القائمة الرئيسية

الصفحات

الفصل السادس والعشرون: حصنك الغائب: دفنه عمر

الفصل السادس والعشرون :حصنك الغائب: دفنه عمر 


جميعهم أرواح مكبلة بقيود الوهم!
سلاسلها حلقات من الوهن والخوف!
قابعين بجوف الظلمات!
والمواجهة هي سبيلهم للنجاة!




لمن سيلجأ ظافر؟


لمن سيلجأ بعد ماحدث مع بلقيس وكيف ستنتقل لخطوه اكثر اهميه وحاسمه مع حالتها دعونا نعلم سويا ماسيحدث بفصل جديد وشيق!
............

بعين فقدت كل براءتها واحترق عسلها حتى صار أقرب للسواد التفتت بلقيس  وهي ترمق صاحبة الأسم بنظرة بدت گ الجمرة بمقلتيها الكارهة المتوعدة لصاحبته! 

بينما ظافر يتابع بذهول مشدوهًا من ردة فعلها الغريبة والتفاتتها السريعة مع نظرتها القاسية وكأنها تحولت لفتاة أخرى..غير تلك المختبئة خلف جدار ضعفها..! ..ولم تكن هي! 

بل طفلة هربت من كف أبيها لتتقافز في الطرقات! 
طفلة تحمل ذات الأسم البغيض نفسه.! 
أسم أزعج سلامها وبعثر هدوءها وهيج ذكرايات متجمدة داخلها گ ألواح ثلج عبث بها لهيب انتقام لم يبدأ بعد..! 

البدايه 


_ مالك يابلقيس؟ حصل إيه؟

انطفأت جذوة عيناها المتجمرة وعاد ضعفها يسكن شمسيها مع صوتها الواهن وكأنها غائبة عن الإدراك:  مش عارفة!..أنا عايزة اروح.. عايزة انام! 

بقدر قوتها التي ومضت بمقلتاها مع التفاتتها الحادة! 
بقدر مابدت أمامه الآن ضعيفة، تائهة، خائفة.. تطلب النوم لتهرب من شيء ما.. هذا ما أدركه ظافر من تحليل سريع لما حدث..!

اعتذر من الرجل الذي تعجب من نظرة بلقيس لطفلته التي ارتعبت بالطبع وهرولت تختبيء خلف ظهره.. وظن الرجل أن هناك خطب ما حدث لكن لا يعلم ما هو لكنه تساءل بنبرة استياء ( هو في حاجة يا أنسة؟ البنت مش عملتلك حاجة عشان تخوفيها بالبصة دي!)..لم تجيب بلقيس التي شردت بعيدا.. وكان على ظافر  التكفيل بإزالة سوء الفهم والاعتذار للرجل وقد فعل..ثم رحل بها وبعقله عشرات الأسئلة التي راحت تجول دون توقف.. ماذا حدث؟!
لم يكن لديه تفسير.. ويعرف إلى من سيتوجه ليحصل على إجابة! 
________

من الأبدي لسؤاله بتلك الحالة؟
الطبيب أم والدها؟
وقف يتساءل في نفسه قرب مسكنها بعد ان سلمها لوالدتها، وبمقارنة سريعة ومنطقية بعقله توجه من فوره لمن يقدر على تفسير ما حدث أمامه!
..................

" وضح أكتر يا ظافر إيه حصل مع بلقيس"

قص عليه الأخير ما حدث باستفاضة، فقال الطبيب: 

_واضح ان الأسم فكرها بحاجة مؤلمة، ويجوز مش الأسم ممكن شيء تاني أو أي تفصيلة متشابة لحاجة حصلت معاها.. كل دي احتمالات وأسئلة إجاباتها عند بلقيس، وقريب هنعرف كل اللي متخبي جواها..خليك انت بس ماشي معاها حسب ارشاداتي..!

_ ده اللي بعمله!
وواصل وكأنه يحدث ذاته: تعرف يا دكتور..لما شوفت نظرتها اللي عكست مدى قوتها ، اللحظة دي قدرت اتخيل هي واجهت اللي حاول يأذيها ازاي.. بلقيس عند اللزوم بتكون قوية لدرجة هي نفسها مش فاهماها، زي الإنسان اللي عنده قوى خارقة غافل عن وجودها بس بتظهر لما يتعرض لمواقف معينة.. نفسي تكتشف نفسها من جديد.. وتعرف ازاي هي قادرة تردع أي حد وتعدي أي موقف صعب في حياتها..!

بينما هو يبوح بدواخله، كانت عين الطبيب تحوطه بنظرة ثاقبة وتسائل بعدها: 

لو سألتك سمي مشاعرك ناحية بلقيس يا ظافر.. هتسميها إيه؟ 

مسمى؟
لا يعرف! 
وليته يعلم! 
ومع هذا راح يردف بصوت مازال شارد گ عيناه: 

_ صدقني معرفش..لكن اللي مستوعبه كويس اني عايزها ترجع للدنيا وتعيش ايامها صح..عايزها تفهم قد إيه هي بنت مختلفة.. عايزها تقتل خوفها وتهزم عزلتها وتكون مبسوطة وبخير..! كل ده يتحط تحت أي مسمى صدقني معرفش! 

_ لما بتسيبها بتشتاقلها؟
_ بخاف عليها أكتر ما بشتاق لها..وبطمن طول ما هي معايا

_أمال ليه طلبت منها ماتجيش المطعم مادام بتطمن لوجودها معاك؟
_ عشان مش عايز افضل انا لوحدي محور اهتمامتها حضرتك فهمتني اني لازم اوجهها بالتدريج للتواصل بالجميع..وعشان كده جبتلها تليفون يعودها تكلمني وتكلم ناس غيري..!

أومأ الطبيب برضا: خطوة التليفون دي فعلا خطوة في مكانها، وسيلة اجتماعية هتفرق معاها..وبتأثيرك عليها هنخليها تتواصل مع الكل، وواحده واحده عالمها هيزدحم بناس تانية ويقل تشبثها بيك وتعود ثقتها في الناس..وفي الوقت المناسب هطلب منك تجيبها.. دي هتبقى أول خطوة ليا معاها في علاج مباشر وأخير إن شاء الله....! 

هز رأسه بتفهم ثم بدا عليه التردد قبل ان يحسم أمره متسائلا: عندي سؤال اتمني اعرف اجابته منك يا دكتور
_اتفضل سؤال ايه؟
_ مشاعر بلقيس ناحيتي وتعلقها الزيادة بيه..لما تتعافى هيكون ازاي؟ هتفضل زي ما هي ولا هتتغير؟

الطبيب بتفحص: وده يفرق معاك؟
_ طبعا هيفرق كتير..ياريت تجاوبني بصراحة!

شبك أصابع كفيه تحت ذقنه وقال:
_ مافيش شك ان تعلقها الحالي بيك تعلق مرضي ومش مبني على إدراك كامل منها..عشان كده ممكن جدا بعد ما تتعافى يقل تعلقها وتبتدي مشاعرها تتوازن وتوضح وتكون أنت بالنسبة ليها بعد كده مجرد صديق عزيز..! 

خيبة أمل حقيقية ارتسمت على وجهه واحتل الحزن معالمه، فواصل الطبيب حديثه بعد أن قرأ وجهه بنظرة ثاقبة: وممكن لأ..!
رمقه ظافر بتساؤل فاستطرد الأول: ممكن مشاعرها تزيد وتكون اقوى مما تتخيل..وتعلقها يكون......(وصمت برهة متعمدا وهو يطالع ملامح ظافر المترقبة، ثم استأنف): ويكون حب حقيقي!

أطرق رأسه دون لفظ كلمة واحدة..عقله لا يميل لهذا التفسير..هي لا تراه سوى منقذ ساعدها..تعلقها به وهمي ويجب أن يضع هذا بحسبانه ولا يتعدى هذا الخط داخله حتى لا يخسر شيئا لن يقدر على فقدانه...!
_________

توجهت عطر لمكتبه لتبلغه شيء يخص عملها أمس
ألقت التحية على الفتاة المنوط بها تنظيم من يدلف إليه: صباح الخير سيرين.. الباشمهندس وصل؟

سيرين:  أيوة والباشمهندسة أمونة معاه من عشر دقايق! 

