القائمة الرئيسية

الصفحات

الفصل السابع والعشرون حصنك الغائب دفنه عمر

الفصل السابع والعشرون حصنك الغائب دفنه عمر 

هل ستتذكر بلقيس كل شيء وتستجيب للطبيب؟
كيف سيكون موقفها تجاه ظافر؟
هل ستظل متعلقة به ان ستتغيى مشاعرها؟
تابعوا معي بارت الليلة!






ذكراة تلفظ النسيان!


رأسها يتقلب على وسادتها يمين يسار وقطرات عرقها تسيل علي جبهتها حتى ابتلت خصلاتها الثائرة.. ملامحها تتقلص وكأنها ترى تفاصيل مزعجة..وتسمع أصوات آتية من قبو ذاتها المظلم..!


البدايه 

"أوعدك إنك هتعيشي يوم مش هتنسي تفاصيله لفترة طويلة!..هيعلم جواكي فوق ماتتصوري!"

"الحفلة هتكون على شرف الملكة بلقيس نفسها..!"

من أين يأتى صوت تيماء؟ تسمع أمواج البحر تثور بأذنيها.. هواء بارد يلفحها..يرجفها فتشعر بالبرد..!

"قلت برة لحد مايجي دوركم معاها.. سيبوني اخد مزاجي من غير وجع دماغ!"

"مقاومتك مهما كانت هتتكسر قصادي.. وأديكي اختبرتي قوتي بنفسك.. مش هتقدري تتخطيني أبدا مهما حاولتي.."

صدى الكلمات يعلو داخلها ..الرجفة تزداد بجسدها عروقها تنفر..! أصوات تدفق في دهاليز عقلها والصور تتضح رويدا..!

تيماء! 
كاسة العصير..!
تحضيرات عيد الميلاد..!
خمسة رجال يطالعوها بنظرات بذيئة..!
صفعة وغد تدمي شفتيها ..!
ركلات من كل صوب..بكاء..  صراخ..خوف..!
حقيبة سيارة.. أسلاك تتمزق ..
غلاف كشاف ملون يتساقط..!
ودوار ثم دوار..يليها همهمة حانية!

( متخافيش واطمني.. انتي في أمان.. محدش هيأذيكي ابدا..! )

وعبق يغزو رئتيها ومعطف يحتضن جسدها و…

صوت والدتها يقتحم الكابوس الذي تحياه.. 
أين هي؟..تحتاجها بشدة! 
وتشتاق أبيها وأمانه..!

_ بلقيس.. فوقي يابنتي..انتي سمعاني؟ بلقيس ردي عليا..!

ألحقني ياعاصم..بلقيس بتتخنق! 
________

_ أهدى ياسيد عاصم.. أنا عرفتك ان هيكون في رد فعل نفسي لبقيس وهي بتسجلب أسوء ذكرايات كانت مدفونة في عقلها الباطن..! هي دلوقتي مجبرة تواجهه نفسها..هي لازم تساعد روحها وتحررها من قيد التجربة دي.صحيح بتتألم بس ده شيء ضروري في طريق شفائها تماما..عمر بلقيس ما هتعرف تبتدي حياتها من جديد غير لما تخرج كل اللي جواها..وهي عملت ده معايا فعلا..واحنا دلوقتي في مرحلة التعافي..زي المريض اللي عمل عملية وخيط جرحه وفاق من البنج بيتألم رغم نجاح علاجه..انت فاهمني؟ 

تجرع ريقه بخوف:  فاهمك بس انا خوفت عليها اوي يادكتور.. كانت غرقانة في عرقها ووشها أزرق كأن حد بيخنقها ودموعها بتنزل رغم انها نايمة.. بكلمها ومش سامعاني انا ووالدتها واحنا بنصحيها.. انا خوفت يجرالها حاجة.. وروحي راحت مني، بس ربنا لطف بينا لما فتحت عنيها تاني وهي بتلهث كأنها كانت بتجري مسافة طويلة!

_ ده لأنها كانت بتتصارع مع عقلها الباطن اللي نبشت فيه لأول مرة من وقت الحادث.. هي اتكلمت عن حاجات كتير مش مرتبة بس انا قدرت افهما.. واللي هي فيه ده لأنها بتقاوم المخاوف والذكرايات السيئة اللي بتحاول تقيدها تاني.. بس ده مش هيحصل.. بلقيس بقى عندها حافز قوي يخليها تقاتل عشان تقف على رجليها..في رغبة حقيقية انها ترجع..ومن دلوقت بطمنك وبهنيك لأنها بعد زيارتها لعيادتي مش هتكون ابدا زي ماكانت قبلها، وقريب اوي هتكون اتعافت وهتقدر تمارس حياتها طبيعي.. هحتاح معاها كام جلسة مع بعص الأرشادات لظافر لأن دوره لسه مستمر.. انت بس اهدي وبلاش قلق.. صدقني الصعب عدى، والجاي هو السهل بأمر الله! 

_طيب ممكن تقولي هي قالتلك ايه؟


_ مستحيل..مافيش حرف بلقيس قالته ليا حد هيعرفه..حتى انت يا سيد عاصم.. لأن دي منطقة الثقة اللي بيني وبين مريضتي..هي لما تتعافي لو حبت تحكي حاجة هي حره ده هيكون قرارها..!
_ خلاص يا دكتور زي ما حضرتك شايف..المهم بنتي تكون بخير..وماتكونش ضعيفة تاني ومافيش مخلوق يأذيها..!

_ اطمن هي وسطيكم ومافيش شيء هيئأذيها..وانا سبق وقلت ان البنت دي قوية جدا وذكيه ومش هيتخاف عليها بعد كده..!
_______

رفض الإفصاح عن ما ذكرته بلقيس حين تسائل..ولا يلومه هو بالنهاية طبيب يحافظ على اسرار مرضاه..لكنه كان يتمنى ان يعلم كل خباياها..هل ستقصها له يوما؟ وكيف يتكون علاقتهما..هل بدأ منحنى الفراق المحتوم بينهما؟..بعد أن تحررت كما قال الطبيب ولم تعد تحتاجه كالسابق؟ لا يعلم..لكنه حقا سعيد لعودتها للحياة..فآن آوان فطامها منه..حتما ستصبح اقوى..أصلب..خطواتها ستدب على الأرض بقوة..لن تترنح خوفا بعد الآن..لن تستجدي أمانه..!

نغمة هاتفة اقتحمت أفكاره..نظر لهاتفه بلهفة علها تكون هي..لكن الخيبة كانت نصيبه..مجرد رسالة من شركة الاتصالات..مؤكد هي نائمة الآن..!

نغمة اخرى صدحت..لم يكترث..لم ينظر لهاتفه..لا يريد خيبة أمل أخرى..لكن الصوت تكرر فاعتدل بوهن نبع من داخله لتتسع عيناه وهو يرى حروفها تتراقص فوق شاشة الهاتف..!

_ ألو..انتي صاحية..عاملة أيه طمنيني عليكي يا بلقيس!

لم يصله من الطرف الأخر سوى صوت أنفاسها مع صمتها..

_بلقيس انتي سمعاني؟

صمت جديد كان جوابها..هل مدركة لما تفعل؟
ام هاتفته وهي بوعي غائب!

_حلمت بكابوس وخايفة انام تاني!

همست له وصوتها واهن خائف، فطمئنها بصوت شديد الدفء: متخافيش ده مجرد كابوس..اقرأي أواخر سورة البقرة وخوفك هيروح وهتعرفي تنامي!

_مش قادرة اركز..اقراها انت!

استنجادها به الذي استشعره بصوتها استنفر حميته وأثار عطفه..فأطاع وهو يرتل بأذنيها آيات القرآن..حتى سمع انتظام أنفاسها..ناداها لم تجيب فتأكد من غفوتها..! أغلق الهاتف وعاد مستلقيا على ظهره وعقله يعج بالأفكار..ماذا سيحدث بعد ذلك..هل ستذهب للطبيب مرة أخرى.. يتمنى أن يعلم كل ما حدث معها وأن ما عاد خطرا يهدد سلامتها..!
________

عبرت خارج بوابة منرلها، مودعة والديها على أعتابها..بعد أن استطاعت بالأخير تنفيذ رغبتها والسفر دون مرافق، فلم تعد صغيرتهم وقد أصبحت أمًا ترعى لطفلا، ويجب عليها خوض كل أمورها بمفردها بعد الآن.. خاصتا أن أهل زياد لم يروا مهند سوى مرة واحدة حين زاروها في منزل العم أدهم عند حضورها من السفر ..! ولم ينقطع تواصلها معهم يوما بإرسال الصور والفيديوهات للصغير..!

