القائمة الرئيسية

الصفحات

الفصل 37  حصنك الغائب

عدني صغيري لو خذلتني من أنجبتك
أن تجمع بكفك الصغير أناملنا في عناق! 






حصنك الغائب " الجزء الثاني!"

_ أخيرا يازوما هتبدئي شغل في المزرعة؟
_ والله بلقيس انا لسه مترددة
_ معقولة؟ مش ده تخطيطك من وقت ماجيتي من أوكرانيا انك تشتغلي هناك مع عمو ادهم وباباكي وعابد؟
قالت بشرود: أيوة بس.. ! 
أدركت سبب ترددها فقالت باستفزاز مقصود: فهمت، ماتقدريش تواجهي الحقيقة معذورة! 

ضيقت عينيها بتحفز:  حقيقة ايه؟

_ انك ضعيفة قصاد عابد يا زمزم..انتي بتدعي القوة لكن من جواكي خايفة من تأثيره! 
تمتمت بحدة:  بلقيس لو سمحت.. انا مش ضعيفة قدام حد ولا خايفة من اي مواجهة! 
_ بس ترددك بيقول كده وإلا كنتي قبلتي تشتغلي بكل شجاعة بس.. 
قاطعتها: هو ده هدفك يعني؟ بتستفزيني عشان اقبل؟ ماشي يابلقيس ولو ان لعبتك مكشوفة بس هلعبها معاكي وهكشفلك انك غلطانة! 

ابتسمت بلقيس بانتصار لم تريد سواه الآن..قربها منه في عمل مشترك هو فرصة لن يهدرها عابد.. هي تثق في حبه لها.. والأيام ستثبت من سيصمد أمام الأخر..وكفته سترجح عن الأخرى.. عشق ابن العم وذكائه؟ أم عناد زمزم وغباء ظنونها..! 

" وانتي عاملة ايه في شغلك؟"
_ الحمد لله يا زمزم كله تمام..وكل أما اشوف فرحة بابا بيا بتلمع في عيونه وفخره وأنا بنقاشه في حاجة أحس إني بعمل الصح..وظافر كمان مشجعني ومبسوط أوي من الخطوة دي وبيدعمني بشكل كبير

_ الحمد لله ياحبيبتي.. ربنا يوفقك وتحققي لعمي أمله فيكي وتثبتي نفسك أكتر وأكتر
_ اللهم أمين.. وانتي كمان يا زوما.. ربنا يريح بالك ويرزقك اللي بتتمنيه وينور بصيرتك! 
همست بابتسامة يظللها الحزن:  اللهم امين !
-----------------------
" مش هوصيك على الأستاذة " بسمة" يا عابد.. اهتم بيها لحد ما تفهم الشغل.. دي بنت ناس غاليين علينا! 

_ حاضر يا بابا ولا يهمك.. هي هتبدأ معانا امتى؟
_ بكره بإذن الله.. وعلى فكرة زمزم هي كمان هتنضم للمزرعة وهتدير الشغل معاك.. اهو كده يخف الحمل عنك شوية! 

انتفض قلبه غير مصدق انها ستفعلها وتوافق، حين أخبر العم محمد سرًا وادعى أنه يحتاج مساندة زمزم في إدارة المزرعة..توقع رفضها بنسبة تفوق قبولها بكثير.. لكنها وافقت.. ربما تكابر لتثبت انها تستطيع مواجهته..حسنًا.. فلتثبت وتكابر وتعاند كما تريد.. مهما فعلت..لن تنتصر عليه..معركته في استعادتها محسومة لصالحه!
--------------------------------------
أعرفك بالاستاذة بسمة متعينة جديد وبإذن الله تكون إضافة لمزرعتنا"

مشطت هيئتها بتقيم سريع من عين أنثى لمثيلتها، لتجدها على قدر وفير من الجمال، بشرتها الشقراء عيناها الفضية، وبعض خصلات هاربة من حجابها وشت بلونه الأسود..مع قدر من الرقة لا يسلم من تأثيره من يتعامل معها..! 

_ وانا يشرفني انضم ليكم يا باشمهندس.. ومرة تانية بشكرك انك بذوقك ولطفك خففت عليا رهبتي لأن اول مرة بشتغل وكنت مرتبكة وقلقانة! 

ابتسم لها وعين زمزم تتنقل بينهما بريبة وتفحص خفي: ماتقوليش كده، واي حاجة تحتاجيها أنا موجود، وواصل:  
والاستاذة زمزم هتكون مسؤلة عن الإدارة معايا وهتتابع شغلك! 
ابتسمت الأخيرة بمجاملة باردة:  أكيد! 

ذهبت الفتاة والتفت عابد يرمقها بتمعن، فاعتراها بعض التوتر الذي أخفته وغمغمت: ممكن اعرف حضرتك بتبصلي كده ليه؟
خجاب ومازال يحاصرها: 
_ ماتوقعتش توافقي تشتغلي في المزرعة! 
_ ليه يعني؟ ده هدفي من البداية؟ 
تمتم ساخرا: قلت سعاتك مش هتحبي تشوفيني كتير.. بس بما إنك هتشاركيني الإدارة هتضطري تتحمليني حواليكي! 

هتفت بجمود: عابد.. ياريت ماتتكلمش في أمور بعيدة عن الشغل! 
رد  بجدية تفوقها: 
عندك حق..عشان كده حابب الفت نظرك لحاجة.. انا هنا باشمهندس عابد..مش عابد.. ومابهزرش خالص في شغلي! 

رفعت أنفها بكبرياء وقالت:  وأنا مش جاية العب معاك " كيلو بامية" يا باشمهندس..أنا جاية اشتغل! 

وتركته لينظر بأثرها وتعلو شفتيه ابتسامة مغمغما بخفوت: 
أهلا بيكي يابنت العم..!
----------------------------
"ممكن تفهمني خايف من ايه يا سيد عاصم؟"

غمغم بقلق واضح: 
_ يا دكتور منا قلت لحضرتك قبل كده.. ظافر خطب بنتي بناءً على اقتراحك للمساعدة في علاجها..يعني مش رغبته الحقيقية! 
_بس هو عمل كل حاجة تثبت عكس انه مجرد اقتراح مني نفذه بدافع الشفقة.. جه بأهله واشترى شبكة غالية وبشهادتك انت مهتم بيها جدا.. 
_كل ده جميل ومشكور عليه وحقيقي شهامته نادرة في الزمن ده بس ...

_ بس ايه؟
_  خايف.. خايف علي بنتي اللي كل يوم بتتعلق بيه أكتر.. خايف هو في لحظة يحس ان اللعبة لازم تنتهي ويسيبها.. ولو ده هيحصل يبقي الأفضل يحصل دلوقت قبل ما يكون الموضوع أصعب.. أنا مصدقت بلقيس بقيت كويسة واشتغلت معايا وبتواجهه الناس من غير خوف..!

_ طيب ليه بتسبق الأحداث.. وبعدين منين عرفت ان ظافر هسيب بنتك؟ 
_ أنا مقدرش اجزم بحاجة يا دكتور.. لكن كمان مقدرش اتجاهل قلقي وخوفي عليها من جرح يزلزلها تاني.. محتاج حاجة تطمني.. عشان كده عايز حضرتك تكلمه وتعرفه ان بلقيس نفسيا بقيت بخير وهتتحمل لو عايز ينهي اتفاقه معايا..!  
صمت الطبيب وحدجه بنظرة مبهمة ثم قال:  الافضل انت اللي تكلمه يا سيد عاصم.. ده أصبح شأن خاص بينكم.. أنا مهمتي خلاص انتهت! 
واستطرد:  بس نصيحة ليك ماتتسرعش وسيب الدنيا تمشي زي ما هي..في النهاية محدش هيستمر مع واحدة شفقة.. لو ظافر مش بيحب بنتك عمره ما كان فضل لحد دلوقت.. كان من بدري هيخلق ميت عذر عشان. ينهي اللعبة زي ما انت مسميها.. لكن اللي واضح قدامي انه حب بلقيس.. وبيتصرف بدافع حبه مش عطفه عليها..! 

صمت عاصم وذهنه مشتت وكلمات الطبيب تتشابه مع حديث زوجته.. هي الأخرى تتبني نفس وجهة النظر، لكن من يهديء هواجس قلبه أو يقنع أبوته أن الأمور مستقرة؟

عاد الطبيب يواصل: نصيحة كمان يا سيد عاصم، حذاري بلقيس تحس بحاجة من ظنونك..ولما يرجع من سفره كلمه.. وأنا واثق ان ظافر هيكون عند حسن ظني فيه!
---------------------------
_الفستان يهبل عليكي يا عطر.. آبيه لما يشوفك في الفرح هيتجنن! 
_ جوري انا مش عايزة اجنن حد ولافي دماغي خالص.. وبعدين ريحي نفسك أنا مهما عملت يزيد هيشوفني اخته.. فلو سمحت سيبني ملصمة نفسي كفاية من وقت ما كنت هعمل حادث وانا نفسيتي تعبانة! 

اقتربت منها وقالت بتعاطف: انتي حساسة اوي ياعطر ومضخمة الموضوع، ده وارد يحصل مع اي حد بيتعلم السواقة جديد..والحمد لله اخويا انقذك في اخر لحظة! 