تغيرت نبرتها الهادئة وهي تغمغم بضيق:  أمونة!!! 
اندفعت إليهما ومع اقترابها وصل لسمعها صوت أمونة وهي تحدثه، فدلفت بعد طرقها على الباب وسماح يزيد لها بالدخول: 
_ صباح الخير! 
يزيد ببشاشة:  صباح الفل يا باشمهندسة، برافو  رغم ان بقالك فترة بسيطة معانا بس مواعيدك مظبوطة مش بتتأخري دقيقة! 
أمونة:  فعلا ملتزمة، طالعة لابن خالتها..! 

وواصلت: طيب هسيبكم انا واروح مكتبي بس عايزة منك خدمة..ينفع تخرج معايا انهاردة بعد الشغل! 
تسائل متعجبا: ليه؟
_ بصراحة عايزة اجيب هدية لأخويا على ذوقك، انا مش هعرف أختار حاجة مناسبة! 
_بس أحمد ممكن يفيدك أكتر في الموضوع ده!
هتفت بخبث: لأ انا بيعجبني ذوقك أنت جدا..!

حمحم يزيد بحرج طفيف خاصتا من نظرة عطر المرتابة لهما: شكرا يا أمونة، خلاص ولا يهمك بعد الشغل نروح نشتري اللي انتي عايزاه! 
هتفت لإشعالها أكثر:  وتعزمني على العشا بالمرة، فرصة نرغي زي زمان بعيد عن الشغل؟

تعجب قليلا داخله..نعم هي رفيقته لكن لم تكن تتباسط معه لهذا الحد..ويذكر كيف كانت ترفض أي عرض لتوصيلها وهما بفترة الجامعة! ومع هذا نفض ظنه جانبا هي بالنهاية رفيقة عزيزة وفي مقام شقيقة له..غمغم بعد برهة: خلاص ياباشمهندسة وأنا تحت أمرك.! 

وذهبت تحت أنظار عطر التي تكاد تحرقها..
ولما لاحظ يزيد صمتها بعد مغادرة أمونة تساءل: إيه ياعطر مالك واقفة كده ليه، تعالي قولي أخبار الشغل معاكي إيه؟

هتفت باقتضاب: كويس!
واستطردت بجمود: أنا جيت اناقشك في حاجة تخص الشغل اللي كلفتني بيه امبارح! 
_ تمام وأنا سامعك!

انعقد لسانها وهي ترمقه بحاجبان معقودان دون أن تعي، دمها يفور لتخيلها نزهته معها وثرثرتهما عن ذكرايات ماضية، ترى ما نوع تلك الذكرايات، هل تحوي عاطفة ما؟ ولما هو رقيق معها إلى هذا الحد..!

_ عطر؟ انا منتظرك تتكلمي في أيه مالك! 

هزت رأسها وغمغمت:  خلاص يزيد بعدين، مش مركزة دلوقت.. عن اذنك! 

واستدارت تغادر. فلحقها سريعا ووقف أمامها متسائل: استني بس رايحة فين؟ مالك ياعطر شكلك مضايق ليه؟ وكمان إنتي جيتي تقولي حاجة، قوليها

همست بنظرة بدت له مبهمة:  مافيش حاجة مهمة! 
ومش عايزة اعطلك، انت وراك مشوار وعشا مع الباشمهندسة.. سلام! 

وتركته على الفور فنظر بأثرها متعجبًا.. لما تحدثت بهذا الغضب المتواري خلف برودة صوتها؟ ما الذي ضايقها لم يفهم! عاد ليحتل مقعد مكتبه وشرع بمواصلة عمله، ولم تغب تساؤلاته..!
ما الذي أغضب الفواحة؟ 
__________

_عارف لو جرالي حاجة هيكون بسببك!
أحمد: ماهو طبيعي يا أمونة تبقى عايزة تولع فيكي من الغيرة..المهم يزيد ياخد باله..ودلوقت بقى جه دوري!
تساءلت بفضول: ناوي تعمل ايه؟
_هقولك بعدين! ومبقاش أحمد ان ماخليت صاحبنا الصنم ده يتحرك!

صفقت بحماس: أيوة بقى..شكلنا هنتسلى عليهم..والله الموضوع ده مسلي أكتر من المسلسلات التركي!
_انتي بتتابعي تركي؟ وأنا اللي بقول عليكي عاقلة يا أمونة..خيبتي ظني فيكي!
ضحكت وهي تعلق: تغير ثقافات بقي يا باشمهندس..المهم اطير أنا بقى على مكتبي ورايا شغل كتير..يزيد طلع في الشغل مالوش في الهزار ..

_طبعا الشغل شغل ده شعارنا انا وهو..!
_واحنا جامدين وقد المسؤلية إن شاء الله..!
__________

_مين جابلها التليفون ده يا دره؟
_هيكون مين غير ظافر ياعاصم..لقيته وصلها العصر كده ومعاها التليفون ده واما سألته قالي انه هدية بسيطة عشان بلقيس تبقى تكلمه عليه!
_طب ولازمته ايه يكلف نفسه منا كنت ممكن اجيبلها
_عادي خطيبها وبيهاديها فيها ايه يعني؟
_بتتكلمي كأنك مش فاهمة اللي فيها
_أظن انا قولتلك قبل كده على رأيي..سيب كل حاجة تمشي عادي محدش عارف المخبي ايه..الولد مهتم بيها..مش هنحاسبه على اهتمامه ونفضل كل شوية نفكره ان الخطوبة مجرد اقتراح للعلاج..انسى ياعاصم وسيب الدنيا تمشي زي ما الرحمن كاتبها..!

رضخ مرغما لنصيحتها ثم تسائل: أديني سايبها على الله مافيش في ايدي غير كده، واستطرد: طب هي فين وحشتني!
همست بحنان: هي نايمة..اطلع صحيها عشان نتغدى سوا..انا عملتكم انتوا الاتنين صنف حلو هتحبوا..!
ربت على كتفها: تسلم ايدك ياحبيبتي..مابعرفش أكل إلا من أيدك!
_وانا كل سعادتي اما بعمل حاجة بتحبوها..ربنا مايحرمني منكم ياعاصم..يلا بقي صحي بنتك وانا هجهز على ما تنزل!
_________
في اليوم التالي!

_كده يامحمود تخبي علينا اللي حصل معاك يا ابني..
_أنا أسف يا بابا خوفت عليكم وخصوصا ماما، أنا كنت متكسر ومالقيتش غير عمو عاصم اكلموا
نظر محمد لشقيقه بعتاب، فهمس الأخير:
أولا هو حلفني ما اعرفك انت وعبير، وثانيا انا كنت معاه وبطمن عليه ومخلي حد من موظفيني يلازمه وينفذ طلباته..ومجرد ما سمحت حالته انه يتنقل نفلته مستشفى القاهرة وكل يوم بعدي عليه والحمد لله يامحمد هو قرب يفك الجبس وبالعلاج الطبيعي هيرجع احسن من الأول، ده كلام ثلاث دكاترة كبار استشارتهم وكشفوا عليه مش واحد ولا اتنين!

رمق محمد ولده بإشفاق مغموس بنظرة أبوية حانية مغمغما: ألف سلامة عليك يا نور عيني..بس ربنا يستر لما امك تعرف!
عاصم: وقتها هيكون قصاد عينها ووقع الخبر هيكون أخف من إنها تعرف وهو بعيد..المهم انك عرفت واطمنت..الواد محمود شديد وطالع لعمه!
ضحك محمود: طبعا يا عصومي
_ أتلم يا واد عصومي في عينك..مراتي بس اللي تقولي كده

محمد بعد ان خفت الصدمة على نفسه: هزروا هزروا أنا لسه مش مصدق إن ابني كان مفشفش كده وانا فاكره هايص مع اصحابه وبقول لعبير سيبيه يتبسط

_ هو من جهة الانبساط..فأنا اتروقت ع الاخر..هي كانت رحلة منظورة من أولها..الله يحرقه هيثم صاحبي..عينه مدورة ويندب فيها صاروخ!
وواصل بمزاح: وبعدين يا بابا الممرضات الفاتنات هنا تهون عليك التعب بصراحة😂

ضحكوا وتمتم عاصم: ماشي يا يا ابو عين زايغة..المهم انك قربت تخرج من المستشفى وهتكمل علاجك في البيت!

