القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية العميل ١٠١ .. بقلم شريهان سماحة ..

رواية العميل ١٠١ .. بقلم شريهان سماحة ..

" مَنْ مِنَّا لا يتعثر بطرقات الحياة، ويصفعه رياحها العاتية الهوجاء، فيسقط بوحل مطرها مرغمًا .. يطوله الخوف متوحشًا .. يفزع سكونه بإجلال.. ثم يقف يكابر بأنه ابنها وحتما ستحنو عليه يوم وينجو من فعلها .. ليتفاجأ بصفعتها التالية!   

إلا من حصن نفسه بالإيمان واتخذ حب خالقه درعٌ آمان .. فهو منقذًا من أهوالها حتمًا .."
رواية العميل ١٠١ .. بقلم شريهان سماحة ..





أولى حلقات الخاتمة لرواية العميل ١٠١


قبل ..

في الليل وبين حوائط غرفة الاستقبال ابدى رجالها من الأهل والخلان موافقتهم جميعًا على عرض ذاك الضابط بالجيش للزواج من ابنة شقيقتهم، والتي تدافعت بموافقتها ما أن تم عرض الأمر عليها .. مما بسطوا جميعا أيديهم للسماء لقراءة الفاتحة بأنفس هادئة وارواح مسرورة مثلهم كمثل تجمع المسنات بالخارج، المباركين لخطوتهما الحلال تلك بكل حبور وتضرع من القلب لرب السماء ..

مع خضم قراءة الفاتحة وتحرك شفتيهما تلاقت أعينهما الزائغة ببعضهما خلسة من فتحة الباب الموارب مما اهدها بتصادفهما هذا نظرة دافئة بها عهدٌ غليظ موثق على شرف رجولته بأن يكون ما بينهما " أولهُ الحب وأخرهُ الهيام " ..


أمَّا بعد ..


ظن أن بقراءة فاتحتهما سيقترب الوصال وتقل المسافات ومن ثم تفتح الأبواب المغلقة بينهما على دفتيها، لا أن يصل به الأمر مغادرًا الصعيد بصحبة والدته والصغيرة دونها هكذا!

عواصف نارية بداخله يحاول جاهدًا أن يواريها عن تلك المُسنّة بجواره ويفرغها دون شُح على قيادة السيارة، ولكنه تفاجأ بها تقاطع شروده بضيقٍ يماثل لِمَ يشتعل بصدره: 
- كان فيها إيه لو وافقوا يكتبوا كتابكم وكنا رجعنا بيها معنا .. ولا لازم الطفلة المسكينة دي تتعذب كده وهي بتودعها وأنا من قبلها .. 

مستديرة برأسها تجاهه وهي تواصل بنبرة مغايرة يغلبها الحنين :
- البنت بصراحة وحشتني قوي يا "عمر" وأحنا لسه مطلعناش من حدود الصعيد .. فمبالك لما أوصل القاهرة وأقعد الشهرين المزعومين اللي قالوا عليهم دول قبل معاد كتب الكتاب..

واصل ولدها الصمت التام من جانبه بمطرقة حادة، فعن أي حديث سيتداول معها اطرافه وهو يُكوى بنيرانه دون شفقة، فسمعها تستأنف بحدةٍ نحوه :
- أنت ساكت ليه ومبتبردش ناري بأي كلمة .. ولا البنت موحشتكش وقلقان عليها من قاعدتها لوحدها زيي ..

اتهامها الساخط أجبره على الحديث مرغمًا، ولكنه قبل أن يفعل ضبط انفعاله بنظرة خاطفة على الصغيرة في المقعد الخلفي وما أن ابصرها نائمة بوجهٍ عابس من أثر بكاء الفراق، حتى عاد يشخص بصره للطريق أمامه وهو يهتف بأتزان متصنع لا يعكس ما به من مشاعر متقدة ..
- من حقهم يا أمي .. من حقهم أن يحافظوا على بنتهم ويفرحوا بيها بالطريقة اللي تعجبهم .. غير أنهم مش هيسيبوها لوحدها وخالها الكبير وعيلته هينقلوا عيشتهم معها مؤقتًا لما تيجي بيتي بأذن الله..