شردت عينيها وهي تتذكر عناقه المباغت وهو يضمها بخوف ودقات قلبه تنتفض، هامسًا في اذنيها ليهدئها بحنان لم تتذوقه منه قبلًا..كأنه بتلك اللحظة خصها بإحساس فريد..وجديد.. وكعادته التي لا يفقدها.. يرفع أحلامها عنان السماء.. ثم يقذف بها لتصطدم بأرض واقعها القاسي ( كنت هعمل كده مع جوري عشان اطمنها..! ). تردد جملته بعقلها،
ستظل بعينه مثلها.. وعبثًا أن تتمسك بخيوط أمل لن تصل أطرافها لقلبه! 

_كل اما اتخيل ان كان ممكن يتآذي بسببي يا جوري اخاف واكره نفسي..أنا ممكن اتحمل انه يفضل شايفني اخته، لكن مقدرس اتصور ابدا ان يزيد يحصله مكروه وبعد الشر افقده! 

_بعد الشر عليكم انتم الاتنين، وعلى فكرة انتي غلطانة ياعطر، هفضل اقولهالك لحد ما يجي يوم وتقوليلي كان عندك حق يا جوري.. وواصلت:  عموما يلا ننزل، عابد منتظر تحت عشان نروح القاعة، أمونة قربت توصل"
_ طب ماتخلي زمزم تيجي معانا تغير جو
_ أنا قولتلها فعلا.. بس قالت مالهاش مزاج.. حاسة انها مش مظبوطة الايام دي ياعطر.. حزينة كده ومهمومة! 
_ يمكن في حاجة مضايقاها.. بكرة نبقي تعدي عليها ونفرفشها شوية
_ اتفقنا.. يلا بينا..! 
----------------------------
_هتفضلي مكشرة كتير يا أمونة 
_ امال عايزني اعمل ايه بعد اللي قولته؟ انت تقريبا كسفتني قصاد ابن عمي وهو بيسلم. علينا
زفر بحنق:  مش ده اللي كان خطيبك؟ لو شوفتي كان بيبصلك ازاي كنتي عذرتيني
_ احمد الموضوع انتهى وانت عارف وهو خلاص خطب وهيتجوز ولا ماشوفتش خطيبته معاه؟ 

_ أنا ماشوفتش غيرك انتي! 

قالها بدفء عزف على أوتار أنوثتها وأركد غضبها وهمست بلين:   اضحك عليا.. انت حتى ماقولتش رأيك فيا وفي فستاني يا أحمد! 

تنهد وقال وهو يتأمل هيئتها بنظرة حانية:اتكلم ازاي وأنا متكتف.. لو باباكي وافق الخطوبة تكون كتب كتاب كنت عرفت اوصلك انبهاري بس اعمل ايه ماليش حيلة..!

ابتسمت لفهمها مقصده، فواصل:كل العيون عليكي.. قوليلي اخبيكي فين ياأمونتي.. أنا هموت من الغيرة! 

ضحكت بخجل ووجنتاها مشتعلة وغمغمت:  كسفتني يا ميدو، ماكنتش اعرف انك بتعرف تقول الكلام الحلو ده
_ روح وقلب ميدو انتي..اللي يشوف الجمال ده لازم ينطق

ابتسمت وتشعر أن روحها محلقة في السماء..اخيرا عوضها الله بشاب مثل أحمد..به كل ما تمنته وأكثر..تعاهد نفسها أنها لن تدخر جهدا في إسعاده بكل الطرق! 

_ علي فكرة، يزيد شكله هيحصلنا قريب"
هتفت بحماس:  بتتكلم جد؟ أبو الهول نطق؟
_ أيوة اخيرا.. بس لسه عطر ماتعرفش لكن طلبها من باباها
_ ياااه ماتتصورش فرحتني ازاي.. يزيد ده مافيش اطيب منه وغالي عندي اوي وبجد بعزه وبتمناله ال… 

قاطعها وهو يجز على أسنانه بحنق:  أمونة! 
هتفت ببراءة: نعم.. مالك يا احمد بتبصلي بغيظ كده ليه
_ لأنك عمالة تمدحي في يزيد..ياريت يبقي في إحساس عندك شوية! 
قالت بدلال:  بتغير عليا حتى من يزيد يا ميدو
_ واغير من ابويا يا قلب ميدو..! 
--------------------

_ ياسين، عابد لسه ما وصلش هو والبنات؟
_ كلمته من شوية وقال في الطريق، ثم وقعت عينه على باب القاعة وهتف ببساطة:  أهو جه مع البنات هناك! 

التفت يزيد لترسوا حدقتيه على الفواحة وطلتها الآسرة..لما  تحلو بعيناه كلما رآها..جمالها خلاب وردائها… ..

ضاقت عيناه وهو يمشطه بتركيز لينقلب اعجابه لحنق وهو يغمغم لنفسه بخفوت ساخط: ازاي تلبس فستان ضيق بالشكل ده؟ انا غلطان اني ما روحتش اجيبها بنفسي! 

اقترب ليتبين أصباغ وجهها المتناسقة مع فستانها الذهبي لتبدو أمامه أيقونة جمال وفتنة تعلقت بها عيون الكثيرين ليزداد حنق… وغيرة! 
……………

صافحها هي وشقيقته الذي مدح هيئتها متجاهلًا  ثناءه على عطر بحنق نبع من غيرة عمياء لا يجد معها سبيلا..ولم تترك هي حقها.. تعمدت هي الأخرى تجاهله وهي تستأذن لتمر أمامه بعد أن منحته نظرة غير مبالية وتركته متجهة نحو زميلها الباشمهندس " حسام" لتحاكيه حتي تحرق أعصابه وترد له الصاع صاعين.. فراقبها ليجدها تبتسم وتضحك ولا ينقص إلا أن يراقصها  ذاك المعتوه الذي سيلتهمها بعينيه إعجابًا ..وهنا فاض الكيل وحتمًا لن يقف متفرجًا عليهما ودمائه تحترق! 

أخذ نفسا عميقا جدا حتى تضخم صدره بالهواء ثم خطى إليها وجذبها من يدها كأنه يسحبها وهي تمشي بخطوات أقرب للركض وهي تهتف بغضب مكتوم:يزيد انت بتشدني كده ليه.. سبني مايصحش كده الناس بتبصلنا..! 

تجاهل ما تقول وما أن وصل بها لدورة المياة حتى أمرها بفظاظة ملوحا بيديه:  اتفضلي ادخلي اغسلي وشك من الهباب اللي انتي حاطاه ده! 
اشتعل غضبها أكثر مفسرة طلبه انه رآها بشعة.. ولن تهتم لأمره او تطيعه، عقدت ساعديها بتحدي: مين قالك اني هنفذ كلامك؟ مكياحي عاجبني ومش شايفاه أوفر ومناسب لفرح في قاعة زي دي! 

جز على أسنانه: نفذي اللي بقوله ياعطر وبلاش عناد! 
_ يزيد.. أنا مش مجبرة انفذ أمرك مادام انا مش شايفة في نفسي حاجة زيادة.. بص للكل هتلاقيني زيي زيهم! 
_ جوري مش حاطة زيك! 

تدرك ان داخلها تعمد مضايقته وهي تضع تلك الأصباغ..أليست مثل شقيقته؟ فليدعها وشأنها إذًا..!
_ جوري حرة وانا كمان حرة، وعن إذنك هروح اسلم على أمونة واحمد! 

عاق طريقها قبل أن تغادر..واقحمها جبرًا لتدلف لدورة المياة، من حسن حظه انها خلت من فتايات أخريين..فتح صنبور المياة تحت أنظارها الذاهلة وراح يقذف وجهها بالماء مرات متتالية دون لمسها فشهقت وهي تحاول الاعتراض ولم تجد الفرصة وهو يعاجلها بدفعات الماء حتى تبلل صدر فستانها بالكامل! 

ثم تركها وعقد ذراعيه ووقف يطالعها ببرود! 

أما هي فظلت على ذهولها مما فعل ثم بصرت وجهها الذي تلطخت ألوانه وردائها وحجابها المبتل فبكت بقهر لفعلته بعد أن افسد هيئتها بالكامل..! فالتفتت لتهدرت لتصب عليه غضبها : 

_ انت ازاي تتعامل معايا بالشكل ده.. مين سمحلك تشدني كده زي البقرة وراك وتغرقني بالمية..هجيب منين فستان تاني دلوقت ووشي اللي اتبهدل ومكياجي اللي باظ.. حرام عليك اللي بتعمله فيا ده.. انت عايز مني ايه ماتسيبني في حالي أنا خلاص تعبت منك! 

شعر أنه تمادى لكن لن يظهر لها هذا.. هي تستحق بعد أن تعمدت مضايقته وعاندته.. دنى منها وقال : انا قولتلك بالذوق تمسحي مكياجك لكن انتي عاندتيني يبقي اتحملي اللي يحصل..وواصل محذرًا: وإياك ياعطر تزعقي وانتي بتكلميني تاني .. فاهمة..؟!