بخضم شرودها، لاحظت سيارة تقترب منها بشكل مريب.. أسرعت بقيادتها، فازدادت سرعة السيارة التي تتبعها، حتى أنها تجاوزتها وعاقت طريقها وأجبرتها على الوقوف! رجفة خوف تخللت أوصالها من احتمالية أن يكون قاطنها أرعن يحاول مضايقتها، لكن سرعان ما تبدلت مشاعرها لدهشة حقيقية وهي تتابع صاحبها مترجلًا من سيارته متوجهًا إليها بقامته الفارعة ونظرته الهادئة! 

_ عابد!!! 

همست مذهولة وهي تراه مُقبلًا عليها متمتما: أكيد.. ومين غيري! 

قطبت حاجبيها بضيق وهي تغادر السيارة، وعقدت ذراعيها هادرة: ممكن افهم في ايه بالظبط.. وجيت ورايا ليه؟ وبعدين دي طريقة توقفني بيها؟ أنت رعبتني!

تمتم بتهكم:  أمال اوقف حضرتك ازاي؟
ثم تمتم ليستفزها:عموما أنا جاي معاكي! 

رفعت حاجبيها باستنكار:  نعم؟ جاي معايا؟؟ ومين هيسمحلك بكدة؟! 

لم يجيبها واتجه للصغير وأعاده للمقعد الخلفي محكما عليه حزام الأمان، ثم صعد وأخذ مكانه خلف مقود القيادة تحت أنظارها الذاهلة، وتمتم غير عابيء بدهشتها: يلا اركبي يا زمزم.. مش هنفضل واقفين كده .الطريق لسه طويل! 

هدرت بحنق:  أنت ايه اللي عملته ده؟! مين سمحلك ترجع ابني ورى وتركب مكاني وبتؤمرني كمان اركب جمب سيادتك.. انت في حاجة في دماغك ياعابد؟"

هتف بصرامة: اسمعي يازمزم.. إنك تروحي لوحدك ده اللي مش مسموح.. وعلى فكرة عمي محمد عارف اني رايح معاكي.. ودلوقت ياريت تركبي وتبطلي اعتراض.. خلينا نقضي مشوارنا على خير ونرجع بالسلامة زي ما وعدت عمي..!

أضيقت حدقتاها بشدة:  يعني بابا اتفق معاك على كده؟!!! وأنا عمالة اقول لنفسي وافق بسهولة ليه على طلبي بعد ما كان مش راضي! 

وواصلت بغيظ وهي تدب بقدميها أرضًا: أنا مش عيلة صغيرة قصادكم عشان تعاملوني كده.. اتفضل ياعابد ارجع عربيتك وسبني امش لوحدي مع ابني! 

حدجها بنزرة مريبة وغمغم:  يعني مش هتسمعي الكلام وتركبي؟!

أجابت بعناد:  لأ.. وأنزل من العربية لو سمحت! 

هز رأسه ببساطة: خلاص براحتك..أنا هرجع انا ومهند بعربيتك..ومفتاح عربيتي معايا.. كملي طريقك لوحدك! وابقي قابليني لو عربية واحدة عدت من هنا أصلًا.!

واستدار بالسيارة منحرفًا بزاوية تتيح له بدالعودة خلفًا، ثم انطلق تحت أنظارها الذاهلة وفمها المنفرج ببلاهة غير مصدقة انه يعود تاركا إياها في الطريق..! 

سريعا انتشلت نفسها من سيطرة دهشتها، وركضت خلفه تهرول ملوحة بذراعها گ الضائعة بصحراء منادية عليه بصياح يمتزج بحنقها.. فأوقف السيارة منتظرًا أن تأتيه ركضا فوصلت إليه تلهث، متمتمة بغضب شديد:  لعلمك.. مش ..هسامحك على ..تدخلك ده! 

أردف بابتسامة سمجة لاستفزازها:  طب خدي نفسك الأول.. واركبي خلينا نمشي.. ونبقي نشوف موضوع مسامحتك ده بعدين! 

رمقته بنظرة نارية وجلست جواره..فأنحرف بالسيارة مرة أخرى ليسلك طريقها الأول.. متجاهلًا عن عمد زفراتها الغاضبة ونظراتها الساخطة عليه! 
_______

هتفت عبير براحة:  بتتكلم بجد؟! يعني عابد راح وراها وهيرجع معاها؟!
محمد بثقة:  طبعا.. امال هسيب بنتك المجنونة تروح اسكندرية لوحدها.. أنا طلبت منه  بالليل انه يحصلها في الطريق ويروح معاها ويسبلي مفتاح عربيته التاني عشان اروح اخدها مكان ما حصلها..!


_ وانت عارف سابها فين؟

_ ايوة هو بعتلي رسالة عرفني مكانها وهروح اجيبها واجي..وهعدي على ادهم في طريقي!

ابتسمت بعد أن زال توترها: ماشي يامحمد والحمد لله انك عملت كده.. مادام عابد ابن عمها معاها هكون مطمنة..هروح انا اشوف محمود لو عايز حاجة! 

_ماشي وانا مش هتأخر عليكم..عشان اجي امشي محمود في الجنينة شوية زي ما نصح الدكتور..! 

تمتمت بدعاء:ربنا يشفيه قريب يامحمد ويرجع يتحرك براحته..الولد ياحبيبي مخنوق من القاعدة ومش متعود على كده!
_معلش هانت..وقدر ولطف ياعبير..المهم انه بخير..ومسألة وقت وهيرجع احسن من الأول..ده كلام الدكاترة.. انا ماشي بقى عايزة حاجة؟
_شكرا يامحمد في رعاية الله!

_______

كانت تظن انها ستبذل مجهودا لمجاراة دعابات زميلها حسام كما نصحتها جوري..لكنها لم تقدر على كبت ضحكها على مزحته فقهقهت دون أن تلاحظ نظرات يزيد النارية صوبها..فأرسل بطلبها فور صعوده لمكتبه وهو يتوعدها بذاته لتجاهلها تحذيراته بألا تتباسط مع حسام هكذا، واليوم ضربت بحديثه عرض الحائط وهي تتشارك معه الضحكات حين انضم لطاولتهم أثناء وجبة الغداء!.

طرقتها نبهته من شروده وجعلته يتحفز وهو يدعوها للدخول، وما ان فعلت حتى هتف بتهكم:  اهلا بالباشمهندسة العاقلة اللي بتراعي تصرفاتها مويس!

همست ببرود تعمدته: ايه لازمة التريقة دي يا باشمهندس!

اقترب منها هادرا بعد ان سقط قناع بروده: لازمتها انك عايزة تتظبطي ياعطر.. تقدري تقوليلي ايه لازمة ضحكك مع حسام بالشكل الفج ده؟ هو أي حد تهزري معاه وتضحكي زي الهبلة؟

استاءت من اتهامه المبطن أنها فتاة غير مهذبة..فمنحته نظرة ثلجية وهتفت: شكرا لذوقك يا باشمهندس.. بس انا مش هبلة وحدودي عارفاها كويس وضحكي مبرر وله سبب..ده زميل وعادي لما اضحك على حاجة قالها..ثم أشعلت أكثر بقولها: وبعدين محدش له عندي حاجة ولا من حقه ينتقدني حتى انت! 
وهمت بتركه غير عابئة بسهام عيناه الغاضبة وهي تقول:  وعن إذنك عشان عندي شغل كتير حضرتك كلفتني بيه! 
ابتعدت خطوتين فتعثرت برباط حذائها الرياضي وكادت أن تقع فقبض على ذراعها بقوة وهمس وهو يجز على أسنانه حنقا:

_هتفضلي طول عمرك غبية في تصرفاتك.. كام مرة قولتلك بلاش تلبسي الهباب ده اللي بيوقعك كل شوية زي الأطفال.. أغلطي مرة والبسي جزمة عادية زي البنات! 

دائما يتفوه بأكثر ما يغضبها حين يلوح بطفولتها، فيطلق مارد جنونها من عقاله وهي التي تحاول تحجيمه قدر استطاعتها لتبدو أمامه تلك الأنثى الناضجة، لكن هيهات أن تحتفظ بقشرة برودها..هدرت به غير واعية لما تقوله:

أنا مش غبية ولا طفلة يا يزيد..أنا ست البنات كلهم غصب عن أي حد..ولو سمحت ما تسخرش مني مرة تانية.. أنا البس اللي يعجبني ومايهمنيش رأيك ولا رأي غيرك! 

وتحركت من أمامه گ العاصفة ونست أن رباطها مازال محلولا.. فتعثرت مرة أخرى فتلقفتها ثانيا وما أن توازنت بوقفتها حتى برقت حدقتاه بنظرة مشتعلة وهتف بنبرة شديدة الصرامة: خليكي واقفة ماتتحركيش! 
وجثى على ركبتيه وشرع بعقد رباط حذائها عدة "عقد" قوية.. ثم انتصب على قدميه ثانيا امام مقلتيها المتسعة ذهولا من فعله..!