_ الحمد لله..وربنا مايحرمنيش منك يا أحلى عمو..وألف مبروك لخطوبة بلقيس بنت عمي..كان نفسي احضر بس مافيش نصيب بقى

_ ولا يهمك ياحبيبي كأنك جيت..وتتعوض!
و استطرد: طب انا هروح الشركة دلوقت عشان اتابع شغلي.. مش عايز مني حاجة يامحمد؟

_ كتر خيرك يا عاصم ماتعطلش نفسك!
_ماشي لو احتاجت حاجة عرفني انا قريب منك مش بعيد..( ثم لوح لابن أخيه) سلام ياحودة
_سلام ياعمو..!
________

ضجر شديد أصابه من طول رقاده في المشفى، خاصتا بعد مغادرة والده والعم عاصم..انتظر برهة ثم عزم على محاولة السير بمفرده كتدريب لقدمه رغم تحذير طبيبه ألا يفعل الآن..فمازالت عظامه لم تلتئم بالكامل..راح يجر قدمه التي تعتلي فراشه حتى استقرت أرضا، وبخطوات حذرة صار يزحف بها فوق رخام الأرض وغادر غرفته بصعوبة وعناد رغم ألمه..فرغبته بالسير كانت أشد سيطرة عليه..وصل بصعوبة لمنتصف الردهة  واستفحل الألم فاختل توازنه وكاد يسقط لولا تلك الذراعين التي تلقفته سريعا ليتوازن جسده بعض الشيء بينما صاحبتها تئن لثقله عليها..التفت ليتبين من ساعده، ليصطدم بأغرب حدقتان رآهما بفتاة طوال حياته..صار مشدوها وهو يطالع قزحتيها..فيمناها بلون العسل بينما اليسرى غارقة بغابات خضراء..ترتدي صاحبتها معطف أبيض..هل هي طبيبة؟!

هرول أحدهم فور أن رآهما فهتفت الفتاة مستغيثة: ساعدني يا دكتور خلاص هيقع مني!

 ساعدها الطبيب وهو يتمتم له: أنت ازاي وصلت لحد هنا..ولسه مش مسموحلك بالحركة؟ شايف نتيجة عنادك؟!

بدا محمود بواد أخر مآخوذا بحدقتي الفتاة الغريبة..أما هي فتوترت من نظراته المتفحصة بها..وما أن أستلم الطبيب عبء توصيله لغرفته حتى ابتعدت فظل متعلقا بطيفها إلى أن اختفت تماما..! لكنها ظلت تحتل تفكيره ومرآة عيناه تجسدها له..خاصتا عيناها العجيبة..!
_________

لم يراها اليوم كما انشغل عن محادثتها لضغط عمله.. اشتاقها كثيرا ويود الاطمئنان عليها..ترى ماذا تفعل؟ لولا أن الوقت أصبح متأخر لهاتفها..لكن لا يصح اتصاله الأن، التقط هاتفه بعد تفكير وبعث لها رسالة عبر الواتس آب لتقرأها عند استيقاظها ( صباح الخير يابلقيس طمنيني عليكي لما تصحي..هستنى اتصالك)..وترك هاتفه وقرر ان يحاول النوم مرة أخرى لعله يسقط بغفوة ولو قصيرة!

لكن رنة من هاتفه جعلته يعتدل سريعا ملتقطا هاتفه ليجد ردها على رسالته..كان يظنها غافية!

_لسه مانمتيش؟

تسائل فجاءت إجابتها ( نمت بالنهار شوية)
ابتسم وانامله تنقر فوق الحروف بخفة:
_طب انتي كويسة؟
_الحمد لله..بس زعلانة عشان مش شوفتك
ابتسم بحنان وسعادة تغزوه لشوقها إليه وكتب لها:

_معلش كنت مشغول والله، قوليلي كلمتي حد انهاردة؟

_أيوة..اتصلت بزمزم وجوري وعمو أدهم وعمو محمد
هز رأسه باستحسان: أكيد فرحوا لما سمعوا صوتك
_عمو أدهم بكى لما كلمته معرفش ليه
تنهد ظافر مدركا شوق العم لابنة أخيه التي تتعافى بعد صمتها الطويل، وعاد ينقر على الحروف: بكى لأنه فرحان انك كلمتيه بنفسك..كل الناس اللي حواليكي عايزينك ترجعي تكلميهم تاني لأنك وحشتيهم..!

_هكلمهم كل يوم..مبسوط؟
ابتسم ثانيا  أنامله تتسابق فوق الحروف وترسلها:
_أي حاجة هتخليكي بخير..هتخليني مبسوط..! وواصل الكتابة:
_انا مش هقدر اجيلك لمدة يومين بس هكلمك واكتبلك طول اليوم وأول ماتصحي كلميني..اتفقنا؟
_اتفقنا..!
_ممكن تخرجي مع والدتك وتغيري جو معاها ايه رأيك؟
_هخرج مع جوري بنت عمي..قالت هتزورني بكرة!
_بجد؟ كويس جدا..خلاص في اي فرصة كلميني..
ويلا بقى حاولي تنامي وانا كمان هنام ..تصبحي على خير
_وانت من أهله..بس ممكن طلب؟
_طلب إيه؟
_عايزة صورة ليك!
زوى حاجبيه: صورة؟ ليه؟
أتاه ردها التلقائي: عشان لما توحشني اشوفك!

اهتز قلبه متأثرا بعفويتها وهو يتطلع لحروفها ومشاعرها النقية تشبه نسمة تلفحه فتخدره.. يحتاج قوة جبارة ليقاوم تأثره بها وكم يخاف ان تنهار مقاومته ويفقد الحدود الآمنة التي يضعها ليحافظ عليها وعلى نفسه! تنهد وهو يستأنف الكتابة:
_حاضر..هبعتلك صورة!

وأنهي حديثه معها وعاد يستلقي على ظهره والأفكار تطوف بعقله متخيلا هيئتها الفاتنة وهي تحدثه حتى سقط بغفوته دون وعي!
_________

_طلع عندك حق يا يزيد لما مدحت في موهبة عطر..الحقيقة شغلها ممتاز رغم انها لسه عديمة الخبرة في ممارسة الشغل!

يزيد بفخر: طبعا يا أحمد ماكنتش ببالغ، عطر هتكون مهندسة ليها شأن كبير في عالم التصميم!
_سبحان الله نفس كلمة حسام زميلنا اللي اتوظف معانا جديد بتوصية من عامر..معجب جدا بشغلها.. وواصل بنبرة ماكرة: وبيها..!

عقد يزيد حاجبيه: بيها؟؟؟ ازاي مش فاهم!
_ايه يا ابني ماهي واضحة..حسام شكله معجب ببنت خالتك اوي..كل شوية يسألني عنها..توقع خبر حلو قريب!

فلتت أعصابه وهو يهدر: جرى إيه أحمد انت اتجننت انت والتاني؟ خبر حلو إيه هو الباشمهندس جاي يشتغل ولا جاي لحاجة تاني!
هتف ببرود: وأنت ايه مضايقك مش فاهم يعني؟ مش يمكن في نصيب لحاجة تاني ايه مشكلتك؟ عطر أو جوري كمان وارد جدا حد يشوفهم ويعجب بيهم زي كل البنات..وتوقع في اي لحظة تلاقي واحد جاي يعرض رغبة مشروعة فيهم..اتعصبت ليه حضرتك! ولا عشان حسام مش نفس مستواكم المادي؟ 

هدر بنفس الحدة: مستوى ايه وزفت ايه ده مكان شغل، المسخرة دي مش هسمح بيها..!
_مسخرة؟ والله انت مش طبيعي  هو لما البنت واحد يشوفها ويفكر في الحلال تبقى مسخرة في نظرك..وبعدين انا بقول مجرد احتمال حسيته..(وصفق بكفيه مستطردا) والله لو الأمر في إيدك البنات دي هتعنس بسببك..سلام يامحترم البريك فاضل عليه دقايق..آل مسخرة آل..!