حدجته بنظرة مقهورة ثم شرعت بتنظف وجهها بمحرمة ورقية وما أن انتهت حتى غادرت محيطه وتجنبته باقي الحفل وكلما سألها أحدها عن ما حدث وبلل ردائها، تعللت ان صنبور المياة فسد وأغرقها.. وبعد قليل هاجمتها نوبة عطس شديدة فعلى ما يبدو أصابتها البرد..وهذا متوقع بعد حماقة من أسمته لوح الثلح معها..!
--------------------------------- 
برقت عيناها بفرحة فاقت لمعة الشبكة الذهبية الذي قدمها لها أحمد.. أناملها ترتجف وهي تستقبل خاتمه الرقيق.. عنقها ينادي طوقه مرحبًا بقيده طوال العمر.. صدح تصفيق الجميع حولهما بحماس جعلها تخجل..ولم تكن تلك نهاية ما في جعبة حبيبها.. الأضواء انحسرت بغتة إلا من بقعة دائرية تحوطه.. جذبها برفق لتجلس أمامه على الدرج المزين بأضاءة ملونة في القاعة.. وأمسك المايك وراح يشدوا لها وحدها.. عيناه تتلقف حدقتيها بعناق.. شفتيه تبثها كلمات ناعمة والموسيقى تعزف خلفهما ليصبحوا لمن يراهم لوحة متكاملة من الحب والرقة المغموسة بسعادة كلًا منهما مع صاحبه! 

((انتى لسه زي ما انتي قمر في عيني
احلى عُمر ده اللى كان بينك وبيني
واما تيجي في الكلام سيرتك بقول
دي حبيبتي الغالية دي بنت الأصول
مستحيل اقبل في حقك أي كلمة
انتي اعلى منهم فوق انتي نجمة
واللى بيسأل عليكي بقول دي نعمة
مستحيل اوصف جمالك مهما أقول))

لم تجد ما يعبر عن فرحتها سوى البكاء.. واحدى أمانيها تتحقق الآن.. حبيبها يخصها بأغنية.. يغني لها وحدها.. وكأن الكون خلى من سواهم..هي وهو..وفقط! 

_ دي دموع الفرح؟

_ همس بأذنيها لتجيبه بإيماءة هادئة مع صوت خافت: أيوة.. كنت بتمني في فرحي عريسي يغني ليا لوحدي! 
ومضت عيناه بحبه وقال:  عارف.. سألت موني وعرفت نفسك في ايه! 
اتسعت عيناها دهشة.. هل اهتم لسعادتها بهذا القدر؟ أخبرته انها إمرآة يفرق معها التفاصيل الصغيرة.. وكأنه ينقش على جدار قلبها حبه لها بكلمات لن يمحوها الزمن.. مهما حدث بينهما لن تنسى انه منحها تلك اللحظات التي تساوي عمرًا لديها.. ولأنه عاشق كريم.. لن تكون هي أقل كرمًا منه! 
تحركت شفتيها بدافع مشاعرها وهمست لتمنحه اعترافها الأول: " بحبك يا أحمد" 

لم يتوقع أن ينال اعترافها الآن.. ظن انه سينتظر أكثر.. لكنها أهدته هي الأخرى ذكرى لن ينساها.. وگ رد فعل مجنون نهض وصاح للمدعوين بسعادة:  قالتلي بحبك يا بشرررر..! 

اخفت وجهها بين كفيها من الخجل لفعلته فضحك وجعلها تنهض لتقف أمامه وهمس لها:  مش كنا كتبنا الكتاب يابنت الناس.. كنت أخدت راحتي! 

نكزته بعتاب لانه اخجلها أمام الجميع.. وداخلها تمنت مثله أن يكون حلالها لتعانقه!
-------------------------------

الحفل قارب على الانتهاء وفشلت كل محاولاته ليحدثها ويلطف الأجواء معها مرة اخرى.. ولم يعد لديه سوى الاستعانة بأحدهم! 

" حاضر يا آبيه هعمل زي ما طلبت"
ذهبت تجاهها وهمست بأذنيها: عطر تعالي عايزاكي برة القاعة، تبعتها دون تباطؤ وقد راق لها الابتعاد عن ذاك الصخب.. تريد ان تبكي بعد فعلة يزيد لكنها تتماسك بكل قوتها حتى لا تنهار!

_ خير يا جوري عايزة ايه؟
_ أركبي بس عشان اللي هقوله مهم ومش هينفع واحنا واقفين
نظرت لسيارة يزيد وقالت بحدة:  مش هركب هنا، تعالي نروح عربية اخويا احسن! 
_ يابنتي هي هتفرق؟ وبعدين. مفتاح يزيد اصلا شايله معايا في شنطتي.. هنتكلم ربع ساعة بس ونرجع للقاعة..يلا انجزي

زفرت بضيق واستقلت جوارها على مضض وهتفت بضجر:  اتفضلي اتكلمي.. ولو إن كان ممكن تستني اما نجع البيت الدنيا مش طارت يعني! 
_ لا وانتي الصادقة أنا اللي هطير من جمبك.. سلام! 

وبسرعة البرق وجدت جوري تغادر ويزيد يحتل مقعد القيادة 
والسيارة تتحرك وتبتعد بهما تحت ذهولها التام وهي تطالعه ببلاهة ثم تستدير خلفها لترى تلك الماكرة تلوح لها بابتسامة استفزازية عائدة للقاعة من جديد..! 

أفاقت من صدمتها سريعا وصاحت بحنق: ممكن افهم ايه لعب العيال اللي بيحصل ده؟ 
رفع أكتافه ببرود وقال وبصره مصوب على الطريق: وانا مالي.. واحد راكب عربيته وبيسوقها..وانتي اللي ركبتي عربيتي بإرادتك..فين لعب العيال هنا؟

ضاقت عيناها وصاحت بغيظ: نزلني يا يزيد! 
_ أسف مش هنزل حد! 
_ بقولك نزلني احسلك بدال ما انط من العربية وهي ماشية
واصل استفزازه:  براحتك مش همنعك!

حاولت بالفعل الفرار فوجدت باب السيارة موصد، فرمقته بغضب وظلت صامتة تنظر خارج النافذة بجبين مقطوب.. ثم فاجأتها " عطسة" فرمقها بقلق اختلط بتأنيب ضميره حين ايقن انه تسبب بإعيائها بنوبة برد، ناولها محرمة ورقية فآبت ان تلتقطها منه.. تفهم رفضها وبعد وقت قصير وصل لمكان هاديء يطل على النيل، فقال:  انزلي ياعطر عايز اتكلم معاكي شوية! 

وغادر بالفعل مبتعدا.. فلبثت دقائق داخل السيارة تعاند الذهاب إليه ثم شعرت بالضجر، فنزلت واقتربت منه وصاحت: 
ممكن افهم انت عايز مني ايه بالظبط؟ مش ارتاحت لما خليتني فرجة للناس وانا ماشية وسطيهم بفستان وحجاب مبلول و… 

_ أسف! 

قاطعها بأسفه الصادق، فلم يشفع له عندها وواصلت بجمود: لو جايبني هنا عشان تعتذر.. من فضلك رجعني.. قبلت اعتذارك او لأ مش هيفرق معاك! 
_ لو زعلك مش فارق معايا ياعطر.. ايه تاني هيفرق؟

رمقته بنظرة عاتبة فاستطرد بنبرة أرق:  كنتي جميلة اوي.. جمالك طير عقلي..! 

رمشت عيناها بارتباك لا تصدق..لتزداد وتيرة دهشتها مع اعترافه:  عشان كده غيرت عليكي وخليتك تمسحي مكياجك.. بس بردو فضلتي زي ما انتي..جميلة! 

عيناها تنظر له بذهول، فواصل بقول أخر ما توقعته: 

_ أنا بحبك ياعطر..! 

توقف بصرها مصوبًا عليه دون إراده..عيناه التي ترى بها اشياء لم تبصرها من قبل.. يحب من؟ هي؟ هي عطر؟ 
تلفتت حولها بتيه علها تكتشف أنها تحيا حُلمًا.. علها تفيق الآن وتدرك انها لا ترى وقعا.. لكنه اكمل اعترافه بذات النبرة الخطيرة:  بحبك من زمان.. بحبك وماكنتش فاهم نفسي.. صدقيني ياعطر.. أنا بجد بحبك.! 

لم تعد تراه.. دموعها تتكاثف بمقلتيها وتحجب وجهه، لكن ظل صوته يردد عليها:  لازم تصدقيني..حبك مبقاش يقبل التردد او الشك..ولو كدبتيني هفضل احاول.. هفهمك بكل الطرق اني بحبك وانك حبيبتي..حقي فيكي مش هسيبه ولا هنساه..كل اما هتعاندي هتمسك بيكي اكتر.. قولي عني أناني.. قولي مغرور.. بس انتي ليا وحبيبتي مهما رفضتي تصدقي! ما تحاوليش تبعدي لأنك هتلاقي قلبي مقيدك جواه.. كل محاولاتك هتفشل.. وفري عليا وعليكي الوقت وآمني في اللحظة دي اني فعلا بحبك!
---------------------------

تفهم تخبطها ومحاولة هروبها من أمامه بعد استنكارها المذهول وهو يحاوطها بطوفان اعترافاته لها بحبه.. هرولت تستقل سيارة أجرة عبرت في الطريق، لم يمنعها واكتفى بمتابعتها بسيارته حتى وصلت لمنزلها وصعدت بأمان..وقف ينظر بأثرها وهو يعلم ان تقبلها لحقيقة مشاعره لن تأتي سريعا.. ستكذبه لكنه لن ييأس..لن ينضب صبره معها..  فواحته تستحق ان يحاول دون كلل..!

