القائمة الرئيسية

الصفحات

البارت الرابع والثلاثون " حصنك الغائب" دفنه عمر

البارت الرابع والثلاثون " حصنك الغائب" دفنه عمر

أخبرته كم تخاف البحر..فجذبها لأمان شاطئه، روى لها عن سلام أمواجه قصصًا وحكايات..وثقت به، غاصت بين طياته المظلمة مهتدية بنوره، سلمته مجاديفها مودعة الحذر.. فغرقت!






حصنك الغائب " الجزء الثاني! 


لم يكن السقوط سوى لمزهرية كانت تحتل طاولة جانبية قريبة من غرفة والدته..والخادمة تهتف بتلعثم: وقعت غصب عنى يا عابد بيه انا اسفة!

أجاب متنفسًا الصعداء لكذب افتراضه المخيف:


_ولا يهمك حصل خير..!
وعاد لوالدته في الغرفة التى عبرتها بعد ان تابعت حواره القصير مع السيدة.. وقال برجاء وهو يوصد الباب خلفه جيدا:
_ماما اظن كلامنا خلص لحد كده وطمنتك..ارجوكى اوعى معاملتك تتغير مع زمزم وطنط عبير..!
حدجته بلوم: 
ليه يا ابنى انت شايف امك قليلة الذوق ومابتفهمش في الأصول؟
اومأ بالنفى: لا يا أمى العفو ماقصدش كده طبعا بس....

صمت بتردد فواصلت: اسمع ياعابد..كلامى مش معناه ابدا انى مش بحب بنت عمك..بالعكس البنت طيبة وبعزها وبحب ابنها زيك وربنا شاهد عليا..لكن اللى قولته ده حاجة تخص حبى ليك، انت واخواتك أهم حاجة عندى في الدنيا..يعنى افصل تمامًا بين مناقشتنا وبين معزتي ليهم..مستحيل معاملتى تتغير..بدليل انى جيت كلمتك انت بصراحة وقلت اللى حسيته وعرفتك نينى بوضوح بدون لف ودوران!

اومأ لها بتفهم: عارف ياماما عارف..وزي ما قولت، ريحي بالك من ناحيتي!
ربت على كتفه بحنان: 
أنا راحتي انكم تبقوا بخير ومبسوطين في حياتكم ياحبيبى..يلا ننزل للجماعة.. دره وبلقيس زعلانين اننا راجعين المنصورة الصبح! 

_ منا عشان كده هعوضهم بسهرة طويلة للصبح!

ربتت على كتفه وعيناها تبرق بحنان: طول عمرك حنين ياعابد وبتسعد كل الناس..إلهى يرزقك بواحدة ملاك زيك كده وبنفس طيبتك وحنيتك اللى مش بتبخل بيها على حد. 

اومأ بابتسامة هادئة: امين يا ماما..!
وأشار بتهذيب لتتقدمه فسارت أمامه ليتساقط عنه قناع هدوءه ويسكن وجهه عبوس وقلق حقيقي من القادم..لم يكن يتمنى الكذب عليها، أو ادعاء عكس ما بداخل قلبه..لكن ماذا عساه فاعلًا وهو يرى رفضها القاطع لمجرد فكرة لم يطرحها من الأساس؟ كيف يعلن شيء مازال حلما يحبو.. زمزم متأثرة بزوجها وتعامله بتحفظ وحدود..لم ينفذ لروحها بعد، الخطوة الصحيحة تبدا حين يستحوذ على قلبها كما يحلم..أما الآن، على ماذا يشعل حربا وينثر بذور العداوة؟ لا..سينتظر الوقت المناسب..وحين يأتى! سيصرخ بحبها ورغبته فيها للعالمين، سيُجابه العالم بأثره لأجلها ..ليست والدته فقط!
المهم ألا يفقد ما حصده معها، وتظل الأمور تحت السيطرة إلى أن يصل لمبتغاه..!
________

الوهن يرخي استاره على روحها تمامًا گ ساقيها اللذان بذلا أقصى قوتهما لبعدها عن محيطه بحذر قبل أن يراها..اقتربت من فراشها والرؤية تضعُف بغيمة دموع متحجرة تحتل مقلتاها، ببطء جلست تحتضن ركبتيها..واكتسبت نظرتها جمود، تنظر للا شيء، شفتيها مطبقة..ساكنة گ جثة يحتضنها تابوت ضيق، عقلها يعيد عليها بقسوة كلماته، قلبها الثائر يكاد يقفز من بين ضلوعها ويسقط أرضًا..هي تسقط بالفعل، تبتلعها هوة حزن شديدة، تغوص داخلها دون توقف، لا تجد نهاية لهذا الانزلاق الذي يحدث بروحها..لما كُتب عليها أن تحيا هذا الشعور بالمهانة؟! طعنها من ظنته بلسم لجروحها الماضية، من حاربت نفسها لأجله، من غادرت كهف عزلتها المُوحش لاجئة لشاطئه الآمن، لدفئه، وحبه! 
حبه؟!
ابتسمت ساخرة من نفسها بغرابة! 
هل مازالت تؤمن بتلك الحقيقة الحمقاء؟
لم يكن شاطيء الحب هذا سوى وهم كبير كادت تستسلم له وتغوص بعمق أمواجه طوعًا مطمئنة وهي تعلم أن قارب حنانه الغامر سيعصمها من الغرق! 
فلطمتها عاصفة الشفقة الجارحة بأكثر لحظاتها قربًا منه.. واقتناعًا وتصديقًا لمشاعره الجلية! 

كرامتها تنزف آلمًا، روحها يئن! 
ليتها ما تتواجدت بتلك اللحظة
ليتها ما سمعت ما قيل..!
ليتها ظلت أسيرة خيالاتها الوردية! 
ليت هذا القلب ظل على عهده
لم يخُن..
ولم يحن! 
ليت روحها لم تضعُف مستسلمة لتياره!

لكن ما قيمة الندم الآن وهي الملامة والخاسرة الوحيدة بتلك الحسبة! 
عابد لم يخطيء بشيء..
هى من خانت..!
وتستحق هذا الآلم!
_______

الصغير يبكى وكأنه يشعر بحال من سكن حشاها وانبثق من رحمها..صراخه لم يهدأ..فشل الجد وأشقائه بترويض بكائه فأخذته عبير باحثة عن زمزم التى صعدت لتحضر من غرفتها شيء وتأخرت عودتها..وصلت للردهة متخطية غرفة كريمة، ولجت لغرفتها بعد طرقتين لينقبض قلبها وهى ترى ابنتها بمنتصف فراشها تدس رأسها بين ذراعيها المحتضنة ركبتاها بسكون غريب.. دنت وهزتها صائحة بفزع: مالك يابنتى قاعدة كده ليه؟

حررت وجهها من ذراعيها المعقودة ثم بصرت أمامها
بنظرة فاقدة للحياة مصوبة للفراغ..مظهرها وغموض نظرتها ذكرها بنفس حالتها حين توفى زوجها.. ضمتها برفق وقالت: مابترديش عليا ليه يابنتي؟ وليه مانزلتيش معانا وقاعدة لوحدك؟ ( لم تجيبها محتفظة بجمودها فانقبضت عبير وهى تهتف) زمزم مالك في ايه..طب انتى مش سامعة ابنك اللى بيعيط ده؟ معرفش حصله ايه فجأة لقيناه بيبكى وبينادى عليكى!

هنا فقط ومض بمقلتاها وميض حياة وهى تحيد بنظرها صوب صغيرها الباكى..گأنه يشاطرها وجع ما تشعر به..ويبكى لأجلها.. نعم..من أقرب لها بهذا العالم سواه؟!..لا أحد..!

التقطه وضمته لصدرها فاستكان وهدأ على الفور وكأنه عاد لحصنه الآمن بين ذراعيها..وگنوع من مكافأتها على عناقه همهم بندائه الواضح لها.." ماما"..ليؤكد أنه هنا معها وأنها ليست وحيدة.!

فملأت عيناها بالنظر إليه ومسحت لآلئ عبراته من على وجهه وقبلته وضمته بقوة هى تحتاجها الآن! 
هو منبع قوتها بعد الله"

راقبت عبير حالتها فازدادت يقين ان هناك شيء حدث معها فتسائلت: 
_شكلك مش مطمني يازمزم.. فهميني فيكي ايه قلقتيني.. في حد زعلك؟

حركت رأسها بالنفى دون حديث..فواصلت عبير: امال مالك كده متغيرة؟ وليه مانزلتيش تقعدى مع بنات عمك زي ماقولتى..مش اتفقتوا هتسهروا للصبح عشان كلنا خلاص هنسافر بكرة؟ 
ثم واصلت لجذب نظرها: ده حتى عابد قال انه جايبلكم فيلم حلو اوى وكلنا هنتفرج عليه حتى ابوكى واعمامك هيتفرحوا معانا..تعالى ننزل نلحقهم!