تذمرت المُشيبة بغضب :
- وهو أنا قلت ما نفرحش بيها ولا بيك بس كان أقلها أسبوعين تلاتة وناخدها معنا وأحنا راجعين مش نرجع من غيرها والطفلة المسكينة ينفطر قلبها من العياط بالشكل ده على أختها زي ما لسه مقتنعة .. لا و دا كله مفروض ننتظر المدة الكبيرة اللي حددوها وهي في بلد وأحنا في سابع بلد بدون مقابلة واحده بينك وبينها .. 
وبعدين تعالى هنا هما ميعرفوش أنها كانت قاعدة عندنا من قبل ما توصل لهم أو تعرفهم حتى .. والحمدلله حافظنا عليها زينا زيهم وشلناها على كفوف الراحة .. 

حبس انفاسه وهو يتفادى سيارة بالقرب، ثم زفرها بعمق متمتمًا ..
- لا يا أمي ميعرفوش ومش عاوزهم يعرفوا خالص بالنقطة دي لأن مهما وضحنا السبب كان إيه لحظتها مش هيقتنعوا بيه لأنهم صعايدة ودمهم حامي ونقطة أنها كانت معايا تحت سقف واحد من غير أي رابط شرعي دي تهينهم قوي وتهين أي حد عنده نخوة ودين مش بس صعيدي .. فعشان كده خلينا نصبر على عوايد منطقتهم ونتحمل الفراق لكام شهر لما ربنا يأذن ونكتب الكتاب على الأقل ..

اعتدلت تنفر أمره بضجر مغمغمة .. 
- يا ريت تقدر تقنع نفسك بالكلام ده قبل ما تقنعني بيه يا سيادة الرائد ..

مع جهله لتفسير جملتها الذاتية قطب حاجبيه بتساءل ..
- بتقولي حاجة يا أمي !

تنهدت مستغفره، وهي تجيبه صائحة بتبرم ..
- أبدا يا حبيبي .. كنت بقول ربنا يديني العمر وينولني اليوم ده على خير .. ومعلش اعذرني أن نسيت الأصول بس ده لأني ما شفتش أنها تمست بأي مكروه وهي عايشة معنا الكام أسبوع دول .. وأنك الشهادة لله مش عشان ابني اخلاقك عالية وتحميها بدمك قبل مبادئك يبقى ليه العقبات اللي زرعوها في طريقكم دي كلها ..

جملتها الأخيرة كانت مفتاحه الوحيد لتبديد مجرى حزنها وشعورها المستاء، حين هتف يراوغها بمشاكسة ماكرة ..
- ماتنسيش أن الكام أسبوع دول أنا كنت مشغول فيهم وبعيد عنكم باستمرار .. وبالتالي هي ما شفتش أي خطورة مني !!

رمقته بنظرة جانبية غامضة توحي بعدم استيعابها لِمَ قال، حتى وجدها بعد وهلة تشهق فزعة وهي تضربه بقبضتها الهينة في ذراعه متمتمة ..
- أية الكلام ده أنت قاصد تقلقني عشان اقتنع بقرار بعدها عننا صح! .. 
مسترسلة في تعبيرها بحزم ..
- قول أنك قاصد يابن بطني وأن ثقتي فيك في محلها ..

طريقتها في التعبير أرغمته على الضحك رغم حالته ومن ثم التوقف بسيارته على قارعة الطريق يقبل كف يدها ذاك بعمق وامتنان، مما جعلها مع اعتداله تفيض عليه بنظرة عاتبة وهي تتمتم له بابتسامة متوارية ..
- ماشي يا حضرة الظابط .. مردودالك الخضة اللي خضتهالي دي في يوم من الأيام ..

-------------------------

- " آنا " هل هناك خطبٌ ما، أم لا تجدين راحتك في ذاك الحمام .. فلقد مرّ أكثر من النصف الساعة وأنتِ بداخله ؟!

قالها ذاك المنتظر على جمر لهب بهدوء لا يعكس ما به من نفاذ صبر، ليأتيه في الحال صوت فتح الباب قليلا دون خروج من خلفه، فتغلب فضوله على تردده ومدّ يده لاستكمال فتحه، فتفاجأ بمحبوبته تتوارى وراءه بوجه به من الأحمرار ما يثير ريبته، فجذبها من راحتها نحوه قائلا بنبرة قلقة :
- "آنا" ما بك ءأنت مريضة؟!
ثم دون انتظار اجابتها واصل مستفسرا بارتياب :
- هل نوقف سير السفينة ونستدعي لكِ طبيبًا لفحص علّتك ؟!