دوى رنين هاتفه وقاطع شروده فأجاب:  أيوة يا جوري.. لا خلاص عطر وصلتها لبيتها.. انتي امشي مع عابد وياسين.. مع السلامة! 
اغلق مع شقيقته ونظر لشرفتها عله بلمح طيفها قبل أن يمضي.. لم يحظى به.. فغادر وداخله أطلق لنفسه الوعود.. قريبا لن يفصله عنها حدود أو جدران! 
-----------------------------

كلما كتبت جملة تعود وتمحوها وتغلق المحادثة.. ثم يساورها القلق ويُحرضها ان ترسلها له.. مجرد سؤال انساني عن حالة والده..بعد أن سمعت قدرًا من ياسين أن عامر لم يحضر الحفل لمرضه المفاجيء..ها هي تعود لتمحي ما كتبت.. أغلقت الهاتف.. تركته جانبها.. تحاول أن تغفو وتفشل.. ماذا فيها إن أرسلتها له..فلترسلها وتغلق هاتفها ولا ترد إن حدثها..وبعد تردد طال دقائق أخرى فعلتها.. ارسلت له دعوة صادقة بسرعة تعافى والده ..شعرت بخجل شديد بعدها وكأنها كانت مخدرة برغبتها.. لكن ماذا تفعل والحزن الإحباط سيطر عليها بعد أن تمنت داخلها ان تراه اليوم بخفل خطوبة أمونة.. بعد انقطاعه التام عن مراسلتها كما وعد..وفاءه بالبعد حتى تحين اللحظة المناسبة رفع قدره بعيناها.. الرجل كلمة.. إن قال.. فعل..وهو نفذ ما قاله!
تنهدت وهي تتقلب علي فراشها ثم تذكرت عطر وأخيها وطلبه ان تحضرها بالحيلة لتستقل سيارته.. كم سعيدة لأجله.. اخيرا يزيد يمضى في طريق سعادته بعد أن اكتشف عشقه لعطر..لمعة الحب والغيرة التي لمحتها بحدقتيه الليلة طمأنتها عليهما.. هانت يافواحة..أحلامك التي ظلت مخبأة سنوات خلف ستائر نومك، تطرق بابك الآن..تزيح كل الستائر بقوة لن تستطيعي تجاهلها او تكذيبها..! 
-----------------------------

_قوم نام شوية يا عامر زي اخوك، انا سهرانة معاه مش هنام
_ لا يا ماما ارتاحي انتي، انا مش تعبان! 
سحبت يده ووجهته لباب الغرفة برفق: 
اسمع الكلام يا حبيبي انت مانمتش من امبارح انت واخوك، روح أودتك ارتاح ومتخافش، حالته خلاص استقرت كتير عن الأول وأنا اهو جمبه ماتقلقش! 

عقله يرفض ان يترك أبيه لكن جسده يهفو لبعض الراحة والنوم ولو ساعة، تركها وولچ غرفته وارتمى على فراشه مسدلا جفنيه بإرهاق وصداع شديد يفتك برأسه..تذكر هاتفه 
فبحث عنه حتى وجده بالجوار.. وراح يتفقد رسائله ومكالماته الفائتة ليباغت برقمها الذي يحفظه گ حروف أسمه، فتح رسالتها بلهفة لتتسع ابتسامة حانية على شفتيه وهو يغمغم بخفوت: رقة قلبك مالهاش حل.. كأن حنان الدنيا كله ساكن جواكي لوحدك.. بحب حنيتك وبحبك يا جوري! 

قبل صورتها التي عينها خلفية لرقم هاتفها وتذكر وعده انه لن يحادثها إلا وهو له حق بها..ووفى بوعده هذا بشق الأنفس وهو يجاهد رغبته أن يرسل لها كلماته.. وجد من الذوق أن يرد على دعوتها بالمثل، فكتب لها ( رسالتك الرقيقة ودعوتك الحنينة عاملة زي النسمة اللي رفرفت على قلبي وهونت عليا حزني وتعبي.. ربنا مايحرمني منك.. شكرا يا ملاكي..)..انتظر وهو يطالع هاتفه علها تجيب، لكنها لم ترد.. واكتفى هو بما منحته أياه.. ترك الهاتف وأرخى جسده وعلى قسماته طغت ابسيامة هائمة بتواصلها القصير.. وعزم بأول فرصة  بعد تعافي والده سيزور والدها ويطلب يدها كما وعد..! 
---------------------------
_ نمتي ياعطر؟
تظاهرت بالنوم لوالدتها التي غادرت غرفتها بالفعل، اعتدلت لتجلس نصف جلسه ونظراتها شاردة..مازالت تشعر بتخبط.. بعثرها يزيد باعترافه..لا تصدق إلى الآن ما حدث معها .. نزعت الغطاء عنها واتجهت لتقف أمام المرآة تتأمل وجهها..هل قال لها احبك؟ قالها أم تتوهم؟
ولو قالها هل هي ساذجة لتصدقه؟ يحبها؟ كيف ومتى؟!.. قلبه لم يسع يومًا غير ابنة عمه الجميلة..اما هي.. لا تمتلك داخله غير الشفقة..ربما وشت جوري بحبها له سرًا..ربما كشفها هو وأراد ان يعطف عليها ويمنحها اعتراف حب كاذب جبرا لخاطرها، ربما وضع علاقته بها بميزان العقل فقط ووجدها فتاة مناسبة وأراد بذلك تحقيق رغبة والدته ليتزوج، فاختارها گ ابنة خالته لا أكثر..والساذجة ستصدق وتوافق! 

أغمضت عينيها تستعيد وجهه وهو يصارحها بحبه المزعوم ودموعها بدأت تسيل على جانبي وجهها مغمغمة لذاتها بخفوت: ليه يا يزيد.. ليه بتشفق عليا.. شفقتك دبحتني..مستحيل اصدق كلامك.. مستحيل تكون بتحبني! 

" عطر طمنيني عليكي!"

ومض هاتفها برسالته، طالعتها بسكون وواصل هو سيل كلماته:  عارف انك مش مستوعبة.. وانك بتكدبيني.. أنا فاهم حالتك كويس ومقدرها لأني فكرت في الخطوة دي كتير وحسمتها جوايا..مهما رفضتي تصدقي مش هيأس معاكي..انتي اللي ادخرت عمري عشانها ياعطر..و سعادة أيامي الجاية معاكي..هسيبك لحد ما تستوعبي لكن مش هصبر كتير.. مش لأني فقير الصبر..لأ.. لأني مش عايز اضيع وقت تاني وانتي بعيد..تصبحي على خير يا فواحة!

تلتهم كلماته بعينيها وتحاول استيعابها..تريد التصديق..لكن ماذا تفعل ومارد ظنونها يحاربه ويكبلها..يزيد يحبها هي؟!
اغمضت عيناها بقوة لتصد عنها سهام أفكارها القاتلة..ليتها تسقط في غفوة الآن.. هي نجاتها من براثن صراع عقلها المجهد! 
--------------------------

جانب أخر من شخصيته تختبره للمرة الأولى منذ أن عملت جواره تلك الفترة!..جديته ورزانته في التعامل عكس روحه المرحة التي عرفتها..سيطرته على جميع العاملين في المزرعة بقوة وحزم يمتزج باحترامه وتقديره لما يقدمون..لكن أمر وحيد أقلق مضجعها.. تباسطه نوعا معاه مع تلك الصغيرة فضية العينين " بسمة" أيقونة الرقة بشهادتها هي گ أنثى.. ربما تتفهم أن عابد يحتوي قلة خبرتها كما زعم أمامها ذات مرة.. لكن ما أوجسها وأذهب عن جفناها النوم حين سمعت قدرًا توصية العمة كريمة لعابد عليها..وسرد خِصالها الحميدة بشكل مبالغ به..ورغما عنها نغز قلبها الحزن وهي تتذكر حديثها الجارح انها أرملة لديها طفل ولا تليق بعروس لابنها..!

لم تشعر بتلك القطرات التي انحدرت من عيناها إلا وهي تزحف لجانب عنقها فجففتها وأحضرت صورة زوجها الراحل وراحت تتأمله.. فلم تجد سوى انعكاس ملامحها الباكيه عليه..لوهلة لم تتبين ملامحه وكأنها ما عادت تسكن إطار الصورة.. أين هو؟ لما تخلى عنها وتركها لضعف مشاعرها..عابد يفرض سيطرته بقوة على قلبها.. يغزوا روحها بكل أسلحته وهي أمامه گ خصم أعزل.. كيف تصد هجوم نظراته..همسه الدافيء حين يلقي عليها تحية الصباح كأنه يعانقها..تأمله الخاطف التي تتظاهر بتجاهله! كل شيء يفعله يهدم جدارنها العازلة حتى أصبحت لا تجد مخبأ يحميها منه إلا هو نفسه.. كل الطرق تؤدي إليه! 