ذكر أسمه أصبح يؤلمها..يؤلمها كثيرا بعد أن كان مصدرًا لسعادتها..تحركت شفتيها أخيرًا لتهمس بصوت خافت يكاد يصل لأذنى عبير: مش هسهر معاكم..!
زوت حاجبيها وعيناها تضيق : ليه ياحبيبتى؟ امال هتعملى ايه، معقول هتنامى من دلوقت؟ ده أخر ليلة لينا فى بيت عمك عاصم قبل رجوعنا المنصورة وكل واحد يرجع لحياته ومشاغله!

بذلت مجهود أخر لتغمغم: هاخد مهند فى حضنى وهنام.. اعتذرى عن غيابى للكل!

قلب أمومتها يشعر بقلق..ابنتها ليست بخير..ليست بخير على الإطلاق..!.. وجدتها بالفعل تعتدل فوق فراشها مضجعة على جانبها محتضنة الصغير مسدلة جفناها كأنها تعلن انفصالها عن هذا العالم لبضع ساعات..ليشاركها الصغير منصاعًا لغلق عيناه هو الأخر مطمئنا لرائحة والدته..فلم يكن من عبير إلا أن أخفضت ضوء الغرفة واتكأت خلفها واحتضنتها بصمت لتؤازرها بشيء لا تعلمه.. فقد تستشعره..لكنها ستحترم صمت ابنتها، لن تتركها لحظة واحدة وهي بتلك الحالة التي لا تبشر بخير!
________

عيناه تُنقب عنها هي والصغير منذ الأمس ولم يجدها.. حتى العمة عبير تغيبت عن أمسيتهم، ماذا هناك يا تُرى، لمح مرور بلقيس فاستوقفها: 

_صباح الخير يابلقيس عاملة ايه؟
_ صباح الفل ياعابد.
واستطردت بحزن: بصراحة زعلانة انكم ماشين وهفضل لوحدي! 
ابتسم بحنان: معلش محنا في كل فرصة بنتجمع، مانقدرش نفضل اكتر من كده لأن عندنا أشغال
أومأت بتفهم: عندك حق بس بردو زعلانة، كنتم ماليين الدنيا عليا والله
همس بود: دايما هنكون معاكي يا بلقيس والتليفونات والنت قصروا المسافات، ولولا انك هتشتغلي مع عمي كنت قولتلك ارجعي المنصورة.. بس خلاص شغلك وخطيبك هنا..! 
أومأت له بصمت، فواصل بسؤاله بعد تردد: 
صحيح كنت عايز اسألك، هي فين زمزم ومهند وطنط، من امبارح مش شايفهم! 
_مهند امبارح كان بكاه مش طبيعي، فطنط اخدته لزمزم وتقريبا نام وهي نامت معاه.. وطنط عبير نامت جمبهم، لأن اما طلعت لقيت التلاتة رايحين في سابع نومة.. ماتنساش بردو احنا من قبل العيد بيومين بنام تخاطيف وبنسهر يوميا.. هتلاقي ده اجهاد مش اكتر عشان كده ناموا بدري.! 

شعر بمنطقية حديثها، ربما هو كذلك، مجرد اجهاد جراء سهراتهم العائلية المتواصلة!

شكرها بعد حوار قصير، وشعر عُقبها بالضجر، وفضل استنشاق الهواء بعيدًا عن الفيلا إلى أن تجتمع العائلة وتستعد للرحيل..!
-------------------------------- 

تداعب خصلات الصغير الغافي بين ذراعيها بشرود، نظرتها مازلت جامدة، تطاردها كلماته گ سهام تتراشق بثنايا الروح، دوت داخلها آهه متألمة، من يغيثها من هذا الآلم؟ وأصعب الجروح تلك التي لا تراها رؤيا العين، من يطيب داء القلب؟

تململت والدتها وفتحت عيناها فرآتها تعبث بشعر الصغير شاردة، فهمست بصوت يحمل بقايا النوم: صباح الخير يا حبيبتي، عاملة ايه دلوقت! 
اجابت بعكس ما تشعر:  بخير..! 

هراء ما تقول، كذبها قلب الأم فعادت تتسائل: 
بس انا حاسة أن في حاجة حصلت زعلتك امبارح! 
ثم اكتسبت نبرتها رجاء حاني:  ليكي حد اقربلك مني تحكيله يازمزم؟
تجرعت ريقها وهتفت بثبات:  متخافيش يا ماما، أنا بخير، كل الحكاية اني افتكرت زياد، اتمنيت يكون معايا.. بس اهي لحظات راحت لحالها، انا دلوقتي كويسة، اطمني! 

مازالت مرتابة، تقسم ان هناك ما حدث وتخفيه، لكن لن تضغط أكثر، ربما تنقشع تلك السحابة السوداء ويعود لابنتها مرحها ونظرة الحياة المفقودة منذ الأمس! 

طرقة رقيقة قطعت شرودهما معًا، فدعت عبير الطارق للدخول! 
_صباح الخير على الناس الى هيسيبونى ويمشوا..!
_صباح الفل يابلقيس تعالى صبحى على مهند عشان يومك يبقي جميل زيه!

دلفت والتقطت الصغير وراحت تقبله وتداعبه وهو يضحك تحت أنظار زمزم ووالدتها ثم نظرت للأولى برجاء: خليكى معايا كام يوم علشان خاطرى، انا حزينة عشان كلكم ماشين..وظافر كمان مسافر وهيسبنى ونفسيتى تعبانة ومعرفتش انام طول الليل..ثم نظرت لزوجة العم: وحياتى عندك ياطنط خليها تفضل معايا كام يوم..وانا وبابا هنوصلها لحد المنصورة!

ربتت عبير على كفها: ياحبيبتى معنديش مشكلة خالص لو هي حابة تفضل.. المشكلة بس انا وابوها مانقدرش يعدى يوم من غير نشوف مهند!
بلقيس بحماس لاقناعها: 
_ممكن تبقوا تكلمونا فيديو وتشوفوه وقت ما يوحشكم..كام يوم بس ياطنط وهترجع تاني!

_خليني مع بلقيس ياماما..! 

التفتت لابنتها المرحبة بالبقاء، تمعنت بها بنظرة مطولة وعقلها يقيم فكرة مكوثها هنا، فوجدتها فرصة مناسبة ليتغير مزاجها السيء والغريب منذ الأمس،  ربما تلقى بصحبة بلقيس ملاذًا أخر، هما متقاربين في العمر والشخصية وحتما سيعود عليها بالنفع!.  تحسست رأسها بحنان: خلاص ياحبيبتى خليكى مع بنت عمك كام يوم..وهقول محمود يرجع من رحلته مع اصحابه على هنا وتبقي ترجعى معاه..وانا وابوكى ربنا يصبرنا على شوقنا لمهند..!

هللت بلقيس بسعادة لموافقتها وراحت تدغدغ الصغير وتخبره كم ستلاعبه، بينما الأخرى غارقة. بوادي أخر، مدركة أن بقائها هنا فرصة لتبتعد عن تأثير عابد وتتخلص من ذاك الضعف تجاهه..علها تمحوا ما سمعته من عقلها وتعود كما كانت..!

_ حبيبتى يا زوما ربنا مايحرمنى منك..بجد شكرا أنك هتكوني معايا، أنا محتاجاكي جدًا..!

ابتسمت لها وصدى عقلها يردد: أنا كمان محتاجالك يا بلقيس! 
______

" زمزم هتفضل يومين مع بلقيس"

تجمدت عيناه لثوانٍ ثم هز رأسه بتفهم والعمة عبير تخبره بمكوثها بضعة أيام، كم تمنى في تلك اللحظة أن يكون ذو سلطان عليها ليمنعها ولو بالقوة أن تبتعد عنه، لكن لا حيلة ولا سلطة له..! بقائها دونه أشبع قلبه حزنا..ليتها تعلم ان صباحه لن تدفئه شمسًا بغيابها، ومسائه سيُطلى بلون الكآبة..وسمائه لن تضيئها النجوم، والقمر سيغدو معتمًا مثل روحه.. 
حتى قهوته ستفقد لذتها بحلقه..!

أدركت عبير حاله وأشفقت عليه ووجهه يتغبر بالحزن، ولكن جزءً خفيًا داخلها شعر بالرضا، لدلالة ما ترى على حبه الكبير لابنتها..تنهدت وتمتم قلبها بأصدق الدعوات أن يكون لهما نصيب سويا..!
زمزم تستحق رجلا مثل عابد..!
________

" خلاص بقي ياعطر قولت المرة الجاية هعلمك! "


هتفت بتذمر: امتى يا ياسين؟ كل اما نتجمع تقولي بعدين بعدين.. بابا وعدني هيجيبلي عربية لما اتخرج ولازم اكون اتدربت كويس وده شرطه.. واستطردت: خلاص ياسيدي مش عايزة منك حاجة.. أنا هروح لشركة مختصة او مكتب في المنصورة يعلمني.. مش عايزة منك حاجة! 

" شركة ايه اللي عايزة تروحيها؟!"

