3 تعليقات
إرسال تعليق
  1. ابدااااااااع يا شيرى يا ملكة الرومانسية

    ردحذف
  2. مبدعة ياشيرى بجد بحب كتاباتك والرقى فى وصف المشاعر

    ردحذف
  3. امال فين حتة بتاعة ان راشيل حامل من عمر دى

    ردحذف

إرسال تعليق