وتركه ويعلم أنه استفزه وأشعل به شيئا قريبا سيلتفت له مجبرا بالأيام القادمة!
________

تشعر بفراغ وجوري لم تأتي اليوم بعد أن استأذنت يزيد بقضاء يومها مع بلقيس..كما لم تمر على يزيد معادتها صباحا وداخلها غاضب منه بعد علمها بتنزهه أمس مع رفيقته أمونة.. حان وقت الغداء لذا قررت ألا تنتظر أحدا وتذهب لتناوله بمفردها..!
..............
تسمحيلي اشاركك الترابيزة لو مش يضايقك يا أنسة عطر؟ 

نظرت له ولا تعرف ماذا تقول. ووجدت لا داعي لرفضها هو بالنهاية زميل والمكان يعج بالزملاء غيرهما، فاشارت ببساطة:  عادي اتفضل يا باشمهندس حسام! 

ابتسم بود وهو يضع صينية طعامه وقال: شكرا..وواصل:
على فكرة المخطط بتاعك في منتهى الروعة يا باشمهندسة، حقيقي مبهور انك بالمستوى ده وانتي يدوب لسه متخصصة السنة اللي فاتت!
_ شكرا يا باشمهندس وبلاش مبالغة، ده مخطط عادي يعني! 
_ ماهو ده اللي بيسموا تواضع! 

منحته ابتسامة مجاملة ولم تجيب وشرعت في تناول وجبتها بهدوء فواصل: واضح إنك دخلتي هندسة عن اقتناع..!
_ فعلا كنت حاباها من زمان!
_ وياتري مين مثلك الأعلى اللي حببك فيها؟

_ يزيد!  

همست باسمه فعقد حاجبيه مرددا:  يزيد؟ قصدك باشمهندس يزيد صاحب الشركة! 

هتفت مؤكدة: أيوة! 
_ إشمعنى؟ 

" لأن الباشمهندسة عطر تبقي بنت خالتي يا يابشمهندس حسام"

تفاجأت عطر بوجود يزيد بعد أن صاح بجملته وهو يقف جوارهما، فغمغم حسام بدهشه حقيقية لمعلومة لم يكن يعلمها:  معقولة؟ الأنسة عطر بنت خالتك؟
كان قد أخذ موضعه جوار عطر المتابعة لهما بصمت، وقال: 
مالك مستغرب ليه؟ أحنا كلنا هنا متساويين مافيش حد بيتميز عن التاني غير بشغله وبس!  

هز رأسه بارتباك:  أه طبعا فاهم! 
ثم انتصب واقفا: عموما أنا كنت لسه بثني على شغل الباشمهندسة وماشاء الله كده عرفت هي طالعة موهوبة لمين! 

أومأ يزيد دون ابتسامة، فتنحنح حسام واستأذن بالانصراف، بينما التفت هادرا بحدة: من إمتى بتقعدي لوحدك مع حد غريب؟ 
عطر ببساطة:  عادي أحنا تقريبا في مكان عام. وهو اللي طلب يقعد معايا..! 
_ وانتي وافقتي على طول صح؟ 

استاءت لنبرته الساخرة فتلبستها روح العناد وهتفت: 
تقصد إيه؟ وبعدين انت متعصب كده ليه كأني لاسمح الله كنت قاعدة في مكان مقفول علينا أنا وهو؟ ده مطعم الشركة وكل الزملاء حوالينا..! 
هم بمواصلة غضبه، فقاطعهما ياسين وأمونة وأحمد الذي هتف أولهم:  أنتوا سبقتونا في الغدا ولا إيه؟..مش تسنونا..! 

يزيد بتهكم:  أبقي قول كده لاختك يا ياسين تبقى تستنى! 

نظرت له بجمود وداخلها يفور غاضبا لسخريته المبطنة، فتركت مقعدها مغمغمة:  طب استأذنكم يا جماعة أنا فعلا سبقتكم وأكلت الحمد لله! 
ياسين متعجبا:  سبقتينا فين طبقك زي ماهو ياعطر! 
_ شبعت يا ياسين اصلا ماكنتش جعانة اوي.. عن أذنكم! 

تابعها وهي تمر جواره مبتعدة دون إيقافها.. يعلم أنه حادثها بحدة وفظاظة، لكنه ما أن رآى حسام يحادثها بهذا الود وعيناه تتلكأ على ملامح تلك الحمقاء وكأنه يتأملها دون أن تعي هي.. وفارت الدماء في عروقه، وحين التقطت أذنيه أخر حوارهما.. تدخل ليعلن حضوره وينهي فضول ذاك الشاب بالمزيد من أسئلته المتطفلة! 
________

في استراحة المزرعة! 

أدهم:  حمد لله على سلامة محمود يامحمد
_ الله يايسلمك يا أخويا..
_كريمة بتقولي عبير كانت عاملة مناحة
_مناحة بس..دي قلبت عليا وفاكراني عارف من بدري ومخبي..ونامت جمبه امبارح وسابتني اقشر بصل😂
أدهم ضاحكا: بتعاقبك..يلا الحمد لله ان جت على كده..بكره رجله تخف ويبقي زي الفل..
وواصل:صحيح يامحمد، أول جمعة من رجب عازمكم على الغدا، هتقضوا اليوم كله عندي! 
محمد: حاضر ياكبير كلامك أوامر..وكل عام وانت بخير وربنا يبلغنا رمضان جميعا..!
_اللهم امين ويتقبل مننا كل الطاعات يارب!
_طب وعاصم جاي؟
_للأسف لأ.. قال أم ظافر عازماهم في نفس اليوم! 
_ طبيعي دي أول مناسبة بينهم، ربنا يعيد الأيام المفترجة دي عينا أعوام وأعوام.. وزي اليومين دول نكون مجوزين ولادنا كلهم ومطمنين عليهم! 
_ يارب يا محمد.. نفسي اطمن على يزيد بالذات واحسه مبسوط مع بنت حلال..!
_ هيحصل وغلاوتك قريب هتلاقيه جاي يقولك أخطبلي يا بابا وبكرة تشوف! 
_ ليه هو قالك حاجة؟
محمد:  لأ.. ده إحساسي، في حاجة كده لاحظتها بس مش هقدر اتكلم فيها لأن ممكن اكون غلطان! 

زوى أدهم حاجبيه:  حاجة ايه يامحمد فهمني! 
_ خلي كله في آوانه يا أدهم، أنا مش متأكد من ملحوظتي ومش صح اتكلم فيها.. المهم تفائل ان قريب ربنا هيريح قلبك من ناحيته! 

تنهد ثم همس له:  يارب يامحمد..يارب! 
_________

التفا عائلتي محمد وأدهم حول طاولة عامرة بما لذ وطاب في منزل الأخير أحتفالا بأول جمعة من شهر رجب المبارك!..وراح هو وزجته يرحبا بهم متبادلين حديث الذكرايات بينهم..ولاحظت زمزم ان عابد يتجنبها رغم ترحيبه بها حين أتت مع والديها ومهند الذي اخذه منها ولم يتركه لحظة منذ حضورهما.. والصغير گ أنه يعبر عن شوقه هو الأخر بالضحكات مستجيبا لكل لفتة يفعلها عابد، الماكر صغيرها لم يغفو دقيقة واحدة على غير عادته ولا يريد تركه..!