تنفس ياسين الصعداء هاتفًا: جيت في وقتك يا يزيد، تعالي شوف القردة بتاعتك صدعتني، اقنعها انت بقي تستنى لأن والله ما فاضي! 
واستأذن منهما ليفعل أمرًا ما، فاقترب يزيد معيدا تساؤله: في ايه ياعطر مضايقة ليه؟ ومكتب ايه اللي عايزة تروحيه؟

_مكتب لتعليم قيادة السيارات، بابا وعدني اول ما اتخرج هيجيبلي عربية وشرطة اتدرب كويس عشان يطمن عليا، وياسين وعدني يعلمني بس كل مرة يتحجج انه مشغول بحاجة! 
_وحضرتك بقى قررتي من نفسك تروحي لحد غريب يعلمك صح؟
_وفيها ايه يعني؟ مادام محدش فاضي يعلمني! 

_ أنا هعلمك! 

رفعت حاجبيها بدهشة: تعلمني؟ امتي؟ أنت في القاهرة دايما وانا في المنصورة هتعلمني ازاي؟
_ هاجي كل اسبوع وهخصصلك ساعتين ادربك فيهم! 
_بس انت بتيجي اليوم ده عشان تقضيه مع خالتو والكل وتمشي تاني يوم، ليه تشيل همي وتعطل نفسك؟ انا هروح لأي مكتب و... ..
_ مش هتروحي لمكاتب ولا هيعلمك حد غريب وانا موجود، وبطلي جدال مالوش لازمة ياعطر..! 

اكتسب صوته بعض الحدة بهتافه الأخير، فشعرت بالضيق لتحكمه الغير مفهوم، وحاولت ألا تُظهر غضبها سريعا گ عادتها وهتفت ببعض الهدوء: طيب من غير عصبية يا يزيد، ممكن تفهميني ايه مشكلتك اني اتعامل مع مكتب لتعليم القيادة؟ ما أي حد بيلجأ للأماكن دي عشان تساعده! 

عقد ساعديه أمام صدره وتأملها بنظرة فاحصة بضع ثوان ثم أردف بهدوء: اللي هيعلمك ده مش راجل غريب؟ هيقعد جمبك بمسافة تقريبًا معدومة؟ ممكن يلمس ايدك بحجة انه بيعلمك؟ وارد كمان يحصل اي صدام وهو سايق ويقرب منك ويلمسك أكتر بشكل غير لائق، والله أعلم بنواياه هتكون خبيثة ولا طيبة لأنه ممكن يستغل الموقف، ده طبعا مش ذم مني في أصحاب المهنة گكل، بس دي افتراضات قوية مقدرش اتجاهلها..! 

حدقت به ببلاهة وهمست: أنت ازاي مخك بيوصل للافتراضات دي كلها؟

ابتسم وحل انعقاد ساعديه ودنى منها متمتم وهو يراقب ملامحها: لأن أنا راجل.. وأفهم تفكير الراجل اللي زيي كويس، واستطرد وهو يخصها بنظرة مزجت بين جرآته وإعجابه: لكن انتي بنت جميلة وجذابة واخاف حد يعاكسك او يضايقك! 

صمتت تستوعب إطراءه لها والحُمرة صبغت خديها، فراقب خجلها باستمتاع قطعه وهو يواصل بجدية: 
أظن كده فهمتي المشكلة فين.. وزي ما وعدتك كل اسبوع ليكي ساعتين هعلمك فيهم..! اتفقنا؟

أومأت بتماسك: اتفقنا..! 

وذهبت سريعا ودقات قلبها تتواثب بصدرها من تأثيره الطاغي عليها حين يمدحها ويُسمعها إطراء، تنهدت ثم عادت الشكوك تساورها من جديد لتحارب يقين اللحظة الفائتة حين لمحت إعجابه، مهما أثنى على جمالها هل سيتغير في الأمر شيء..!

اما هو فابتسم حين أربكها..أصبح خجلها گ فاكهة شهية يتلذذ بها كلما رآها، أدمنها بشكل غريب، كم تصبح فاتنة حين تتلون بحمرة الخجل، تأثيره عليها يرضي رجولته معها! يراها گ قطرة ندى في صباح مشرق جاء ليمحوا ظلام ليله، ويعوض قلبه حرمانه ويبدله بسخاء مشاعر دافئة بعد تجربته السابقة..! يحزن حقًا لعودتها إلى المنصورة وينتظر بفارغ الصبر حضورها للعمل معه مرة أخري! 
_______

_ هتوحشيني يا جوجو، اتعودت على شقاوتك يابنت
ابتسمت ضاحكة: والله وانتي اكتر يابلقيس، ماتقلقيش هنيجي تاني، وانتي كمان هتيجي المنصورة في كل فرصة، بعدين زوما معاكي يعني مش لوحدك! 
_ ماهو ده اللي مصبرني والله 
_ده انتي محظوظة، هتصحي على وش الكريمة بالقشطة كل يوم! 
ضحكت مدركة مقصدها: قصدك مهند، والله ياجوري الولد ده يخطف القلب، ربنا يحفظه ليها
_ اللهم امين، عقبال ولادك ياحجة😂
_ وانتي كمان يالمضة، ثم تسائلت بخبث: صحيح معندكيش أسرار كده ولا كده تحكيها لبنت عمك؟ 
_ وغلاوتك ابدا.. أنا لسه بدري عليا يابنتي

ابتسمت بلقيس وربتت على وجنتها: ربنا يرزقك باللي يستاهل بسكوتة العيلة..! 
_ ميرسي يا ملكة أبيكي😂
ضحكت ثانيًا: أنتي بتتريقي يا مفعوصة؟ أيوة طبعا أنا ملكة بابا حبيبي ومين غيري يعني؟
_ هو حد اعترض ياستي، كل واحدة فينا غالية عند باباها، واستطردت بحماس الثرثرة: تعرفي عطر؟ عمو ناجي دايما بيقولها فيكي من أسمك، تخيلي بيحب يشم ريحتها؟ 
تمتمت مبتسمة: هي ماشاء الله أمورة وشاطرة وذكية وطموحة، مليانة صفات حلوة! 

جوري بحذر: ده رأيك فيها فعلا؟
_ طبعا.. بس.... 
ترددت قليلا قبل قولها: بس بحسها مش بتحبني ياجوري، معقول تكون لسه زعلانة من أخر موقف حصل بنا وقت ما يزيد...... 
وخجلت أن تكمل ، فواصلت جوري: قصدك أما آبيه ضربها بالقلم عشان اتكلمت معاكي بقلة ذوق؟

هتفت بأسف حقيقي: والله ما حبيت يوصل الموضوع لكده، واستغربت من رد فعله ساعتها! 

_ حسيتي بأيه وقتها ناحية يزيد؟؟

تسائلت لتروي فضولها عن تفاصيل كم تمنت ان تعلمها مسبقًا، ربما لشعورها أن الأمور لم تعد بذات حساسية، أصبح بينهم قربًا وود كبير.. فهمست بلقيس: حسيت إني فقدت أخ يا جوري، طول عمري كنت محتاجة يزيد يكون اخويا مش خطيبي، أنا عارفة اني ماكنتش كويسة معاه، بس كان المسافة اللي بعملها بيني وبينه عشان في يوم اقدر اقوله اننا مش لبعض..رغم انكم هتشوفوا موقفي كان أنانية وغرور.. بس ربنا عالم إن من جوايا كنت بخلق فرصة حقيقية ليزيد يعيش فيها حب بجد.. حب يستحقه.. صدقيني ياجوري انا عمري ماكنت هسعد يزيد..! 

_عارفة! 

قالتها بحسم، فحدجتها بلقيس بشك: بتتكلمي جد، يعني انتي مستوعبة أسبابي! 
_ أكيد.. صحيح وقتها زعلت على زعل اخويا وحزنه، بس فعلا الحب مش عافية ولا قرار نافذ من أهالينا، ده قدر.. وزي ما ربنا عوضك بظافر ، أخويا كمان ربنا  هيسعده.. لأن انتم الاتنين تستحقوا السعادة! 

تأملتها بدهشة حقيقية، لم تكن تدري أن وراء مزاحها الدائم هذا التفكير الناضح، رغم صغرها تتمتع بحكمة كبيرة وعمق بتقيم الأمور حولها، فغمغمت بنبرة فخر وإعجاب:  أنا مبسوطة اوي بكلامك وتفكيرك.. طلعتي عاقلة ياجوري! 

عادت لمزاحها: لا ماتخديش على كده يا بنت عمي، دي حالات كده طارئة وبتروح لحالها😂

ضحكت الأخيرة، وصدح رنين الأولى فهتفت: عطر بترن شكلها برة هي وياسين، أصل قولتلها تيجي ترجع معايا في عربية بابا عشان. نتسلى طول الطريق! 
_ طب ابقي سلميلي عليها
_ حاضر، واستدارت لترحل ثم توقفت والتفتت لها مغمغمة بجدية: على فكرة يا بلقيس، عطر مش بتكرهك ولا حاجة، في اسباب تانية مسيرك تعرفيها في يوم من الأيام..! 

وابتعدت فتأملتها بلقيس بعيون شاخصة وهمست بخفوت: ومين. قالك ان مش عارفاها؟!

-------------------------------
غير لائق أن ترحل عائلتها دون أن تصافحهم! 
لذا لملمت باقي قوتها وهبطت تودعهم، فلمحته! 