قبضت باليد الأخرى على شقي مئزرها المُحكم غلقه لأجل ضبط احكامه أكثر ومدارات ما أسفله، وهي تطرق وجهها خجلاً بعيدًا عن عينيه، تفضل الصمت بعدما أيقنت عدم انتباهه لمنامتها المتحررة وفطن شعورها المستجد، فبغتت به يعيد استفساره عليها مرة ثالثة بأكثر توجسٍ وحيرة دون كلّ، لهذا رضخت تنفي قلقه وهي تتمتم بصعوبة بالغة :
- كلا "علي" .. ااأنا بخير !

عقب قولها اطلق تنهيدة ارتياح ثم رافقها بوضع راحته على ظهرها ليمسده برفق وهو يردد :
- إذا ما الأمــر حبيبتي لِمَ وجهك مشتعل هكـ.... !

قطع استفساره ما أن وعى لملمس مئزها الحريري تحت كف يده الرجولية والتي تجمدت مضطربة في فعلها، فأبتعد بوجهه قليلا يغمر ملبسها بنظرة تمعنية دقيقة، فخرج عليه صوتها يقاطع فعله صائحًا وهي تخبئ وجهها بين راحتيها بخجل :
- "علي" لا تقل شيئًا رجاءًا ..

انصاع لرغبتها وصمت لكثيرٍ من الوقت وهو يواصل نظراته السخية على ما ترتديه حتى برزت ابتسامته الخبيثة ولمعت عيناه بأعجاب، مغمغمًا :
- ومن سينطق بكلمة خائبة تعجز عن تقدير ذاك الجمال! 

على ذات هيئتها المُستحية قالت واجمة :
- توقف يكفي ما بي .. أنا لن استطيع تحمل المزيد ..

عادت راحتيه تداعب ظهرها برقة ارهقتها كطائرٍ ضعيف بين يدي صائده، متمتمًا بمزيد من الخبث :
- لماذا لن تستطيعي .. فليلتنا المرجوة لم تبدأ بعد ..

مع اصراره الوقح لم تجد مهربًا منه ألا صدره حين غمرت وجهها بين طياته مستنجدة وهي تكاد تبكي :
- "علي" أرجوك !

لم تدرك أن بوقتٍ أخر كان قد آثار حنينه تجاهه واعتقها خشيةً عليها .. أمّا الآن وبعد لمساتها العفوية التي عاثت في داخله فسادًا .. ازداد بالأمر سوءً لذلك اصبح لا عفو من جانبه .. 

لا عفو ولا رحمة معها مطلقًا !

تغاضى كالصم عن توسلاتها بقسوة فحيحه الحار وهو يفك عقدة رباط مئزرها بتأني مثير :
- بل "لي" .. الليلة أنا "لي" خاصتك وفقط ..

مع انتزاعه من على كتفيها واسقاطه أرضا وفضح ما أسفله أمام عينيه الواهجتين، اشتد بطول ذراعيه حولها بأكثر جرأة ليدمغها في ضلوعه بعناق دافيء انتظره بينهما كثيرًا، مستبدلا لغة الحديث بترنيمات الحب وهمهماته الناعمة الدافئة لتكون لغة الوصال الوحيدة التي تقوده في مسيرة الخطى نحو معشوقته وزوجته الحلال ..

--------------------------

مع دخولهم لأحد الفنادق بمدينة شرم الشيخ وحجز أحد جنائح العرائس به لأجل مدتهم القادمة، ولج "أمير" يضع من على كتفه "هاجر" النائمة داخل فراش أحد الغرف المجاورة لغرفة نومهما، ثم ما أن دثرها بالغطاء جيدا وخرج حتى تفاجأ بوالدتها مازالت تتوسط غرفتهما براحتين أدمتهما ببعضهما من شدة الارباك والخجل اللذين اصابيها منذ دخولها بصحبته ذاك الجناح ..

وعى لما بها وظن أن بجرأتها للعقد عليه اليوم لا يصح بينهما ما بها الآن! .. أو على الأقل بعد تلك القبلة الأولى بينهما هناك! .. أزاح عن جسده جاكته ببطء شديد وقام بوضعه على أحد المقاعد المقربة منه ليتبعه بالكرافت الخاص به، ثم همَّا بفتح زري أكمام قميصه الأبيض وطيهما للأعلى قليلا وهو يتجه نحوها بعينين لم تحيد عن فعلها الخاطف للابصار، وما أن توقف أمامها مباشرًا حتى شعر بارتباكها يزداد رجفةً، فاطلق تنهيدة عميقة وهو يفك عقدة يديها بهدوء ويتناولهما بين كفي يداه الدافئة بصمت مهيب، مما أرغمها بفعله على كسر أطراقها الخجول والتطلع إليه مندهشة، فبغتت بحدقتيه بهما أحاديث شاعرية ناعمة موجهه إليها وفقط، ظلت تقرأها مسحورةٌ بتمهل شديد حتى ودعها التوتر وتراخت راحتيها بلينٍ بين راحتيه .. وصالاً دام بينهما لثوانٍ كُثر لا رغبة لهما ببتره ألا بانحناء مغيب من وجهه تجاه شفتيها المرتجفة .. قطعه حركة ما خلفه وصوت الصغيرة يهتف حائرًا :
- هو أحنا فين يا مامي .. وإية المكان ده !