ومال عليها وعيناه ترسل شررا مع تحذيرا رادع رافعًا سبابته بوجهها مردفا الكلمات بقوة: أول وأخر مرة ياعطر تتكلمي معايا بالطريقة دي وتعلي صوتك عليا.. مفهوم؟؟؟؟

تجرعت ريقها خوفًا منه وهزت رأسها دون أن تتفوه بحرف..فواصل بنفس النبرة القوية القاسية: وماتهزريش مع حسام تاني..مفهوم ده كمان ولا لأ؟؟؟
أومأت مرة أخرى وعيناها تخاف أن ترمش فتغضبه.. متعلق بصرها بمحياه الصارم..فابتعد مشيرا لها أن تغادر.. فهرولت تتنفس الصعداء بعد أن أطلق صراحها..! 
________

"انت ناوي تغير نشاط وهتفتح محل اكسسوارات ياعامر؟"


_لا ياستي..ده تدبيسة كدة وقعت فيها..وقلت مافيش غير اختي سماح حبيبتي اللي هتساعدني هي والارانب بتوعها
_ماتقولش على ولادي أرانب😔

_خلاص حقك عليا..انجزي بقي انتي ماخلصتيش ولا عقد..واوعي تلخبطي في الالون..اشتغلي بضمير
_ماشي يا سيدي..بس هاخد واحد منهم!
_لأ دول محجوزين..بس اوعدك الاسبوع الجاي هعملك انا واحد احلي منهم بس ساعديني في دول

ثم التفت لوالدته مشجعا وهي تلضم حبات الخرز:
حبيبي الرايق اللي شغال ع الساكت ومركز😍

والدته بحنق:اسكت بقي انا عيوني اتحولت ومش عارفة اكمل!
_معلش يا ماما كملي بس اللي في ايدك ويبقي كتر خيرك يا أصيلة!

"يا حاجة..فين قهوة العصاري انتي نسيتيني ولا ايه؟"

نفضت حبات الخرز من حجرها ونهضت امام عامر المذهول وهي تلبي طلب زوجها: عيني يا حاج..اعمل ايه في موال ابنك اللي طلع في المقدر جديد، معرفش هيعمل ايه بالسلاسل دي كلها..!

عامر باستنكار: ايه ده يا ماما؟! انتي رميتي الخرز وقومتي كده مجرد ما ابويا ندهلك؟هو مافيش شخصية؟؟؟ مش في ايدك شغل واتفقت معاكي اتفاق ولازم يتنفذ؟؟؟؟

نكزه أبيه في مؤخرة رأسه: احترم نفسك وعيب عليك تشغل امك دي نظرها ضعيف من غير حاجة..كفاية مشغل اختك بعيالها من ساعة ما جم عندنا..!

_كده يا بابا..بدال ما تساعد معانا..هتاخد الحاجة وتقلل عدد العمالة عندي؟

سماح مقهقهة: حلوة عدد العمالة دي..طب بقولك ايه الواد ابني شكله جاع..خد البيبرونة دي رضعه على ما اخلص!

_نعم يا اختي؟! عايزاني ارضع ابنك؟
_وماله انت مش خاله؟ وشمه بالمرة يمكن عايز يغير البامبرز

مسح عامر على وجهه بنفاذ صبر ثم غمغم: بقولك ايه يابت انتي..قومي مش عايز منك حاجة انا هعملهم لوحدي وامري لله!

ضحكت ثم صاحت بمزاح: ماتزعلش ياعموري بهزر معاك..هو انا عبيطة اسيبلك الواد ابني تأكله؟!..ده انت ممكن ترضعه في مناخيره بدال بقه..بص انا هقوه أرضعه وارجع اكمل ماتحملش هم!

_حبيبة قلبي ياموحه..والله ماطلعت من العيلة دي غير بيكي😍 وعشان كده هاتي البيبرونة انا اللي هأكل حبيب خالو وانيمه كمان..!
________

يانهارك ابيض؟! شغلت والدتك واختك وولادها وخليتهم يعملوا الاكسسوارات اللي طلبتها جوري؟

_طب وبالنسبة للبامبرز اللي غيرته لابن اختي؟التفصيلة دي مالفتتش نظرك؟

_تستاهل عشان تبطل كدب..قولتلك قول الحقيقة بدال ما الأمور تخرج من ايدك!
_ يابني والله كل مرة مالقيش الوقت ولا المكان مناسب اعمل ايه طيب
_ماشي ماهو كده هتفضل البنت تعاملك على انك غلبان..وهتحاول تساعدك باستمرار..والمرة الجاية هتطلب منك عدد اكبر وهي فاكرة انها بتعمل خير!

لانت ملامح عامر بابتسامة حالمة:
_ماهو ده اللي عاجبني فيها يا ظافر ..قلبها الطيب والحنين ورقتها جاذبني بشكل مش قادر اقاومه، عمري ما صادفت بنت زيها..وبتلكك عشان اشوفها تاني..

_ امممم..هو الموضوع هيتطور معاك ولا ايه يا صاحبي!
تنهد بحرارة: هو اتطور خلاص..وبصراحة البنت دي عاجباني!
_يعني تقصد انك؟

_حبيتها ياظافر..!

غمغم الأخير بغير تصديق: حبيتها؟ بجد ياعامر؟

قال بثقة: أه والله..وناوي اخطبها كمان..!
وواصل بقلق: بس هي تسامحنى على كدبي الأول!

_ هتسامحك أكيد حتى لو بصعوبة.. بس حاول تختار الطريقة الصح وهتنول سماحها ..المهم فعلا تنهي اللعبة السخيفة دي وتعرفها بنفسك صح ياعامر!

_حاضر والله ناوي على كده وربنا يستر..!
_______

يتجاهل زفراتها الغاضبة ويقود بهدوء مداعبا الصغير من حين لأخر في المرآة، فنظرت له بطرف عيناها: ممكن حضرتك تشوف اقرب استراحة عشان اغير لمهند واشطفه وادهنله كريم؟ جلده حساس مش بيتحمل حاجة!

_ عشر دقايق وهنوصل لاستراحة!
...............
في إحدة الاستراحات!

_خلصي مهند وهروح اشتري حاجة نشربها على ماتيجي..عايزة حاجة معينة؟
_ ياريت نسكافيه يظبط دماغي شوية!
_ماشي..هستناكي برة!
...............
أقدمت عليه بعد أن حممت الصغير فوجدته يداعب طفلة صغيرة ويهديها مغلف من الحلوى التي ابتاعها..ابتسمت لجمال الطفلة وقبلتها وجلست أمامه مغمغمة: ماشاء الله بنوتة جملية اوي ربنا يحميها
عابد بمزاح: دي اما تكبر هتقلب الدنيا
ضحكت هاتفة: بصراحة عندك حق بنت عسولة..ثم نظرت له مغمغمة: على فكرة ياعابد..أنت هتكون اب حنين اوي!

طالعها بنظرة مطولة ثم همس بغموض: هطالبك بالكلمة دي في يوم من الأيام..اوعي تنسيها..!

زوت مابين حاجبيها: يا سلام؟ ليه يعني؟ عموما عادي وانا هخاف!دي شهادة حقك يا ابن العم!
وواصلت متذكرة شيء: صحيح مش انت يوم فاتحة بلقيس قولتلي في واحدة ناوي تخطبها؟ بأمارة ما طلبت مني اكلمها عنك!

تنهد وهو يقرب إليها مشروب النسكافيه: حاسس الوقت لسه مش مناسب..ثم رمقها بنظرة أكثر غموضا: أنا عارف انها ليه مش مستعدة للخطوة دي! 

ارتشفت بعضا من مشروبها ثم قالت: ربنا يكتبلك الخير وينولك اللي بالك!
_دي أحلى دعوة محتاجها..اني انول اللي في بالي!

_ألحق ياعابد البنت اللي كان هنا من شوية عمالة تعاكس مهند!
ضحك بعد ان استدار يشاهد ماتفعله الفتاة وقال: ابننا بردو مش قليل وثابت نفسه!
_طب يلا بقى نكمل طريقنا عشان نوصل بدري وحماني تشبع من مهند!
نهض بعد أخر رشفة من مشروبه: يلا هحاسب بس ونمشي على طول!
.............
غفى مهند وأرخت هي الأخرى رأسها على حافة المقعد وغلبها النوم جواره، فابتسم وطالعها بحنان ثم هدأ من صوت الراديو وأبطأ من سرعته حتى لا تنزعج وشعر بسعادة طاغية وهو يتخيل انهم كأسرة صغيرة..ولن يتوانى عن تحقيق هذا الحلم..لكنه يحتاج الصبر الذي لا ينقصه ولن يمله!
______

يتابع بتفهم تلك المشاعر الجياشة والعناق الحار المتبادل بين زمزم والحماه والدة زوجها الراحل.. والتي تركتها  لتحتضن حفيدها مهند وتبكي وهي تتفحصه متمتمة كم يشبه ملامح أبيه..ورغم تفهمه لكل مايحدث انتابه الضيق كلما تبادلوا تفاصيل وأحاديث ووصايا زياد وتستعر بقلبه نار الغيرة خاصتا حين لمح صورة تجمع زمزم وزوجها بيوم الزفاف..السيدة تحتفظ بها تذكارا وعلقتها على الجدار المطلي كامله باللون الأبيض..وهاهي تتجه أنظارها إليه بعد أن لاحظته أخيرا من خلف زجاج نظارتها السميكة!