وجدته يبتعد به عابرا للحديقة، فقررت أن. تذهب إليه وتحدثه هو بالنهاية أبن عم له مكانة لديها ولا تريد أن يرتفع بينهما هذا الحاجز من التجاهل ، تبعته حتي وصلت إليهما وتعجبت حين رآت عابد يدفع مهند لحفر الأرض بيديه التي اتسخت تماما، لما يدفع الصغير لهذا.. اقتربت منهما وهتفت:  أنتو بتعملوا إيه؟ 
أجابها باقتضاب دون النظر إليها وتركيزه مع مهند:  زي ما انتي شايفة كده! 
اقتربت أكثر وجثت على ركبتيها مثلهما وواصلت: أنا شايفة بس مش فاهمة..!
هتفت بتهكم:  وبتقولي انك خريحة علوم وعبقرية نباتات.. عموما بخلي مهند يزرع! 

تغاضت عن تهكمه بعد أن غلبتها الدهشة: 
يزرع؟؟؟ يزرع إيه؟

لم يجيبها وراحت تراقبه وهو يوجه مهند لرمي بذرة ما وطمسها بالتراب مرة أخرى..! 

_ ليه خليت مهند هو اللي يحط البذرة دي يا عابد؟

رفع رأسه ورمقها بنظرة مطولة بعض الشيء ثم همس:  بابا عمل معانا كده واحنا صغيرين.. خلانا نزرع بأيدنا بذرة شجرتنا وعلمنا نهتم بيها ازاي، وفعلا كل واحد فينا اتعلم يهتم بيها ويحبها.. يزيد دايما بيقعد جمب الشجرة اللي كبرت معاه.. وانا وجوري نفس الحكاية.. وحبيت اهدي مهند البذرة دي عشان يزرعها بإيده.. وفي يوم من الأيام لما يكبر هيحبها وهيفرح بيها وهيحس انها تخصه لوحده..!

وصمت يطالعها برهة ثم عاد هامسًا:
دي هديتي لمهند!  

أطرقت رأسها بصمت حاولة تمالك نفسها وإخفاء تأثرها بمشاعر عابد تجاه مهند.. هل يحبه لهذا الحد؟ شعرت أنها كانت فظة معه وخجلت من ذاتها كما امتنت له لدرجة جعلتها تعود لتطالعه وهي تهمس: 
شكرا ياعابد.. معتقدش ان في حد هيقدر يجيب لمهند هدية تفوق هديتك..بس….. 
وترددت لكنها عزمت على الواصلة:  بس مهند مش عايش هنا.. ليه مش جيت وزرعتها في جنينة بابا..؟

ليته يقدر على الكشف عن نيته وأمنيته..نعم الصغير لا يحيا معه بنفس المنزل.. لكن مستقبلا سيكون هنا.. وتلك البذرة هي حلمه الذي سيرعاه ولن يتوانى عن تحقيقه.. بيومٍ ما لا يعرف متى سيأتي.. ستكون تلك البقعة هي عالمهما الصغير.. حين تتلاحم مصائر ثلاثتهم..!

نفض أفكاره الخرساء وأجابها ببعض مخاوفه: 
عشان اضمن ان مهند كل يوم هايجي يسقيها.. يعني كل يوم هشوفه..!

طرقة ألمت ضميرها لما استشفته من قوله من هواجس..لكن لم يمنعها هذا من قولها العاتب:  
وانا كنت همنعه عنك ياعابد؟ ده صاحبك! 

_ اهو تحسبا لأي حركة غدر منك! 
_انا عمري ماكنت غدارة يا عابد!
التزم الصمت وهو يتابع بشرود الصغير كيف يعبث بالتراب..فغمغمت بعد برهة: 
أنا مش عايزاك تزعل مني احنا ولاد عم وانت غالي عندي.. وانا مشيت لأن ده كان تحصيل حاصل.. طبيعي كنا هنرجع بيتنا.. انا بس عجلت بده.. وانا حاساك زعلان من وقتها وده مضايقني!  

_ ليه؟ هيفرق معاكي زعلي منك؟

اقرت له بصدق:  يفرق طبعا.. انت ابن عمي وانا مقدرة اهتمامك بابني من وقت ما جينا ولو نكرت ده هبقى جاحدة.. وانا عمري ماكنت جاحدة.. وان كنت اتعصبت في اخر مرة ده لسبب مختلف! 
_ مختلف ازاي؟ 
_ ابني مش المفروض يقول لأي حد بابا..!
_ وأنا أي حد؟ 
_ عابد ماتلعبش بالكلام قصدي واضح.. انا مش حابة ابني يقول بابا لحد غير زياد! 
_ بس انتي مش هتقدري تمنعيه يقولهالي! 
هتفت بإصرار:  لأ همنعه.. اصلا انا بدربه دلوقتي يقول بابا زياد! 

" بابا آبد"

قاطعهما الصغير بنداءه بعد التقاطه كلمتها أثناء حديثها مضيفا الأسم الذي يشعر به، وكأنه يعاندها ويساند عابد الذي انفجر ضاحكا وهو يحمله ويقبله مردفا: 
حبيب آبد.. قول الي يعجبك مايهمكش من حد! 

نظرت لهما مشدوهة وهما يقهقهان بضحكات تفوح استفزازا خاصتا من عابد الذي يرمقها بتحدي.. والصغير يؤازره دون أن يدري.. في كل مرة يثبت لها مهند كم هي أم فاشلة في ترسيخ ما تريده بعقله.! 

طالعته بحنق وزفرت وهي تبتعد بهمهمة غاضبة، فتابعها عابد بعد أن هدأت ضحكاته وحدث نفسه:  مش هتقدري تعاندي القدر.. مهند هو أول خطوة في طريق خضوعك لقلبي يا بنت عمي!
_____

أثنى داخله على استقبال والدته لعائلة بلقيس، الأجواء دافئة بحلول شهر رجب الكريم، رغم مهنته وهوايته قبل أي شيء، لكن يظل طعام والدته مذاقه مختلف.. ويشهد أنها أبدعت حتى أنه سمع ثناء والدة بلقيس على كل شيء.. أما إيلاف شقيقته يبدو أنها اندمجت كثير مع بلقيس.. بينما هو والعم عاصم تبادلا أحاديث جانبية تخص العمل وأمور أخري..! بعد وقت كان يجلس هو وبلقيس بالشرفة بعد أن أعددت والدته لهما مشروب مثلج ودعتهما للجلوس سويا.. كم أنتي لماحة أمي..!
………… 

_ انبسطي عندنا يابلقيس. وعجبك أكل ماما؟
همست: أيوة.. بس أكلك أحلى! 
ابتسم برضا وأراد مشاكستها: 
_ طب على كده بقى بعد الجواز.. انتي مش هتعرفي تعملي أكل؟
همست:  هعرف لما تعملني! 

منحها نظرة أكثر عمقا وغمغم:  انتي محتاجة تتعلمي حاجات كتير يابلقيس.. ربنا يقدرني واقدر اعلمهالك..!

لم ترد مكتفية بسماعه..ثم التقطت من جوارها حقيبة كرتونية وقدمتها له هاتفة:
اتفضل!
تساءل وهو يرمق الحقيبة:ايه دي؟
_ دي هدية ليك..!
شرع بتبين هديتها فوجد مج كبير مطبوع بصورتها..



ومعه مغلف صغير ما أن فتحه حتى وجد ميداليا من الفضة مستدارة بجملة راقته وهو يرددها بإعجاب (وإنى وضعتك فى قلبى وودائع الرحمن) وأسمه يتدلى بمنتصف الدائرة!



غمغم وابتسامته تتسع: بجد ذوقك روعة وحبيت هديتك جدا..واخرج على الفور سلسال مفاتيحه ونقلها تباعا في ميداليتها، فراقبت مايفعل وابتسامتها تزداد تألق ثم همست: وهتشرب كل يوم في المج ده نسكافيه؟
منحها نظرة حانية: أكيد حتى هاخده معايا المطعم!
هتفت بسعادة: انا عملت واحد ليا بصورتك اللي بعتهالي ومش هشرب نسكافيه غير فيه..!
ثم التقطت الهاتف ونقرت شاشته بلمسات سريعة مستطردة: شوف شكله؟



تأمل الصورة المطبوعة فوق المج وهمس لها بمزاح:
ده انا طلعت ابن ناس اهو..! مين صاحب الفكرة الحلوة دي؟
_انا، شوفتها وقولت لجوري تعملهالي وخرجت انا وهي وماما وعملناهم واشتريتلك الميداليا دي بس خليت الراجل يعمل جواها أسمك..!