_ صاحية يا زمزم؟

صوت والدتها مع طرقتها الهادئة انتشلها من شرودها، فأعادت صورة زوجها لمكانها وجففت عبراتها وقالت:  اتفضلي يا ماما

دلفت تحمل بيديها صينية صغيرة يعلوها كوب حليب وبعض الفطائر وقالت بعد أن وضعتها بالجوار:  لقيتك نمتي من غير عشا قلت اجيبلك حاجة خفيفة تاكليها مع كوباية لبن تسندك
ابتسمت بمحبة: تسلم ايدك يا حبيبتي.. بس انا مش جعانة! 
همست برجاء حاني: طب لو قولتلك تاكلي عشان خاطري؟
ردت بحنان:  حاضر يا ماما هاكل عشانك! 
راحت تلوك بعضًا من فطائرها وهي ترتشف من الحليب الساخن وعبير تتأملها بشرود والقلق يطفو على قسماتها بقوة، فربتت زمزم علي كفها مغمغمة: أنا كويسة يا ماما متخافيش! 

همست عبير:  يعني مرتاحة في الشغل مع عابد؟
_ الحمد لله! ومبسوطة جدا بجو الشغل.. انا كنت محتاجاه! 

تنهدت عبير ونكست رأسها بحزن أوجس زمزم فتسائلت وهي ترفع وجهها بأطراف أناملها:  مالك يا ماما؟ كأن في شيء مزعلك، حصل حاجة؟!
رمقتها بصمت وشفتيها مطلقة بشدة.. تخاف أن تقص عليها ما علمت اليوم حين زارتها كريمة وبذلت هي قوة. جبارة كي لا تعبس في وجهها متذكرة عهدها مع زمزم ألا تتغير معها..! ربما لأن داخلها يلتمس لها عذرًا..تجربة كريمة مع يزيد وجرحه من ابنة عمه ربما ترك بها عقدة.. لذا رفضت فكرة ان يكرر عابد نفس القصة، خاصتا مع ظروف ابنتها گ أرملة لديها طفل..!
_ ماما ساكته ليه قلقتيني! 
اغتصبت ابتسامة زائفة وهي تنهض هروبًا: مافيش حاجة يا زوما اطمني.. انا بس كنت خايفة تكوني مش مبسوطة في الشغل وحبيت اطمن.. وواصلت:  هسيبك بقى تنامي عشان بتصحي بدري.. تصبحي على خير..! 

همت بالرحيل فتركت زمزم فراشها وحالت دون خروجها وهتفت بحزم:  قولي اللي عندك يا ماما لو سمحت.. وغلاوتي انا ومهند عندك ما تخبي عليا حاجة المفروض اعرفها..! 
أطرقت برأسها ثانيا واغرورقت عيناها تلك المرة فأرتجف قلب زمزم ولفحها تيار ظنونها وهتفت بقوة ظاهرية:  اتكلمي يا ماما ومتخافيش عليا.. يمكن اللي هعرفه دلوقت يكون في مصلحتي مش ضدي! 

تردد عبير وهي تطالعها ثم همست بخفوت:  كريمة زارتني انهاردة و… .
صمتت وظلت زمزم تترقبها وهو تعاود مستطردة: وقالتلي انها جابت عروسة لعابد  اسمها بسمة وشغلتها معاه في المزرعة! 

تجمدت كتمثال لبرهة ثم شعرت أنها ترتعش والأرض تتلاشى أسفلها وهي تسقط فاقدة السيطرة تماما على قدميها..لتصرخ عبير وهي تتلقفها لتمنع سقوطها..لكن لم تكفي قوتها لتحميها من السقوط!
-----------------------
أوشك الملح الزائد أن يفسد الطعام  الدي يحاول تحضيره في وقت قياسي مع المحافظة على جودته لينال فرصته بالفوز بالتحدي الجديد بين فريقه في البرنامج..مكالمته بالأمس مع العم عاصم أقلقته حين أخبره انه سيتحدث معه بشيء هام  يخص بلقيس حين يعود.. ماذا حدث؟ وكيف سينتظر تلك المدة المتبقية على عودته ليتحدث معه ويطمئن؟ 

_ يا زلمة.. وين عئلك؟ 

انتبه لتحذير رفيقه فادي في نفس فريقه وأدرك انه كاد يفسد طعانه مرة أخري، فغمغم باعتدار ممتن:  شكرا لتنبيهك يا فادي.. فعلا سرحت شوية! 

نفض كل أفكاره بقوة واستجلب كل تركيزه بما يفعل حتى لا يتسبب بخسارة وهو إلى الآن محافظًا على مستواه بين الجميع! 
………………… 

أخيرا انتهى يومه وانفرد بفراشه وظل يتقلب بأرق ليسقط بغفوة ويُسكت أفكاره وهواجسه.. وفشل بإسكاتها، قرر أن يستجيب لرغبته حتي لو انتصف الليل لا يهم..التقط هاتفه ليتصل برقم سيطر صاحبه على عقله طيلة الوقت! 
_ السلام عليكم ياعاصم بيه! 
بدا النعاس يغلف صوت الأخير وهو يجيبه:  وعليكم السلام. ورحمة الله وبركاته يا ابني.. ايه خير ياظافر حصل حاجة؟ 
ثم نظر لساعته فوجدها تخطت التانية عشر دقائق، فغمغم:  مش المفروض بتكون نايم دلوقت؟ 
_ المفروض.. بس مش عارف أنام
_ ليه يا ابني مالك تعبان؟
_ بالي مشغول ياعمي بعد كلامك ليا امبارح! 

تنهد وهو يستعد تركيزه ويفقد أثر النوم وقال: 
انا ماقصدتش اشغلك ابدا.. بس الكلام جاب بعضه وانا كل اللي قولته إن في نقط بنا هتتحدد لما ترجع
_ وقلت تحديدا في علاقتي ببلقيس.. صح؟
_ صح.. بس اظاهر اني اتسرعت.. كان لازم انتظر لما ترجع! 
_ وانا مش هقدر انتظر يا عاصم عشان افهم اللي بتفكر فيه بالظبط.. ارجوك تكلمني بصراحة وتطمني.. في حاجة حصلت مع بلقيس معرفهاش؟

نظر لزوجته الغافية وخاف إزعاجها فانتقل لمكان أخر وقال: اسمعني ياظافر.. أنا يا ابني مقدر شهامتك ومساعدتك لبنتي في محنتها طول الفترة اللي فاتت وانك كنت راجل ومقصرتش ولا ادخرت جهد انك تخليها تتعافى، ده معروف عمري ما هنساه لحد ما اموت.. وبما ان بلقيس الحمد لله بقيت افضل واستجمعت نفسها تاني واشتغلت وابتديت تعيش حياتها بشكل طبيعي فأنا… 

وصمت ثوانٍ واستأنف بعدها:  أنا بعفيك من أي اتفاق بنا وبحررك من قيد خطوبتك لبنتي.. وكل اللي طالبه منك انك. تنسحب من حياتها بشكل ما يأذيهاش زي ما وعدتني لما الطبيب طلب منك تقوم بالدور ده! 

كأنه غرز خنجرًا بقلبه الذي تألم وكاد يتآوه..لم يتصور ابدا أن يشغل تفكيره طريقة ارتباطه الأولى.. ظن أن نيته وصدق رغبته لا تحتاج توضيح وتأكيد.. لكنه كان مخطيء..ووجب عليه إعادة تسكيل الصورة له بشكل أدق وحاسم.. قطع صمته تساؤل عاصم:  انت معايا ياظافر
همس الأخير: تسمحلي اتصل بحضرتك مكالمة فيديو؟

لم يجد غضاضة. بتلبيه طلبه، فأضاء الغرفة وحول المكالمة لاتصال فيديو، فطالعه نظرة ظافر القوية له وهو يقول: 

_تفتكر ياعمي كنت هكمل مع بلقيس الفترة دي كلها لو كان اللي جوايا ناحيتها مجرد شفقه وعطف؟ ازاي حضرتك بتفكر كده..؟
_ امال عايزني افكر ازاي ياظافر.. مش ممكن انسى ابدا انك اتجبرت تخطبها باقتراح من طبيبها.. من حقي اخاف على بنتي..أنا ماصدقت قدرت تلملم روحها وترجع زي ما كانت.. وانا كل يوم بشوف تعلقها بيك بخاف عليها أكتر.. عشان كده بقولك لو ناوي تسيبها يبقي دلوقتي أفصل بعدين! 

_ مش هسيبها لو على موتي..!

هدر بها بقوة واستأنف: بلقيس حته من روحي ازاي ابعد واتخلى عنها؟؟ وكون اني ما وضحتش موقفي قبل كده.. ده لأني كنت معتقد حضرتك شايف بنفسك انا بتعامل ازاي ومصدقني.. أنا لو ناوي اسيبها كنت عملت كده من زمان ياعاصم بيه.. لكن بالعكس.. كل يوم بقرب منها وبحبها أكتر.. بلقيس هي حياتي.. ولو هترتاح لو طلبتها منك تاني.. هطلبها تاني وعاشر ولحد ما تكتفي..المهم تطمن من ناحيتي! 