_لا مؤاخذة يا ابني نسيت اسلم عليك سامحني!
_ولا يهمك أكيد كنتي مشتاقة لحفيدك!

عادت تطالع الصغير هامسة بمحبة: مشتاقة بس؟ ده انا روحي اتردتلي لما شوفته..كأنى شايفة ابوه..نفس ملامحه وهو في عمره!

وواصلت وهي تعود النظر إليه: أنت عماد ابن عم زمزم؟
ابتسم وقال: قصدك عابد ..ابن عمها زي ما قالتلك!
_يا اهلا وألف مرحب يا ابني اتفضل..ياسر ابني زمانه جاي، كان منتظركم بس اضطر يروح مشوار مهم!

زمزم: عادي يا طنت يجي براحته!..

هتفت السيدة بعد أن قبلت الصغير: أنا جبتلك حاجات حلوة من العمرة تعالى نجيبها سوا..ثم نظرت لزمزم وواصلت:

_اتفضلوا ارتاحوا على ما اجيب الهدايا بتاعتك انتى ومهند!

_طب هاجي معاكي اساعدك في اي حاجة!

_لا يا حبيبتي خليكي مع ابن عمك دقايق وجاية!
........
همس عابد بعد ذهابها: شكلها طيب اوي وفرحانة بمهند!
_طبعا ياعابد مش حفيدها..!

ولمحت للمرة الأولى صورتها المعلقة مع زوجها، فاقتربت وبصرها مأسور بها وغمغمت بصوت متهدج: زياد بعتهالها تاني يوم جوازنا..!
رغم انها تعطيه ظهرها لكنه ايقن أنها عيناها تدمع مع نبرة صوتها وهي تواصل: تفتكر هو حاسس بينا دلوقت ومبسوط انى زورت مامته؟ اكيد روحه فرحانة..زياد كان بيحب مامته جدا وكان بيخطط ازاي هنقسم وقتنا بينها وبين بيتنا..! 

"أكيد روح اخويا مرتاحة وفرحانة بزيارتكم لينا"

التفتت هي وعابد فور سماع صوت أحدهم في الخلف..فعرف الأخير عن نفسه: أسف أنى اقتحمت عليكم المكان كده بدون انذار..! أهلا بيكي يا مرات اخويا..ومد كفه بتلقائية تجاه زمزم رغبة بالسلام.. فقاطع طريق يده كف عابد التي التقطت كفه مغمغما بجدية: اهلا بيك يا استاذ ياسر..معلش بنت عمى مش بتسلم على راجل غريب! أنا باشمهندس عابد ابن عمها..!

حمحم الأول بحرج وقال: أه..تشرفنا يا باشمهندس..وأسف مأخدتش بالي مديت ايدي بعفوية!
أومأ عابد بابتسامة مجاملة، وتمتمت زمزم لتخفف عنه الحرج: محصلش حاجة يا أستاذ ياسر..على فكرة زياد كلمني كتير عنك كان بيعزك جدا..!

_الله يرحمه زياد كان أحن أخ..ربنا يحسن مثواه..وواصل وهو يتلفت حوله: امال فين مهند ده وحشني اوي!

وقبل أن تجيبه أتت الجدة تحمل الصغير ومعها بعض الأغراض..فتلقفه وراح يغدق عليه بالحلوى التي احضرها مسبقا لأجله
أما السيدة فاستعرضت كم هائل من الملابس لحفيدها..ثم التقطت سلسال ذهبي وأعطته لزمزم قائلة: ودي هديتك يا حبيبتي يارب تعجبك!

راقها كثيرا السلسال الذهبي وأسم صغيرها يتدلى بمنتصفه فهتفت بإعجاب حقيقي: الله ياطنت شكلها تحفه..تسلم ايدك وذوقك!
ابتسمت السيده وقالت: مبروك عليكي حبيبتي..توعديني تفضل تلبسيها دايما؟
_أوعدك طبعا مت هتتشال من رقبتي ابدا..!
................
انقضى اليوم سريعا في بيت والدة زوجها وحان وقت رحيلها..ففاجأتها الحماة بطلبها هاتفة:

_ماتخليكم معايا كام يوم يا زمزم انا لسه ماشبعتش من مهند..!

بوغتت بطلبها ولم تعرف ماذا تجيب..فنظرت لعابد تستنجد به فشعرت بعدم رضاه عن الفكرة لكنه صمت فالقرار ليس بيده..!..واصلت السيدة لأقناعها: وماتقلقيش من ناحية  ياسر لأنه هيبات في الشقة اللي تحت وابن عمك هينورنا ويكون معاه..يعني هنبقى أنا وانتي براحتنا..! 

ثقل لسانها ثانيا لا تعرف ماذا تقول، فقال عابد:
للأسف انا مش هقدر استنى..لو زمزم هتفضل براحتها..لكن انا همشي وهاجي تاني اخدها وقت ما تحب ترجع!
ياسر: انا اتمنى تفضل معانا يا باشمهندس..بس لو مصمم تمشي..ماتحملش هم مرات اخويا وقت ماتحب ترجع المنصورة أنا هوصلها لحد بيتها..!

اقتامت حدقتي عابد وقطب جبينه بشدة وسعرت زمزم أنه سينفجر من اقتراح ياسر التى داخلها لم يروقها نظراته لها خاصتا حين لمحت والدته انها تتمنى تزويجه بوقت قريب وراحت تعدد في مزايا بشكل مبالغ فيه..!

حسمت أمرها هاتفة:
معلش ياطنت خليها مرة تانية هتكون ماما معايا وأكون أنا عاملة حسابي في احتياجات مهند..أوعدك قريب هاجي وافضل معاكي كام يوم..ده غير حضرتك لازم تزورينا وتقضي معانا فترة..احنا خلاص اتنقلنا بيتنا واستقرينا ومنتظرينك في أي وقت..!
............
تعرف أنها أحبطت أمنية والدة زوجها الراحل..لكن ماذا تفعل وهي لا تعتاد الأماكن الغريبة بسهولة ولم تكن مستعدة نفسيا للمبيت معها..ولا تنكر ضيقها الخفي أن يغادر عابد ويتركها..شعرت بقبضة غريبة بقلبها..لا تقدر على تفسيرها..لكن كل ما تدركه انها لم تريده أن يغادر دونها..!
................
في السيارة!
تسائل وعيناه مصوبة للطريق: 
_ليه مارضتيش تقضي مع حماتك يومين زي ما طلبت منك؟
_لأنك كنت هتمشي وتسيبني!

رمقها بنظرة ثاقبة بمرآة السيارة، فتداركت قولها سريعا: قصدي يعني انت كنت هتمشي وانا مش واخدة على المكان هناك..بصراحة مجرد التخيل حسسني بالغربة.. ماكنتش هنام ولا هاخد راحتي!
صمت برهة وقال: أنا ماكنتش اقدر اعترض لأن معنديش السلطة اللي تمنعك..بس كنت هكون مضايق لو وافقتي تفضلي هناك..خصوصا بوجود الأخ  ياسر..!
_ليه ماله ياسر؟
_معرفش ماكنتش مرتاح له
_عشان كده اضايقت اما قال انه هيوصلني؟
هتف بحدة: طبعا..وأكيد ماكنتش هسيبك تتحركي معاه خطوة واحدة!

صمتت تطالعه برهة متعجبة حدته، ثم تغاضت عن الأمر هاتفة ببساطة: اطمن..اصلا ماكنتش هخلي حد يوصلنى..انا مش صغيرة وأن كنت انت وبابا خلتوني قدام أمر واقع لما جيت ورايا..مش دايما هرضى بكده
غمغم بتهكم: ده على أساس انه بمزاجك؟
استفزها سخريته فقالت بحنق: امال مزاح مين؟
لعلمك انا مش هفوت الحركة دي مع بابا ..ليا معاه عتاب كبير لما اروح!