رمقها بنظرة مطولة مفعمة بإعجابه فخجلت وتوترت وهي تفرك أناملها فحادت عيناه بتلقائية لأصابعها وخاتمه الذي يحوي حرفها مع الدمعة وهمس بخفوت: انتي بتثقي فيا يابلقيس؟
هزت رأسها بقوة فقال:
يعني لو طلبت منك حاجة تعمليها؟
منحته إيماءة فأكمل: عايز اخدك عند شخص مهم تعرفيه وعايز يتكلم معاكي ويساعدك، وصدقيني كلامك معاه وهيفرق جدا معاكي! 
_ مين؟

همست له بتساؤل فتمتم:  هتعرفي واحنا رايحين عنده، اتفقنا؟
أومأت بتسليم تام، فحاد بنظره لوالدها الذي يصوب عيناه عليهما من موقع جلوسه، أشار له ظافر بإيماءة أدرك معناها عاصم،  فالأيام القادمة تحمل خطوة هامة في طريق علاج أبنته، ترى ماذا سيحدث، هل ستتجاوب مع طبيبها وتقص خباياها؟!  يبتهل داخله أن يحدث وتخرج عن صمتها وتلفظ كل شيء يخص علتها لتعود كما كانت.. وتمارس حياتها كما يستحق من في عمرها..! 
_______

ساحة المطعم تكتظ بالرواد بشكل يفوق العادة وظافر لم يأتي اليوم وهو بمفرده من يتابع سير العمل حتى أنه تشارك بتلبية بعض الأوردارت بنفسه دون ان يخجله ذلك..وبينما هو بطريقه لإحدى الطاولات تسمرت قدميه وهو يراها وعيناها تتفحص الزوايا كأنها تنقب بعيناها عن أحدهم، تمتم داخله بسؤال سخيف(يادي الحظ، إيه اللي جابها هنا انهاردة) قرر الاختفاء سريعا فمازال لم يخبرها بحقيقته ولا يريدها ان تعلم بطريقة تزيد الأمر سوء..وقبل ان تكتمل استدارته سمعها تنادي: استاذ عامر! واقتربت مواصلة: ابن حلال كنت لسه هسأل عنك!

التفت مضطرا لم يعد الفرار مطروحا: 
أنسة جوري؟ أيه المفاجأة دي نورتينا
أومأت مبتسمة: بنورك تسلم..وواصلت: انا بصراحة جاية عايزة منك طلب
_تحت أمرك 
_الأمر لله..طقم العقد والأسورة اللي اختك عملتهم عجبوا أصحابي جدا هما زيي مجانين أكسسوارات..فأنا عايزة منك خمسة ليهم وكما تلاتة ليا ههادي بيهم بنات عمي..

ازبهل عامر وغمغم دون حرص: هعملهم امتى دول!!
زوت حاحبيها بريبة: نعم؟ هو انت اللي بتعملهم ولا أختك سماح؟
تدارك أمره سريعا: لالا أنا قصدي اختي بس اتلخبطت
_ ولا يهمك..وأنا قلت يعني دي مصلحة لأختك والسعر هتاخده مقدما..ومع قولها التقطت من حقيبتها رزمة نقود هاتفة: اتفضل ده تمنهم كلهم..ياريت بقى تجهزهم في خلال يومين أول تلاتة!
تمتم بذاته ويكاد يبكي( يومين..ده الطقم بتاعك عملته في يومين..هعمل تمانية امتى بس ياربي)

قاطعت شروده:استاذ عامر انت سامعني؟ بقولك أكيد اختك عندها شغل جاهز بما انه شغلها مش كده؟

غمغم كذبا: أه أه عندها فعلا..خلاص تمام هيكونوا جاهزين في المعاد..!
ثم همس بتردد: طيب ممكن رقمك عشان اما يخلصوا اعرفك؟
_لأ مافيش داعي، أنا هعدي عليك هنا..يلا استأذن انا وماتنساش تسلم على أختك..!
_ طب مش هتشربي حاجة معقولة هتمشي من عندنا من غير ما نعمل الواجب
_معلش مرة تانية، يدوب ارجع الشركة تاني، انا جيتلك في البريك..عن اذنك!

وغادرت وهو شارد بأثرها..بقدر سعادته برؤيتها بقدر ضيقه..كيف سينجز ماطلبت بتلك الفترة القصيرة؟ وإلى متى سيظل يخدع تلك الملاك التي تساعده كفقير بشكل غير مباشر..هو يعلم نيتها من وراء كل هذا..تنهد وغمغم داخله( يارب لما تعرفي اني مش فقير واختي مش بتشتغل في الهاند ميد..يبقى قلبك ابيض وتسامحيني يا ملاك)
________

عطر: روحتي لعامر مين واكسسوارات أيه اللي طلبتيها منه؟
جوري: انتي نسيتي الشاب اللي جابلي عقد هدية من اخته وانا صممت اشتريه؟
_ أيوة افتكرت. الجدع الفقير ابو قميص ماركة؟

صفقت حوري بكفيها: بردو مصممة تشككي فيه لمجرد انه لابس كويس..ما علينا ايوة هو..المهم ياستي اما رفعت صورة ليا بالعقد ع الواتس آب البنات اصحابي اتهبلوا وسألوني منين جبته ولما عرفوا انه "هاند ميد" طلبوا اجيبلهم زيه!
_وانتي طبعا بقلب الخصاية اللي جواكي قولتي تنفعيه هو واخته صح؟
_صح وفيها ايه يعني.؟

رمقتها بتمعن: ممكن افهم سر اهتمامك انك تشتري منه هو بالذات اكسسوارات يا جوري؟ ما الدنيا مليانة.. اي محل نروح ونشتري اللي يعجبنا..! 
_ مافيش أسرار ياعطر، الموضوع ببساطة إن عجبني فعلا شغل أخته، وفي جزء إنساني مش هنكره اني اساعدها بدون مس كرامتهم أو عزة نفسهم.. أبقى غلطانة؟

_ مقدرش اقول انك غلطانة انك بتساعدي حد محتاج، بس مش حابة تاخدي اوي على حد غريب ومانعرفوش.. وانا لسه مصرة إن مظهر اللي اسمه عامر ده عكس ادعائه بالفقر..! 

زفرت بنفاذ صبر:  مش هنخلص من شكك ده!  المهم هتيجي معايا لما اروح استلمهم منه ولا لأ؟
_ هاجي طبعا امال هاسيبك تروحي لوحدك، اهو تعزميني هناك على حاجة، انا ماروحتش المطعم ده ولا مرة! 

_ إيه ده بجد؟ ده انتي فاتك كتير، المكان هيعجبك جداا
واستطردت:  صحيح انتي عارفة مين. صاحب المطعم ده؟
_ لأ.. فواصلت جوري:  خطيب بلقيس بنت عمي.. ظافر..!
_ معقولة؟ 
_ أه والله، ما انتي لو كنتي حضرتي عيد ميلاد مهند كنتي شوفتيه هناك لأن هو اللي جهز الحفلة كلها
_  ماليش نصيب، ما انتي عارفة ازاي كانت أسناني تعباني!
واستطردت: يلا بقى طرقينا خلينا نشتغل كفاية رغي
جوري:  ماشي .. هروح مكتبي اعمل بلقمتي احسن يزيد الصبح وبخني وقالي اشتغل وابطل دلع وإلا هيقعدني في البيت! 
عطر بتهكم:  والله عنده حق.. أنتي عاملة زي الفارة اللي بتتقل بين المكاتب تعمل دوشة وخلاص! 
غمزت لعيناها بمشاكسة:  ماشي يا باشمهندسة.. انا اتوبخ وانتي يتقال في التزامك وشغلك شعر😍

_ شعر؟ كتر خيره والله!
_انتي لسه زعلانة منه؟ المفروض تفرحي!
_افرح ليه
_لأن معنى انه يتعصب عشان لقاكي بتتغدي مع الباشمهندس حسام لوحدك انه غار عليكي!