مع ارتباك الاثنان وحشرجة "أمير" بعدها تملصت من بين يدايه بخفة ثم توجهت مسرعة تجاه ابنتها لطمئنتها قائلة بصوت حاني :
- مش عمو" أمير" وعد جوجو الجميلة أنه يفسحها وياخد لها سيلفي من قلب البحر مع السمكة الكبيرة ..

هزت الطفلة ملامحة التي لم تودع أثر النوم بعد وهي تردد مشدوهة :
- يعني أحنا وصلنا عند البحر وهننزله دلوقت ..

- هو مش دلوقت .. دلوقت بصراحة .. 

اجابها "أمير" تلك المرة وهو يتجه نحوها مسترسلا :
- لأن لازم نريح حوريتنا الصغيرة من تعب السفر الليلادي عشان الصبح بدري تكون بكامل لياقتها للمغامرة الجبارة المنتظراهها ..

أنهى جملته وهو يحملها على كتفه دفعة واحدة لتمتزج ضحكاته مع صراخها ونوبة ضحكها المتقطعة بعدما طرحها في الفراش بدغدغة متواصلة وهي تجاهد لحماية جانبيها منه بعركلة ساقيها المتلاحقة ..

تابعتهما "أميرة" بعينين راضيتين وقلب ملتاع بالجميل لصاحب المبادرة الأبوية الطيبة .. مرجحة أن تترك ساحة اللهو لهما دون شريك والانسحاب نحو حقيبتها لأخراج أحدى المنامات والتوجه لدورة المياة لأجل استبدال ملابسها بها ..

وما أن فعلت وعادت بمنامة حريرية محتشمة حتى وجدتهما يغطيان بإرهاق في نومٍ عميق معا، ففاضت هائمة عليهما البصر بابتسامة هادئة إلى أن شدّت الغطاء ودثرتهما جيدا وهي تمسد شعر الصغيرة بفيضٍ حاني ومن ثم المغادرة للنوم في الغرفة الأخرى، ألا أن هيئته النائمة جذبتها عن غير قصد وزلزلت ثباتها بحقيقة واضحة " هو سيشاركهما غرفتهما منذ الآن والأكثر توضيحا و فراشهما! " .. ارتجف بدنها باستحياء رغم ما يبثه سكونه إليها من أسر يجبرها على مواصلة النظر، فحركت يدها ببطء شديد من فوق شعر الصغيرة نحوه لملاطفة خده بحركة حذرة فشلت في انجاحها عندما فتح عينيه بغته وطالعها متفاجأً، سحبت راحتها مسرعة بفزع وإينعت وجنتيها احراجًا وندمًا على ما فعلت، ألا أنها بغتت به يتناول كف يدها الهاربة نحو شفتيه، فترقبت فعله بحيرة وتشتت حتى وجدته يلثمها بقبلة عميقة بثت إليها شيءٌ ضئيل من مشاعره الجياشة نحوها وعينيه تفيض بالدفء والهيام معًا ..

رافضا تركها لتنفيذ ما انتوت وكأنه قرأ افكارها .. مما جعلها تستلقى مستسلمة بجواره وبينهما الصغيرة نائمة، تبادله لغة العيون ذاتها، وينبع منهما الكثير من الرضا بأن ماحدث لهما إلى وقتهما هذا أكثر من كافٍ، مستمرين بوضعهما ذاك إلى أن غفى جميعهما هكذا دون إرادة حتى الصباح ..

------------------------------

مع بزوغ خيوط الفجر في عتمة السماء صار يراقبها وهي نائمة بجواره على الضي المنبثق من نافذة السفينة .. 

يداعب خصلاتها المُمددة جواره بشرود وتفاصيلها بحالمية تودّده بعدما طرحت عليه في الساعات الماضية بظلالها الهالك ..
فقد كان بصحبتها في ذاك الفراش وكأنه بتول لم يتذوق جنس النساء من قبل! 