تلجم عاصم من حرارة مشاعره وانفاعالاته الصادقة تجاه بلقيس وراح يطالعه بعين ممتنة ومطمئنة.. وظافر يواصل:

خليك معايا دقيقة هوريك حاجة! 
وغاب بضع ثواني واحتل ثانيًا محيط الكاميرا  التي سلطها علي فستان أنيق ورقيق والأخير يغمغم: من يومين شوفت الفستان ده في إحدى دور الأزياء المعروفة هنا.. وقفت أتأمله ولقيتني بتخيل بلقيس وهي لابساه وايدها في إيدي.. وكنت ناوي افاتح حضرتك في رغبتي اني أعقد قراني عليها اول ما ارجع.. وطلبت من والدتي تستعد لتجهيز الجناح اللي هعيش فيه أنا وبلقيس بعد جوازنا..لأن مافيش حاجة تخليني انتظر أكتر من كده.. قولي عايز دليل أكتر من كده ايه عشان تآمن اني بحب بنتك وعايزها انهاردة قبل بكره يا عاصم بيه؟؟؟؟

نكس الأخير رأسه ليسيطر على دموعه التي خانته.. الآن فقط اطمأن قلبه.. ظافر متمسك بابنته ويحبها حقًا وأكثر مما تصور..! 

_ أرفع راسك وكلمني وقولي ان خلاص مافيش قلق جواك.. قولي انك وافقت اننا نرتب لزواجنا مجرد ما ارجع.. صدقني انا مش هقدر اصبر علي بعدها أكتر من كده! 

مسح على وجهه بكفيه وأخذ نفسًا عميقا ثم زفره وغمغم بهدوء:  قدر موقفي يا ابني أنا أب.. لو مش هخاف على بنتي الوحيدة.. أخاف على مين؟
تمتم بتفهم:  فاهم ومقدر.. ومنتظر جوابك..اتمنى تريحني بموافقتك! 

ابتسم له وأردف:  قبل ما اديك رأيي عايز منك وعد أخير يا ظافر واتمني تتعهد بتنفيذه! 
_ اتفضل.. ايه هو الوعد اللي هيطمنك؟

تردد قليلا ثم قال:  الحادث بتاع بنتي للاسف كان أول تجاربها القاسية في الدنيا لما فكرت تبعد وتجرب مغامرة بسيطة وعادية، بس حصل اللي حصل.. اوعى في يوم تعايرها بيه.. أو تنسى ان بنتي كانت في النار ومع كده كانت قوية وقدرت تحمي نفسها.. اوعدني عمر ثقتك فيها ما تتهز ياظافر.. اوعدني تستوعب خوفها لو خافت في موقف معين بعد ما يجمعكم مصير واحد.. أوعدني عمرك ماتقسى عليها ولا تتخلى عنها وتكون سندها بعد ربنا وبعدي لما ربنا ياخد أمانته! 

كم رائع هذا الأب وكبر بعيناه الآن..استماته أن يحفظ كرامة ابنته ويأخذ كل الضمانات التي تصونها جعله يفتخر انه "سهره".. وزار خياله بتلك اللحظة إيلاف التي يضعها بمثابة الابنة وليست الشقيقة.. خوفه وحرصه عليها يشبه شعور السيد عاصم وأكثر..سيمنحه وعدا لن يخلفه ما حيا وبقى له من عمر..! 

_ أوعدك اني عمري ما هجرحها ولا قيمتها تقل في نظري ولا احملها فوق طاقتها.. أوعدك أكون ليها السند والعون وقت ما تحتاجني.. واكون ليها الزوج اللي يدللها.. والصديق اللي يفهمها.. والحبيب اللي يستوعب مخاوفها.. عهد بيني وبين ربنا مش بس معاك! 

الآن فقط يستطع أن يتنفس وهو مرتاح البال ومنشرح الصدر..قرة عينه ستحظى برجل يرقى لمرتبة الفرسان!
-----------------------

عاد لفراشه براحة مستعيدا روحه الضائعة وسط خوف الأيام الماضية.. لم تعد الظنون تحتل نفسه بعد حديث ظافر معه.. ووعده انها ستكون حبيبته ومدللته الغالية.. 

شعرت به يحتضنها ويغمس رأسها في صدره. فرفعت وجهها تطالعه من بين نومها:  عاصم.. مالك انت كويس! 
_ عمري ما كنت كويس زي دلوقت.. الحمد لله يا دره انا خلاص اطمنت علي بنتي! 

استيقظ عقلها دفعة واحدة واعتدلت متسائلة بفضول: 
حصل ايه ياعاصم فهمني! 
قص عليها  تفاصيل مكالمته مع ظافر حتى هتفت دره بعتاب: بردو عاصم عملت اللي في دماغك؟ منا قولتلك الولد بيحبها

_ ماكنتش هرتاح غير لما اسمعها منه يا دره.. الحب والعزم في عيونه عرفني قد ايه بيحب بنتي وهيحافظ عليها
_ الحمد لله ان بالك ارتاح يا عاصم.. وربنا يسعدهم ويفرحنا بيهم قريب
ابتسم هامسا:  لهفته وانا بكلمه تخليني اقولك انه مش هيستني كتير على خطوة الجواز، ظافر فعلا مستعجل يتمم جوازه لما يرجع، ثم قال بتردد:  بس تفتكري بلقيس نفسيا هتكون مستعدة للجواز دلوقت؟ طبعا انتي فاهمة قصدي ايه.. خايف اللي حصلها يكون عمل جواها عقدة و… ..
قاطعته بثقة:  متخافش.. لما يبقي زوجها بيحبها كده.. هتتخطى معاه كل المخاوف.. ظافر هيقدر يحتويها بحبه وحنانه أنا واثقة ومطمنة عليها معاه
_ يابختك ياظافر.. حماتك بتحبك وتثق فيك! 
ضحكت بخفوت : طبعا مش هيبقى جوز بنتي.. يعني ابني.. انا عمري ما هنسي انه كان طوق نجاتها بعد ربنا..!

تنهد وهو يعيدها لصدره: ربنا يسعده ويسعدها..!

لم يمضي الكثير إلا وغاب بنوم عميق، فنظرت للراحة التي تعلو قسمات وجهه وعلمت كم قاسى من هواجسه الفترة الماضية.. دثرته بالغطاء وقبلت جبينه وهمست:  ربنا ما يحرمنا من رعايتك وحنانك وخوفك علينا ابدا ياعشرة العمر! 
-------------------------------- 
يشتاقها حد الوجع.. خوفه بعد حديث أبيها وتلويحه بفراقهما وهو يظن ارتباطه بها مازالت تكسيه الشفقة والعطف جعل قلبه يخفق بشوق هائل لها..ولن يقدر على ردع هذا الشوق وتهدئته سوى سماع صوتها الآن..! 

رنين متواصل يصدح بسكون غرفتها وهي تتجاهله دون وعي، إلى ان اضطرت لفتح عيناها لتجيب بنعاس:  ألو..! 

لم. تسمع سوى تنهيدة وأنفاس واضحة تشي بانفعال صاحبها فاعتدلت لتهمس بصوت يوهنه النعاس:  ظافر؟ 

_ بحبك! 

تصلبت يدها حول الهاتف بعد قوله وعينيها متسعة بذهول! 
هل ما سمعته حقيقة؟ هل قال لها تلك الكلمة التي تهفو إليها منذ زمن؟! قالها حقًا ام تهيؤات خيالها تلعب بها؟

- بحبك يابلقيس! 

أعاد قولها عليها لينفي ظنونها ويؤكد مشاعره..
صوته شديد الدافء.. تكاد تسمع دقات قلبه الخافق يصلها عبر الهاتف الذي تحتضنه بأناملها كأنها تعانقه هو! 

ليسترسل بنفس النبرة المهلكة: 

_ عارف انك أول مرة تسمعيها مني وكنتي منتظراها.. بس لازم تعرفي ان قلبي كان بيقولها كل لحظة.. وسبب سكوتي اني لو قولتها وانتي قصاد عيني كان هيكون صعب اقاوم مشاعري وهاخدك في حضني واخبيكي بين دراعاتي عشان تسمعيها من قلبي..عشان كده صبرت وعاهدت نفسي على الصبر لحد ما تبقي مراتي وحبيبتي.. بس طلع الصبر بيعذب،  وخلاص مش قادر.. كان لازم تسمعيها وتعرفي اني بحبك وانك اغلى عليا من روحي.. دايما هكون أمانك وسندك ومافيش حاجة في الدنيا ممكن تفرقنا يا بلقيس..!

وصله صوت بكاء مكتوم فواصل همسه:  
كده بردو تسمعيني بكاكي في لحظة زي دي؟
همست من بين دموعها:  من زمان كان نفسي تقولهالي وساعات كنت بشك انك بتحبني وبخاف تكون واخدني شفقة عشان كنت مريضة.. بس كنت برجع اكدب احساسي! 

_ أوعي تاني تشكي اني بحبك.. حتي لو ماكنتش قولتها بلساني.. في مليون طريقة تأكدلك مشاعري.. أنا حبي أكبر بكتير من الكلام.. وفي يوم من الأيام هتفهمي ده! 

خفق قلبها بقوة أكبر وهمست: طب قولها تاني.. أنا خايفة اكون بحلم! 
_ بحبك.. بحبك ..بحبك! 

نكست رأسها تبكي بفرحة أكبر لا تعبر عنها سوى العبرات، فهمس بأذنيها:  سمعيني كلمتك! 