_غار على مين؟ هو انا على باله أصلا؟ 

جوري بنفاذ صبر:  على فكرة انتي غبية جدا.. افهمي عشان خاطر ربنا، يزيد دايما  بيتعامل معاكي بدون قلق لأنك تحت عينه ومافيش غريب حواليكي، يبقي ليه مش نخليه يشوف الغريب وهو بيتوددلك؟ يابنتي ده انا لحد دلوقت مش ناسية اما قلتله على زميلك بتاع الجامعة اللي كان عايز يخطبك، عينه وقتها طلعت شرار وجري راح عندك!

_ماشي ياجوري طب انتي عايزاني اعمل ايه؟..انا بصراحة مش طايقة كل شوية اشوف الست أمونة معاه وهما طول الوقت هزار وحكاوي وانا قربت اطلع ريحة شياط منهم!

_ يبقي انتي كمان ترديها ياهبلة..استغلي اعجاب حسام بيكي وخلينا نختبر رد فعله ونحركه!

_واستغله ازاي يافالحة؟ اهزر مع حد واخالف اخلاقي
_لا طبعا..حافظي على حدودك وفي نفس الوقت ماتصديش اهتمامه..اذا ابتسملك جامليه وابتسمي، لو عزمك على حاجة خفيفة شاي ولا قهوة اقبليها من باب الزمالة مش اكتر..! لو قال نكتة حتى لو بايخة اعصري على نفسك لمونة واضحكي..فهمتي؟

_فهما..بس ده هيفرق مع اخوكي في ايه؟
ابتسمت بخبث: هتعرفي وقتها بس اسمعي كلامي وانتي تكسبي!

صمتت برهة وتمتمت بحزن: جوري، انا مش عايزة افقد كرامتي عشان خاطر يزيد يحس بيا..لو مش مكتوبلي نصيب معاه هقبل نصيبي..لكن كرامتي مش هقبل تتمس!

دنت منها واحتضنت كفيها بمحبة صادقة:
_هو انا لو مش شايفة ان ليكي حاجة حلوة جوة يزيد كنت هشجعك؟ احنا كل اللي بنعمله اننا بنشيل التراب من على قلبه وعيونه عشان يشوفك حبيبة مش بنت خالة..ومش غلط انك تسعي لهدفك، انا واثقة ان محدش هيحب يزيد ويسعده زيك..وانتي الوحيدة اللي اتمناها لاخويا..انتوا اغلى اتنين عندي بعد ماما وبابا طبعا..!

برقت عيناها بحنان وضمتها وهتفت بتأثر:
وانتي حبيبة قلبي يا جوري وأكتر من اختي!
ثم استعادت مزاحها وهتفت وهي تلوح لها:
_ودلوقت هوينا بقى عشان انتي عطلتيني عن شغلي!
_يعني دي اخرتها؟ أخدتي غرضك مني وبتطرديني؟ 
_ أيوة..لأن بجد عندي شغل..ومش عايزة ادي فرصة لاخوكي يقولي كلمة احسن انفجر في وشه!

_خلاص ياستي ماتزوقيش همشي اهو مش ناقصة انفجارات..! أهو اروح اقرف اخوكي ياسين شوية عابد موصيني عليه وانا بسمع كلام الكبير..!
_________

أنا مش فاهم ياعبير إيه حكاية رمزم.. عمرها ماكانت بالعند ده.. ليه مش حابة نروح معاها عند حماتها أو حتى تستنى أخوها يروح معاها لما رجله تخف ومصممة تكون لوحدها..؟ أنا مش عايز افقد اعصابي معاها لأول مرة.. ومش بالع تروح لأهل جوزها لوحدها بابنها..!  عقليها وكلميها انتي..! 

_ كلمتها يامحمد والله وكل اللي قالته إنها مش صغيرة وعايزة تتعود تعمل كل شيء يخصها لوحدها.. ومش لازم حد يرافقها كأنها طفلة..! وقالت حماتها جت من العمرة وطلبت تشوف مهند وانها مش هتقدر تيجي بنفسها عشان تعبانة!

_ ده كلام فارغ وتبرير ضعيف.. بلغيها لو مش هتستنى اخوها محمود اة تخلينا نروح معاها مش هتروح..أنا مش عشان بخاف على نفسيتها تسوق فيها..وده أخر كلام عندي! 
______
باليوم التالي! 

وضعت حقيبة صغيرة بالمقعد الخلفي لسيارة والدها التي استعارتها منه.. واتخذت موضعها خلف مقعد القيادة.. بينما همست والدتها بدهشة:  أنت هتسيبها تروح لوحدها يامحمد؟! ازاي سايبها تمشي ومش هامك.. اللي يشوفك امبارح يقول مستحيل تسمحلها تعمل اللي في راسها..! 

تمتم وهو يراقب رحيل ابنته: ماتقلقيش ياعبير!..ثم همس بغموض:  مش هتكون لوحدها..! 
___________

_ أنت جايبني هنا ليه؟ 
سألته بصوت خائف، فهمس ليطمئنها:
_متخافيش يابلقيس! واستطرد بنبرة أعمق: 
بلقيس مش انتي بتثقي فيا؟ أومأت بإجاب، فقال:  خلاص يبقي تسمعي كلامي مادام متأكدة اني مستحيل اضرك أو اسيبك مع حد ممكن يأذيكي! 
_ يعني أنت هتسيبني هنا؟

ارجفها شعورها انه ينوي تركها..فعاد يهمس بنبرة اختلفت بجديتها المغموسة بقوته التي حاول بثها داخلها:

_اسمعيني يابلقيس، كل واحد فينا في خطوات لازم يمشيها لوحده.. وتجارب ماينفعش حد يخوضها غيره.. وانتي مش فاضلك غير خطوة أخيرة هتوصلك لبر الأمان! خطوة هتكوني بعدها انسانة جديدة قادرة تواجه..فاهمة الحياة وبتعرف تاخد قرارت حياتها..انسانة بتستمد قوتها من ربنا ثم نفسها..لكن مش من أي مخلوق تاني!

ترمقه بتيه وقلق، فتغاضى وهو يواصل:

عشان كده بطلب منك متخافيش.. انتي كل اللي هتعمليه انك هتتكلمي مع دكتور محترم كان طول الوقت بيساعدك وهو في الظل؛ وآن الآوان تتكلمي معاه وتعرفيه، حاولي تستجيبي لمحاولته.. صدقيني بعدها هترتاحي وهتحسي ان في جبل اتفتت جواكي كان مقيدك.. انفضي ترابه عنك عشان تعرفي تتنفسي وتعيشي.. عشان خاطري حاولي تكوني شجاعة.. واجهي مخاوفك وقولي كل حاجة تعباكي ومخبياها.. انا عارف انك مخبية كتير..! 
ثم هبط بصره لخاتمها فهمس:  عايزك انهاردة تنزلي الدمعة المحبوسة جواكي.. حرريها عشان انتي كمان تتحرري معاها..!

حديثه بالنسبة لها طلاسم لا تفهمها.. ماذا يريدها أن تفعل؟

وكأنه قرأ سؤالها الغير منطوق فقال:  هتفهمي كل حاجة لما تدخلي وتتكلمي مع الدكتور..! 
دلف معها فوجدت غرفة إضاءتها مريحة وبسيطة يتوسطها مكتب أنيق ورجل عجوز يرتدي نضارة، عيناه تحوي نظرة ودودة وكأنه يعرفها..!

وكم كان إحساسها صائب! 