مكتشفًا من رفقة تلك الخجولة بأن بها من الفتنة والحميمة ما يجعله يفقد البصيرة والذاكرة معًا .. وإنه سلطان مملكتها الأوحد ما أن رأي نقطة عفتها الوردية تفرض قوتها على الفراش .. نقطة هينة مسّت رجولته بنشوة وإنتصار وإن كان دمهُ ممزوجًا بعرق أوروبي متحرر ..

في خضم شعوره أرادها أن تصحو من غفوتها لأجل الاستنعام معها بتلك اللحظات مجددًا، ولكنه رأف بحالها بعد اجهاد اليوم من بدايته وحتى نهايته لهذا راح يدفس جسده في حدود دولتها العظمى كتصبيرة فقيرة حتى تعود إليه مرة أخرى بشهد رحيقها الفواح ..


---------------------

مع تهافت رائحة البحر الرطبة على حواسهما من نافذة الغرفة، توجه "حمزة" إليه يرنو لما خلفها متمغطًا من أثر قيادة السيارة على بنيته وهو يتمتم لزوجته عقب وصولها توًّا :
- الله .. شايفة يا ديجة الجمال اللي بجد .. أنا حاسس أن مجرد شوفتي للمنظر ده بس عوضتني عن تعب السواقة البطيئة لغاية هنا ..

اقتربت تضامن ألمه بتدليك كتفيه برقة متناهية وهي تردد عليه بنعومة ..
- أنا عرفة أنك تعبت جامد بسبب خوفك علينا أنا والبيبي .. 
مواصلة بعدما توقفت عن فعلها لاحتضانه من الخلف بطول ذراعيها ..
- سامحنا ..

التفت يفك عقدة يديها حول خصره ليقوم بذلك الدور بدلا عنها متمتما وهو يداعب أنفها بأنفه :
- وأنا لو مكنتش أتعب عشانكم هتعب عشان مين .. وبعدين يلا سيبك من لهجة العيانيين دي وغيري هدومك عشان هننزل البحر دلوقت ..

قالت مشدوهة وهي تبتعد عن حضنه للخلف .. 
- دلوقت ..

عانق راحتها براحته قائلا وهو يتوجه بها نحو حقائبهما المتواجدة فوق الفراش ..
- أيوه دلوقت أمال أحنا جايين نرتاح هنا .. يلا يا كسولة دا أحنا لسه بنقول يا هادي وأنا عاوز بصراحة استغل الرحلة من أولها لأخرها بدون فواصل أو قواطع 
مواصلة بغمزة شقية من عينه ..
- يعني بالمختصر الصبح فسح وبليل بصمات البحر !

توجهت لتنفيذ رغبته وهي تتوالى عليه بضحكاتها الرنانة فالخجل بصحبته اخنع هاربا ..ثم وبعد استبدال ملابسه بزي البحر وهي لأخرى فضفاضة مريحة .. 
استقبل من على بعد بديع هيئة الشاطئ الخلابة بنزع قميصه القطني والاكتفاء بشورته المشجر للغوص بجوارها بين جنبات الموج الأزرق العاتي ..

ليتفاجأ معًا بصراخ تجزء ببدايته ليتوالى بعد ذلك صادحا يفزع سكون الأجواء .. التفتا معًا لمصدره فشاهدا تجمع ليس بالهين .. تلقائيًا حملتهما أرجلهما إلى هناك .. ومع وصولهما علما بديهيًا عند ترقبهما للوضع بصمت كالباقيين بأنه طفلا صغير أدت شقاوته المستمرة على المزلاج بسقوطه من فوق الموج العاتي على حافة الشاطئ بضربة لم يستحملها بنيته الضعيفة فنتج عنها ألمًا في ساقه وذراعه .. وبجواره والدته تندب ما حدث له بروع وقلق ..

حينها بغت باندفاع "خديجة" من جنبه إلي تلك السيدة لتهدأتها بأنها طبيبة عظام وستطمأنها عليه مباشرةً بعد فحصه رضوضه وعلّته .. 

وقف مذهولا مستسلمًا گ غيره يتابع فحصها للطفل ومن ثم سماعه لتقرير خبرتها بعد الانتهاء .. 
"بأن ساقه به شرخ ليس بالهين وذراعه كسرت ويحتاجان للتجبير حالا" ..