هز رأسه مبتسما باستفزاز، فهتفت بضيق: ماتضحكش ياعابد..والله ما هسكت!
ضحك رغما عنه فجزت على أسنانها بغيظ:
ماشي..هتشوف هنفذ كلامي ولا لأ..!
وشاحت بوجهها العابس تطالع الطريق، فرمقها بطرف عينه وابتسم لعبوسها وعاد بصره مصوبا على الطريق وداخله منتشي بقضاء هذا اليوم معها..مؤكد سيرى بنومه أحلام سعيدة تلك الليلة!
______

انتظرها كما وعدت ولم تأتي، ترى لما أخلفت وعدها؟ يتمنى ألا يكون حدث معها أي مكروه..يشعر بتوتر وهو يراقب مدخل المطعم والرواد يتوافدون بين لحظة وأخرى متوقعا دلوفها..يرتب بعقله كيف سيدعوها لمكتبه ويشرح لها كيف تحولت مزحته لكذبة لم يقصد منها سخرية..ويتوقع منها ثورة وغضب لكنه سيستميت بنيل مسامحتها خاصتا انه صار متقن من مشاعره تجاهها وينوي عرض رغبته عليها..لكن بعد ان يتأكد انها غفرت له كذبه اولا..!
______

_عطر هتروحي معايا عشان استلم الاكسسوارات قبل ما يخلص البريك ولا ايه؟
_انتي مش قولتي هتروحي امبارح؟ افتكرتك استلمتيهم!
_كنت هروح فعلا بس طنت دره اتصلت بيا وكانت عايزاني روحتلها وقلت بكرة اروح انا  انتي..ها؟ هتيجي؟
_ماشي بس تغديني هناك على حسابك!
_موافقة ياستي..يلا بينا..!
............
عطر: تعرفي الاجازة الجاية هتعلم السواقة..واجيب عربية محندقة كده اروح بيها مشاويري!
_وانا كمان هتعلم معاكي..ممكن عابد يعلمنا وانتي!
_ممكن ايه لأ..أدينا وصلنا المطعم!
وأنقدت جوري السائق أجرته وترجلا متجهين لمقصدهما، وقبل الولوج داخل المطعم صدح صوت ياسين مناديا:
_يا بنات..!
التفتا ليجدوه مقتربا، فارتبكت جوري وهمست لعطر: هنقوله جايين ليه؟
_لا بلاش، سيبيني أنا ارد!
_راحة فين انتي وهي؟ المفروض تكونوا في الشركة!
عطر: ايوة ماهو ده وقت البريك وجوري شكرت في المطعم ده فقلنا نيجي نتغدا هنا ونرجع!
_ طب كنتم عرفوني وكنت جبتكم انا..عموما تعالوا انا اصلا كنت معدي اشوف صاحب المطعم واوصيه على حاجة..ثم مازحهم: بس انتوا اللي هتدفعوا..!
..........

بينما هم يقتربون من الساحة الخارجية متوجهين للداخل..كان عامر يندفع بطريقهم دون أن يلمحهم متوجها لسيارته ووجهه عابس بعد تلقيه اتصال من والدته وإخباره بوعكة أبيه المفاجأة وضرورة حضوره مع طبيب!
وقبل أن يفتح باب سيارته سمع نداء ياسين فالتفت
ليصطدم بوجه لم يكن يود رؤيته على الإطلاق!
تسمرت قدميه حين رآها..!
أتت بوقت خاطيء بالنسبة له..وبات كشف كذبته على المحك..نقل بصره بينها وبين ياسين الذي يعرفه جيدا.. سيتعرى أمامها بأسوء طريقة ولا مفر من الصدام!

_ ابن حلال كنت داخلك..!

تبادلت عطر وجوري النظرات متعجبان من معرفته ياسين به..فواصل الأخير: اعرفك باختي عطر وجوري بنت خالتي!
ثم تجمدت نظرات الأخيرة فور سماعها ياسين مستأنفا التعارف: وده عامر يا بنات صاحب المطعم..وشريك ظافر خطيب بلقيس بنت عمك ياجوري!

اضيقت حدقتي عطر وهي تغمغم بدهشة: صاحب المطعم؟
وحادت بنظرها لجوري فوجدتها تطالعه بجمود مطبقة شفتيها فعادت بنظرها للاخير لتجده يرمقها بأسف وكأنه يعتذر..! 

_ أنا أسف ياسين مضطر امشي حالا وظافر موجود بلغه كل طلباتك!

استقل سيارته ومر جوارها يطالعها، وقبل أن يختفي منحته نظرة قاسية اعلمته كم صارت تمقته بعد خداعه لها..فقدت عيناها الطيبة التي كانت تجذبه إليها..وكم تأذى من هذا الشعور وتلك النظرة..ليته أخذ فرصة ليخبرها بنفسه وتكون نقطة بصالحه لتغفر له..لكن حبال الكذب قصيرة وهشة..تمزقت..وذبخ بنظرتها الكارهة..كيف له أن يعيد لها طيبتها معه وثقتها به؟! 
هذا تحديه الصعب وعليه أن يربحه!
فلا مجال لخسارة جديدة!
________

في سويسرا..!

أيهم: ألف مبروك شقتك الجديدة يا رائد
_الله يبارك فيك..مش عارف اشكرك ازاي انت وميرا على تعبكم معانا في فرش الشقة!
_مافيش تعب بين الاخوات..والله انا زعلان انكم مش هتكونوا معانا بعد ما اتعودنا عليكم!
ميرا: أه والله انا اتعودت على رودى..بس مقدرش انكر حقها في الخصوصية..عموما هنروح من بعض فين..اكيد هنتقابل دايما..!
رودي: اكيد طبعا..بس اولد وافوق وهتلاقيني عندك كل يوم!
_ربنا يقومك بالسلامة يارب!
..............

بعد مغادرة شقيقه وزوجته لاحظ عبوسها على غير العادة، فدنى منها وتسائل: مالك يا رودي مكشرة ليه، مش فرحانة اننا اخيرا استقرينا في بيتنا زي ما كنتي عايزة؟
_فرحانة طبعا بس.....
ترددت فأعاد سؤالها: بس ايه ياحبيبتي؟
اطلقت ما يضايقها دفعة واحدة وقالت:

في انك طول الوقت عمال تهزر مع ميرا وتكلمها برقة وتشكر فيها ومش واخد بالك من نفسك!
رفع حاجبيه بدهشة: نعم؟ هو ده اللي مزعلك؟ زعلانة عشان بشكر مرات اخويا على تعبها في فرش الشقة بدالك عشان ظروفك مع الحمل؟ انتي مجنونة يا رودي؟
_انا أصلا ماكنتش عايزاها تتعب معانا وقلت هنجيب خدامة تظبط الشقة معايا
هتف بحدة: وهما من ذوقهم مارضيوش يسيبونا غير والشقة متظبطة وجاهزة..واقل حاجة كنت اشكر الناس..ده يزعلك في ايه؟؟

رمقته بعين مغرورقة وصمتت..فمسح بكفيه على وجهه بإرهاق ثم اقترب مغمغما ببعض الهدوء: انتي ساعات بتعبي على حاجات تافهة ومش مفهومة يا رودي وبتفقديني اعصابي!

اطرقت رأسها وهمست: خلاص يا رائد انا أسفة..يمكن من تعب الحمل بتصرف بغرابة..!
اشفق عليها فمد أنامله ورفع وجهها إليه وهمس بمشاكسة: يعني مافيش سبب تاني لتصرفاتك؟
كذبت هاتفة: مافيش!
همت بالابتعاد فحاوطها بذراعيه وظهرها يلتصق بصدره مستأنفا مشاكسته: لأ في..اعترفي انك غيرتي عليا..صح!
لم تجيب فأدارها إليه: بتغيري عليا من مرات اخويا؟

_واغير من النسمة.. من الهوا..من اي حاجة واي حد..غصب عني مش بمزاجي..انا بحبك اكتر من نفسي يا رائد!
ابتسم ومنحها اكثر نظراته حنان وحب وضمها أكثر وانفاسه تلفح عنقها وغمغم بصوت دافيء: وانا بموت فيكي وعارف انك بتحبيني وبتغيري..بس بلاش غيرتك تزيد عن الحد وتفسد حياتنا..مش معنى اني اشكر حد أو اجامله انك تغيري..انتي حاجة تانية مكانتك مالهاش مثيل مع حد..انتي وبنتنا اللي جاية اغلى اتنين على قلبي!

انتعشت بعد أن لمست بكلماته عشقه وحنانه هاتفة بدلال: طب اتفضل بقى شيلني لحد سريري عشان تعبانة وعايزة انام!
استنكر وهو يشير لبطنها المنتفخ: اشيلك ببطنك دي؟ انتي عارفة وزنك بقى كام يا رودي؟
ضحكت ومازحته: لاحظ ان كلامك جارح!خلاص هروح انا لوحدي لأن فعلا ضهري تاعبني وعايزة افرده وانام شوية!