صمتت تستجمع شجاعتها وتخمد خجلها لتمنحه اعتراف يستحقه الآن..اعتراف ما ادخرته إلا له وحده! 

_ بحبك..!
بحبك أكتر من روحي ياظافر..! 

----------------------

لم تأتي اليوم..وحين هاتفها ردت العمة عبير أنها نائمة.. قلبه مقبوض يشعر بسوء قادم.. غريزته تحذره من مكروه يخص زمزم..حدسه يستشعره بقوة.. ترك المزرعة وتوجه فورا إليها.. لن يطمئن له "بال" إلا حين. يراها بنفسه! 
------------------
_ صباح الخير يا طنط
فشلت عبير في مداره غضبها عليه، فهتفت بفتور: أهلا ياعابد
أدرك فتورها لكن لا يهم الآن، الأهم ان يطمئن على زمزم فغمغم:  فين زمزم عايز اشوفها
_ نايمة! 
أجابته باقتضاب جعله يرتاب أكثر فهتف بتصميم:  صحيها يا طنط لازم اشوفها دلوقت وابلغها حاجة مهمة! 

_ مافيش حاجة تستاهل اقلق راحة بنتي عشانها يا عابد.. قولتلك انها نايمة.. مهند سهرها طول الليل وقالت هتنام وانا مش هقدر اصحيها..! 

حاصرها بنظرة متشككة ثم أردف:  ممكن افهم بتكلميني كده ليه ياطنط؟ وليه بتمنعيني اشوف زمزم؟
تنهدت وهي تحجم ضيقها حتى لا تفسد وعدها بألا يراها عابد الآن حتى تتوازن.. كست وجهها بهدوء مزيف وقالت: 
معلش ياعابد انا كمان مانمتش وفعلا متعصبة بشكل عام.. وزمزم ماصدقت نامت وحرام اصحيها دلوقت.. بكره هتشوفها في المزرعة ابقي احكي معاها براحتك! 

رغم ان نيران قلقه لم تهدٱ جذوتها، لكن ليس لديه حيله.. نظر لدرجات السلم التي تفصله عن أميرته..كم تمنى لو خالف كل الأعراف وتخطى العمة وصعد ليراها.. لكن بأي حق يفعل؟ 
أومأ بتسليم حزين:  طيب فين عمي محمد؟
_ نزل القاهرة عند عمك عاصم وراجع بالليل، ومحمود خرج من الصبح ولسه مارجعش! 
أومأ ثانيا وحدجها بنظرة أخيرة وذهب والهم يتملك من قلبه لأنه لم يراها ومازال شعوره بالخطر يخنق صدره.. ولن يرتاح إلا بعد أن يطالعها أمامه.. وربما ينتظره يوم طويل لا يعرف كيف سيمضي بدونها!

---------------------

_عابد مشي يا ماما؟
_ أيوة يا حبيبتي مشي.. بس قلقان عليكي أوي.. أنا بجد مش قادرة افهمه.. لو شوفتي حزنه لما معرفش يشوفك كنتي تتلخبطي! منين قال كده عنك لأمه ومنين. زعل لمجرد انه ما شافكيش يوم؟ 
همست بجمود:  ماتحطيش في بالك يا امي وتتعبي دماغك في تفسير.. كل حاجة واضحة! 
_لا يازمزم.. حاسة في حاجة غلط..تصرفات عابد ولهفته يشوفك ماتتفقش مع كلامه يابنتي.. ثم هتفت بتمني:  مش يمكن انتي مافهمتيش كلامه مع امه صح يا زمزم و… .
قاطعتها: ماما عشان خاطري بلاش السيرة دي خلاص انتهينا.. وعموما طنط كريمة بتعمل الصح.. اختارتله بنت فعلا يستاهلها عابد وتليق بيه! 
_ طب وانتي؟ هتعملي ايه بعد كده؟ 
_ ولا حاجة.. هستني اللحظة المناسبة وهباركله من قلبي يا أمي.. عابد يستحق الخير

كسرة ابنتها جعلتها تنكس رأسها وتترك العنان لبكاءها الحارق، فاحتضنتها زمزم هامسة بقوة:  يا ماما انا بخير والله ومتقبلة كل اقداري.. متخافيش عليا قولتلك عمري ما هقع.. أنا عندي ابني بعد ربنا هيقويني.. ادعيلي بس وكل حاجة هتبقى كويسة..!

هتفت عبير من وسط دموعها: انا نفسي اطمن عليكي يابنتي.. نفسي انتي كمان تتجوزي وتعوضي اللي فاتك! 

رغم ان الفكرة لا تُطرح داخلها لكنها كذبت لتطمأنها كذبا وقالت: أوعدك يا ماما لو ظهرلي فرصة مناسبة.. مش هقول لأ

تهلل وجه عبير وصاحت غير مصدقة:  بجد يا زمزم؟ يعني لو جالك ابن حلال كويس هتوافقي! 

أومأت وداخلها يتمزق.. لأجل والدتها المسكينة.. ومن يعلم.. ربما حقا يحمل لها القدر بطياته فرصة أخرى.. من يدري!
--------------------
عبر الهاتف! 
_زمزم انتي فين.. قلقان عليكي لما ماجيتيش امبارح! 
_ انا بخير بس كنت مرهقة شوية.. وحبيت اعرفك اني مش جاية انهاردة كمان! 
_ ليه؟
_ حماتي تعبانة هازورها عشان كمان تشوف حفيدها
_ هتروحي مع مين؟
_ محمود.. وهنرجع بالليل! 

غمغم ولم يخفى عليها حزن صوته: ماشي يازمزم.. خدي بالك على نفسك! 

اغلق وقلبه مقبوض وصدره يضيق أكثر وأكثر..كان يظن عملها معه يقربها منه.. لكن حدث العكس.. زمزم تبعد.. ولن يقف مكتوف الأيدي.. سيعيدها ولو بالقوة.. لا مجال لفقدها حتى لو حاربها هي داتها.. ولن تنتهي تلك الحرب الا بفوزه بها..!
---------------------------

" تيتة.. بيبتي"

صاح الصغير مقلدًا تلقين زمزم له، فواصلت الأخيرة تلقينه برقة:  شطور روح ماما، يلا قول كمان ..عمو ياسر حبيبي!   

" آمو ..بيبي"

ضحك ياسر وهو يتلقفه من بين ذراعي محمود هاتفا:  ده انت اللي حبيب عمو يا هوندا.. وحشتنا خالص! 
محمود بمزاح: طب تصدق يا استاذ ياسر.. لسه مش بيقول أسمي لحد دلوقت مع اني خالوا.. والخال الوالد زي ما حضرتك عارف.. شكله مش مقتنع بيه! 
ضحكت والدة ياسر وهي تعود لتأخذ مهند مرة اخرى وقالت:
لا ياحبيبي أكيد مقتنع بس مش عارف يقوله.. ماهو ماقالش اسم ياسر..
محمود بعفوية:  فعلا يا طنط هو اكتر أسامي بيقولها.. اسم ماما وعابد ابن عمي
طرق الحزن والحنين قلب زمزم فور ذكر أسمه، ونفضته عنها  مردفة:  بكرة يبقي زي البغبغان وتتمنوا يبطل رغي

زادت الجدة بضمته وهتفت:  روح تيتة عمري ما همل من صوت ابن الغالي، إلهي يجعل حسه في الدنيا ويعيش ويتهنى واشوفه عريس! 

ياسر:  اللهم امين، طب يلا ياجماعة عشان تتغدوا وترتاحوا من السفر عشان محضرلكم برنامج ترفيهي في اسكندرية ومش عايزين نضيع وقت..!
ابتسمت زمزم برضا لحفاوة أهل زوحها الراحل بها هي وشقيقها، فواصل ياسر: كنت عايز اطلب منكم طلب ..هو اصلا طلب ماما..! 
زمزم:  اتفضل
_ عايزينكم تقضوا معانا يومين عشان نشبع من مهند شوية، وكمان تغير جو ليكم.. انتم عيشتوا اغلب عمركم في أوكرانيا واكيد ماجربتوش جو اسكندرية وبحرها وجمالها
والدة ياسر: أنا لولا صحتي بقيت على قدي كنت جيتلك كل شوية يا زمزم ..بس زي ما انتي شايفة.. وزي ما عرفتك قبل كده ياسر هيبات في الشقة اللي تحت ومعاه محمود، وانتي ومهند معايا هنا.. قلت ايه؟ 

تبادلت زمزم النظرات مع شقيقها الذي أومأ لها برضا، فهتفت:  حاضر زي ما حضرتك عايزة! 
تهلل وجه الجدة وقالت: ربنا يسعد قلبك يا بنتي..وانا هخلي ياسر يعمل معاكم الواجب.. هتشوفوا اسكندرية علي حق.. 
_ ان شاء الله ياطنط! 
…………… .