هو يعرفها، من حديث ابيها وظافر عنها.. حالات كثيرة تمر عليه وتؤثر به عاطفيًا..وأحيانا تنشأ في نفسه مع مرضاه علاقة روحية.. وهذا ما شعر به تجاه تلك الفتاة التي غزاه احساس الفخر حين بصرها.. تذكر كيف حاربت فتاة رقيقة مثلها من حاولوا استباحتها..كيف بذروة محنتها استعصمت بالله واستطاعت إيجاد مخرج يساعدها.. هي فتاة قوية وشابة جميلة، وانعزالها عن العالم هو ذنب كبير تقترفه بحق نفسها دون أن تدري..لكن ليس بعد الآن..مادامت أتت إليه، سيبذل كل طاقته وقدراته گ طبيب ليخرجها من شرنقة الخوف الذي تكبلها..!
_______

همس الطبيب بصوت دافيء: 
_ أزيك يا بلقيس.. أنا دكتور نبيل هاشم.. طبعا ماتعرفنيش بس أنا أعرفك كويس وكنت عايز اشوفك من زمان..!

رمقته بريبة وعيناها تتنقل بينه وبين ظافر ليبثها الأمان گ عادته، فواصل الطبيب:  أخبار والدك عاصم بيه إيه؟ والست دُرة والدتك؟

هل يعرف أبويها ويعرفانه؟ هو صديق إذا..! 

_ أنا عارف والدك واتقابلنا كتير واتكلمنا عنك.. تعرفي إن والدك بيحبك جدا وفخور بيكي؟

أخيرا زحفت ابتسامة على شفتيها من حديثه عن أبيها وقد شعرت ببعض الألفة..هذا الشخص يعرف أبويها وبشكلٍ ما طمأنها هذا..! 

_ تحبي تشربي إيه؟

نظرت لظافر فوجدته يهمس ليحسها على التجاوب:  قولي عايزة تشربي إيه!
لم تجيب.. لا تريد شيء..تريد فقط الذهاب..! 

_ عايزة أمشي! 

هكذا غمغمت له غير مرحبة باقتراب ذاك الطبيب..هو غريب، وهي تخاف الغرباء..!

الطبيب بعتاب هاديء: 
كده بردو مش هتشربي حاجة ولا نتكلم شوية! 

نظر لها ظافر:  مش احنا اتفقنا انك تثقي فيا ومتخافيش؟ أنا هستناكي برة قدام الباب، دكتور نبيل هيسألك بس كام سؤال وبعدها هنمشي.. أوعدك! 

تطالعه ولا تفترض ابدا أنه سيتركها، لكنه يفعل.. يبتعد بالفعل ويده تمتد لمقبض الباب و……....

_ أستنى! 

صاحت به وقدميها تلتهم المسافة بينهما حتى كادت أن تلتصق بذراعه وهي تهمس:  همشي معاك..مش عايزة اتكلم مع حد! 

تبادل بضع نظرات مع الطبيب، ثم عاد يحدثها:  
عشان خاطري يابلقيس اسمعي بس كلام الدكتور وشوفي هيقولك ايه ومتخافيش انا هكون جمبك مش بعيد.. ولا انتي مش مصدقاني؟

اضعفها اللوم بعيناه.. كيف لا تصدقه.. وهل كذب عليها قبلا؟! حسنًا فلتفعل ما يريد سريعا وتمضي من هنا..! 

أرخت أناملها التي مكانت تتشبث به وعادت تنظر للطبيب فقابلها بابتسامة ودودو وأشار لها أن تجلس بذاك المقعد الذي يقابله! وبتردد فعلت واستكانت وعيناها تراقب رحيل ظافر..!
……………… 

ارتشفت بعضا من العصير الذي أحضره واستحلفها ان تتناوله،  ثم بدا يتحدث معها نبرة أكثر عمقا وتأثيرا عليها بشكل لا تفهمه..ما الذي يحدث معها؟ لما يستدعي خيالها أشياء تتناساها وتخافها..وكأن هناك قبضة تعبث بذكراياتها القاتمة!

من يتحدث؟ هي؟
دموعها تزحف بصمت...هل تبكي؟
ماهذا الدي تقوله؟

تيماء! 
تحضيرات عيد الميلاد! 
رائد! 
صفعات موجعة لأوغاد يلاحقوها ويكبلوها..! 
سيارة مظلمة ودوار شديد يكتنفها..!
غلاف كشاف يسقط وتخرج يدها الدامية تلوح للمجهول بخوف وضعف! 
عبق..معطف..همسات دافئة قرب أذنيها..!
ثم ودوار أخر..دوار أكثر شراسة يسقطها في بئر مظلم 
لا ترى فيه ضوء ولا يرافقها مخلوق..! 

أنفاسها تلهث كأنها تعدو رغم جلوسها على المقعد
لا ليس مقعد.. أريكة..هي تتمدد فوق أريكة!
متى استبدلت مقعدها وانتقلت لها؟
لا تذكر شيء! 
جفونها تتثاقل وتنسدل دون أرادة! 
النوم يداهمها بشدة..ويهزمها لتسقط به دون وعي!
________

يطالعها بعين مغرورقة: هي نامت؟

الطبيب: أيوة ياسيد عاصم طبيعي تنام لأنها بذلت مجهود ذهني ونفسي جبار وهي بتتكلم وبتشرح اللي حصلها..!. ورغم هزلانها قدامك احب ابشرك ان قريب اوي بلقيس هتكون طبيعية بشكل كامل، وأكيد هحتاج اشوفها تاني! وواثق انها المرة الجاية هتكون بنفسية مختلفة!

لم تحيد عين عاصم عن ابنته الغافية وهو يقول:  طيب هعمل معاها ايه لما تصحى؟
_ ولا حاجة، خدها معاك البيت وع الأغلب هتنام للصبح انا عطيتها مهديء بسيط عشان تنام نوم هادي وبإذن الله تكون افضل وبكره هكلمك! 
_ طيب هي قالتلك ايه؟

عدل عويناته وهو يتمتم بجدية:
_شوف يا سيد عاصم، اي حاجة بيستأمني عليها مريضي مستحيل اقولها..لكن يكفي ان اقولك انها هتكون بخير..وهي من نفسها لو حبت تحكي حاجة ليك هيكون ده قرارها..!

بهزة طفيفة أومأ له بتفهم..وتوجه إليها وحملها مودعا الطبيب..أما ظافر فما ان رآها بين ذراعي والدها حتي هتفت بلهفة: طمني عليها هي كويسة؟ وليه نايمة!
عاصم وهو يترحل بها ويدلف للمصعد والأخر يتبعه:
الدكتور بيقول انها بذلت مجهود ذهني ونفسي كبير..وعطاها مهديء عشان تنام للصبح..وقالي اطمن انها هتكون بخير..!

التزم الصمت وهو ينظر لها بتعاطف وهي كطفلة على كتف أبيها..!

لمتابعة باقي الاجزاء


لمتابعة رواية حصنك الغائب الفصل 23 اضغط هنا
لمتابعة رواية حصنك الغائب الفصل 24 اضغط هنا
لمتابعة رواية حصنك الغائب الفصل 25 الجزء الاول اضغط هنا 
لمتابعة رواية حصنك الغائب الفصل 25 الجزء الثاني اضغط هنا 
لمتابعة رواية حصنك الغائب الفصل 27 اضغط هنا



هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

3 تعليقات
إرسال تعليق
  1. روووعه جميله جده كالعاده ياديفو زي ما اتعودنا منكدايما🌹🌹❣️💓💗❤️

    ردحذف
  2. بارت بجد اكتر من روعة .....مليان احداث كتيرة .....اتحرك بقى شوية بقى يا يزيد مستنى اية....امرة الكذب اية بقى معاك يا عامر حاساه اخرته اش لطيفة....ظافر متقلقش بلقيس هتبقى ليك .....زمزم بطلى عند بقى شوية و سيبى بابا آبد مع مهند براحته.....بحد وحشتينى يا ديفو و وحشنى قلمك 😍😍

    ردحذف

إرسال تعليق