أرتجفت لحظات ثم عادت لثباتها مرة أخرى، لن يري بها وهن، أو يلمس فيها ضعف، لن تجعله يعرف أن نصله انغرز بقلبها أمس، ليست بحاجة لمزيد من شفقته وحنانه الكاذب! 

_صباح الخير يازمزم! 

قالها وحدقتاها تنهل من محياها ليروي شوقه لها الساعات الماضية، فهتفت بثبات:  صباح الخير يا عابد
_ صباح الورد، وواصل: بلقيس قالت انك كنتي مجهدة امبارح عشان كده نمتي بدري! 
_ فعلا! 
_ يعني انتي دلوقتي افضل؟
رمقته برهة بصمت، ثم همست:  افضل كتير..! 

شيء بها على غير طبيعته، عيناها تقول أشياء مبهمة، هل؟!!! لا لا.. لم تسمع.. غير معقول أن تكون سمعت حديث والدته معه، الله رحيم به ولن يصدق افتراضه، إجهادها هو سبب ما بها.. ليس شيء أخر..! 

_عن أذنك هروح اسلم على الباقيين! 
_ زمزم! 
استوقفها بندائه وقال:  إنتي صحيح هتفضلي مع بلقيس؟
_ أيوة
_ ليه؟
بدى لها تساؤله أقرب للوم، فتجاهلته مغمغمة: 
هي محتاجاني معاها يومين، خطيبها مسافر ونفسيتها مش مظبوطة! 
_وهتفضلي كتير؟
_ منا بقول يومين! 

تمعن بها وغاب تركيزه لحظة هامسًا: هتوحشيني! 
رمقته بجمود، فاستدرك ذاته: قصدي مهند، هيوحشني اوي! 
- هزت رأسها وهتفت:  عارفة!  
واستطردت بعقلانية:  عموما يومين وراجعين، هنروح فين يعني مافيش اختيار تاني! 

اكتفت بقولها الأخير وانسحبت من أمامه، فرماها بنظرة مفعمة بحزنه، ليتها تعود معه! 
ليتها..! 
--------------------------
علم أنها عائدة لبلدتها فلم يقاوم رغبته أن يأتي ليراها قبل أن تغيب، لا يعلم متى ستكتحل عيناه برؤيتها مرة اخرى..توارى عن العيون وراح يراقبها وعلى شفتيه ابتسامة حالمة سريعًا ما تحولت لعبوس غاضب وهو يرى مزاحها وتباسطها مع ياسين باليد، فار دمه بغيرة، والتقط هاتفه وأرسل لها رسالة يحذرها أن تتأدب بالمزاح مع من تقف! 

توقفت عن المزاح متفقدة رسالة هاتفها، فاتسعت عيناها متعجبة وهي تطالع رسالة تحذيرية من رقم غريب، من صاحبه، وبأي حق يحذرها بتلك الوقاحة؟! تلفتت حولها بريبة تمشط المكان، فلم. تجد أحدًا، صدح رنين رسالة جديدة ( ما تتعبيش نفسك، أنا شايفك بس انتي مش هتشوفيني.. وبحذرك تهزري مع ابن خالتك بالإيد)

عادت تفتش بحدقتيها عن ذاك المتلصص علها تلمحه..لكن لا وجود لسواها هي وياسين وجوري! 

_ يلا ياجوجو عمو أدهم هيتحرك بالعربية! 

انضمت إلى والديها وعطر التي استقلت جوارها المقعد الخلفي، ومازالت تتلفت حولها بتوتر..! 
_ ايه ياجوجو بتبصي على ايه؟
_ ها؟ لا مافيش حاجة

بدأت سيارة أدهم في السير، فاستدارت تنظر خلفها فبوغتت به يقف ويلوح لها مبتسمًا، فرددت أسمه بعقلها ولم تشعر بابتسامتها الخائنة ترتسم على شفتيها حين بصرته، هل أتى خصيصًا ليودعها؟ هل يهتم بها بتلك الدرجة؟!.. وآدت ابتسامتها عندما أدركت مسار نظرتها واستدارت عنه، فصدح رنين هاتفها رسالة أخرى، تبينتها لتجد رابط أغنية شهيرة لمطربها المفضل، ضغطت لتشغيلها، ورغم أنها تحفطها عن ظهر قلب، تذوقت كلماتها تلك المرة بشعور أخر، وتفسير مغاير لما كانت تفهمه! 

(  ضحكه عيون حبيبى ضحكت لها الليالى.. سافر قلبى لحبيبى سافر بعد انشغالى.. سافر عند القمر ..من بعد ماخدنا الهوى وعرفنا الدنيا سوا وعشقنا دموعك ياقمر)..

_ حلوة الأغنية دي يا جوجو علي الصوت شوية! 

رمقتهما كريمة من المرآة الأمامية. وابتسمت مغمغمة: هنبتدي الصداع من أول الطريق! 
_ مادام بنتك وبنت اختك اتلموا على بعض انسي تنعمي بحبة هدوء! 

ضحكت مصدقة على حديثه، وعطر تشدو وجوري صامتة على غير العادة، فقط تطالع الهاتف مبتسمة.. لم يدرك أحدًا شعورها الهائم وهي تتخيل انه يحدثها من خلال تلك الأغنية بعد أن منحته ابتسامة غير مقصودة، ليتها خبأت سعادتها برؤيته، لكن لا بأس هي مجرد ابتسامة لا تعني شيء!
-------------------------

وجده ينظر تجاه موضع دخول الموظفين لمطعم الشركة باهتمام فتسائل: إيه يا احمد مالك انت مستني حد؟
_أمونة، قصدي ده بريك الغدا للكل والمفروض تنزل دلوقت تتغدى معانا..! 
واري يزيد ابتسامته وغمغم ببساطة قبل أن يدس قطعة لحم بفمه:  لا أمونة مشيت من بدري! 
_ مشيت؟! إمتي وليه؟
_ الساعة حوالي عشرة طلبتها في المكتب عشان اسأل على حاجة تخص مشروع (…) لقيت وشها شاحب جدا وشكلها تعبان، خليتها تروح وصممت كمان اوصلها لبيتها. 

نُحت بوجه قلق عليها وضيق لأنه لم يكن متواجد لمساعدتها بدلا من يزيد! حيث كان يتفقد إحدى المواقع الخارحية للشركة ولم يراها اليوم!  

_ اطمن، اتصلت من شوية وقالتلي انها افضل، وعموما أكدت عليها انها أجازة تلات أيام لحد ما تسترد نشاطها تاني!
أومأ برأسه وفقد شهيته رغم أنه لم يتناول أي طعام منذ الصباح! 
_ انت مش هتتغدا يا أحمد؟
_ مش جعان يا يزيد، محتاج فنجان قهوة، هطلبه في مكتبي!
-----------------------

" ألف سلامة عليكي..يزيد قالي انك تعبتي الصبح، يارب تكوني افضل دلوقت"

ترك هاتفه دون توقع أن يصل ردًا، ربما غافية أو يصاحبها أحد.. لكن رنين. هاتفه برسالة، جعله يلتقطه بلهفة وعيناه تجري على رسالتها..(  الله يسلمك يا أحمد.. الحمد لله أنا افضل دلوقت.. شكرا لسؤالك جدًا)

" مافيش بنا شكر وياريت يا أمونة تاخدي بالك من نفسك وأكلك وعلاجك" 
ابتسمت وهي تلمس بين حروفه اهتمام أسعدها، فمازحته ليطمئن ( من ناحية الأكل ممكن، لكن العلاج انا فاشلة في تظبيط مواعيده، خصوصا الجرعة بتاعة بالليل دي، هكون في سابع نومة)

" وهي فين موني تساعدك"
(مش موجودة اليومين دول، عند حماتها)

" طب ايه مواعيد دواكي؟"

( شوف يا سيدي علاج "… " تلات مرات وعلاج "… " كل اتناشر ساعة)

" وانتي اخدتي أول جرعة امتى"

اخبرته فعاد يرسل لها " لا مواعيد تلخبط فعلا، عموما حاولي تهتمي عشان تخفي بسرعة، ولا حضرتك هتدلعي وهترمي الشغل علينا؟"

ارسلت ايموشن ضاحك، فابتسم وأرسل.. " هسيبك بقى أكيد عايزة ترتاحي، وهطمن عليكي تاني، ومرة تانية ألف سلامة"
-------------------------
رنين متواصل يخترق سكون محيطها ويُقلق غفوتها، تتقلب وتسد أذنيها بالوسادة فيلاحقها الرنين، فتحت عيناها الناعسة مجبرة متفقدة الهاتف، فوجدت رسائل عبر الواتس آب ومكالمات كثيرة من أحمد، تبينت رسالته الصوتية الأخيرة وفحواها ( أخيرا صحيتي يا ام نوم تقيل.. الساعه دلوقت 3 معاد علاجك.. قلت افكرك لأن طبيعي صحيت اصلي الفجر.. أسف للإزعاج..وتصبحي على خير يا أمونة)

تسمرت عيناها على شاشة هاتفها بعد سماع رسالته ليذكرها بدوائها.. ظلت عيناها تتفقد حديثهما السابق وقد ذهب عنها أثر النوم، وايقنت أن سؤاله عن مواعيد أدويتها كان لينصب نفسه مسؤلا عن تذكيرها.. هل يعقل أن يهتم بها لهذا الحد؟ تخاف أن تنصاع وراء افتراضات مراهقة وتقول انه يُكن بقلبه لها شيئًا..نفضت عنها الحيرة واعتدلت على فراشها وابتسامة ناعمة تزين وجهها، وهي تعيد تسجيله الصوتي وكأنه لحن عذب يُصَبُ بأذنيها ويشجيها.. غافلة عن عدم تحقيق هدفه مما فعل.. بعد أن استسلمت لنومها دون أخذ الدواء..! 
-----------------------
ترقبت هاتفها بموعد علاجها متسائلة. هل سيُذكرها مرة اخرى؟ أمازال يهتم؟ فجاءتها الإجابة مع رنين رسالة جديدة منه.. نفس النبرة، الاهتمام، الحنان المغلف بمزاحه عن ضرورة شفائها سريعًا لتعود لعملها ولا تتركه لهم! 