حسنًا هي فحصت وأدلت بتقريرها كما يفرض عليها ضميرها الانساني إذًا وجب عليها الآن ترك باق المهام لأقرب مشفى يحملها إليه زاويه، ومن ثم هيا لمغادرتها بصحبته فورًا لبدء رحلتهما العسلية وتنفيذ ضميرها العاطفي تجاهه .. 

ألا أنه صدم عندما جاء قولها التالي عكس توقعاته الذاتية ..
- هاتولي ورقة وقلم أكتبلكم الحاجات اللي محتاجاها عشان أجبسة .. مع كام حقنة مسكن لتعبه ..

بعينيه الشاخصتين لهيئتها الهمامة خاطب النفس "بأنها حتمًا تمزح "

بعد مرور ساعتان من الزمن ..

كان حمزة الكاظم لغيظه في أحدى استراحات الفندق يجاور مرغمًا "خديجة" گ تمرجي طبيب .. يعطيها من الأدوات اللازمة للجبيرة ما تطلبه ويأخذ منها ما تكتفي منه .. فبغت بهاتفه يعلو صخبًا من صاحبه .. فابتعد يجيبه بزفرة حانقة ..
- أيوة يا عم "يوسف" ..

- ااااه ما هو من لقا احبابه نسي اصحابه والإجازة شكلها معاك بمبي وخلتك تشم نفسك على المزنوق زنقة الكلاب مع عيالك ..

كاد يطلق السباب إلا إنه أسره في نفسه قائلا بتجهم.. 
- اقفل يا فقر انت نقيت فيها .. 

- إيه يا "حمزة" روق بالك واهدى كده أمال دا أنت لو مزنوق ليلة الدخلة مش هترد كده يا راجل على صاحبك وعشرة عمرك ..

جزّ انيابه وراح يصرخ فيه آمرًا بنفاذ صبر :
- اااااقفل يا "يوسف" بدل ما اجيلك وأطلع عليك اللي مضايقني كله .. وربي لحظتها ما هرحمك! 

غلقت المكالمة في الحال وفرّ صديقه ضاحكًا، فـرمق بضيقٍ جلي انغماس زوجته في عملها بهمة ونشاط گأنها الفارس الفارس المغوار، فغمغم بغيظ وهو يجهل أين هي أنثاه ..
- قلت جوازه منقوق في أمها محدش صدقني !


---------------------


عند عودته من تلك الرحلة المنهكة للذهن والبنية فضّل الإستقلالية في غرفته، أو بالأحرى أخر مكان يحمل شيئًا من شذاها قبل رحيلها، متجاهلاً النداءات المُلحة من الوالدة عن ضرورة الطعام لتعويض الجسد بعد ذلك العناء، فاشباع قلبه وروحه مَوجُوب عليه أولا ثم يليهما اشباع تلك المتطلبات الغير هامة، عند ولوجه أغلق خلفه باب صومعته القادمة لتعزيز اشتياقه بما خلفته المحبوبة وراءها، جالت عيناه على كل مقتنيات الغرفة بنظرة لا تناسب اعتياديته الماضية نحوها .. المرآة .. المقاعد .. الآريكة .. خزانة الملابس .. حتى الفراش !

على هاجس نظرته الاخيرة وجه خطاه تجاهه مترقبًا وهو يحرر أزرّر قميصه ببطء وتوالي .. يعي بأن فعله القادم تجاهه به من ردود الصبية ما يطابق .. وإنه الرصين الراجح بضوابته الحازمة الذي يتوجب عليه تجنب ذلك .. إلا أن لو لم يعود بنا العشق لروح المراهقة والجنون فما هو مذاقه المختلف بارواحنا إذن !

انتزعه وألقاه بأهمال أرضًا ثم راح يستلقى بصدره العاري فوقه بارتياح وطمأنينة لجلب أثر ريحها الطيب عليه، ارتخت عيناه وغاص بسلام في ملكوته الرَّحب ونسيم سُكناه القدامى، ينعي بإجلال وتقدير فراقها لوقت طال وفاض بكافة الذكريات بينهما، ظلَّ صامدًا سكيرًا بعبقها حتى غفى عليه في سباتٍ جليلٍ مشبع بصورتها الزاحفة من طيات عقلهِ الباطن ..

مع حلول المساء كان لذلك الاهتزاز المزعج وإصراره المتلاحق على نومته الهنيئة من الأثر ما يبغضه، خاصة عند قطعه لطيف حضورها المميز في منامه بهيئتها الباسمة .. مما أرغمه على العودة من غفوته لواقعه بفزعٍ مبين كإنه كان معتقل بين حوائط غيبوبة عظمى .. 