وقبل أن تتحرك خطوة أخرى رفعها بذراعيه بغتة فشهقت مع قولها: ايه ده انا كنت بهزر معاك..نزلني انا عارفة اني تقيلة عليك دلوقت يا رائد!
برقت عيناه بخبث: عيب عليكي ولو وزنك قد كده مرتين هشيلك ثم همس بنبرة أكثر خطورة أذابتها: وبعدين مش لازم نبارك الشقة الجديدة..وأوضة نومنا الجديدة..وسريرنا الجديد..!

ومع كل كلمة يطبع قبلاته على وجهها وكل ما يطاله منها وخطواته تتهادى لغرفتهما ثم عبر بها واغلقه بقدمه ليكمل معها مراسم احتفالهما الأول بمنزلهما الجديد..!

________

_شارد في مين يا ترى؟
التفت لوالدته مبتسما: عادي يا ماما مش شارد ولا حاجة
_هتخبي عليا؟.. مافيش حد خاطب ومش بيسرح في خطيبته!

بالفعل كان يشغله حال بلقيس كيف سيكون، حين تحدث مع طبيبها أخبره انها تمر بمرحلة نفسية هامة.وكأنه يلوح لشيء يجب أن تتخطاه بمفرده.. يشعر ان الطبيب صار غامضا أكثر من زي قبل يخبيء شيء..ولا يمتلك هو سوى الانتظار مترقبا القادم معها بقلق..هل ستخرج من تحت عباءته..لن تحتاج لعطره او معطفه ليشعرها بالأمان بعد الآن؟..حقا كان يريد لها هذا الاستقلال النفسي..لكن شيء بقلبه يكره هذا البعد..يكره تخليها عن أنامله وهي تتشبث به كالطفلة..شيء داخله كان يتلذذ بهذا الضعف فيها..لكن لن يكون أناني..ولن يدخر جهدا لتصل لأخر المطاف وتتحرر من كل قيد..حتى لو كان هو ذاته قيدا سيلعلمها كيف تتخلص منه! سيفي بوعده حتى لو كان الثمن بعدها عنه إلى الأبد..!

_مش بقولك سرحان؟..وادي الدليل قاعدة جمبك وانت في عالم تاني خالص!

التقط كفها ولثمه مبتسما: معلش يا ماما في حاجة شغلاني فعلا..بس انا معاكي اهو عايزة تكلميني في ايه؟
_عايزاك في كل خير ياحبيبي..!
واستطردت: فاكر لما حكيتلي عن بلقيس وقولتلك اني مش مرتاحة وهحطها تحت الاختبار وهعرفك رأيى النهائي بعدين؟

عقد حاجبيه بتوجس: أيوة! 

اتسعت ابتسامتها وواصلت: دلوقتي ببلغك رأيى بعد ماشوفتها هي وأهلها كام مرة..البنت كويسة جدا حتى قلة كلامها  احيانا حسيتها ميزة..يعني بنت عاقلة تليق برصانتك ياحبيبي..ده غير لقيت فيها اكتر ميزة تطمني من ناحيتها..!
_ايه هي الميزة دي يا ماما؟

_بتحبك يا ظافر! 

عيونها بتلمع وهي بتبص عليك..لمعة الحب دي مش ممكن اغلط في تفسيرها..ومافيش حاجة تطمني اكتر من كدة..اللي تحب واحد تصونه وتطيعه وتسعده..عشان كده انا بكلمك عشان ابلغك قرار او اقتراح انك تعجل جوازك وتفرحني بيك يا ابني..الحمد لله كل امورنا متيسرة..الفيلا اهي واسعة واي تغير فيها هتختاره بلقيس هنعمله..الجناح اللي فوق كله هجهزه ليكم وهيكون في مدخل تاني عشان الخصوصية ليك انت ومراتك..!

لم يجيبها فتسائلت بقلق: ولا انت مش ناوي اما تتجوز تعيش معايا؟
_لا طبعا يا ماما أكيد هسكن معاكي ومش هسيبك بس..
_بس ايه؟
_لسه شوية على موضوع الجواز يا امي..ولا انا ولا بلقيس جاهزين للخطوة دي..في أمور لازم تتحل الأول!
_أمور ايه يا ابني انت مش بتحبها وهي بتحبك؟ والماديات من ناحيتنا وناحية اهلها متيسرة؟ في ايه تاني يمنع؟!

_اسمعيني يا ماما.. انا مبسوط اوي برأيك اللي قولتيه في حق بلقيس وانك وافقتي..بس سيبيلي الحرية في قرار معاد زواجي ده بدون حساسية عشان خاطري..أنا أدرى بالمناسب ليا..اتفقنا؟!

تنهدت وهي تطالعه بصمت..كانت ترجو ان تتحق رغبتها بزواجه..فكم تطوق لحمل أحفادها لكن لا بأس..ستنتظر واهم شيء حصلت عليه انه لن يتركها حين يتزوج وسيقيم معها..!
ربتت على كتفه بحنان: خلاص يا حبيبي اللي يريحك اديني بلغتك رأيى وربنا يصلح حالك انت واختك يا نور عيني!
لثم أناملها وقال: وما يحرمناش منك يا أمي..صحيح فين ايلي؟ وحشاني بقالي فترة باجي بتكون نايمة!

_ماهي بتصحى قرب الفجر تجهز للصلاة وتذاكر شوية وتستعد بعدها للخروج..اصلها كمان بتدرب الشهرين دول في مستشفى دكتور عبد القادر ابن خالتي..!
_طب ممتاز ربنا يوفقها وتبقى اشطر دكتورة في الدنيا..يعني هي كويسة ومش محتاجة حاجة؟

_لا يا حبيبي اطمن..بس هي جت في يوم الأسبوع اللي فات كانت متعصبة اوي ومش طايقة نفسها..!
_ليه كده؟
_آل ايه يا سيدي..نسيت تلبس "اللنسيز" بتاعها..وان واحد شافها وباصلها باستغراب..واختك طبعا فسرتها انه اشمئز منها

_ البت دي دي عبيطة..عندها ميزة كبيرة ومعقدة نفسها بدون داعي..والله ياماما عيونها رغم انها لونين لكن جميلة.كفاية انها شبه جدتي الله يرحمها..!

_الله يرحمها..فعلا ايلي اخدة لونين عيونها..وانت واخدت منها شغفك بعالم الوصفات هي اللي حببتك في شغلك ده!
_اه والله يا امي..انا مش بنساها ابدا..ربنا يرحمها..وعملت ديكور المطعم دمشقي عشان احس بريحتها في المكان!
وواصل: المهم ايلي هتيجي امتى؟

_على وصول..بس مش انت المفروض خارج؟
_لا هستناها اقعد معاها شوية وبعدين اخرج
_خلاص هقوم اعمل بنفسي فنجانين قهوة نشربه سوا
_ماشي ست الحبابب..وانا هعمل تليفون مع عامر على ماتيجي
_طب ابقى سلم علية..الوحش مابيسألش!
_منا ههزأ عشان كده
ضحكت:انت ماصدقت تهزأه..يلا شوية وجاية!
________

يجرح النفس كثيرا ويأذيها ان تشعر أنها كانت مجرد لعبة وسذاجتها قصة السهرة واضحوكة الرفاق..ربما تحدث عنها مع أحدهم وتبادلوا عليها المزحات..لما كذب وقصد خداعها؟ أين أشقائه الخمسة عشر مع أبويه؟ 

لم يدري ياسين وهو يثرثر عنه معلومات عابرة في طريق العودة انه اشعل حزنها اكثر..وأصاب حدس ابنة خالتها حين شككت به واتهمتها بالطيبة الزائدة والتباسط والثقة في الغرباء..حقا أخطأت..وتعلمت درس ألا تتعاطف مع غريب او تصدق ادعائه!

_ بس ليه رفضتوا تتغدوا يا بنات؟ مش قولتم انكم كنت راحين تتغدوا أصلا؟
تولت عطر الرد هاتفة: يمكن عشان شربنا عصير واحنا في الشركة حسينا اننا شبعانين..تتعوض مرة تانية يا ياسين وعلى حسابك بردو..!

هز رأسه بتفهم ثم لمح في مرآة السيارة أمامه جوري شاردة تنظر عبر النافذة جانبها، فشاكسها:

_ايه ياجوجو ساكتة ليه مش عوايدك؟ فين الضوضاء اللي بتعمليها ولسانك اللي مش بيفصل من الكلام؟ قاعدة غلبانة كده ليه؟

همست له بهدوء غير معهود بها: مافيش بس عندي صداع تاعبني شوية!
_ألف سلامة يا زئردة..معايا مسكن قوي خدي واحدة بس كلي اي حاجة الاول حتى لو بسيطة!

عطر: خلاص لما نوصل الشركة اخليها تاكل حاجة وتاخد المسكن!
________

_خلاص بقى روقي يا جوري وماتزعليش نفسك!
وواصلت بغضب مكتوم: وديني لاروحله بكرة ابعتر كرامته وأهزئه واشتكيه لخطيب بنت عمك!