تلك المرة لم تنسى توصيته، هي بالفعل تناولت طعامها وهمت بابتلاع أقراص دوائها.. وأرسلت له جملة واحدة، كانت كافية أن ترسم ابتسامة على شفتيه ( شكرا يا أحمد.. عمري ما هنسى اهتمامك)
------------------------

"أحلى كابيتشينوا لبنت العم!"
رمقتها بلقيس بابتسامة وهي تحتل أحدى زوايا شرفتها وغمغمت:  حبيبتي يا زوما تسلم ايدك
_ تسلمي ياقلبي، لاحظت انك خلصتي مكالمتك مع ظافر قلت اعمل اتنين. كابيتشينو واجي نرغي سوا.. فرصة مهند مع طنط وعمو وهايص وسطيهم! 
ابتسمت بحنان:  خليهم يلاعبوه شوية لأن هروح ارخم واخدوا منهم
ابتسمت الأخرى بود وسادت برهة صمت قطعتها زمزم: 
لسه مضايقة عشان خطيبك. مسافر بكرة؟
_ غصب عني، حاسة اني مخنوقة انه هيبعد عني.. 
وواصلت وهي تطرح هواجسها:  زمزم، هو انا غلط اتعلق بيه كده؟ أما بيغيب بحس جوايا بشعور كئيب.. خايفة احساسي ده يخنقه! 
ربتت على كفها:  مين قالك كده؟ ده طبيعي للي بيحب، وهو كمان هتلاقيه مضايق
غامت شمسيها بحزن:  لو مضايق كان على الأقل سمحلي اوصله للمطار الصبح.. بس هو قال مابيحبش الوداع، وكفاية مامته واخته هيوصلوه وهو ماقدرش يمنعهم.. وقال هيعدي الصبح يسلم هو علينا ويمشي! 

نظرت لها بتعاطف وهتفت: يعني هتنبسطي لو ووصلتيه لحد المطار؟
أومأت الأخرى برأسها المطرق بعبوس، فاستطردت الأولى: خلاص، سيبي الموضوع ده عليا. 
- بجد؟!
_أكيد، ة، هظبط مع محمود كل حاجة.. واللي ست الحسن عايزاه هيحصل! 
برقت عيناها بامتنان:  ربنا مايحرمني منك يازمزم، انتي فرقتي معايا اوي في الفترة دي، أنا كنت محتاجة صديقة واخت.. وانتي بقيتي الأتنين. عندي! 

اكتفت بابتسامة محبة وأشارت لها أن ترتشف مشروبها وهو ساخن، وبعد الرشفة الأولى همست باستحسان:  الله يا زوما الكابيتشينو يجنن تسلم ايدك! 
_ بألف هنا ياقمر

شرد بصرهما معًا بسحر الطبيعة حولهما ثم رمقتها بلقيس بنظرة جانبيه وقالت:  زوما. 
_ نعم! 
_مش هتحكيلي مالك؟ حاساكي مضايقة. 
توترت حدقتيها للحظة خاطفة ثم عادت لثباتها مدعية كذبًا:
ابدا يابلقيس مافيش حاجة. 
هتفت بلوم:  هتخبي على صاحبتك؟ انتي مش طبيعية، في حاجة مزعلاكي، حاسة عيونك كأنها عايزة تبكي، فضفضيلي عشان ترتاحي! 

تنهدت محاولة التماسك وهمست بخفوت:  بعدين يابلقيس، بعدين هنتكلم، سيبيني دلوقت استجمع نفسي واعيد حساباتي بهدوء! 
_ حساباتك؟؟ للدرجة دي؟!
واستأنفت بحذر:  هو… هو عابد زعلك؟

ما أن نطقت أسمه حتى جلد روحها سوط الألم وذكرى كلماته، ورغمًا عنها تمردت دمعة من حدود عيناها وسالت على بشرتها، ففزعت بلقيس وهي تترك مقعدها محتضنه رأسها بجزع يمتزج بحنانها:  انتي بتعيطي؟ طب خلاص اهدي، أنا أسفة اني ضغطت عليكي، خلاص ماتتكلميش دلوقت. 
وجففت دموعها التي تتابعت من مقلتيها بصمت وهمست برفق:  مهما كان اللي حصل ارجوكي تهدي، اكيد كل حاجة هترجع لأصلها تاني وتكوني كويسة

غمغمت الأخرى بعين شاخصة: 
فعلا، كل حاجة هترجع لأصلها..! 
-----------------------

أتى في الصباح الباكر كما وعدها ليصافح والديها ويودعها، وبعد تبادل حوارات جانبية بين والدته وشقيقته مع والدي بلقيس، هم بالمغادرة فاستوقفه صوت زمزم: 

_ يلا يامحمود عشان نمشي ورى ظافر للمطار

عقد حاجبيه متعجبًا ورمق بلقيس نظرة جانبية عله يجد تفسيرًا، فتجاهلت الأخيرة ورمته بنظرة لائمة دون حديث! 

_أصل محمود وعدنا يخرحنا عشان يفسح مهند وخطيبتك اللي عاملة مناحة من امبارح بسبب سفرك، فقلت نوصلك كلنا ونرجع لمشوارنا بعدها.! 

  يكره وداعها ويشعر بالضعف، وهي مازالت تود توديعه، يخاف رؤية حزنها وهو على أعتاب الرحيل فيعدل عن قراره ولا يذهب.. لكنها لا تعي هذا.. لذا تعاتبه بصمت لائم..! 

لم يفت عليها نظرات ظافر وبلقيس الشاحب وجهها، ورغم عزمها ان تصاحبه دون تركه لحظة واحدة، أرادت ان تمنحمها لحظات من الخصوصية والوداع، هي خير من تعلم ألم الفراق على المحبين! 

_ خلاص خدني معاك انا وايلاف يامحمود! 
وخلي بلقيس تركب مع خطيبها..! 

تفاجأ ظافر والأخيرة بقولها، فمنحته نظرة راضية فردها إليها بأخرى منتنة، أما زمزم فتبتسمت وهي تراقب الجميع وشعرت بالسعادة لأجل رفيقتها وهي تتبع خطيبتها بينما استقلت والدته وشقيقته سيارة أخيها محمود.. ولم تعلم أن الأخير تحتفل دقات قلبه بصخب، بعد أن حظى بفرصة لم يكن يحلم بها أو يتوقعها، وأيلاف تستقل مع والدتها المقعد الخلفي لسيارته.. يالا حظه السعيد .
……………… ..

يختلس النظرات إليها في المرآة مبصرًا حزنها المنحوت على محياها الرقيق، تمني لو يخفف عنها بكلمة، لكن حدوده لن تصل لأكثر من نظرة مؤازرة فقد لو تبصره، القاسية تبخل عليه حتى بنظرة عابرة وكل تركيزها منصب على الطريق، لكنه لم يدري انها تعلم بنظراته وتتجاهلها عمدًا، ارتباك غريب يصيبها عندما تراه، تخاف أن يظهر عليها، غير أن حزنها لفراق أخيها الغالي يكفيها همًا.
تبادلت زمزم حوارات ودودة دافئة مع والدة ظافر التي بدورها تحادثها وتلاطف الصغير بحنان وداخلها يهفو لحمل أحفادها قريبا حين يتزوج ظافر! 
……………… 
وصلا لساحة المطار الخارجية ووقفت سيارته، وتبعه محمود
وبعد سلامات ودودة من زمزم ومحمود، وتوصيات والدته وتحذيرها الحاني له بإهمال نفسه وتقبيل وتهدئة شقيقته الباكية بطفولة لفراقه الأول عنها.. تنحوا جميعهم لترك مساحة وداع أخيرة لهما ترجتها أحداقهما القاتمة بغيامة حزن يشاطرانه بنفس الآلم..وبعد برهة صمت كانت هي اول من قطعت تأملها الحزين وهمست بعتاب:

_معلش عارفة انك اتحرجت من زمزم وطنط واضطريت تاخدني معاك بس …
_ انتي متصورة اني مش عايز اشوفك يا بلقيس؟ 
قاطعها باستنكار عاتب، فردت:  امال ليه رفضت طلبي اني اوصلك؟
_ماكنتش عايز اشوف دموعك قبل ما اسافر..! 
قالت وعيناها تضوى بدموع متحجرة وأناملها تداعب خاتمها المميز بحرفها الذى يعانق دمعة: بس انت قبل كده طلبت منى احرر الدموع دي!
_لأ مش دي اللي اقصدها..انا طلبت منك تحررى نفسك من كهف الخوف والعزلة اللى كنتى فيه..ودموعك وقتها كانت دليل نجاتك وعزيمة إنك تتعافي وترجعي..يعنى كانت دموع قوة..لكن اللي في عيونك دلوقتى دموع ضعف وحزن..وانا مش عايزك ضعيفة ومش متحمل اشوفك زعلانة!
_انا ضعيفة من غيرك!
_لأ يابلقيس..قولتلك قبل كده استمدى قوتك من ربنا ثم نفسك..!
_طب ما انت نفسى! 