نظرات متفرقة حوله على الضوء المنبثق من النافذة وعى للزمان والمكان ولأي وقت نام، فرك براحته جانب وجهه بلا مبالاة وهو يجلي ريقه الجاف برشفة ماء من الكوب المجاور للفراش ثم اعتدل جالسًا يخرج هاتفه من جيب بنطاله مجيبًا بنبرة خمولة يلقي النوم عليها بقبضته ..
- مين .. ؟!

نحيب أنثويًا حار رغم كبوته اخترق أذنه جعله ينتفض يطالع شاشته بوعي استجلبه سريعا لمعرفة هوية صاحبه .. قائلا بدهشة بعدما فطن لمن ذاك الرقم المجهول ..
- "مرام" ؟!

استفساره الحانق أوقف نحيبها واضطرم النيران بصدرها لتعود تلك الشرسة التي طالما عاهدها ..
- إيوه هي الرخمة الغلسة اللي طيرت النوم من عينيك وازعجتك يا سيادتك الرائد .. 

رغم انشراح غمة صدره لسماع صوتها إلا إنه راح يشاكسها مبتسمًا ..
- يا ساتر ليه الدخلة الكحلي دي .. وإيه اللي حصل لده كله ..

جزَّت انيابها موضحة ..
- يعني أنت مش عارف .. بحسبك مش جيلك نوم زيي وبتفكر في حل لبعدي عن اختي وعنــ ..ك أقصد عن ماما الحاجة .. لكن اتضح أنك نايم كسلطان زمانك ولا على بالك "مرام" ولا فارق معاك فراقها من أصله ..

كبح انفراج شفتيه بهدير صوته المخدر ..
- يعني ما يمشيش معاكي أن كل المشاعر دي بعوضها بحلمي بيكي وأنا نايم مثلا ..

ابتهجت لمجرد التخيل بأنها بمنامه مُحتلة وقاطنة، ولكنها راوغته بطفولتها الدفينة، مستنكرة ..
- تؤ .. 

- طالب ضميرك ..

- نايم دلوقت !

- طب قلبك ..

- زعلان !

- لاااا دا أنا موقفي صعب جدا ..

- جدا .. فوق ما تتصور !

- وإيه اللي يخدلك حقك ..

اجابته بدلال وتقطع ..
- يعني .. مثلا .. أغمض عيني وافتحها اللاقيني مع "مريم" ومعاكم دلوقت ..

زفر بحرارة وهو يستكين على حائط فراشه مرددًا :
- ما أنتي عارفة لو عليا أعملها ومفيش قوة تقدر توقفني حتى لو مين .. بس أنتي في مصر مش في إيطاليا وأهل مامتك من الصعيد الجواني وسمعتك تمسهم .. 
مستأنفًا بمزاحه قائلاً ..
- ولما بتمسهم بيتعاملوا مع بناتهم بمبدأ الموووت ولا العار يا منار ..

صاح صوتها بتذمر وغيظ :
- يووووووه يعني مافيش أمل ..

ضحك مرواغًا ..
- في طبعا .. وهو أن الحلوة تكون هادية وتسيب كل حاجة تمشي زي الأتفاق وتروح تنام دلوقت عشان تريح عينيها الجميلة دي من العياط والارهاق ..

لاحقته متبرمة ..
- ليه هو أنت يعني كنت ملاحظهم أصلا !

- إيه دول ؟

صاحت بحنق دافين ..
- عيوني يا "عمر".. سمعت من كل اللي قبلوني في حياتي اشعارات والحان إلا أنت الوحيد اللي ملفتش نظري بأي كلمة عنهم ..

صمت قدرًا من الوقت ليتنهد بجملته الشاردة ..
- ازاي ملفتوش وهم دول سبب أسري !!

نفضت عنها غبار الصدمة متشغفة ..
- يعني بجد لونهم فرق معاك !