همست بصوت حزين: تشتكي لمين وظافر كمان شاركه في الكدبة.. كان بيسخر مني وعامله قدامي انه موظف عنده!
_ معقولة؟ طب ليه؟ 
_معرفش..ومش عايزة اعرف..وماتروحيش لحد ياعطر خلاص مايستاهلش اصلا انا الغلطانة لما ماسمعتش نصيحتك واخدت شكك على محمل الجد..!..ماكانش لازم اثق في حد كده واتعامل بالطيبة دي!
ثم ابتسمت بتهكم: وبعدين واحد لقى بنت هبلة يضحك عليها ويسلي وقته يبقي غلطان لو مالعبش اللعبة للأخر..ده مش بعيد يكون رهان وابقي زي فاتن حمامة مع احمد رمزي! خلاص لقى انسي وانا شوية وهفك ماتقلقيش!

ربتت على كفها بحنان وهمست: أيوة كده فكي يا جوجو وماتضايقيش نفسك محدش يستاهل..وعشان عيونك هزوغ من الشركة بقيت اليوم واخدك ونروح اي مكان ننتبسط فيه!
_بس يزيد طلب منك شغل كتير حسب كلامك..خلي خروجنا يوم تاني وقولتلك ماتقلقيش عليا هبقي كويسة والله!
_ ياستي لو على يزيد هو كده كده بيزعقلي كل شوية مش هتفرق..تعالي نروح اي مكان ونتمشى لحد ما تهدي وتنسى خالص الموقف ده..ومش هسيبك غير لما اطمن عليكي!

رمقتها بامتنان: شكرا عطر..ربنا مايحرمني منك!
_ولا منك يا جوجو..يلا بينا..!
_________

_كده يا بابا تخوفنا عليك؟ ألف سلامة يا غالي..!

_متخافش ياعامر لسه في العمر بقية..دي كلها شوية دوخة وامك كبرت الموضوع وجريت تتصل بيك انت واخوك مع ان قولتلها ماتتصلش وتعطلكم عن اشغالكم وتصبر اما اخد العلاج واتحسن لوحدي!

_لا طبعا يا بابا لازم اي حاجة تحصل ماما تتصل بينا..ومهما كنا مشغولين مافيش حاجة هتكون اهم منك..المهم ارتاح انت دلوقت وانا هرد على ظافر عشان بيرن عليا وهرجعلك!
..................    
_ألف سلامة على الحج ياعامر..طمني عامل ايه دلوقت؟
_الحمد لله ياظافر بخير..السكر كان عالي شوية..انت عارف لخبطة الحج في الأكل..عموما هو بخير!
_أكيد؟ يعني مش محتاج اجيلك؟
_لا والله بخير..هو لو محتاج حاجة كنت هسكت! 

ظافر بشك:
_ليه حاسس ان في شيء تاني مضايقك يا عامر! صوتك متغير

تذكر نظرتها الكارهة المصدومة بحقيقته ثم رأسها المطرق فزفر زفرة ضيق وصلت لظافر فتسائل: ده في حاجة بجد بقى؟ طب اسمع انا هاجيلك البيت اطمن ع الحج وبعدها نقعد سوا واحكيلي حصل ايه!
_ماشي يا ظافر، مستنيك!
________

بعد سلامات وترحيب لمجيء ظافر..اختلى به عامر بغرفة جانبية ليتحدثا ببعض الخصوصية!

_ ايه بقى مضايقك؟ واثق في حاجة غير تعب والدك مضايقاك!
صمت برهة وهو يقف متطلعا من النافذة عاقدا ذراعيه ثم همس: حصل اللي حذرتني منه؟
_اللي هو ايه؟
_حظي السيء خلى كدبي ينكشف بأسوء طريقة..وانا خارج اجري بعد اتصال ماما ان بابا تعبان..قابلت في طريقي ياسين واخته و....وجوري!

هز ظافر رأسه بأسف وقد أدرك ما حدث، وغمغم: فهمت..ياسين عارفك وطبعا عرفك بيهم..!
_وجعتني نظرتها ليا اوي يا ظافر..صدمتها بحقيقتي وحزنها اما اعتقدت اني كنت بلعب بيها قطع قلبي..وما كانش في أي فرصة للتوضيح..جريت عشان اشوف بابا واجيب دكتور..بس نظرتها مش عايزة تروح من بالي..حسيت انها احتقرتني!

_طبعي هتفتكرك كنت بتسخر منها وبتتسلى! بس معلش ملحوقة..اعتذرلها واتحمل رفضها وتوبيخها للاخر..!
_ومنين الاقي الفرصة دي بقى؟
_هنفكر وهنلاقي طريقة..ومتنساش انا كمان محطوط في النص وواجب عليا انا كمان الاعتذار ليها عن الهزار في الأول..هحاول افهمها اللي حصل وانك مالقيتش وقت مناسب تفهمها..ماتقلقش هصلح الموقف!

أومأ عامر وهمس بصوت حزين:ربنا كريم!
_______

تكررت زيارتها للطبيب مرتان..كل مرة تبوح له بشيء..لتضح كل التفاصيل الغائبة عنه وتساعده كطبيب في اكمال تأهيلها نفسيا..أصبحت معه أكثر ارياحية لم تعد نظراتها خائفة..لكنها اكتسبت شيء من القسوة..هو يعلم الافكار التي تغذي عقلها الآن..وتلك المرحلة الأصعب والأكثر خطورة بطريق علاجها..هي الآن كقنبلة موقوتة تنتظر نزع فتيلها وعندما تصل لهدفها المقصود..والهدف غير غائب عنه بعد ما سردته من خبايا..! وعليه أن يجعلها تجتاز تلك الأزمة الجديدة..وإلا ستسقط في بئر انتقام لن ينتهى ولن يسلم أحد من عواقبه..وهي أول الخاسرين..!

_ ياترى انا نجحت في كسب ثقتك كطبيب؟

رمقته برهة ثم أومأت له بإيجاب، فتسائل: ليه؟
همست: لأنك حافظت على كل كلمة قولتهالك!
_ده شرف مهمتي..اى كلام بيني وبين مرضاى مستحيل حد يعرفه!
هزت رأسها بصمت وعيناها شاخصة لا تخلو منها القسوة ذاتها فهمس لها: عارف بتفكرى في ايه!
التفتت إليه بعين متشككة بصواب حدسه، فباغتها بدقة ما يشغلها وهو يقول: عايزة تنتقمي!

ازدادت عيناها قتامة دون رد فواصل:
تعرفي ليه ماعرفتش باباكي حاجة عن اللي ذكرتيه بخصوص صاحبتك ورائد اللي استدرجك للفخ ده؟
تركها تنتظر بترقب بضع ثوان ثم استأنف: لأن أنا لو مكان والدك يابلقيس وعرفت مين اللي أذى بنتي ماكنتش هسكت ولا ارتاح غير لما الاقيهم واقتلهم بإيدي واخد حقها..!

اقتامت عيناها أكثر فواصل: بس انا أشفقت عليه وعلى والدتك كمان من النهاية المأساوية دي..كل دقيقة وانتي مريضة عدت عليهم وهما بيتعذبوا عشانك..وبعد ما الحمد لله بقيتي افضل وفرحوا بيكي ومنتظرين يشوفوكي عايشة حياتك بشكل طبيعي وتعوضي اللي فاتك..رايحة بكل أنانية وتهور تفكرى تدمري اللي باقى فيهم..بتفكري ازاي تنتقمي لنفسك؟ طب وهما؟ مافكرتيش فيهم؟ مافكرتيش هيحصل ايه لما ببساطة تدوري على اللي أذوكي وتموتيهم وتتسجني وباقي عمرك يضيع ورى قضبان وسمعة والدك اللي هتكون في الأرض لأنك في عرف مجتمعنا هتكوني قاتلة مش ضحية! مش ده اللي انتي بتسعي له؟ دي هديتك لوالدك ووالدتك على صبرهم وتحملهم طول محنتك؟ تحقيق انتقامك يابلقيس معناه دمار احب الناس ليكي..وخسارة مستقبلك اللي بيحلموا بيه ليكي..هتقدري تعملي كده وتكوني بالقسوة دي؟ 

أنهار تماسكها وهدرت بصراخ تبرر انتقامها:

مش ممكن اسيب اللي أذوني عايشين من غير ما اخد حقي منهم وادمرهم زي ما دمروني!
_ ومين قال ان حقك هيروح..ربنا انتقملك من تلاتة منهم في لحظتها وماتوا
_بس تيماء ورائد عايشين!
_عرفتي منين؟؟ حسب كلامك رائد كان غرقان في دمه وممكن جدا يكون مات هو كمان..!
_ لأ..حاسه انه موجود..هعرف طريقه وطريقها و.......
قاطعها بحدة: ايه؟ هتقتليهم؟ بعد كل اللي قولته؟لا برافو يابلقيس طلعتي بتحبي اهلك فعلا..!