غرق بعفويتها المهلكة وشمسيها تضوي بدفء لمس شغاف قلبه، وكعادته كثيرا يعجز عن لفظ كلمات لا تليق بمشاعرها، والرد عنده فعلًا أثمن من كل حديث، واصلت غافلة عن تأثيرها الذي لجمه:
هو مين في عز خوفى حسسنى بالأمان غيرك؟ 
همس بعد ان تحكم بمشاعره ووجد صوته: أنا مجرد سبب واللي بعتنى ربنا..يبقى مين اللى حماكى وبثك الامان؟

هى تعلم ما يقول، عناية الله لها ليست محل جدال داخلها.. لكن هو من لا يدرى كيف يشعرها وجوده بالأمان الذى لم يحققه احدا قبله بهذا القدر..وكيف بغيابة تشعر بالغربة وأن صدرها ينشق نصفين بنصل البعاد..! 
قاطع صمتها بقوله:
_كنتى قولتى ان في هدية هتديهانى وانا مسافر..فين هى؟
ابتسمت وأخرجت من حقيبتها شيئا أعطته له..فتأمله وقال: شيك اوى الدفتر ده بالقلم بتاعه..ده عشان اكتب فيه وصفات المسابقة؟

هزت رأسها بالنفى:
_لأ..انا جبته عشان كل يوم تكتبلى فيه حاجة عايز تقولهالى، أي موقف..احساسك بيا في لحظة معينة..لما تشتاقلى مثلا..سجل اللي تحب تقوله حتى لو نكتة سمعتها ضحكتك وحبيت تشاركها معايا..وانا زيك معايا دفتر تانى هكتبلك كل يوم حاجة عايزة اقولهالك..واللى هنكتبه فى دفاترنا هيكون سر مش هيتقال في مكالمتنا انا وانت..وبعد ماترجع بالسلامة هنتبادل الدفاتر..وهيكون دفتري ملكك..ودفترك ملكى..هيبقى ذكرى بنا طول العمر..عشان كده اكتبلي اللي يليق بعشرة السنين الجاية لما نكبر ونرجع نقراه تانى واحنا عواجيز!

ظلم كبير على قلبه ومشقة قاسية لذراعيه ألا تعانقها الآن ويعتصرها ماحيًا الفراغ بينها وبين صدره، قلبه يئن ويحرضه على تنفيذ ما يريد متجاهلًا ضوابط عقله ..لكنه مكبل عن تقبيل جبينها الوضاء، شمسيها الساطعة في مقلتاها..أنفها الشامخ بكبرياء يحبه، وجنتاها الحمراء، شفتيها الشهية..الجميلة أضرمت في قلبه النيران واشعلت شوقه وهو بالكاد يلصم ذاته امامها..أى عذاب ينتظره إذًا حين يرحل بعد لحظات؟

( على المسافرين على رحلة رقم "..." التوجه للبوابة "...")

قاطع تدفق مشاعره الصامت وهو يتأملها صوت نداء المضيفة..وإنذار أن وقت الفراق قد حان وعليه أن يغادر..يشعر أن قدماه ثقيله وهو يحاول الابتعاد..أما هى فتحررت دموعها أخيرا وبكت مطرقةً  باستسلام أدمى قلبه..فلم تعد لديه القوة الكافية لردع كفه وهو يرتفع ليغمس رأسها لتميل على كتفه محتضنًا أياها هامسا: لو فضلتى تبكى مش هسافر..!

رفعت وجهها ومازالت رأسها ترتخي جوار قلبه، تنظر له والرؤية مشوشة بالعبرات..وانتبهت فجأة لوضعها وانامله منغمسة بشعرها..فابتعدت وهى تجفف دموعها هاتفة بمزاح مصطنع: مش هتسافر ازاى وحلمك اللي ماصدقت توصله بالمسابقة دي..انت كده بتدلع يا استاذ!
لم يبتسم او تحيد عيناه عنها وكأنه يتقوت منها لأخر مدى..فعادت تهمس بتحذير مازح ايضًا: واسمع بنات لبنان حلوين إياك تبص لواحدة فيهم ياظافر..هقتلك!

ابتسم لتحذيرها العدوانى رغم رقة ملامحها..فواصلت وتلك المرة هي من ترتشف محياه: اول ما توصل كلمنى..!

اومأ لها ومازال يغوص بعسل عيناها حتى تكرر النداء للمسافرين على متن طائرته ..فاضطر للابتعاد وهو يودعها ويوصيها بنفسها كثير..كما اخبرته انها ستتواصل مع والدته وشقيقته دائما طوال غيابه..!

منحها نظرة أخيرة ودافئة وهو يبتعد عنها ملوحا بيديه..حتى اختفى عنها لتطلق العنان لدموعها وبكائها الصامت عاجزة عن السير..لتجد زمزم تربت على كتفها بدعم هو أكثر ماتحتاجه الأن لتصمد وتتخطى لحظات غيابه الأولى!
____________

حدقتيها يحترقوا من البكاء لسفر شقيقها وبعده عنهما..والدتها تبكى دون سيطرة، أشفقت عليها وراحت تواسيها بصوت مبحوح:
_اهدى يا ماما ارجوكى وادعيله ربنا يوفقه وياخد مركز اول في المسابقة زي ما بيحلم!
هتفت باكية: عمره مابعد عنى المسافة دي..ربنا يصبرنى ويسترها معاه ما مكان مايكون!
_اللهم امين..انا متأكدة ان اخويا هيرجع محقق اللي بيتمناه..وربنا يهون علينا بعده يا ماما..!
_يارب يا إيلاف..يلا يابنتى عشان… 
بترت عبارتها بفزع: شوفتي عيونك بقيت حمرة زي الدم عزاي؟!  مش قولتلك بلاش تلبسى اللينسز انهاردة؟ اهى التهبت..اجرى شيليها بسرعة لأن كده هتتآذي! 

بالفعل حرقان عيناها وسيل دموعها يزداد هطولا وهى خير من يعلم خطر اللينسز بتلك الحالة ولحظها السيء لم تحضر محلول عدساتها المائى لتعقمها..فهرولت للمرحاض لتنزعها سريعا قبل ان يزداد الأمر سوء!

على بعد خطوات لم تحيد عين محمود عنها شاعرا بالضيق وهو يراقب بكائها جوار والدتها بقلة حيلة ..حالهما كحال ابنة عمه بلقيس المنهارة ايضا على صدر زمزم ..وجدها تبتعد وخطواتها أقرب للهرولة فتوجس ان يكون حدث معها مكروه..فتبعها على الفور دون ملاحظة احد حتى توقف قرب مرحاض السيدات..ادرك حاجتها واطمئن واستدار ليعود، لكن فرصة مواساتها عن القرب جعلته يقف منتظرا اياها على مسافة قريبة تتيح له رؤيتها حين تعبر أمامه!

بعد دقائق تجلت عليه بعد ان نزعت عدساتها ليرى عيناها الساحرة بلونيها..فسد عليها الطريق كالمجذوب مسلطا بصره على حدقتيها بجرآة أربكتها حين فوجئت به يعيق طريقها فمنجته نظرة متعجبة لملاحقتها إلى هنا دون خجل..
أما هو فهمس مسحورًا كأنه فقد الشعور بالعالم حوله: أخيرًا شوفت عيونك الجميلة تانى!

عصف مزيح عيناها بغضب وخضار يمناها يثور مع عسل الأخرى  هاتفة بحدة: انا عمرى ما شوفت وقاحة كده! ازاي تيجى ورايا؟!

_ قلقت لما لقيتك بتجرى وجيت اطمن عليكى!
_ بأى حق تقلق عليا وتلاحقنى!
_على الاقل بحق النسب اللي بنا..!
_النسب اللى انت احترمته؟
_اكيد احترمته..وانا مش بضايقك او بعاكس لا سمح الله..انا فعلا كنت عايز اطمن عليكي، ثم صمت ليعود لعيناه بريق انبهاره مغمغما: وثانيًا مش هنكر اصارحلك إني معجب بعيونك يا أيلاف.. من يوم ماشوفتها مش قادر انساها..!