على ذات نبرته الحالمة راح يجود بما في قلبه لأول مرة رويدًا ..
- هتصدقيني لو قلتلك إن من أول مرة شفتك فيها وأنا ما لفتش نظري لونهم إيه قد ما لفت نظري فيهم اصرارك وعزيمتك لهزيمتي .. شراستك تجاههي رغم أن راجل مقاتل وافوق بنيتك الجسدية بمراحل ومع ذلك قاوحتي وعاندتي لما فضلتي تثبتي ليا أنك صاحبة هدف بدافعي عنه وأنك مش أي طرف يستهان بيه ولا في قوة أي ست قابلتها أو سمعت عنها قبل كده ..
بنت بتثبت قوتها المحدودة في مجتمع مليان وحوش .. أقرب وحوشها وأشدهم هما أهلها سندها وعزوتها ومع ذلك مستسلمتش واجهت الغلط وجاهدت تصححه وقد يكون وقتها على علم أنها مش هتكسب في النهاية من قوة خصمها .. بس ما تراجعتش ولا أتهاونت في تغير حياتها المذنبة بحياتها اللي بتحلم بيها .. عشان كده في الأخر ربنا نصرها وخلاها بتوفيقه وفضله تنزع انتصارها من فم الأسد لأنه الوحيد جلّ شأنه اللي عالم بنيتها الحقيقية للتغير كانت إيه ..

تخبطها التيه والاندهاش ملعثمة ..
- "عمر" أنت .. أنت بتقول إيه .. بـ بصراحة أقصى حاجة توقعتها أن اسمع وصف مشابهة لكلامهم عن اللون والجذب .. إنما بالوصف العميق ده .. أنا .. أنا متخيلتش ابدا .. 

- عشان شايف ليكي قيمة كبير قوي عندي .. أكتر من مجرد لون ومنحنايات انثوية .. بنت شايف مميزاتها وجوانبها الخفية قبل مواصفاته الخارجية هتكون أيه و أزاي .. 
ثم بتنهيدة ناعمة استرسل راجيًا ..
- مرام خليكي كده دايما أوي تتغيري .. الطفلة المرحة البريئة اللي برغم ضعفها وقلة حيلتها بتهجم وبتقاوم ومبتستشلمش ابدًا .. 

ترقرق عيناها بالدمع متمتمة ..
- "عمر" أنت بتوصف في مين بجد .. أااانا تهت منك! 

تنهد إليها بحنو رجولته هامسًا ..
- يعني هيكون في مين .. أكيد فيكي .. "في حبيبتي وعمري وأم أولادي عن قريب إن شاء الله .."

على واقع تلك الكلمات على فؤادها اخرسها النطق للأبد ولم ترغب بالثرثرة بعد الآن .. فلقد جلبت منه ما يهدهدها ويساعدها على الاسترخاء والنوم اللذين هاجريها منذ الفراق .. أو بالأخص تشبعت بذاك الحنان الذي هاجرها منذ موت المُسنة "أنيسة" ووالدتها من قبلها .. صمتت دون حتى أن تودعه بكلمات خرقاء ستطفي على حلو كلماته وعذب همسها الرنان في أذنيها وقلبها حتى الممات .. 

صمتت على أمل طوافٍ مرجو داخل ربيعها القادم والمنتظر على أحر من الجمر برفقة رجلها الأوحد في الحياة ... 

لمتابعة الخاتمه 2 اضغط هنا 
لمتابعة اقتباس الختام من رواية العميل ١٠١ اضغط هنا 


هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

تعليقان (2)
إرسال تعليق
  1. هيه تحفة اوي اوي اوي و بالتوفيق ليكي
    بس ياريت و حياة اغلي حاجه عندك بلاش كلمات صعبة اوي كدا يعني خلي البساط احمدي متفهمنيش غلط انا بس بقول مجرد تعليق اذا اخدتي بيه كان بها و اذا معجبكيش متحطيش في بالك اشطا و لا ايه 😘😘😘🤗🤗🤗🤗

    ردحذف
  2. شكرا للمبدعه كاتبه الروايه لما بها من حب وحنان ألم وحزن واشتياق وشغف تحيه مني لكاتبه الروايه وتوضيحها لبث روح وارتباط العائله بالقيم والمبادئ الدينيه برغم ان فيهامن تربوا على أسس وعادات اجنبيه ال انها قامت بزرع القيم الدينيه الراسخه بالمفاهيم الصحيحه برغم التربيه الاجنبيه للعادات والتقاليد فعلا الروايه شيقه وممتعه ايضا دور الزوج وراعاته لابنه ليست من صلبه والاستماته للوصول لقلب كل عاشق باللين والحب والاشتياق مفاهيم جميله برغم ال مؤامرات ودخول مايدمروا به عقول الشباب والدول
    سرد لحياة المخابرات والتعامل مع المافيا وكيفيه التغلب عليهم ايضا محاربه الفساد
    لاا جد ماهو اكثر واكثر من إبداعك في الروايه أحسنتي
    من فكر ولباقه وسرد المواضيع ومعالجتها في القصه
    بجد اكثر من رائعه

    ردحذف

إرسال تعليق