صرخت عليه بثورة: أنت مش حاسس بالنار اللي جوايا..انا مش عارفة انام.. كل اما افتكر اللي مريت بيه بسببهم احس اني لازم اخنقهم بإيدي واخد حقي!

_وحقك مش هيروح!
_مين هيجيبه!
_ربنا..!

نفذت طاقة جدالها عند قوله فجلست بإعياء مطرقة الرأس تبكي فاستدار حول مكتبه وجلس قبالتها وقال بهدوء لا يخلو من شفقة أبوية لفتاة ضاع من أيامها الكثير ولا يريد لها خسارة البقية:
أسمعيني يا بلقيس..اسمعي من راجل كبير شاف كتير واخد من الحالات اللي عالجها عبر لا تعد ولا تحصى..كلها كان مفادها ان الظالم عمره ما بيعيش مرتاح ابدا..فاتورة جرمه لازم تتسدد دنيا وأخرة إلا إذا لحق نفسه وندم وصلح أخطاءه..اللي ظلموكي هيعاقبهم ربنا بقدرته..عشان تاخدي حقك وتبرد نارك ناجيه واطلبي منه القصاص..زي ما طلبتي منه العون وانتي محبوسة في شنطة عربية لا حول ليكي ولا قوة واستجابلك ونجاكي..بنفس القدرة بردو هيشفي غليلك ويبرد نارك وينتقملك..سيبها عليه وحسبني فيهم ووكلي امرك لله..ومكان ما يكونوا اللي ظلموكي مش هيرتاحوا..!

جسدها ساكن تزرف أمامه العبرات بصمت وكلماته تخمد ثورتها كأنها سحرا شديد التأثير..ومر بعقلها لحظة دعائها بظلمة السيارة وكيف ألهمها خلاصها ونجاها نن براثن خاطفيها..!

وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾ [

"صدق الله العظيم"

ختم حديثه بتلك الآية وواصل: معنديش كلام افضل من كلام ربنا انهي بيه كلامي..بس فاضل شيء أخير عايزك تحطيه في الحسبان وتفكري فيه كويس!

ظافر..!

مستعدة تخسريه لو عرف هو كمان عن رائد مثلا؟
تفتكري هيسكت؟ الإجابة لأ..خصوصا انه حاول فعلا يعرف مني..ومش تطفل منه..لكن اهتمام بيكي ..انتي عارفة انه لو عرف هينتقملك. واثق انه ده هيكون تفكيره! شوفتي سكة انتقامك هتخسرك مين يا بلقيس؟

مع إن لو سلمتي امرك لله وسبتي عليه القصاص هتحتفظي بكل دول وقبلهم هتحافظي على اللي باقي في شبابك اللي آن الآوان انك تعيشيه..اشتغلى مع  الدك وابني كيانك الخاص..فرحيه بيكي..اتمتعي بحب أهلك اللي منتظرين يحسوا انك رجعتي لحضنهم تاني!
ثم صمت يلتقط أنفاسه وواصل بنبرة هادئة:
الأمر دلوقت في ايدك يا بلقيس..والقرار قرارك في النهاية!..أختاري عايزة مستقبلك يكون ازاي!
_______

غادرته شاردة دموعها تسيل بصمت والذكريات تتدفق بضراوة لعقلها..كل شيء يعاد تجسيده داخلسها..سذاجتها وخبث تيماء..صدق مشاعرها مع رائد وخداعه..كذبها على والديها ثم محنتها تلك الليلة..التفاصيل تتدافع برأسها ولا ترحمها..كيف تهدأ..كيف تحيا وتترك ثأرها منهم..!
الطبيب يحذرها من عواقب خسارتها بعد انتقامها..نعم ستخسر..لكن ستخمد لهيبها المستعر بجوفها..!

ظلت تصارع الأفكار بعقلها حتى شعرت بالدوار..فجلست على إحدى الأرصف..تريد أن توقف الحرب الناشبة داخلها..مع من تتحدث؟ ظافر؟
لا..سيشعر بها ويكشف حيرتها وضيقها..لا تريد افزاعه.. وبدون تفكير وجدت أناملها تضغط رقم شخص ما..!
...............

همس بدهشة:بلقيس؟! 

_ايه مالك هو انا عفريت عشان تستغرب كده من صوتي!
_لأ بس..وتردد ثم واصل:
مش متعود تكلميني..حاسس ان بقالك كتير اوي غايبة! طمنيني عليكي يابلقيس..انتي بخير؟

ابتسمت لحنانه المعهود: بخير يا يزيد..طول ما حواليا اهلي اللي بيحبوني هكون بخير..
وساد بينهما الصمت ثواني قطعته قائلة: 
جوري قالتلي انها شغالة معاك..مبسوطة اوي انك حققت حلمك بشركة الانشاءات يا يزيد..فاكر لما كنت بتحكيلي عنها؟
_طبعا فاكر..مافيش حاجة اتقالت بنا نسيتها..والحمد لله لحد دلوقت الدنيا ماشية بس لسه ما وصلتش للمستوى اللي بحلم بيه!
_هتوصل يا يزيد..انت تستاهل كل خير!

صمت مرة أخرى وازداد شعوره انها ليست بخير، صوتها يكشف له حزنها، فتسائل:
بلقيس..مش هتقوليلي مالك؟ واوعي تكدبي وتقولي بخير..صوتك مش بيقول كده..!

تجرعت ريقها ورمشت عيناها فانفلت دمعة عالقة بأطرافها وهمست: انا بحاول ارتب افكاري واعيد حساباتي تاني..محتاجة اخد قرار مهم هيترتب بعده شكل حياتي هيكون ازاي يا يزيد..بس ماتقلقش..اللي بتكلمك مش بلقيس الضعيفة..لأ..انا بقيت مستوعبة كل حاجة..وانا كلمتك عشان بس احس اني لسه محتفظة بود ابن عمي واخويا..مش ده كان كلامنا سوا أخر مرة قبل سفرك القاهرة؟ شوفت ازاي انا فاكرة!

هز رأسه مغمغما: أيوة..واكيد انتي فاكرة بردو وعدي ومش محتاج اكرره
_عارفة اني لما احتاجك هلاقيك..!

ثم انتصبت على ساقيها وواصلت: انا راجعة البيت دلوقت..ابقى كلمني دايما..!
_راجعة منين؟ انتي فين اصلا..!

_يعني كنت في مشوار مهم وهاخد تاكس وارجع!
نهض على الفور: لأ عرفيني انتي فين وانا هاجيلك حالا..!

_لأ يا يزيد مش هينفع..ده اول اختبار لازم اخوضه رغم بساطته..همشي وسط الناس مش هخاف من حد..هوصل لبيتي بأمان لأني اقدر احمي نفسي..مش قولتلك اللي بتكلمك مش بلقيس الضعيفة؟ اطمن ولما اوصل بيتي هبعتلك رسالة!

أعلقت معه رغم إلحاحه أن يأتيها..وصارت بين المارة دون خوف تطالعهم بنظرة قوية واثقة..هامتها مرفوعة بعزة..هي ابنة ابيها..هي من خرجت من بين براثن ذئاب دون ان ينالها احدا..هي بلقيس القوية كما علمتها والدتها..! وكما اخبرها ظافر..قوتها يجب ان تنبع من خالقها أولا ثم من ذاتها..وقد جاء وقت تطبيق كل ما تعلمته!
________

أنهي مكالمته معها وعاد لعمله بذهن مازال شارد بعد حديثهما! ولا يدري شيء عن تلك التي تلصصت قدرًا على حديثه وانشق قلبها المتعلق به نصفين! 

وغادرت الفواحة ناكسة رأسها بحزن!


لمتابعة رواية حصنك الغائب الفصل 23 اضغط هنا
لمتابعة رواية حصنك الغائب الفصل 24 اضغط هنا
لمتابعة رواية حصنك الغائب الفصل 25 الجزء الاول اضغط هنا 
لمتابعة رواية حصنك الغائب الفصل 25 الجزء الثاني اضغط هنا 
لمتابعة رواية حصنك الغائب الفصل 26 اضغط هنا
لمتابعة رواية حصنك الغائب الفصل 28 اضغط هنا


هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

3 تعليقات
إرسال تعليق
  1. فصل فوق الوصف يا ديفو

    ردحذف
  2. البارت رائع ديدو في انتظار المزيد ❤️❤️

    ردحذف
  3. روعه يا ديفو مفيش احلى من كده غايه ف الجمال والابداع تسلم ايدك

    ردحذف

إرسال تعليق