دقات قلبها قليلة الخبرة تتصارع.. نبرته الحانية وهو يلفظ أسمها واعترافه بالإعجاب جعلتها تشعر بالذوبان.. لم يوجه لها أحدهم حديثًا مثل هذا من قبل.. لم تسمع إطراء بتلك النبرة المؤثرة.. تذكرت أين هي وبأي موقف تحيا، تماسكت وأظهرت قوة أخفت بها وهن ما تشعر وقالت بحدة: انت زودتها أوى وشكلك عايز تعمل مشاكل..وانا غلطانة انى وقفت ارد عليك!

همس مناديا أكثر دفئًا من زي قبل: إيلاف!

أربكها ندائه، حاولت تجاهله ومواصلة السير، فعصتها قدماها ووقفت تعطيه ظهرها..ليوصل باقتراب أدركته: بلاش حد يشوف عيونك تانى، خليكى مخبياها عن الكل !

ما الذى يحدث؟!
هل هو شاب معتوه؟
ولكن بماذا تصف ذاتها إذا بعد ان تأثرت به؟

استجمعت شتاتها الذى تبعثر ثم استدارت إليه ومنحته نظرة ثابتة قوية هاتفة: نصيحة منى قبل ما امشى..روح اتعالج لأن جرأتك ووقاحتك بجد مش طبيعية!

قابل حدتها بابتسامة أكثر جذابة وهو يحاصرها بعيناه دون أن يحيد..فابتعدت وهى تهمهم بسخط مسموع واصفة وقاحته..فغمغم لذاته: 

لو وقاحتى في نظرك ذنب!
حاسبى عيونك..!
لأنها الذنب الأكبر..!
_____

استند لظهر فراشه وهاتف والدته كعادته قُبيل نومه، ثم تصفح حسابه سريعًا متفقدا اخر الأخبار، مرت أمامه صورتها هي وجوري وحولهما بالونات العيد وبينهما الصغير مهند، ابتسم وسجل لها قلب اعجابا بثلاثتهم، ثم مر على الأخبار دون تركيز وبغته عاد للصورة ليتأكد انه لمح أسمه! 
" الباشمهندس حسام؟!"
متي انضم لأصدقائها؟
دخل صفحتها وتفقد جميع صورها خاصتًا الصور الخاصة بها فوجده يضع لها قلب مع تعليقات كثيرة تشي بإعجابه! 
صادفه خلفية حسابها بجملة " حسابي للأقارب فقط"
تهكم داخله بغيظ
واضح انه للأقارب فقط! 

ودون لحظة تفكير أو إدراك للوقت هاتفها وظل منتظرًا إلى أن جاءه صوتها الناعس:  ألو؟
_ اهلا يا هانم
_ مين؟
_ نعم؟ مش عارفة مين بيكلمك يا باشمهندسة؟

استعادت البعض من تركيزها:  اهلا يا يزيد.. معلش مش مركزة! 
_ طبعا ده العادي بتاعك وواصل بشيء من الحدة:  انتي ليه ضايفة. حسام على حسابك؟
_ حسام مين؟
_ الباشمهندس حسام اللي معانا في الشركة، مش كاتبة انك مش بتضيفي غير القرايب، ده بيعمل عندك ايه؟!

تذكرته فغمغمت ومازل النوم يفرض سطوته عليها: 
عادي هو طلب أدد لما كنت بتدرب معاك في القاهرة، وانا اتجاهلته، بس اخر يوم وانا ماشية احرجني بتلميحه اني اقبل الأدد..اضطريت اقبله..!

تعاظم. غيظه منه حين فطن لإجبارها لتقبله بطريقة غير مباشرة، المفترض ان يحترم عدم قبولها، لكنه فعل العكس وجعلها تقبل حتى لا تحرجه..!
_ على كده بتتكلموا خاص؟ 
هتفت ببساطة وتركيزها اغلبه غائب:  قليل.. مجرد رسايل صباحية وادعيه.. تهنئة في المناسبات، رأس السنة ، عيد حب، رمضان، ع… 
_ عيد أيه؟؟؟؟ عيد حب؟

استنكاره العدواني أعاد صدى الكلمات بعقلها فقالت لتصلح ما أفسدت: انا بتكلم في العموم مجرد صور وكتير مش برد غير على ادعيه وبس.. لكن في المجمل ماشوفتش منه حاجة.. ايه لازمة التحقيق ده كله؟

_ الغي صداقته! 

ضيقت عيناها باعتراض:  الغي ايه؟ طب ليه؟ هو ما تعداش حدوده ولا مرة وانسان محترم جدا وتعليقاته عاديه.. وكلامنا تقريبا معدوم! 

_ بردو الغي صداقته.. مش المفروض يكون عندك! 
_ يزيد لو سمحت بلاش تحكم علي الفاضي، هو انا ماليش شخصية ولا لعبة تمشيها على مزاجك؟ الغيه ليه ومش عمل حاجة؟ انا من نفسي لو تجاوز بأي شكل هعمله بلوك، بس ده محصلش! 

صمته لحظات سمعت فقط أنفاسه، ثم هتف ببرود: 
تمام براحتك.. سلام! 
_ يز… .

بترت ندائها بأسمه بعد أن اغلق الهاتف دون انتظارها..!
-----------------------

كم يكره عنادها ورأسها اليابس، ربما هي أكثر صفة يبغضها.. ترك فراشه وقد زال كل أثر للنوم وذهب ليحضر فنجان قهوة! 
……… ..

وقف بشرفته يستنشق الهواء ليهدأ، بجواره فنجان قهوته، نظر للأفق وعيناه تلاحق النجوم الصغيرة بشرود يفكر بحالته الغريبة..لما غَضب لتلك الدرجة حين وجد حسام بقائمة أصدقائها؟ هو يعلم ان الأخير يُكن لها شعور ما.. هو رجل ويفهم نظراته جيدا.. هل يخاف أن تتأثر عطر به؟ هل يهتم؟! شعر بغباء سؤاله الصامت.. أيعقل ألا يهتم؟! 

رنين رسالة قطع شروده،تبينها بوجهٍ عابس سرعان ما تبدلت حالته وابتسامة تزحف ببطء على شفتيه وهو يقرأ رسالتها القصيرة ( حذفته من حسابي)
اتسعت ابتسامته وشعر بسعادة حقيقية لأنها اهتمت لزعله ولم تتركه غاضب! 
أرسل لها ليشاكسها ( ما كان من الأول ياعنادية)

استشعر الغضب بردها " لعلمك انا مش مقتنعة"
( ولما مش مقتنعة ليه حذفتيه؟)

لم يأتيه ردًا، فألح عليها ( منتظر ردك)
وجدها تكتب لترسل له " مقدرتش انام وانت زعلان يا يزيد"

شعر أن جملتها اخترقت هاتفه لتنفذ لعمق قلبه محتلة دقاته، كل حرف بجملتها لمسه، أسعده، أرضاه، طمأنه!..الصغيرة تروي جفاف أيامه لتُنبت أزهارها الخاصة بروحه، تعطيه ما كان يتمناه قبلها..هي ببساطة تعطيه حياة.. وتمنحه الحب! 

( ليه؟)

ارسل تساؤله اليها علها تجود عليه بالمزيد، فساد صمت بينهما، قطعته برسالة. جديدة.. " لأنك ابن خالتي"

ابتسم، توقع ردًا گهذا..! 

" هستأذنك ارجع انام.. تصبح على خير"
(عطر)
" نعم"
( الفجر قرب.. صلي وادعيلي)
" حاضر يا يزيد"
( هتدعيلي بايه؟)

صمت أخر من جانبها وانتظار منه، حتى أرسلت: 
" عايزني ادعيلك بايه"
( ادعيلي أنول اللي بتمناه وفي نفسي)

" ربنا ينولك كل حاجة حلوة" 

لم. يرسل لها سوى قلب كبير عله يوصل لها ما يريد ويخاف قوله الآن.. الفرصة غير مهيئة بعد للبوح.. ليس قبل أن يزيل أوهامها الحمقاء من رأسها..ويكفي انه يقترب خطوات هادئة، واثقة، لن يعودا بعدها كمان كانا..هي تستحق الصبر ليصل معها لحقيقة من تكون بالنسبة له! 
حقيقة لن تستطيع تكذيبها..! 
--------------------------

أحضرت دفترها وراحت تبث شعورها الموحش للورق بعد سفره بكلمات نقشتها في السطور الأولي، أخبرته كم تشتاقه رغم أن غيابه لم يبدأ بعد، وتمنت ألا يبتعد ابدا..دونت الكثير مما يدور بعقلها ولهفتها لقراءة دفتره بيومٍ ما، ظلت تكتب حتى شعرت بإجهاد أصابعها، فطوت صفحات الدفتر وتركته جانبها ثم تذكرت عيديته الورقية وكلماته عليها، فجلبتها من صندوق الذكرايات بلهفة لتتفقد ما كُتِب بأول ورقة، فوجدت وجهٍ ضاحك مرسوم على طرف النقود مدون أسفله " اضحكي وماتزعليش"..ضحكت بعيون مغرورقة، حتى وهو بعيد مصدر لسعادتها، كأنه يعلم حالها الآن، أعادت النقود لصندوقها، وتوضأت لتصلي ركعتين، وبسطت سجادة صلاتها عازمة على صلاة ركعتي قيام حتى تتضرع إلى الله وتطلب منه توفيقًا.