أفادها كثيرًا هواء البحر وسهرات المساء على شواطئه.. كما توطدت علاقتها أكثر بوالدة زياد.. كما لاحظت خفة ظل ياسر التي لم تلتفت لها من قبل واندماج محمود معه في الحديث، لكن ما استوقفها وحيرها حقًا عدم اندماج الصغير معه.. لم يلفظ اسمه قط.. لا يتتبع خطاه ويتعلق بأذياله كما يفعل مع عابد الذي يكفي أن يغيب ليسأل عنه ويظل يردد أسمه، حتى انه استطاع ربط صورته على الهاتف بسماع صوته..عندما راح يشير أمس للهاتف ويقول " آبد" كأنه يخبرها انه يريده.. تجاهلته وقلبها يتألم..هي تريد الهروب منه والصغير يجذبها إلى مداره بكل الطرق كأنه يسانده وبنصره عليها.. 

استأذن بالحديث معها علي انفراد، فابتعدت وهي تسير جواره فوق الرمال ببطء وعيناها تلتقط صغيرها وهو يلهو وسط محمود وجدته! 

_ عرفت من ماما انك اشتغلتي يا زمزم
اومأت له:  فعلا، اشتغلت في مزرعتنا.. بابا وأعمامي شركاء فيها
_ هايل.. كويس ان والدك عمل حاجة للمستقبل وهو في الغربة
_ بابا كان دايما بيحضر نفسه للرجوع.. وانه فعلا يأمن حياتنا لما نستقر في مصر.. والحمد محمود كمان هيبدأ مشروعه الخاص والدنيا ماشية
_ بالتوفيق إن شاء الله 

ثم صمت يستجمع شجاعته ليعرض رغبته بأفضل طريقة ممكنة، قال:  زمزم.. أنا كنت عايز اقول حاجة بس … 
لاحظت تردده فشجعته قائلة:  اتفضل يا استاذ ياسر انا سامعاك
فاض بما لديه دون تردد:  أنا عايز اتجوزك يا زمزم

تسمرت قدميها بغتة مع تصريحه المفاجيء ولم تجرؤ على الالتفات له وظلت تراقب تلاطم الامواج أمامها، فواصل: 

انا عارف انك اتفاجأتي.. بس حابب واضحلك حاجة.. انا اخدت وقت كبير في التفكير بعد ما شوفتك وانجذبت ليكي.. فكرت بعقلي لقيتك تقريبا فيكي كل حاجة ممكن اتمناها في شريكة حياتي..ضيفي على كده رغبتي ان مهند يتربى في حضني لأني عمري ماهكون بالنسباله زوج ام..هيكون ابني اللي من صلبي.. لأن دمنا واحد وأنا أولى من غيري بتربيته ورعايته.. ده غير ان هحقق رغبة أمي ان حفيدها يعيش معاها.. وصدقيني يا زمزم لو وافقتي مش هخليكي تحتاجي حاجة ابدا.. كل طلباتك هنفذها قد ما اقدر..وأنا اتعمدت اكلمك في الموضوع ده في اخر يوم ليكم معانا عشان مايحصلش حساسية وتتوتري مني.. ودلوقت انا خلصت كلامي.. خدي كل وقتك في التفكير.. بس اتمنى توافقي عشان مصلحة مهند! 

ابتعد خطوتين تاركًا لها المجال لتتمالك شتاتها، فأوقفته دون أن تستدير إليه:  استاذ ياسر..! 

اقترب منها ثانيا مجيبا:  تحت امرك! 
هنا التفتت اليه بنظرة قوية وقالت:  ممكن اسألك سؤال وتجاوب بأمانة! 
-اتفضلي
_ انت لسه ما اتجوزتش قبل كده.. وانا أرملة ومعايا طفل.. بصرف النظر اني أرملة أخوك.. ياترى بردو كنت هتفكر فيا؟

أطرق رأسه قليلا يفكر بصمت ثم رفع وجهه إليها متمتما: 
لو قولتلك ايوة هكون كداب وده عمره ماكان من صفاتي.. انا اقوى سبب بعد طبعا مواصفاتك الاساسية من اخلاق وجمال وعيلة.. انك ام مهند ابن اخويا.. وده خلاني اتغاضي عن النقطة دي.. لكن غير كده يمكن كنت اترددت! 

بقدر ما جُرحت من طريقة تفكيره التي تماثل تفكير العمة كريمة.. كبر قيمة بعيناها بعد صراحته.. هو يريدها كي لا يتربى ابن اخيه مع زوج ام..!
_ عايزة تسأليني في حاجة تاني؟
قاطعها بتساؤله، فهزت رأسها بشرود: لأ شكرا..! 
واستطردت بعين شاخصة:  وأوعدك اني هفكر في عرضك بجدية واهتمام وهرد عليك!
---------------------

عقله سيطير من. رأسه منذ أبلغه محمود بمكوثهم يومان عند والدة زوجها الراحل.. ما الداعي لتظل هناك.. كان يكفيها يوم وتعود في أخره وتبيت بين جداران أبيها ليطمئن.. تنهد وقلبه يحترق غيرة.. لم ينسى نظرات ذاك الياسر لها.. تُرى ماذا يفعلان الآن؟ هل يتثامران.. يتهامسان.. يتبادلان الضحك..هل يلاعب الصغير مثله.. هل يتعلق به مهند كما متعلق به؟ تبًا لكي زمزم وتبا لقلبي! 

عابد! 

التفت بعد ندائها:  نعم يا ماما
_ تعالي حبيبي عايزاك

هتف بعد ان دنى إليها:  خير يا ماما
_ كنت عايزة اسألك عن بسمة
_ مالها بسمة؟
_ ايه رأيك فيها؟
_ رأيي من ناحية ايه؟
_ يعني.. كل حاجة.. جمالها أخلاقها.. طباعها
_ وده يهمني في ايه يا ماما؟
_ جاوبني بس وريح قلبي
صفق يديه وهو يحوقل بضجر:  في ايه يا امي؟ مالي ان كانت جميلة او لأ.. انا يهمني شغلها وبس
_ يعني مش عاجباك؟
_ ماما.. خليكي صريحة.. في ايه؟
_بصراحة بقى البنت دي عجباني.. وشايفاها مناسبة ليك
_مناسبة ليا؟ قصدك… ..
أومأت لتؤكد ما التقطه بفراسته، فاشتعلت عيناه بغضب وهو يهتف بحدة:  هو ده هدفك من الصبح؟ دلوقت بس فهمت ليه انتي وبابا كل يوم توصوني عليها.. وانا ولا فاهم حاجة! 
_ ودلوقت فهمت؟
_ ايوة.. وأسف يا ماما.. مش موافق على اقتراحك! 
عصفت عيناها بضيق وهدرت:  ولحد امتى هتفضل كده؟ ها؟ لحد امتى؟ عايز تفضل تجري ورى مهند وأمه وتخدعني وتوهمني انك مش بتفكر فيها وأنت أصلا هتموت عليها؟

زفر بضيق شديد وهدر مثلها:  ماما احنا انتهينا من الموضوع ده
_ لأ مش انتهينا ياعابد.. واسمع بقى انا مش هسيبك تعمل اللي في دماغك.. زمزم مش ليك يعني مش ليك.. 
_ لكن بسمة حلوة وتنفعني صح؟؟؟ مش ده تخطيطك؟

ارتفع صوته دون وعي منه بسخط فصمتت تطالعه بلوم، فاستعاد هدوئه وخجله وقبل رأسها بأسف:  مش قصدي ازعق يا ماما  أنا أسف.. بس كمان مش طفل هترسمي حياته..

ظلت على جمودها حتى هطلت دموعها وهي تطالعه وهتفت بخفوت ورجاء:  نفسي اشوف ولادك.. كل اما بشوفك بتلاعب مهند بقول امتي تلاعب اللي من صلبك.. كل اما الاقي عبير بتضحك مع حفيدها تتمني ابقي زيها..

ثم انهار تماسكها وهي تبكي:  ليه تحرموني من ولادكم؟

لم يتحمل بكائها فاحتضنها بقوة وهمس لها:  ماتبكيش يا امي عشان خاطري.. وبعدين هما فين ولادنا دول عشان نحرمك منهم؟
رفعت وجهها ومازالت تبكي:  ما انت واخوك مش عايزين تريحوني وتتجوزوا وتخلفوا.. هنفرح بيكم امتي؟ مستنيين لما نموت و… 

كمم فمها بأنامله وهتف بعتاب:  بعد الشر عليكم يا أمي اوعي تقولي كده تاني.. ربنا يخليكم لينا

_ طب فرحني ووافق تخطب بسمة.. والله البنت هتعجبك وهتحبها.. دي نقاوة أمك حبيبتك..جرب بس واخطبها وشوف.. عشان خاطر ارضى عليك ياعابد

نظر لها بحيرة شديدة.. ما تريده يذبحه ذبحًا.. كيف يقترن بغير من يهواها قلبه.. وكيف يكسر خاطر والدته الحبيبة.. ماذا عساه بفاعل؟؟؟
لمتابعة الفصل 38 اضغط هنا 
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

3 تعليقات
إرسال تعليق
  1. ممتع ومشوق إبداع يا ديفو

    ردحذف
  2. بارت جميل اوى بجد ...بس طنط كريمة مزوداها اوى و تعبتنى انا نفسيا اوعى عابد يوافق هزعل اوى .....تسلم ايديكى

    ردحذف
  3. حميل بس اياك هي تتخطب لياسر وهو يسمع كلام امه ويخطب بسمله لالالالالا اكيد عابد هيرفض كده كتير بجد


    امته الفصل الجديد

    ردحذف

إرسال تعليق