انحنت بجبهتها وراحت تتدعوا وعبراتها تسيل، ولا تعرف لما برق بذهنها لحظة شبيهه وهي تتضرع لخالقها وقت اخطتفها بحقيبة السيارة، وكيف نجت باللجوء إليه..تأجج بروحها حُرقة الذكرى، عاصفة انتقامها تجددت گ قنبلة تحرضها لنزع فتيلها وإطلاق شظاياها على من حاولوا تدميرها،  هي لا تنساهم قط. لكن تحاول بعزيمة جبارة  أسقاطهم من ذاكرتها..النسيان ليس بالأمر اليسير كما تعلمون! لكن حماية أحبائها من مآساة أخري تستحق المحاولة! 

رفعت رأسها تكبر، وعادت تنحني بجبهتها ثانيًا مستغيثة بالله يهديء فؤادها متمتة: 

( يارب. انت عالم باللي جوايا، وعارف إني بحاول انسى واعيش حياتي، عارف اني بجاهد نفسي كتير، خايفة انجر لشطاني واطاوعه، خايفة على أمي وأبويا وخطيبي وعيلتي يتجدد ألمهم تاني..أنا لو قابلت حد فيهم مش هسيبوا عايش.. هدي بالي يارب وريح قلبي.. انا معرفش اراضيهم فين، بس انتقملي منهم فين مايكونوا، أنا مش مسامحاهم عايشين ولا ميتين، انصفني يا مَن حرمت الظلم على نفسك، أنا اتظلمت ومنتظرة قصاصك العادل فيهم ياجبار السموات والأرض) 

رفعت رأسها عن الأرض وهي تكبر، وشعرت بالسكينة بعد أن أفضت بدواخلها لخالقها، هي تعلم أن الله ملاذها الوحيد، عادت لتسجد مرة أخرى لتدعوا لحبيبها، وتتمني توفيقه وحفظه وعودته لها بخير.. وألا يفرق بينهم شيء! 
-------------------------

عطش الخطيئة لا يرويه إلا ماء توبة! 
فكيف الحال إن كان مذنبًا لا يدرك ذنبه؟
قاتل لا يعلم عن ضحيته شيء! 
تبتلعه دوامة معتمة..!
يطارده ثعبان أسود استفحل من خطاياه..!
ملتفًا حول عنقه گ سلاسل نار تصهره..
تعتقل أنفاسه، تعذبه! 
لا هو تائب ولا مستغفر!
عالق بين الذنب والنسيان! 
مقيد بقبو ماضيه النچس..!
ولن تُحل أصفاده.. إلا بقربان عظيم!
……………… ..

عيون گ جمرة متقدة ترمقه بسخط، رغم الظلمة الحالكة حوله، تراه، تُلاحقه گظله..الهواء يشح برئتيه، يختنق، يود الصراخ لكن لا تتجاوز الصرخةِ حلقه! أصابع ذات مخالب قاسية تدنو من عنقه، تكاد تنغرز بلحمه وتخترقه، لكنه يهرب، فتعاود حصاره من جديد! 

جبينه يندى بقطرات عرق غزيرة، حلقه جاف، صوته مكبل همهمته الغير مفهومة توقظها بغتة لتجد وجهه مجعد كمن يرى ما يخيفه، تُشرع بهز جسده، لا يستجيب، الفزع يتملكها فتصفع وجه برذاذ ماء ليفيق منتفضًا بقوة وگأن قلبه عاد للنبض بمعجزة بعد موته! 

ارتشف من يدها بعض الماء ودس وجهه بصدرها يشكوا ألمه:
نفسي اتخلص من كوابيسي، كل اما انساها ترجع تطاردني من تاني، ثم رفع وجهه إليها هامسًا: بس المرة دي العيون كانت تخوف وأول مرة تتكلم وتنده على اسم وتكرره بغل وكره! 
تسائلت: أسم مين يا رائد؟
‏اعتصر ذهنه عله يتذكر فلم يفلح وغمغم بتيه: 
-- مش قادر افتكر، للأسف نسيته! بس أثر الكابوس مخوفني.. أنا حاسس إني آذيت حد يا رودي بس مش عارف هو مين.. أنا خايف..كأن في خطر بيهددني ومش عارف جاي منين عشان اصده.. كأني حد مقيدني ورميني في دايرة نار ومغمي عيوني! 

أشفقت عليه فأعادته لصدرها وهدهدته هامسة: اهدى ياحبيبي دي مجرد أحلام مالهاش معنى، يمكن ده سببه تعب "رحمة" بنتنا، بس الحمد لله هي بقيت بخير، اطمن مافيش حاجة تخوف..ثم رفعت رأسه إليها وحاوطته براحتيها وطالعته بنظرة تفيض دفء وقوة بآنٍ واحد وهتفت بنبرة حاسمة: 
مش هسمح بحاجة تقرب منك وتآذيك انت وبنتنا طول ما في صدري نفس، أوعدك مخليش حاجة تهد استقراررنا وحياتنا ابدًا..!

ابتسم ولثم باطن كفها هامسًا: هو مين فينا أمان التاني يا رودي.. وضمها لصدره بقوة وساد بينهم صمت لحظات ثم ابتعد مغادرًا فراشه مقتربًا من فراش الصغيرة المجاور وراح ينظر إليها بحنان يشوبه قلق! 
هل حقًا مرض الصغيرة هو سبب كوابيسه؟
لا يظن..الكوابيس تطارده منذ زمن بعيد، تعيث في عقله وتحرمه غفوةً هانئة، تبثه رعبًا مبهم من شيء لا يدركه، لكن يستشعره بقوة.. لمن تسبب بالآذى؟ مَن يُطارد روحه التائهة بإصرار مخترقًا دهاليز أحلامه، يُحرم عليه النوم مثل البشر! 
مَن؟!

_ تعالى كمل نومك يا رائد! 

قاطعت شرود أفكاره، فأومأ لها دون أن يستدير، ثم
مد يده وملس على وجه صغيرته بحنان شديد وحدقتيه تضوي برؤيتها، ثم انحنى ولثمها وظل يراقب أنفاسها الهادئة ومحياها الملائكي المستسلم لنوم عميق! 
وزوجته تراقبه من موضعها بشفقة، حالته ساءت في الفترة الأخيرة..لا يخلو نومه من الكوابيس!
تأملت لمساته الحنونة لصغيرتهما وعيناها ترمقه بغموض شديد، فربما عليها أن تفعل شيئًا لأجله! 
ولأجلها..! 

.................. 

" الحب جميل للي عايش فيه.. له ألف دليل.. أسألوني عليه"

تشدو بصوت رقيق وهي تتوسط مطبخها واقفة أمام الموقد تعد مزيج حلوى ساخنة بذهن صافي وحالة مزاجية عالية، بعد أن استقرت الأمور مع زوجها في الأيام الماضية ولم تعد تهاجمه الكوابيس گ السابق، غير تمام شفاء صغيرتها من وعكتها الصحية.. لذا شعرت أنها تريد الأحتفال بصنع حلوى مميزة له!.. تذوقت المزيج بحرص فراقها مذاقه كثيرًا وابتسمت تحدث نفسها( تسلم ايدك يا رودي.. الكاستر هيعجب رائد جدا) 

أحضرت أطباق ذات نقوش مميزة وراحت تصب بها المزيج ومازالت تشدو وتتمايل بدلال ليخترق بغتة مسامعها نداء جمد الدماء في عروقها، أسكن تمايل جسدها وتحولت لتمثال وصوت رائد يصيح خلفها بقنبلة غادرت شفتيه لتنفجر بالأجواء مبعثرة استقرار روحها وسلام عالمها الذي شيدته بأعمدة الكذب وطلت ألون برتوش الوهم طامسة في زواياه، كل ذنوبها القديمة.. كل خطاياها..كل خداعها..!

تيماء! 

كرر نداءه فسقط طبقها وتناثرت قطع الزجاج حولها وتبعثر مزيجه الساخن فلفحها بنيران أحرقت روحها قبل قدميها، الآن تعرت أمامه وتساقط جلدها الملون الكاذب وتشقق عن وجهها لتنجلي حقيقتها البشعة.. المخيفة.. الدامية! 

تذكرها رائد ولا مفر من مواجهة غضبه وعقابه! 
والأقسى منهما خسارته! 
أستدارت له مدركة أنه آن وقت الحصاد.!

حصاد آثامهما معًا..!
لمتابعة البارت الخامس والثلاثون اضغط هنا 
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

3 تعليقات
إرسال تعليق
  1. رووووووووووووووووعة

    ردحذف
  2. لا ثوانى كظا مش فاهمة انا واى حاجة من موقف الاخير دا هى رودى تبقى تيماء لالالا صح......بجد تسلم ايديكى بارت كله رائع ...بس وجعتى قلبى على زمزم اوى....بجد بتعرفى يا ظيفو تعوضينا بفصل اسبوعى مميز 😍😍⁦❤️⁩⁦❤️⁩

    ردحذف

إرسال تعليق